Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 111–120 of 128

111

۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

On the Day when every soul will come disputing for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged.

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِئْنافًا، وتَذْيِيلًا بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها، وقَعَ عَقِبَ التَّحْذِيرِ والوَعِيدِ؛ وعِيدًا لِلَّذِينِ أُنْذِرُوا، ووَعْدًا لِلَّذِينِ بُشِّرُوا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَيَكُونُ انْتِصابُ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ (لَغَفُورٍ رَحِيمٍ) أيْ يَغْفِرُ لَهم، ويَرْحَمُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ أثَرًا لِذُنُوبِهِمُ الَّتِي لا يَخْلُو

صفحة ٣٠٢

عَنْها غالِبُ النّاسِ، ويَجِدُونَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَهَذا المَعْنى هو مُقْتَضى الإتْيانِ بِهَذا الظَّرْفِ.

والمُجادَلَةُ: دِفاعٌ بِالقَوْلِ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِن تَبِعَةِ فِعْلٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

والنَّفْسُ الأوَّلُ: بِمَعْنى الذّاتِ والشَّخْصِ كَقَوْلِهِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، والنَّفْسُ الثّانِيَةِ ما بِهِ الشَّخْصُ شَخْصٌ، فالِاخْتِلافُ بَيْنَهُما بِالِاعْتِبارِ كَقَوْلِ أعْرابِيٍّ قَتَلَ أخُوهُ ابْنًا لَهُ مِنَ الحَماسَةِ:

أقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْساءً وتَسْلِيَةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْنِي ولَمْ تُرِدْ

وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ يَسْتَشْعِرُونَ لِلْإنْسانِ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِن جَسَدٍ ورُوحٍ فَيُسَمُّونَها النَّفْسَ، أيِ الذّاتَ، وهي ما يُعَبِّرُ عَنْهُ المُتَكَلِّمُ بِضَمِيرِ أنا، ويَسْتَشْعِرُونَ لِلْإنْسانِ قُوَّةً باطِنِيَّةً بِها إدْراكُهُ، ويُسَمُّونَها نَفْسًا أيْضًا، ومِنهُ أخَذَ عُلَماءُ المَنطِقِ اسْمَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ.

والمَعْنى: يَأْتِي كُلُّ أحَدٍ يُدافِعُ عَنْ ذاتِهِ، أيْ يُدافِعُ بِأقْوالِهِ لِيَدْفَعَ تَبَعاتِ أعْمالِهِ، فَفاعِلُ المُجادَلَةِ، وما هو في قُوَّةٍ مَفْعُولِهِ شَيْءٌ واحِدٌ، وهَذا قَرِيبٌ مِن نَوْعِ وُقُوعِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ شَيْئًا واحِدًا في أفْعالِ الظَّنِّ والدُّعاءِ بِكَثْرَةٍ، مِثْلُ: أرانِي فاعِلًا كَذا، وقَوْلُهم: عَدِمْتَنِي، وفَقَدْتَنِي، وبِقِلَّةٍ في غَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الأفْعالِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

قَدْ بَتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ

وتُوَفّى: تُعْطى شَيْئًا وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، و(ما عَمِلَتْ) مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ تُوَفّى، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: جَزاءُ ما عَمِلَتْ، أيْ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإظْهارُ كُلِّ نَفْسٍ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.

صفحة ٣٠٣

والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى مُجاوَزَةِ الحَدِّ المُعَيَّنِ لِلْجَزاءِ في الشَّرِّ، والإجْحافِ عَنْهُ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا عَيَّنَ الجَزاءَ عَلى الشَّرِّ، ووَعَدَ بِالجَزاءِ عَلى الخَيْرِ صارَ ذَلِكَ كالحَقِّ لِكُلِّ فَرِيقٍ. والعِلْمُ بِمَراتِبِ هَذا التَّحْدِيدِ مُفَوَّضٌ لِلَّهِ تَعالى ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا.

وضَمِير و(﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾) عائِدانِ إلى كُلِّ نَفْسٍ بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ مِنَ النُّفُوسِ.

وزِيادَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلتَّصْرِيحِ بِمَفْهُومِ وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ؛ لِأنَّ تَوْفِيَةَ الجَزاءِ عَلى العَمَلِ تَسْتَلْزِمُ كَوْنَ تِلْكَ …

An-Nahl 16:111Listen in Qur'an →
112

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And Allah presents an example: a city which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allah. So Allah made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ عَطْفُ عِظَةٍ عَلى عِظَةٍ، والمَعْطُوفُ عَلَيْها هي جُمَلُ الِامْتِنانِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وما اتَّصَلَ بِها إلى قَوْلِهِ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] فانْتَقَلَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدٍ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] .

فَبَعْدَ أنْ تَوَعَّدَهم بِقَوارِعِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٤] وقَوْلُهُ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩] عادَ الكَلامُ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِعَذابٍ في الدُّنْيا؛ بِأنْ جَعَلَهم مَضْرِبَ مَثَلٍ لِقَرْيَةٍ عُذِّبَتْ عَذابَ الدُّنْيا، أوْ جَعَلَهم مَثَلًا وعِظَةً لِمَن يَأْتِي بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ مِن إنْكارِ نِعْمَةِ اللَّهِ.

صفحة ٣٠٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْها جُمْلَةَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ [النحل: ١١١] إلَخْ، عَلى اعْتِبارِ تَقْدِيرِ اذْكُرْ، أيِ اذْكُرْ لَهم هَوْلَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ﴾ [النحل: ١١١] إلَخْ، وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا شَأْنَ قَرْيَةٍ كانَتْ آمِنَةً إلَخْ.

وضَرَبَ: بِمَعْنى جَعَلَ، أيْ جَعَلَ المُرَكَّبَ الدّالَّ عَلَيْهِ كَوْنَ نَظْمِهِ، وأوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ، كَما يُقالُ: أرْسَلَ فُلانٌ مَثَلًا قَوْلُهُ: كَيْتٌ وكَيْتٌ.

والتَّعْبِيرُ عَنْ ضَرْبِ المَثَلِ الواقِعِ في حالِ نُزُولِ الآيَةِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِلتَّشْوِيقِ إلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ الماضِي في الحالِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، مَثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، أوْ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِن زَمَنِ الحالِ، مِثْلَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ضَرَبَ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الطَّلَبِ والأمْرِ، أيِ اضْرِبْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ مَثَلًا قَرْيَةً إلى آخِرِهِ، كَما سَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ الخَبَرِ؛ تَوَسُّلًا إلى إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَنْوِيهًا بِهِ، ويُفَرَّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما صِيغَ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ نَحْوُ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣] بِما سَيُذْكَرُ في سُورَةِ الزُّمَرِ فَراجِعْهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿٣٠ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] .

وجَعَلَ المَثَلَ قَرْيَةً مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ تُبَيِّنُ حالَها المَقْصُودَ مِنَ التَّمْثِيلِ، فاسْتَغْنى عَنْ تَعْيِينِ القَرْيَةِ.

والنُّكْتَةُ في ذَلِكَ أنْ يَصْلُحَ هَذا المَثَلُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ القَرْيَةُ قَرْيَتَهم، أعْنِي (مَكَّةَ) بِأنْ جَعَلَهم مَثَلًا لِلنّاسِ مِن بَعْدِهِمْ، ويُقَوِّي هَذا الِاحْتِمالَ إذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ أصابَ أهْلَ مَكَّةَ الجُوعُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]

صفحة ٣٠٥

﴿يَغْشى …

An-Nahl 16:112Listen in Qur'an →
113

وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

صفحة ٣٠٨

﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم أُذِيقُوا لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ، وكانَ إنَّما ذَكَرَ مِن صُنْعِهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِأنْعُمِ اللَّهِ، زِيدَ هُنا أنَّ ما كانُوا يَصْنَعُونَ عامٌّ لِكُلِّ عَمَلٍ لا يُرْضِي اللَّهَ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِكُفْرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ، وإنَّ مِن أشْنَعِ ما كانُوا يَصْنَعُونَ تَكْذِيبَهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أنَّهُ مِنهم، وذَلِكَ أظْهَرُ في مَعْنى الإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والرِّفْقِ بِهِمْ، وما مِن قَرْيَةٍ أُهْلِكَتْ إلّا وقَدْ جاءَها رَسُولٌ مِن أهْلِها ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [القصص: ٥٩] .

