Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 99

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the Book and a clear Qur'an.

سُورَةُ ”الحِجْرِ“

مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ في الذِّرْوَةِ مِنَ الجَمْعِ لِلْمَعانِي الواضِحَةِ لِلْحَقِّ؛ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ أصْلًا؛ وأشْكَلُ ما فِيها وأمْثَلُهُ في هَذا المَعْنى قِصَّةُ أصْحابِ الحِجْرِ؛ فَإنَّ وُضُوحَ آيَتِهِمْ عِنْدَهُمْ؛ وعِنْدَ كُلِّ مَن شاهَدَها؛ أوْ سَمِعَ بِها؛ كَوُضُوحِ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ في أمْرِ الكِتابِ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ؛ لا سِيَّما قُرَيْشٌ؛ وأيْضًا آيَتُهم في غايَةِ الإيضاحِ لِلْحَقِّ؛ والجَمْعِ لِمَعانِيهِ الدّائِرَةِ عَلى التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِلِاجْتِماعِ عَلى الدّاعِي؛ ومِن هُنا يَتَّضِحُ ويَتَأيَّدُ ما اخْتَرْتُهُ مِنَ الإعْرابِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿”كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ“؛﴾ مِن تَعْلِيقِي لَهُ بِـ ﴿”فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ“؛﴾ [الحجر: ٨١] المُقْتَضِي لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ شَأْنِهِمْ في كُفْرِهِمْ؛ وشَأْنِ قُرَيْشٍ في مِثْلِ ذَلِكَ - كَما سَتَراهُ -؛ عَلى أنَّ لَفْظَ ”الحِجْرِ“؛ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ السُّورَةِ؛ مِنَ الجَمْعِ؛ والِاسْتِدارَةِ؛ الَّتِي رُوحُها الإحاطَةُ المُمَيِّزَةُ لِلْمُحاطِ بِهِ مِن غَيْرِهِ؛ بِلا لَبْسٍ أصْلًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الواحِدِ الأحَدِ؛ الجامِعِ لِما شُتِّتَ مِن بَدَدٍ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي جَمَعَ خَلْقَهُ في رَحْمَةِ البَيانِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ الأبْرارَ بِما أباحَهُمُ الرِّضْوانَ.

لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِعُنْوانِ الكِتابِ؛ ابْتَدَأ هَذِهِ بِشَرْحِ ذَلِكَ العُنْوانِ؛ وأوَّلُهُ وصْفُهُ بِأنَّهُ جامِعٌ؛ والخَيْرُ كُلُّهُ في الجَمْعِ؛ والشَّرُّ كُلُّهُ في الفُرْقَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الر تِلْكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الآياتُ العالِيَةُ المَقامِ؛ النَّفِيسَةُ المَرامِ؛ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الكامِلِ غايَةَ الكَمالِ؛ الَّذِي لا كِتابَ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ الجامِعُ لِجَمِيعِ ما يَقُومُ بِهِ الوُجُودُ مِنَ الخَيْراتِ؛ القاطِعُ في قَضائِهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ؛ ولا تَرَدُّدٍ؛ الغالِبُ بِأحْكامِهِ القاهِرَةِ؛ في وعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ في إعْجازِهِ لِجَمِيعِ مَن يُعانِدُهُ. ولَمّا كانَ الغالِبُ في هَذِهِ السُّورَةِ القَطْعَ؛ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الكِتابِ؛ قَدَّمَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قَطْعٌ بِأمْرِ الأجَلِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وحِفْظِ الكِتابِ؛ والرَّمْيِ بِالشُّهُبِ؛ وكِفايَةِ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَكانَ كَما قالَ - سُبْحانَهُ - ”و“؛ آياتُ؛ ”قُرْآنٍ“؛ أيْ: قُرْآنٍ جامِعٍ؛ ناشِرٍ؛ مُفَصَّلٍ؛ واصِلٍ؛ إذِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ لِجَمِيعِ ما يَجْمَعُ الهِمَمَ عَلى اللَّهِ؛ فَيُوصِلُ إلى السَّعادَةِ؛ وهَذِهِ الإبانَةُ - الَّتِي لَمْ تَدَعْ لَبْسًا - هو مُتَّصِفٌ بِها؛ مَعَ كَوْنِهِ جامِعًا لِلْأُصُولِ؛ ناشِرًا لِلْفُرُوعِ؛ لا خَلَلَ فِيهِ يُدْخَلُ مِنهُ عَلَيْهِ؛ ولا فَصْمَ يُؤْتى مِنهُ إلَيْهِ؛ فاعْجَبْ لِأمْرٍ حاوٍ لِجَمْعٍ؛ وفَرْقٍ؛ وفَصْلٍ؛ ووَصْلٍ.

والإبانَةُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ الإبانَةِ الفَصْلُ؛ فَهَذا شَرْحُ كَوْنِهِ بَلاغًا؛ فَمَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ اعْتِقادُ كَوْنِ القُرْآنِ بَلاغًا جامِعًا لِلْأُمُورِ المُوصِلَةِ إلى اللَّهِ؛ مُغْنِيًا عَنْ جَمِيعِ الأسْبابِ؛ فَلا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى شَيْءٍ سِواهُ؛ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]؛ وكانَ الجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ؛ الدّالِّ كُلٍّ مِنهُما عَلى الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في جَعْلِهِمُ القُرْآنَ عِضِينَ؛ …

2

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ

Perhaps those who disbelieve will wish that they had been Muslims.

ولَمّا وصَفَ - سُبْحانَهُ - هَذا القُرْآنَ بِما وصَفَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ والإبانَةِ لِجَمِيعِ المَقاصِدِ؛ الَّتِي مِنها سُؤالُ الكَفَرَةِ - عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ - التَّأْخِيرَ لِلطّاعَةِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِلْكَفَرَةِ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ بَيانًا يَرُدُّهُمْ؟ فَقالَ - سُبْحانَهُ - باسِطًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] -: ﴿رُبَما يَوَدُّ﴾؛ أشارَ (تَعالى) بِكَوْنِهِ مُضارِعًا إلى أنَّ ودَّهم لِذَلِكَ يَكُونُ كَثِيرًا جِدًّا؛ مُتَكَرِّرًا؛ وإيلاءَهُ لِـ ”رُبَما“ - وإنَّما يَلِيها في الأغْلَبِ الماضِي - مُعْلِمٌ بِأنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ كَما يُقْطَعُ بِالماضِي الَّذِي تَحَقَّقَ؛ ووَقَعَ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: ولَوْ وقْتًا ما؛ والوَدُّ: التَّمَنِّي؛ وهو تَقْدِيرُ المَعْنى في النَّفْسِ لِلِاسْتِمْتاعِ؛ وإظْهارِ مَيْلِ الطِّباعِ لَهُ إلَيْهِ؛ وفِيهِ اشْتِراكٌ بَيْنَ التَّمَنِّي والحُبِّ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ؛ وهو هُنا لِلتَّمَنِّي؛ فَإنَّهُ بَيَّنَ مَوْدُودَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ ﴿مُسْلِمِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في وصْفِ الإسْلامِ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ إلى آخِرِهِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والإسْلامُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ عَلى حالِ سَلامَةٍ؛ كَإسْلامِ الثَّوْبِ إلى مَن يُقَصِّرُهُ؛ وإسْلامِ الصَّبِيِّ إلى مَن يُعَلِّمُهُ؛ فالإسْلامُ الَّذِي هو الإيمانُ - إعْطاءُ مَعْنى