Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 101–110 of 128

101

وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allah is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muhammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ - الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ - ما أنْتَجَهُ تَسَلُّطُ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا بَدَّلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِالنَّسْخِ؛ ﴿آيَةً﴾؛ سَهْلَةً؛ كالعِدَّةِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ؛ وقِتالِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ؛ أوْ شاقَّةً كَتَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ وإيجابِ صَلَواتٍ خَمْسٍ؛ فَجَعَلْناها؛ ﴿مَكانَ آيَةٍ﴾؛ شاقَّةٍ؛ كالعِدَّةِ بِحَوْلٍ؛ ومُصابَرَةِ عَشَرَةٍ مِنَ الكُفّارِ؛ أوْ سَهْلَةٍ؛ كالآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِإباحَةِ الخَمْرِ؛ وإيجابِ رَكْعَتَيْنِ أوَّلَ النَّهارِ؛ ورَكْعَتَيْنِ آخِرَهُ؛ فَكانَتِ الثّانِيَةُ مَكانَ الأُولى؛ وبَدَلًا مِنها؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: نَسَخْنا آيَةً صَعْبَةً فَجَعَلْنا مَكانَها آيَةً سَهْلَةً؛ والتَّبْدِيلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ؛ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانَهُ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾؛ مِنَ المَصالِحِ؛ بِحَسَبِ الأوْقاتِ؛ والأحْوالِ؛ بِنَسْخٍ؛ أوْ بِغَيْرِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿إنَّما أنْتَ﴾؛ أيْ: يا مُحَمَّدُ؛ ﴿مُفْتَرٍ﴾؛ أيْ: فَإنَّكَ تَأْمُرُ اليَوْمَ بِشَيْءٍ؛ وغَدًا تَنْهى عَنْهُ وتَأْمُرُ بِضِدِّهِ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا؛ ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾؛ وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عِلْمٌ؛ بَلْ هم في عِدادِ البَهائِمِ؛ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِما وهَبَهُمُ اللَّهُ مِنَ العُقُولِ؛ لِانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الشَّيْطانِ؛ حَتّى زَلَّتْ أقْدامُهم في هَذا الأمْرِ الواضِحِ بَعْدَ إقامَةِ البُرْهانِ بِالإعْجازِ؛ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ مُعْجِزًا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ سَواءٌ كانَ ناسِخًا؛ أوْ مَنسُوخًا؛ أوْ لا؛ فَصارَتْ مَعْرِفَةُ أنَّ هَذا قُرْآنٌ؛ وهَذا غَيْرُ قُرْآنٍ؛ بِعَرْضِهِ عَلى هَذا البُرْهانِ؛ مِن أوْضَحِ الأُمُورِ وأسْهَلِها تَناوُلًا؛ لِمَن أرادَ ذَلِكَ مِنهُمْ؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ مِن فُرْسانِ البَلاغَةِ؛

An-Nahl 16:101Listen in Qur'an →
102

قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ

Say, [O Muhammad], "The Pure Spirit has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أقُولُ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾؛ لِمَن واجَهَكَ بِذَلِكَ مِنهُمْ: ﴿نَـزَّلَهُ﴾؛ أيْ: القُرْآنَ؛ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ لِأجْلِ اتِّباعِ المَصالِحِ؛ لِإحاطَةِ عِلْمِ المُتَكَلِّمِ بِهِ؛ ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾؛ الَّذِي هو رُوحٌ كُلُّهُ؛ لَيْسَ فِيهِ داعٍ إلى هَوًى؛ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ فِيما يُنَزِّلُهُ افْتِراءٌ؛ لا سِيَّما مَعَ إضافَتِهِ إلى الطُّهْرِ البالِغِ؟ فَهو يُنَزِّلُهُ ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيُّها المُخاطَبُ؛ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ ثُمَّ بِتَبْدِيلِهِ؛ بِحَسَبِ المَصالِحِ؛ كَما أحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ بِالنَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ؛ لا يَصْلُحُ في واحِدَةٍ مِنها ما يَصْلُحُ في غَيْرِها؛ مِنَ الظَّهْرِ إلى البَطْنِ؛ ثُمَّ مِنَ الرَّضاعِ إلى الفِطامِ؛ فَما بَعْدَهُ؛ فَكَيْفَ تُنْكِرُ تَبْدِيلَ الأحْكامِ لِلْمَصالِحِ؛ ولا تُنْكِرُ تَبْدِيلَ الأحْوالِ لِذَلِكَ؟ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الإنْزالِ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ؛ الَّذِي جَلَّ عَنْ دَعْوى الِافْتِراءِ بِأنَّهُ لا يُسْتَطاعُ نَقْضُهُ؛ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾؛ أيْ: تَثْبِيتًا عَظِيمًا؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ في دِينِهِمْ؛ بِما يَرَوْنَ مِن إعْجازِ البَدَلِ؛ والمُبْدَلِ؛ مَعَ تَضادِّ الأحْكامِ؛ وما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ بِحَسَبِ تِلْكَ الأحْوالِ - مَعَ ما كانَ في المَنسُوخِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ الأحْوالِ السّالِفَةِ - ولِيَتَمَرَّنُوا عَلى حُسْنِ الِانْقِيادِ؛ ويُعْلَمَ بِسُرْعَةِ انْقِيادِهِمْ في تَرْكِ الألْفِ تَمامُ اسْتِسْلامِهِمْ؛ وخُلُوصِهِمْ عَنْ شَوائِبِ الهَوى؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى مَحَلِّ ”لِيُثَبِّتَ“؛ قَوْلَهُ: ﴿وهُدًى﴾؛ أيْ: بَيانًا واضِحًا؛ ﴿وبُشْرى﴾؛ أيْ: بِما فِيهِ مِن تَجَدُّدِ العَهْدِ بِالمَلِكِ الأعْلى؛ وتَرَدُّدِ الرَّسُولِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ؛ بِوَساطَةِ نَبِيِّهِمْ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾؛ المُنْقادِينَ المُبَرَّئِينَ مِنَ الكِبْرِ الطّامِسِ لِلْأفْهامِ؛ المُعَمِّي لِلْأحْلامِ؛ ولَوْلا مِثْلُ هَذِهِ الفَوائِدِ لَفاتَتْ حِكْمَةُ تَنْجِيمِهِ.