والأخْذُ: الإهْلاكُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ المُعَرَّضِ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْذارِ.

وتَعْرِيفُ العَذابِ لِلْجِنْسِ، أيْ فَأخَذَهم عَذابٌ كَقَوْلِهِ ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] .

An-Nahl 16:113Listen in Qur'an →
114

فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

Then eat of what Allah has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allah, if it is [indeed] Him that you worship.

﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى المَوْعِظَةِ وضَرْبِ المَثَلِ، وخُوطِبَ بِهِ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [النحل: ١١٥] إلى آخِرِهِ.

صفحة ٣٠٩

ولَعَلَّ هَذا مُوَجَّهٌ إلى أهْلِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ إذْ أصْبَحُوا آمِنِينَ عِنْدَ مَلِكٍ عادِلٍ في بَلَدٍ يَجِدُونَ فِيهِ رِزْقًا حَلالًا، وهو ما يُضافُونَ بِهِ، وما يَكْسِبُونَهُ بِكَدِّهِمْ، أيْ إذا عَلِمْتُمْ حالَ القَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِها أوِ المُعَرَّضِ بِها فاشْكُرُوا اللَّهَ الَّذِي نَجّاكم مِن مِثْلِ ما أصابَ القَرْيَةَ، فاشْكُرُوا اللَّهَ ولا تَكْفُرُوهُ كَما كَفَرَ بِنِعْمَتِهِ أهْلُ تِلْكَ القَرْيَةِ، فَقَوْلُهُ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ في المَثَلِ ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] إنْ كُنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، كَما هو مُقْتَضى الإيمانِ، وتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ لِلْبَعْثِ عَلى الِامْتِثالِ لِإظْهارِ صِدْقِ إيمانِهِمْ، وإظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِزِيادَةِ التَّذْكِيرِ، ولِتَكُونَ جُمْلَةُ هَذا الأمْرِ مُسْتَقِلَّةً بِدَلالَتِها، بِحَيْثُ تَصِحُّ أنْ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ.

وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ والمَعْنى واحِدٌ وهو قَوْلٌ بَعِيدٌ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ فَكُلُوا لِلِامْتِنانِ، وإدْخالِ حَرْفِ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّ الأمْرَ بِالأكْلِ مُقَدِّمَةٌ لِلْأمْرِ بِالشُّكْرِ، وهو المَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ، والمَقْصُودُ: فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، ولا تَكْفُرُوها فَيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِأهْلِ القَرْيَةِ المَضْرُوبَةِ مَثَلًا.

والحَلالُ: المَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا، والطَّيِّبُ: ما يَطِيبُ لِلنّاسِ طَعْمُهُ ويَنْفَعُهم قُوتُهُ.

An-Nahl 16:114Listen in Qur'an →
115

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [النحل: ١١٤]؛ لِتَمْيِيزِ الطَّيِّبِ مِنَ الخَبِيثِ، فَإنَّ المَذْكُوراتِ في المُحَرَّماتِ هي خَبائِثُ خُبْثًا

صفحة ٣١٠

فِطْرِيًّا؛ لِأنَّ بَعْضَها مُفْسِدٌ لِتَوَلُّدِ الغِذاءِ؛ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَضَرَّةِ، وتِلْكَ هي المَيْتَةُ، والدَّمُ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ. وبَعْضُها مُنافٍ لِلْفِطْرَةِ، وهو ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُنافٍ لِشُكْرِ المُنْعِمِ بِها، فاللَّهُ خَلَقَ الأنْعامَ، والمُشْرِكُونَ يَذْكُرُونَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْها.