الحَقِّ في الدِّينِ بِالإقْرارِ؛ والعَمَلِ بِهِ؛ انْتَهى؛ وقَدْ كانَ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فَقَدْ نَدِمَ كُلُّ مَن أسْلَمَ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى تَأْخِيرِ إسْلامِهِ؛ لَمّا عَلِمُوا فَضْلَ الإسْلامِ؛ ورَأوْا فَضائِلَ السّابِقِينَ - كَما هو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وفُتُوحِ البُلْدانِ؛ وسَيَكُونُ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ في القِيامَةِ؛ وما قَبْلَها؛ فالمَعْنى أنَّكم إنْ كَذَّبْتُمْ في القَطْعِ - في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ الآيَةَ - بِأنَّكم تَرْجِعُونَ عَنْ هَذا الشَّمَمِ؛ وتَتَبَرَّؤُونَ مِن هَذِهِ السَّجايا والهِمَمِ؛ فَتَسْألُونَ اللَّهَ (تَعالى) في الطّاعَةِ؛ وقَدْ فاتَ الفَوْتُ بِحُلُولِ حادِثِ المَوْتِ إلى غَيْرِهِ؛ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ عِنْدَكم شَكٌّ في الأُمُورِ الَّتِي يَجُوزُ كَوْنُها؛ ولا يَنْبَغِي حِينَئِذٍ لِلْعاقِلِ تَرْكُ الِاهْتِمامِ بِالِاسْتِعْدادِ عَلى تَقْدِيرِ هَذا الِاحْتِمالِ؛ هَذا - أعْنِي التَّقْلِيلَ - مَدْلُولُ ”رُبَّ“؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها قَدْ تَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ وقالَ الجَمالُ ابْنُ هِشامٍ في كِتابِ ”المُغْنِي“: إنَّهُ أغْلَبُ أحْوالِها؛ واسْتَدَلَّ بِشَواهِدَ لا تَدُلُّ عِنْدَ التَّأمُّلِ؛ ولا يَصِحُّ قَوْلُ مَن نَسَبَ إلى الكَشّافِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَلامَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّجّاجِ؛ وعِبارَةُ الزَّجّاجِ - كَما نَقَلَها الإمامُ جَمالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ المُكَرَّمِ؛ في كِتابِهِ ”لِسانُ العَرَبِ“؛ ومِن خَطِّهِ نَقَلْتُ: مَن قالَ: إنَّ ”رُبَّ“؛ يُعْنى بِها التَّكْثِيرُ؛ فَهو ضِدُّ ما تَعْرِفُهُ العَرَبُ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ جازَتْ في قَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ و”رُبَّ“؛ لِلتَّقْلِيلِ؟ فالجَوابُ أنَّ العَرَبَ خُوطِبَتْ بِما تَعْلَمُهُ في التَّهْدِيدِ؛ والرَّجُلُ يَتَهَدَّدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: ”لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ“؛ وهو لا يَشُكُّ أنَّهُ يَنْدَمُ؛ ويَقُولُ: ”رُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ مِن مِثْلِ ما صَنَعْتَ“؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ يَنْدَمُ كَثِيرًا؛ ولَكِنَّ مَجازَهُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ …

3

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

ولَمّا طَرَقَ لَهم - سُبْحانَهُ - الِاحْتِمالَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ جَوَّزُوهُ فَأخَذُوا في الِاسْتِعْدادِ لَهُ؟ فَقِيلَ: بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِنادِهِمْ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ مُلْتَفِتًا إلى ما أشارَ إلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“؛ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣]؛ مِنَ المانِعِ لَهم عَنِ الإذْعانِ -: ﴿ذَرْهُمْ﴾؛ يا أعَزَّ الخَلْقِ عِنْدَنا؛ كالبَهائِمِ؛ ﴿يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾؛ والتَّمَتُّعُ: التَّلَذُّذُ؛ وهو طَلَبُ اللَّذَّةِ حالًا بَعْدَ حالٍ؛ كالتَّقَرُّبِ في أنَّهُ طَلَبُ القُرْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ؛ ﴿ويُلْهِهِمُ﴾؛ أيْ: يَشْغَلْهم عَنْ أخْذِ حَظِّهِمْ مِنَ السَّعادَةِ؛ ﴿الأمَلُ﴾؛ أيْ: رَجاؤُهم طُولَ العُمْرِ؛ وبُلُوغَ ما يُقَدِّرُهُ الوَهْمُ مِنَ المَلاذِ؛ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مُهَيِّئٍ لِذَلِكَ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لا يَشْتَغِلُ بِهِ إلّا أحْمَقُ؛ سَبَّبَ عَنْهُ التَّهْدِيدَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ما يَحِلُّ بِهِمْ بَعْدَ ما فَسَحْنا لَهم مِن زَمَنِ التَّمَتُّعِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ في بُرْهانِهِ: لَمّا تَقَدَّمَ مِن وعِيدِ الكُفّارِ ما تَضَمَّنَهُ الآيُ المُخْتَتَمُ بِها سُورَةُ ”إبْراهِيمَ“؛ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]؛ إلى خاتِمَتِها؛ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ أيْ: عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأحْوالِ الجَلائِلِ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى) - تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الوَعِيدِ -: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ ثُمَّ أعْقَبَ (تَعالى) هَذا بِبَيانِ ما جَعَلَهُ سُنَّةً في عِبادِهِ؛ مِنَ ارْتِباطِ الثَّوابِ والعِقابِ؛ مُعَجَّلَةً؛ ومُؤَجَّلَةً؛ بِأوْقاتٍ وأحْيانٍ؛ لا انْفِكاكَ لَها عَنْها؛ ولا تَقَدُّمَ ولا تَأخُّرَ؛ إذِ اسْتِعْجالُ البَطْشِ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ يَخافُ الفَوْتَ؛ والعالَمُ؛ بِجُمْلَتِهِمْ؛ لِلَّهِ (تَعالى)؛ وفي قَبْضَتِهِ؛ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ مِنهُمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]؛ وكانَ هَذا يَزِيدُ إيضاحًا قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]؛ وقَوْلَهُ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ وقَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ الآيَةَ؛ وتَأمَّلْ نُزُولَ قَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ عَلى هَذا؛ وعَظِيمَ مَوْقِعِهِ في اتِّصالِهِ بِهِ؛ ووُضُوحَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وأمّا افْتِتاحُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]؛ فَإحالَةٌ عَلى أمْرَيْنِ واضِحَيْنِ: أحَدُهُما ما نَبَّهَ بِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ؛ كَما يُفَسَّرُ؛ والثّانِي ما بَيَّنَهُ القُرْآنُ المَجِيدُ؛ وأوْضَحَهُ؛ وانْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ والغُيُوبِ؛ والوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ وتَصْدِيقِ بَعْضِ ذَلِكَ بَعْضًا؛ فَكَيْفَ لا يَكُونُ المُتَوَعَّدُ بِهِ في قُوَّةِ الواقِعِ المُشاهَدِ؛ لِشِدَّةِ البَيانِ في صِحَّةِ الوُقُوعِ؟ فالعَجَبُ مِنَ التَّوَقُّفِ والتَّكْذِيبِ! ثُمَّ أعْقَبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ انْتَهى.