An-Nahl 16:102Listen in Qur'an →
103

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches the Prophet." The tongue of the one they refer to is foreign, and this Qur'an is [in] a clear Arabic language.

ولَمّا نَقَضَ شُبْهَتَهم هَذِهِ؛ إشارَةً؛ وعِبارَةً؛ بِما فَضَحَهُمْ؛ نَقَضَ لَهم شُبْهَةً أُخْرى بِأوْضَحَ مِن ذَلِكَ؛ وأفْضَحَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾؛ أيْ: عِلْمًا مُسْتَمِرًّا؛ ﴿أنَّهم يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: أيْضًا؛ قَوْلًا مُتَكَرِّرًا؛ لا يَزالُونَ يَلْهَجُونَ بِهِ؛ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ سَفْسافٌ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِسانُ﴾؛ أيْ: لُغَةُ وكَلامُ؛ ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾؛ أيْ: يَمِيلُونَ؛ أوْ يُشِيرُونَ ﴿إلَيْهِ﴾ بِأنْ عَلَّمَهُ إيّاهُ؛ مائِلِينَ عَنِ القَصْدِ؛ جائِرِينَ؛ عادِلِينَ عَنِ الحَقِّ؛ ظالِمِينَ؛ ﴿أعْجَمِيٌّ﴾؛ أيْ: غَيْرُ لُغَةِ العَرَبِ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ ألْكَنُ في النّادِيَةِ؛ غَيْرُ بَيِّنٍ؛ وهو غُلامٌ كانَ نَصْرانِيًّا لِبَعْضِ قُرَيْشٍ؛ اخْتُلِفَ في اسْمِهِ؛ وهَذا التَّرْكِيبُ وُضِعَ في لِسانِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ؛ والإخْفاءِ؛ ومِنهُ ”عَجَمَ الزَّبِيبُ“؛ لِاسْتِتارِهِ؛ و”العَجْماءُ“: البَهِيمَةُ؛ لِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى إيضاحِ ما في نَفْسِها؛ وأمّا ”أعْجَمْتُ الكِتابَ“؛ فَهو لِلْإزالَةِ. ﴿وهَذا﴾؛ أيْ: القُرْآنُ؛ ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: هو مِن شِدَّةِ بَيانِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ أنَّهُ ذُو بَيانٍ عَظِيمٍ؛ فَلَوْ أنَّ المُعَلِّمَ عَرَبِيٌّ لَلَزِمَهم ألّا يَعْجِزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ ما عَلَّمَ؛ فَكَيْفَ وهو أعْجَمِيٌّ؟!

An-Nahl 16:103Listen in Qur'an →
104

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, those who do not believe in the verses of Allah - Allah will not guide them, and for them is a painful punishment.

فَلَمّا بانَتْ بِهَذا فَضِيحَتُهُمْ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مِنَ العَجَبِ إقْدامُهم عَلى مِثْلِ هَذا العارِ؛ وهم يَدَّعُونَ النَّزاهَةَ؛ فَأجابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُصَدِّقُونَ كُلَّ تَصْدِيقٍ؛ مُعْتَرِفِينَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ؛ بَلْ يُضِلُّهم عَنِ القَصْدِ؛ فَلِذَلِكَ يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الخُرافاتِ؛ فَأبْشِرْ لِمَن بالَغَ في العِنادِ؛ بِسَدِّ بابِ الفَهْمِ والسَّدادِ.

ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّهُ لِكَوْنِهِ هو المُضِلَّ لا يُتَوَجَّهُ اللَّوْمُ عَلَيْهِمْ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ؛ لِمُباشَرَتِهِمْ لَهُ؛ مَعَ حَجْبِ المُرادِ عَنْهُمْ؛ وخَلْقِ القُدْرَةِ لَهُمْ؛ إجْراءً عَلى عَوائِدِ بَعْضِ الخَلْقِ مَعَ بَعْضٍ.

An-Nahl 16:104Listen in Qur'an →
105

إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allah, and it is those who are the liars.

ولَمّا زَيَّفَ شُبَهَهُمْ؛ أثْبَتَ لَهم ما قَذَفُوهُ بِهِ؛ وهو بَرِيءٌ مِنهُ؛ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما يَفْتَرِي﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُ؛ ﴿الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهُمُ الإيمانُ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَإنَّ رَدَّهم لِمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ؛ وعَجَزُوا عَنْهُ؛ تَعَمُّدٌ مِنهم لِلْكَذِبِ؛ ثُمَّ قَصَرَ الكَذِبَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ؛ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الكاذِبُونَ﴾؛ أيْ: العَرِيقُونَ في الكَذِبِ؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا.

An-Nahl 16:105Listen in Qur'an →
106

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Whoever disbelieves in Allah after his belief... except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allah, and for them is a great punishment;

ولَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مُطْلَقًا؛ أتْبَعَهم صِنْفًا مِنهم هم أشَدُّهم كُفْرًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَن﴾؛ أيْ: أيُّ مَخْلُوقٍ وقَعَ لَهُ أنَّهُ ﴿كَفَرَ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ بِأنْ قالَ؛ أوْ عَمِلَ ما يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ؛ ولَمّا كانَ الكُفْرُ كُلُّهُ ضارًّا؛ وإنْ قَصُرَ زَمَنُهُ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾؛ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ؛ لَمّا قامَ عَلى الإيمانِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي أوْصَلَتْهُ إلى حَدٍّ لا يَلْبِسُ؛ فَصارَ اسْتِكْبارُهُ عَنِ الإيمانِ ارْتِدادًا عَنْهُ؛ وُجَوابُ الشَّرْطِ دَلَّ ما قَبْلَهُ؛ وما بَعْدَهُ؛ عَلى أنَّهُ: ”فَهُوَ الكاذِبُ“؛ أوْ ”فَعَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ“؛ ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾؛ أيْ: وقَعَ إكْراهُهُ عَلى قَوْلِ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ ﴿وقَلْبُهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ قَلْبَهُ؛ ﴿مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وأجْمَعُوا - مَعَ إباحَةِ ذَلِكَ لَهُ - أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالكُفْرِ؛ بَلْ إنْ ثَبَتَ كانَ ذَلِكَ أرْفَعَ دَرَجَةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أكْرَهُوهُ؛ فَتابَعَهُمْ؛ وهو كارِهٌ؛ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّهُ كَفَرَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: «”كَلّا؛ إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا؛ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ؛ واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ؛ ودَمِهِ“؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ؛ ويَقُولُ: ”إنْ عادُوا فَعُدْ لَهم بِمِثْلِ ما قُلْتَ“؛» ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ﴾؛ أيْ: فَتَحَ فَتْحًا صارَ يَشْرَحُ بِهِ ﴿بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ أوْ مِن غَيْرِهِ بِالتَّسَبُّبِ فِيهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ تَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ؛ دُونَ اللِّسانِ؛ وإنَّما اللِّسانُ مُعَبِّرٌ؛ وتُرْجُمانٌ؛ مُعَرِّفٌ بِما في القَلْبِ؛ لِتَوَقُّعِ الأحْكامِ الظّاهِرَةِ؛ ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾؛ لِرِضاهم بِهِ؛ ﴿غَضَبٌ﴾؛ أيُّ غَضَبٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ جِهَةَ عِظَمِهِ؛ بِكَوْنِهِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِهِمْ؛ وبَواطِنِهِمْ؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ لِارْتِدادِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ.

An-Nahl 16:106Listen in Qur'an →
107

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allah does not guide the disbelieving people.