ولِإفادَةِ بَيانِ الحَلالِ الطَّيِّبِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ جِيءَ فِيها بِأداةِ الحَصْرِ، أيْ ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا الأرْبَعَ المَذْكُوراتِ، فَبَقِيَ ما عَداها طَيِّبًا.

وهَذا بِالنَّظَرِ إلى الطِّيبِ والخُبْثِ بِالذّاتِ، وقَدْ يَعْرِضُ الخُبْثُ لِبَعْضِ المَطْعُوماتِ عَرْضًا.

ومُناسَبَةُ هَذا التَّحْدِيدِ في المُحَرَّماتِ أنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ كانُوا بِأرْضِ غُرْبَةٍ، وقَدْ يُؤْكَلُ فِيها لَحْمُ الخِنْزِيرِ، وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وكانَ بَعْضُهم بِبَلَدٍ يُؤْكَلُ فِيهِ الدَّمُ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والأنْعامِ.

An-Nahl 16:115Listen in Qur'an →
116

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌۭ وَهَٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allah. Indeed, those who invent falsehood about Allah will not succeed.

﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عادَ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] الآيَةَ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، فَرُبَّما بَقِيَتْ في نُفُوسِ بَعْضِهِمْ كَراهِيَةُ أكْلِ ما كانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ أكْلِهِ في الجاهِلِيَّةِ.

صفحة ٣١١

وعَلَّقَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِمْ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾، ولَمْ يُعَلِّقْ بِالأمْرِ بِأكْلِ ما عَدا ما حَرَّمَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ جَعْلِ الحَلالِ حَرامًا، والحَرامِ حَلالًا، لا أكْلُ جَمِيعِ الحَلالِ، وتَرْكُ جَمِيعِ الحَرامِ حَتّى في حالِ الِاضْطِرارِ؛ لِأنَّ إمْساكَ المَرْءِ عَنْ أكْلِ شَيْءٍ لِكَراهِيَةٍ أوْ عَيْفٍ هو عَمَلٌ قاصِرٌ عَلى ذاتِهِ، وأمّا قَوْلُ ﴿وهَذا حَرامٌ﴾ فَهو يُفْضِي إلى التَّحْجِيرِ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَهِي أنْ يَتَناوَلَهُ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ﴾ هي إحْدى اللّامَيْنِ اللَّتَيْنِ يَتَعَدّى بِهِما فِعْلُ القَوْلِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عَنْ) الدّاخِلَةِ عَلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ فَهي كاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، أيْ قالُوا عَنْ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ هي لامُ التَّقْوِيَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المُخاطَبِ بِالقَوْلِ.

و(تَصِفُ) مَعْناهُ تَذْكُرُ وصْفًا وحالًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ لا تَقُولُوا ذَلِكَ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ تَقَوُّلٌ لَمْ يَقُلْهُ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ، وهو اللَّهُ تَعالى.

وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (تَصِفُ)، أيْ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ لَمْ يُنَبِّئْهم بِما قالُوا ولا نَصَبَ لَهم دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ هي مَقُولُ تَقُولُوا، واسْمُ الإشارَةِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى لِأوْصافِهِمْ أشْياءَ بِالحِلِّ، وأشْياءَ بِالتَّحْرِيمِ.

و(لِتَفْتَرُوا) عِلَّةٌ لِـ (تَقُولُوا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ الِافْتِراءِ حاصِلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْقائِلِينَ، فَهي لامُ العاقِبَةِ، ولَيْسَتْ لامَ العِلَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أنَّ المَقْصِدَ مِنها تَنْزِيلُ الحاصِلِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بَعْدَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنَ الفِعْلِ.

وافْتِراءُ الكَذِبِ تَقَدَّمَ آنِفًا، والَّذِينَ يَفْتَرُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَرَّمُوا أشْياءَ.

صفحة ٣١٢

وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في صُورَةِ جَوابٍ عَمّا يَجِيشُ بِخاطِرِ سائِلٍ يَسْألُ عَنْ عَدَمِ فَلاحِهِمْ مَعَ مُشاهَدَةِ كَثِيرٍ مِنهم في حالَةٍ مِنَ الفَلاحِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَتاعٌ، أيْ نَفْعٌ مُؤَقَّتٌ زائِلٌ، ولَهم بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ.

