الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ
Alif, Lam, Ra. These are the verses of the Book and a clear Qur'an.
سُورَةُ ”الحِجْرِ“
مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ في الذِّرْوَةِ مِنَ الجَمْعِ لِلْمَعانِي الواضِحَةِ لِلْحَقِّ؛ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ أصْلًا؛ وأشْكَلُ ما فِيها وأمْثَلُهُ في هَذا المَعْنى قِصَّةُ أصْحابِ الحِجْرِ؛ فَإنَّ وُضُوحَ آيَتِهِمْ عِنْدَهُمْ؛ وعِنْدَ كُلِّ مَن شاهَدَها؛ أوْ سَمِعَ بِها؛ كَوُضُوحِ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ في أمْرِ الكِتابِ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ؛ لا سِيَّما قُرَيْشٌ؛ وأيْضًا آيَتُهم في غايَةِ الإيضاحِ لِلْحَقِّ؛ والجَمْعِ لِمَعانِيهِ الدّائِرَةِ عَلى التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِلِاجْتِماعِ عَلى الدّاعِي؛ ومِن هُنا يَتَّضِحُ ويَتَأيَّدُ ما اخْتَرْتُهُ مِنَ الإعْرابِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿”كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ“؛﴾ مِن تَعْلِيقِي لَهُ بِـ ﴿”فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ“؛﴾ [الحجر: ٨١] المُقْتَضِي لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ شَأْنِهِمْ في كُفْرِهِمْ؛ وشَأْنِ قُرَيْشٍ في مِثْلِ ذَلِكَ - كَما سَتَراهُ -؛ عَلى أنَّ لَفْظَ ”الحِجْرِ“؛ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ السُّورَةِ؛ مِنَ الجَمْعِ؛ والِاسْتِدارَةِ؛ الَّتِي رُوحُها الإحاطَةُ المُمَيِّزَةُ لِلْمُحاطِ بِهِ مِن غَيْرِهِ؛ بِلا لَبْسٍ أصْلًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الواحِدِ الأحَدِ؛ الجامِعِ لِما شُتِّتَ مِن بَدَدٍ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي جَمَعَ خَلْقَهُ في رَحْمَةِ البَيانِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ الأبْرارَ بِما أباحَهُمُ الرِّضْوانَ.
لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِعُنْوانِ الكِتابِ؛ ابْتَدَأ هَذِهِ بِشَرْحِ ذَلِكَ العُنْوانِ؛ وأوَّلُهُ وصْفُهُ بِأنَّهُ جامِعٌ؛ والخَيْرُ كُلُّهُ في الجَمْعِ؛ والشَّرُّ كُلُّهُ في الفُرْقَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الر تِلْكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الآياتُ العالِيَةُ المَقامِ؛ النَّفِيسَةُ المَرامِ؛ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الكامِلِ غايَةَ الكَمالِ؛ الَّذِي لا كِتابَ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ الجامِعُ لِجَمِيعِ ما يَقُومُ بِهِ الوُجُودُ مِنَ الخَيْراتِ؛ القاطِعُ في قَضائِهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ؛ ولا تَرَدُّدٍ؛ الغالِبُ بِأحْكامِهِ القاهِرَةِ؛ في وعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ في إعْجازِهِ لِجَمِيعِ مَن يُعانِدُهُ. ولَمّا كانَ الغالِبُ في هَذِهِ السُّورَةِ القَطْعَ؛ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الكِتابِ؛ قَدَّمَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قَطْعٌ بِأمْرِ الأجَلِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وحِفْظِ الكِتابِ؛ والرَّمْيِ بِالشُّهُبِ؛ وكِفايَةِ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَكانَ كَما قالَ - سُبْحانَهُ - ”و“؛ آياتُ؛ ”قُرْآنٍ“؛ أيْ: قُرْآنٍ جامِعٍ؛ ناشِرٍ؛ مُفَصَّلٍ؛ واصِلٍ؛ إذِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ لِجَمِيعِ ما يَجْمَعُ الهِمَمَ عَلى اللَّهِ؛ فَيُوصِلُ إلى السَّعادَةِ؛ وهَذِهِ الإبانَةُ - الَّتِي لَمْ تَدَعْ لَبْسًا - هو مُتَّصِفٌ بِها؛ مَعَ كَوْنِهِ جامِعًا لِلْأُصُولِ؛ ناشِرًا لِلْفُرُوعِ؛ لا خَلَلَ فِيهِ يُدْخَلُ مِنهُ عَلَيْهِ؛ ولا فَصْمَ يُؤْتى مِنهُ إلَيْهِ؛ فاعْجَبْ لِأمْرٍ حاوٍ لِجَمْعٍ؛ وفَرْقٍ؛ وفَصْلٍ؛ ووَصْلٍ.
والإبانَةُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ الإبانَةِ الفَصْلُ؛ فَهَذا شَرْحُ كَوْنِهِ بَلاغًا؛ فَمَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ اعْتِقادُ كَوْنِ القُرْآنِ بَلاغًا جامِعًا لِلْأُمُورِ المُوصِلَةِ إلى اللَّهِ؛ مُغْنِيًا عَنْ جَمِيعِ الأسْبابِ؛ فَلا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى شَيْءٍ سِواهُ؛ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]؛ وكانَ الجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ؛ الدّالِّ كُلٍّ مِنهُما عَلى الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في جَعْلِهِمُ القُرْآنَ عِضِينَ؛ …