ولَمّا كانَ مَن يَرْجِعُ إلى الظُّلُماتِ؛ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنها إلى النُّورِ؛ جَدِيرًا بِالتَّعَجُّبِ مِنهُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَفْعَلُونَ؟ أوْ: لِمَ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ﴾؛ الِارْتِدادُ؛ أوِ الوَعِيدُ العَظِيمُ؛ ﴿بِأنَّهُمُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُمْ؛ ﴿اسْتَحَبُّوا﴾؛ أيْ: أحَبُّوا حُبًّا عَظِيمًا؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الدَّنِيئَةَ الحاضِرَةَ الفانِيَةَ؛ فَآثَرُوها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾؛ الباقِيَةِ الفاخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما فِيهِ المُؤْمِنُ مِنَ الضِّيقِ؛ والكافِرُ مِنَ السَّعَةِ؛ ”و“بِسَبَبِ ”أنَّ اللَّهَ“؛ أيْ: المَلِكَ الَّذِي لَهُ الغِنى الأكْبَرُ؛ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾؛ الَّذِينَ عَلِمَ اسْتِمْرارَهم عَلَيْهِ؛ بَلْ يَخْذُلُهُمْ؛ ويُسَلِّطُ الشَّيْطانَ عَلَيْهِمْ؛ يَحْتالُهم عَنْ دِينِهِمْ.

An-Nahl 16:107Listen in Qur'an →
108

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allah has sealed, and it is those who are the heedless.

ولَمّا كانَ اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ أعْجَبَ مِنَ ارْتِدادِهِمْ؛ أتْبَعَهُ سَبَبَهُ فَقالَ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ﴾؛ أيْ: خَتَمَ خَتْمًا؛ هو كَفِيلٌ بِالعَطَبِ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّفاوُتُ في السَّمْعِ نادِرًا؛ وحَّدَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾؛ فَصارُوا - لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهَذِهِ المَشاعِرِ - كَأنَّهم لا يَفْهَمُونَ؛ ولا يَسْمَعُونَ؛ ولا يُبْصِرُونَ؛ ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾؛ أيْ: الكامِلُو الغَفْلَةِ؛

An-Nahl 16:108Listen in Qur'an →
109

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ جَزاءَهم عَلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا شَكَّ؛ ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الخاسِرُونَ﴾؛ أيْ: أكْمَلَ خَسارَةٍ؛ لِأنَّهم خَسِرُوا رَأْسَ المالِ؛ وهو نُفُوسُهُمْ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ.

An-Nahl 16:109Listen in Qur'an →
110

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to renounce their religion] and thereafter fought [for the cause of Allah] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

ولَمّا قَدَّمَ الفاتِنَ؛ والمَفْتُونَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ حُكْمِهِما؛ عَلى القِراءَتَيْنِ؛ فَقالَ (تَعالى) - بِحَرْفِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى تَقاصُرِ رُتْبَتِهِما عَنْ رُتْبَةِ مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ -: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالعَفْوِ عَنْ أُمَّتِكَ؛ وتَخْفِيفِ الآصارِ عَنْهم في قَبُولِ تَوْبَةِ مَنِ ارْتَدَّ بِلِسانِهِ؛ أوْ قَلْبِهِ؛ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أهْلَ الكُفْرِ؛ بِالنُّزُوحِ مِن بِلادِهِمْ؛ تَوْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى) مِمّا كانُوا فِيهِ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا أنَّ الفِتْنَةَ بِالأذى - وإنْ كانَ بالِغًا - غَيْرُ قادِحَةٍ في الهِجْرَةِ؛ وما تَبِعَها؛ فَيُفِيدُ ذَلِكَ في الهِجْرَةِ بِدُونِها مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ -؛ لِأنَّ المُضِرَّ هو الفِتْنَةُ مُطْلَقًا؛ ولِلْفاعِلِ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ -؛ أيْ: ظَلَمُوا؛ بِأنْ فَتَنُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ كانُوا كُفّارًا؛ أوْ أعْطَوُا الفِتْنَةَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَفَتَنُوها بِأنْ أطاعُوا في كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ أوْ في الرُّجُوعِ مَعَ مَن رَدَّهم إلى بِلادِ الكُفْرِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ مِن بَعْدِ إيمانِهِمْ؛ ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا جِهادَ الكُفّارِ؛ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ﴿وصَبَرُوا﴾؛ عَلى ذَلِكَ؛ إلى أنْ ماتُوا عَلَيْهِ؛ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِتَسْخِيرِ مَن هَذِهِ صِفاتُهم لَكَ.

ولَمّا كانَ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ كُلَّها؛ ما عَدا الشِّرْكَ؛ وأنْ يُعَذِّبَ عَلَيْها كُلِّها؛ وعَلى بَعْضِها؛ وأنْ يَقْبَلَ الصّالِحَ كُلَّهُ؛ وأنْ يَرُدَّ بَعْضَهُ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: هَذِهِ الأفْعالِ الصّالِحَةِ؛ الواقِعَةِ بَعْدَ تِلْكَ الفاسِدَةِ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ المَحْوِ لِلذُّنُوبِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الإكْرامِ فَهو يَغْفِرُ لَهُمْ؛ ويَرْحَمُهم.

An-Nahl 16:110Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.