والآيَةُ تُحَذِّرُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَتَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ بِنَصٍّ صَرِيحٍ، أوْ بِإيجادِ مَعانٍ وأوْصافٍ لِلْأفْعالِ قَدْ جَعَلَ لِأمْثالِها أحْكامًا، فَمَن أثْبَتَ حَلالًا وحَرامًا بِدَلِيلٍ مِن مَعانٍ تَرْجِعُ إلى مُماثَلَةِ أفْعالٍ تَشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ المَعانِي فَقَدْ قالَ بِما …

An-Nahl 16:116Listen in Qur'an →
117

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.

﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عادَ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] الآيَةَ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، فَرُبَّما بَقِيَتْ في نُفُوسِ بَعْضِهِمْ كَراهِيَةُ أكْلِ ما كانُوا يَتَعَفَّفُونَ عَنْ أكْلِهِ في الجاهِلِيَّةِ.

صفحة ٣١١

وعَلَّقَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِمْ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾، ولَمْ يُعَلِّقْ بِالأمْرِ بِأكْلِ ما عَدا ما حَرَّمَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ جَعْلِ الحَلالِ حَرامًا، والحَرامِ حَلالًا، لا أكْلُ جَمِيعِ الحَلالِ، وتَرْكُ جَمِيعِ الحَرامِ حَتّى في حالِ الِاضْطِرارِ؛ لِأنَّ إمْساكَ المَرْءِ عَنْ أكْلِ شَيْءٍ لِكَراهِيَةٍ أوْ عَيْفٍ هو عَمَلٌ قاصِرٌ عَلى ذاتِهِ، وأمّا قَوْلُ ﴿وهَذا حَرامٌ﴾ فَهو يُفْضِي إلى التَّحْجِيرِ عَلى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَشْتَهِي أنْ يَتَناوَلَهُ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِما تَصِفُ﴾ هي إحْدى اللّامَيْنِ اللَّتَيْنِ يَتَعَدّى بِهِما فِعْلُ القَوْلِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عَنْ) الدّاخِلَةِ عَلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ فَهي كاللّامِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، أيْ قالُوا عَنْ إخْوانِهِمْ، ولَيْسَتْ هي لامُ التَّقْوِيَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المُخاطَبِ بِالقَوْلِ.

و(تَصِفُ) مَعْناهُ تَذْكُرُ وصْفًا وحالًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾ [النحل: ٦٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ لا تَقُولُوا ذَلِكَ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ تَقَوُّلٌ لَمْ يَقُلْهُ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ، وهو اللَّهُ تَعالى.

وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (تَصِفُ)، أيْ وصْفًا كَذِبًا؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الَّذِي لَهُ التَّحْلِيلُ والتَّحْرِيمُ لَمْ يُنَبِّئْهم بِما قالُوا ولا نَصَبَ لَهم دَلِيلًا عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ هي مَقُولُ تَقُولُوا، واسْمُ الإشارَةِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى لِأوْصافِهِمْ أشْياءَ بِالحِلِّ، وأشْياءَ بِالتَّحْرِيمِ.

و(لِتَفْتَرُوا) عِلَّةٌ لِـ (تَقُولُوا) بِاعْتِبارِ كَوْنِ الِافْتِراءِ حاصِلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِلْقائِلِينَ، فَهي لامُ العاقِبَةِ، ولَيْسَتْ لامَ العِلَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا أنَّ المَقْصِدَ مِنها تَنْزِيلُ الحاصِلِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بَعْدَ الفِعْلِ مَنزِلَةَ الغَرَضِ المَقْصُودِ مِنَ الفِعْلِ.

وافْتِراءُ الكَذِبِ تَقَدَّمَ آنِفًا، والَّذِينَ يَفْتَرُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَرَّمُوا أشْياءَ.