4

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

ولَمّا هُدِّدُوا بِآيَةِ التَّمَتُّعِ وإلْهاءِ الأمَلِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ جِدًّا مِن أحْوالِهِمْ الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ؛ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً؛ كانَ الكَلامُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَقالُوا: يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ؛ عَجِّلْ لَنا ما تَتَوَعَّدُنا بِهِ؛ وكانَ هَذا غائِظًا؛ مُوجِعًا؛ حامِلًا عَلى تَمَنِّي سُرْعَةِ الإيقاعِ بِهِمْ؛ فَقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ لَهم أجَلًا بِكِتابٍ مَعْلُومٍ؛ لا بُدَّ مِن بُلُوغِهِمْ لَهُ؛ لِأنَّ المُتَوَعِّدَ لا يَخافُ الفَوْتَ؛ فَهو يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ فَلْيَسْتَعِدُّوا؛ فَإنَّ الأمْرَ غَيْبٌ؛ فَما مِن لَحْظَةٍ إلّا وهي صالِحَةٌ لِأنْ يُتَوَقَّعَ فِيها العَذابُ؛ فَإنّا لا نُهْلِكُهم إلّا إذا بَلَغُوا كِتابَهُمُ المَعْلُومَ؛ ﴿وما﴾؛ جَعَلْنا هَذا خاصًّا بِهِمْ؛ بَلْ هو عادَتُنا؛ ﴿ما أهْلَكْنا﴾ [القصص: ٤٣]؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾؛ أيْ: مِنَ القُرى.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإهْلاكِ؛ واسْتِعْجالِهِمْ؛ واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ؛ وكانَ تَقْدِيرُهُ - سُبْحانَهُ - وكُتُبُهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ؛ اقْتَضى الحالُ التَّأْكِيدَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحْتُومٌ؛ مَفْرُوغٌ مِنهُ؛ سابِقٌ تَقْدِيرُهُ عَلى زَمَنِ الإهْلاكِ؛ فَأتى بِالواوِ لِأنَّ الحالَ بِدُونِ الواوِ كالجُزْءِ مِن سابِقِها كالخَبَرِ؛ والنَّعْتِ؛ الَّذِي لا يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ؛ والَّتِي بِالواوِ هي زِيادَةٌ في الخَبَرِ السّابِقِ؛ ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى الرَّبْطِ بِالواوِ؛ كَما يُرْبَطُ بِها في العَطْفِ؛ فَقالَ: ﴿إلا ولَها﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَها في الإهْلاكِ؛ أوْ لِإهْلاكِها؛ ﴿كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أيْ: أجَلٌ مَضْرُوبٌ؛ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذا جاءَهُمُ العَذابُ في الأجَلِ الَّذِي كَتَبْناهُ لَهُمْ: هَلْ يَوَدُّونَ الإسْلامَ؛ أمْ لا؛

5

مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

ثُمَّ بَيَّنَ الآيَةَ السّابِقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ﴾؛ وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أُمَّةٍ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الأجَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَلَها﴾؛ أيْ: الَّذِي قَدَّرْناهُ لَها؛ ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أيْ: عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ؛ ولَمْ يَقُلْ: تَسْتَأْخِرُ؛ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ؛ كالماضِي؛ لِئَلّا يَصْرِفُوهُ إلى خِطابِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَعَنُّتًا؛

6

وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.

ثُمَّ لَمّا أجابَهم بِهَذا الجَوابِ الدّالِّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ العِلْمِ؛ الدّالَّيْنِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ عَطَفَ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّهُ في قُوَّةِ المَلْفُوظِ؛ قَوْلَهُ - دالًّا عَلى تَرْكِهِمُ الجَوابَ إلى التَّعَنُّتِ؛ والسَّفَهِ -: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: لَمْ يُجَوِّزُوا أنَّهم يَوَدُّونَ ذَلِكَ؛ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى العِنادِ؛ وقالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي﴾؛ ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالتَّنْزِيلِ نَفْسِهِ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿نُـزِّلَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: بِزَعْمِهِ؛ ﴿الذِّكْرُ﴾؛ وبَيَّنُوا أنَّهم ما سَمَّوْهُ تَنْزِيلًا إلّا تَهَكُّمًا؛ فَقالُوا - مُؤَكِّدِينَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأنَّ قَوْلَهم مُنْكَرٌ -: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ادِّعائِكَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ ذِكْرًا؛ والَّذِي تَراهُ جِنِّيٌّ يُلْقِي إلَيْكَ تَخْلِيطًا؛ فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى عِنادِهِمْ؛ فَإنَّهم أقامُوا الشَّتْمَ مَقامَ الجَوابِ عَمّا مَضى؛ صَنْعَةَ المَغْلُوبِ المَقْطُوعِ في المُناظَرَةِ؛