صفحة ٣١٢

وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في صُورَةِ جَوابٍ عَمّا يَجِيشُ بِخاطِرِ سائِلٍ يَسْألُ عَنْ عَدَمِ فَلاحِهِمْ مَعَ مُشاهَدَةِ كَثِيرٍ مِنهم في حالَةٍ مِنَ الفَلاحِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَتاعٌ، أيْ نَفْعٌ مُؤَقَّتٌ زائِلٌ، ولَهم بَعْدَهُ عَذابٌ ألِيمٌ.

والآيَةُ تُحَذِّرُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَتَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ بِنَصٍّ صَرِيحٍ، أوْ بِإيجادِ مَعانٍ وأوْصافٍ لِلْأفْعالِ قَدْ جَعَلَ لِأمْثالِها أحْكامًا، فَمَن أثْبَتَ حَلالًا وحَرامًا بِدَلِيلٍ مِن مَعانٍ تَرْجِعُ إلى مُماثَلَةِ أفْعالٍ تَشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ المَعانِي فَقَدْ قالَ بِما …

An-Nahl 16:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before. And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.

﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

لَمّا شَنَّعَ عَلى المُشْرِكِينَ أنَّهم حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، وحَذَّرَ المُسْلِمِينَ مِن تَحْرِيمِ أشْياءَ عَلى أنْفُسِهِمْ جَرْيًا عَلى ما اعْتادَهُ قَوْمُهم مِن تَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَهم، نَظَرَ أُولَئِكَ، وحَذَّرَ هَؤُلاءِ. فَهَذا وجْهُ تَعْقِيبِ الآيَةِ السّالِفَةِ بِآيَةِ ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ .

والمُرادُ مِنهُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، وقَدْ أشارَ إلى تِلْكَ المُناسَبَةِ قَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، أيْ وما ظَلَمْناهم بِما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم كَفَرُوا النِّعْمَةَ فَحُرِمُوا مِن نَعَمٍ عَظِيمَةٍ، وغُيِّرَ أُسْلُوبُ الكَلامِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ جانِبَ التَّحْذِيرِ فِيهِ أهَمُّ مِن جانِبِ التَّنْظِيرِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة ٣١٣

الَّتِي كانَ عَلَيْها سَلَفُهم، كَما قالَ تَعالى ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]، أيْ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَلا تَحْسَبُوا أنَّ ذَلِكَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ.

An-Nahl 16:118Listen in Qur'an →
119

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينِ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اللَّواتِي قَبْلَها كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]، فَلَمّا ذُكِرَتْ أحْوالُ أهْلِ الشِّرْكِ، وكانَ مِنها ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وكانَ المُسْلِمُونَ قَدْ شارَكُوهم أيّامَ الجاهِلِيَّةِ في ذَلِكَ، ووَرَدَتْ قَوارِعُ الذَّمِّ لِما صَنَعُوا، كانَ مِمّا يُتَوَهَّمُ عُلُوقُهُ بِأذْهانِ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْسَبُوا أنَّهم سَيَنالُهم شَيْءٌ مِن غَمْضٍ لِما اقْتَرَفُوهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَطَمْأنَ اللَّهُ نُفُوسَهم بِأنَّهم لَمّا تابُوا بِالإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، وأصْلَحُوا عَمَلَهم بَعْدَ أنْ أفْسَدُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً عَظِيمَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً واسِعَةً.

ووَقَعَ الإقْبالُ بِالخِطابِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ إيماءً إلى أنَّ تِلْكَ المَغْفِرَةَ مِن بَرَكاتِ الدِّينِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ.

وذِكْرُ اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ لِلنُّكْتَةِ المُتَقَدِّمَةِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] .

والجَهالَةُ: انْتِفاءُ العِلْمِ بِما يَجِبُ، والمُرادُ: جَهالَتُهم بِأدِلَّةِ الإسْلامِ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ بِـ (ثُمَّ) تَضَمَّنَتْ حُكْمَ التَّوْبَةِ، وأنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ مِن آثارِها، وذَلِكَ أهَمُّ عِنْدَ المُخاطِبِينَ مِمّا سَبَقَ مِن وعِيدٍ، أيِ الَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ جاهِلِينَ بِما يَدُلُّ عَلى فَسادِ ما عَمِلُوهُ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ، فَإنَّهم في مُدَّةِ تَأخُّرِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ في

صفحة ٣١٤

الإسْلامِ مَوْصُوفُونَ بِأنَّهم أهْلُ جَهالَةٍ وجاهِلِيَّةٍ، أوْ جاهِلِينَ بِالعِقابِ المُنْتَظَرِ عَلى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وعِنادِهِمْ إيّاهُ.

ويَدْخُلُ في هَذا الحُكْمِ مَن عَمِلَ حَرامًا مِنَ المُسْلِمِينَ جاهِلًا بِأنَّهُ حَرامٌ، وكانَ غَيْرَ مُقَصِّرٍ في جَهْلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ عَلى الِاهْتِمامِ الحاصِلِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، ولامِ الِابْتِداءِ. ويَتَّصِلُ خَبَرُ (إنَّ) بِاسْمِها لِبُعْدِ ما بَيْنَهُما.

ووَقَعَ الخَبَرُ بِوَصْفِ اللَّهِ بِصِفَةِ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ غُفْرانِهِ لَهم، ورَحْمَتِهِ إيّاهم في ضِمْنِ وصْفِ اللَّهِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ العَظِيمَتَيْنِ.

والباءُ في (بِجَهالَةٍ) لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ عَمِلُوا.

وضَمِيرُ ﴿مِن بَعْدِها﴾ عائِدٌ إلى الجَهالَةِ أوْ إلى التَّوْبَةِ.

An-Nahl 16:119Listen in Qur'an →
120

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader, devoutly obedient to Allah, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allah.

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] المَقْصُودُ بِهِ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ اتَّبَعُوا الإسْلامَ، فَبَعْدَ أنْ بَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهم ما عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ، زادَهم فَضْلًا بِبَيانِ فَضْلِ الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ.

صفحة ٣١٥

وجَعَلَ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ؛ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ الإسْلامِ فَضْلٌ زائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ بِأنَّ مَبْدَأهُ بِرَسُولٍ ومُنْتَهاهُ بِرَسُولٍ، وهَذا فَضْلٌ لَمْ يَحْظَ بِهِ دِينٌ آخَرُ.

فالمَقْصُودُ بَعْدَ هَذا التَّمْهِيدِ، وهاتِهِ المُقَدِّمَةِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقَدْ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] .

والأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنْ فُرُوعِهِ هَذا الِانْتِقالُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ قَبْلَها مِن تَحْرِيمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى النّاسِ.

ونَظَّرَهم بِاليَهُودِ إذْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ بِهَذا الِانْتِقالِ؛ لِإفادَةِ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَدْ حادُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتابِعُوها، وأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن إباحَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الطَّيِّباتِ إلّا ما بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ في آيَةِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.

وقَدْ وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ كانَ أُمَّةً، والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْمَعُها جِهَةٌ جامِعَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَصْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وصْفٌ بَدِيعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الفَضْلِ والفُتُوَّةِ والكَمالِ بِمَنزِلَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ، وقالَ البُحْتُرِيُّ:

ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًـا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مُعاذٌ أُمَّةٌ قانِتٌ لِلَّهِ» .

صفحة ٣١٦

والثّانِي: أنَّهُ كانَ أُمَّةً وحْدَهُ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ بِعْثَتِهِ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ غَيْرُهُ، فَهو الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدَ، وبَثَّهُ في الأُمَمِ والأقْطارِ، وبَنى لَهُ مَعْلَمًا عَظِيمًا، وهو الكَعْبَةُ، ودَعا النّاسَ إلى حَجِّهِ؛ لِإشاعَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى العُصُورِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خَطَرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ «وأنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، رَواهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، ورَأيْتُ رِوايَةً أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.

والقانِتُ: المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ …

An-Nahl 16:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.