7

لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

تَمَّ أتْبَعُوهُ ما زَعَمُوا أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ؛ فَقالُوا: ﴿لَوْ ما﴾؛ أيْ: هَلّا؟ ولِمَ لا ﴿تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ ؟ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكَ؛ إمّا لِلشَّهادَةِ لَكَ؛ وإمّا لِإهْلاكِ مَن خالَفَكَ؛ ﴿إنْ كُنْتَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾؛ فِيما تَقُولُ؛ أيْ: ما وجْهُ اخْتِصاصِكَ عَنّا بِنُزُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْكَ؛ ورُؤْيَتِكَ إيّاهُمْ؛ وأنْتَ مِثْلُنا في الإنْسانِيَّةِ؛ والنَّسَبِ؛ والبَلَدِ؟ هَذا بَعْدَ أنْ قامَتْ عَلى صِدْقِهِ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ؛ والبَراهِينُ السّاطِعَةُ؛ الَّتِي أعْظَمُها القُرْآنُ؛ الدّاعِي لَهم إلى المُبارَزَةِ كُلَّ حِينٍ؛ المُبَكِّتُ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ المُساجَلَةِ كُلَّ وقْتٍ.

8

مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ

We do not send down the angels except with truth; and the disbelievers would not then be reprieved.

ولَمّا كانَ في قَوْلِهِمْ أمْرانِ؛ أجابَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: رُبَّما إذًا أجابَهُمْ؛ فَقِيلَ: أجابَ عَنِ الثّانِي؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ؛ ﴿إلا﴾؛ تَنَزُّلًا مُلْتَبِسًا؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ عَمَلِ الأمْرِ الثّابِتِ؛ وهو مَعْنى ما قالَ البُخارِيُّ؛ في كِتابِ التَّوْحِيدِ: قالَ مُجاهِدٌ: بِالرِّسالَةِ؛ والعَذابِ؛ وأمّا عَلى الرُّسُلِ فَبِالحَقِّ مِنَ الأقْوالِ؛ وأمّا عَلى المُنْذِرِينَ فَبِالحَقِّ مِنَ الأفْعالِ؛ مِنَ الهَلاكِ؛ والنَّجاةِ؛ فَلَوْ نُزِّلُوا عَلَيْهِمْ - كَما اقْتَرَحُوا - لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ؛ فَهَلَكُوا؛ ﴿وما كانُوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿إذًا﴾؛ أيْ: إذْ تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ؛ ﴿مُنْظَرِينَ﴾؛ أيْ: حاصِلًا لَهُمُ الإنْظارُ؛ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الثّابِتَ يَلْزَمُهُ نَجاةُ الطّائِعِ؛ وهَلاكُ العاصِي في الحالِ؛ مِن غَيْرِ إمْهالٍ؛ وكانَ حِينَئِذٍ يَفُوتُ ما قَضَيْنا بِهِ مِن تَأْخِيرِهِمْ؛ وإخْراجِ مَن أرَدْنا إيمانَهُ مِن أصْلابِهِمْ؛

9

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Indeed, it is We who sent down the Qur'an and indeed, We will be its guardian.

وأجابَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِهِمْ -: ﴿إنّا نَحْنُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ لا غَيْرُنا مِن جِنٍّ؛ ولا إنْسٍ؛ ﴿نَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: بِالتَّدْرِيجِ؛ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿الذِّكْرَ﴾؛ أيْ: المَوْعِظَةَ؛ والشَّرَفَ؛ ﴿وإنّا لَهُ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ وإنْ رَغِمَتْ أُنُوفُ الحاسِدِينَ؛ ﴿لَحافِظُونَ﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ بِقُدْرَتِنا؛ وعِلْمِنا؛ لِما في سُورَةِ ”هُودٍ“؛ مِن أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لِلْحِفْظِ؛ فانْتَفى حِينَئِذٍ جَوازُ أنْ يُنَزَّلَ عَلى مَجْنُونٍ؛ مُخَلِّطٍ؛ لا سِيَّما وهو عَلى هَذِهِ الأسالِيبِ البَدِيعَةِ؛ والمَناهِجِ الرَّفِيعَةِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: أرْسَلْناكَ بِهِ حالَ كَوْنِكَ بَشَرًا؛ لا مَلَكًا؛ قَوِيًّا سَوِيًّا؛ يَعْلَمُونَ أنَّكَ أكْمَلُهم عَقْلًا؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ وأيْقَنُهم فِكْرًا؛ وأتْقَنُهم أمْرًا وأوْثَقُهم رَأْيًا؛ وأصْلَبُهم عَزِيمَةً؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ والفِتَنِ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ؛ وعِنْدَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أتانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنّاسِ - وفي رِوايَةٍ: بِقُرّاءِ القُرْآنِ - وإنِّي أخْشى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرّاءِ في المَواطِنِ؛ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ؛ إلّا أنْ تَجْمَعُوهُ؛ وإنِّي لَأرى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؟ فَقالَ عُمَرُ: هو واللَّهِ خَيْرٌ؛ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُنِي فِيهِ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي؛ ورَأيْتُ الَّذِي رَأى عُمَرُ؛ قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: وعُمَرُ جالِسٌ عِنْدَهُ لا يَتَكَلَّمُ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شابٌّ؛ عاقِلٌ؛ ولا نَتَّهِمُكَ؛ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ؛ فَواللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ؛ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِن جَمْعِ القُرْآنِ؛ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو واللَّهِ خَيْرٌ؛ فَلَمْ أزَلْ أُراجِعُهُ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ؛ وعُمَرَ؛ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ؛ والأكْتافِ؛ والعَسْبِ؛ وصُدُورِ الرِّجالِ؛ حَتّى وجَدْتُ مِن سُورَةِ ”التَّوْبَةِ“ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ - أوْ أبِي خُزَيْمَةَ - الأنْصارِيِّ؛ لَمْ أجِدْهُما -؛ أيْ: مَكْتُوبَتَيْنِ - عِنْدَ أحَدٍ غَيْرِهِ؛ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ إلى آخِرِها؛ وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ؛ ثُمَّ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

وساقَ هَذا الأثَرَ أيْضًا في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ بَعْدَهُ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدِمَ عَلى عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وكانَ يُغازِي أهْلَ الشّامِ في فَتْحِ أرْمِينِيَّةَ؛ وآذَرْبِيجانَ؛ مَعَ أهْلِ العِراقِ؛ فَأفْزَعَ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اخْتِلافُهم في …

10

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muhammad], among the sects of the former peoples.

ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ الَّذِي قالُوهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - شاقًّا؛ ولَهُ غائِظًا مُوجِعًا؛ قالَ (تَعالى) - تَسْلِيَةً لَهُ؛ عَلى وجْهٍ رادٍّ عَلَيْهِمْ -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ والجَلالِ؛ والهَيْبَةِ؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ غَيْرَ عامٍّ لِلزَّمانِ كُلِّهِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ؛ ﴿فِي شِيَعِ﴾؛ أيْ: فِرَقٍ؛ سُمُّوا شِيَعًا لِمُتابَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في الأحْوالِ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها في الزَّمَنِ الواحِدِ؛ مِن مَمْلَكَةٍ أوْ عِمارَةٍ أوْ دِيانَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجارِيَةِ في العادَةِ؛ ﴿الأوَّلِينَ﴾؛ كُلِّهِمْ؛ فَما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا مِن أهْلِ القُرى؛ مِثْلَكَ؛ يُوحى إلَيْهِمْ؛ ولَمْ نُرْسِلْ مَعَ أحَدٍ مِنهم مَلائِكَةً تَراها أُمَمُهُمْ؛ بَلْ جَعَلْنا مُكاشَفَةَ المَلائِكَةِ أمْرًا خاصًّا بِالرُّسُلِ؛ فَكَذَّبُوا رُسُلَهُمْ؛

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.