Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 99

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the Book and a clear Qur'an.

صفحة ٨

﴿الر﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ فاتِحَةِ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.

وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما في مِثْلِ هَذِهِ الفَواتِحِ مِن إعْلانِ التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ.

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ الإشارَةُ إلى ما هو مَعْرُوفٌ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن مِقْدارِ ما نَزَلَ بِالقُرْآنِ، أيِ: الآياتُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَكُمُ المُتَمَيِّزَةُ لَدَيْكم تَمَيُّزًا كَتَمَيُّزِ الشَّيْءِ الَّذِي تُمْكِنُ الإشارَةُ إلَيْهِ هي آياتُ الكِتابِ، وهَذِهِ الإشارَةُ لِتَنْزِيلِ آياتِ القُرْآنِ مَنزِلَةَ الحاضِرِ المُشاهَدِ.

والكِتابُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْهُدى والإرْشادِ إلى الشَّرِيعَةِ، وسُمِّيَ كِتابًا؛ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكِتابَةِ ما يَنْزِلُ مِنهُ لِحِفْظِهِ ومُراجَعَتِهِ؛ فَقَدْ سُمِّيَ القُرْآنُ كِتابًا قَبْلَ أنْ يُكْتَبَ ويُجْمَعَ؛ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَكُونُ كِتابًا.

ووَقَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مُفْتَتَحِ تَهْدِيدِ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ لِقَصْدِ الإعْذارِ إلَيْهِمْ بِاسْتِدْعائِهِمْ لِلنَّظَرِ في دَلائِلَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحَقِّيَّةِ دِينِهِ.

ولَمّا كانَ أصْلُ التَّعْرِيفِ بِاللّامِ في الِاسْمِ المَجْعُولِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ جائِيًا مِنَ التَّوَسُّلِ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ إلى الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى كَمالِ الجِنْسِ في المُعَرَّفِ بِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنِ العَلَمِ بِالغَلَبَةِ أنَّهُ فائِقٌ في جِنْسِهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، فاقْتَضى أنَّ تِلْكَ الآياتِ هي آياتُ كِتابٍ بالِغٍ مُنْتَهى كَمالِ جِنْسِهِ، أيْ: مِن كُتُبِ الشَّرائِعِ.

صفحة ٩

وعَطَفَ ”وقُرْآنٍ“ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ اسْمَ القُرْآنِ جُعِلَ عَلَمًا عَلى ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإعْجازِ والتَّشْرِيعِ، فَهو الِاسْمُ العَلَمُ لِكِتابِ الإسْلامِ مِثْلُ اسْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ لِلْكُتُبِ المُشْتَهِرَةِ بِتِلْكَ الأسْماءِ.

فاسْمُ القُرْآنِ أرْسَخُ في التَّعْرِيفِ بِهِ مِنَ الكِتابِ؛ لِأنَّ العَلَمَ الأصْلِيَّ أدْخَلُ في تَعْرِيفِ المُسَمّى مِنَ العَلَمِ بِالغَلَبَةِ، فَسَواءٌ نُكِّرَ لَفْظُ القُرْآنِ أوْ عُرِّفَ بِاللّامِ فَهو عَلَمٌ عَلى كِتابِ الإسْلامِ، فَإنْ نُكِّرَ فَتَنْكِيرُهُ عَلى أصْلِ الأعْلامِ، وإنْ عُرِّفَ فَتَعْرِيفُهُ لِلَمْحِ الأصْلِ قَبْلَ العَلَمِيَّةِ كَتَعْرِيفِ الأعْلامِ المَنقُولَةِ مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ مَنقُولٌ مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى القِراءَةِ، أيِ: المَقْرُوءِ الَّذِي إذا قُرِئَ فَهو مُنْتَهى القِراءَةِ.

وفِي التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ مِن مَعْنى قُوَّةِ الِاتِّصافِ بِمادَّةِ المَصْدَرِ ما هو مَعْلُومٌ. ولِلْإشارَةِ إلى ما في كُلٍّ مِنَ العَلَمَيْنِ مِن مَعْنًى لَيْسَ في العَلَمِ الآخَرِ حَسُنَ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِطَرِيقِ العَطْفِ، وهو مِن عَطْفِ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَطْفِ التَّفْسِيرِ؛ لِأنَّ (قُرْآنٍ) بِمَنزِلَةِ عَطْفِ البَيانِ مِن كِتابٍ وهو شَبِيهٌ بِعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ وما هو مِنهُ، ولَكِنَّهُ أشْبَهَهُ؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ مَتْبُوعٌ بِوَصْفٍ وهو (مُبِينٍ)، وهَذا كُلُّهُ اعْتِبارٌ بِالمَعْنى.

وابْتُدِئَ بِالمُعَرَّفِ بِاللّامِ لِما في التَّعْرِيفِ مِن إيذانٍ بِالشُّهْرَةِ والوُضُوحِ وما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ، ولِأنَّ المُعَرَّفَ هو أصْلُ الإخْبارِ والأوْصافِ، ثُمَّ جِيءَ بِالمُنَكَّرِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ وصْفُهُ بِالمُبِينِ، والمُنَكَّرُ أنْسَبُ بِإجْراءِ الأوْصافِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ التَّنْكِيرَ يَدُلُّ عَلى التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، فَوُزِّعَتِ …

2

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ

Perhaps those who disbelieve will wish that they had been Muslims.

﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهو مُفْتَتَحُ الغَرَضِ وما قَبْلَهُ كالتَّنْبِيهِ والإنْذارِ.

و”رُبَما“ مُرَكَّبَةٌ مِن (رُبَ)، وهو حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى تَنْكِيرِ مَدْخُولِهِ ويَجُرُّ ويَخْتَصُّ بِالأسْماءِ، وهو بِتَخْفِيفِ الباءِ وتَشْدِيدِها في جَمِيعِ الأحْوالِ، وفِيها عِدَّةُ لُغاتٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الباءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها.

واقْتَرَنَتْ بِها (ما) الكافَّةُ لِـ (رُبَّ) عَنِ العَمَلِ، ودُخُولُ (ما) بَعْدَ (رُبَّ) يَكُفُّ عَمَلَها غالِبًا، وبِذَلِكَ يَصِحُّ دُخُولُها عَلى الأفْعالِ، فَإذا دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ فالغالِبُ أنْ يُرادَ بِها التَّقْلِيلُ.

صفحة ١١

والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، وقَدْ يَكُونُ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ كَما هُنا، ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ بِالماضِي في التَّحَقُّقِ.

ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن أوْجَبَ دُخُولَها عَلى الماضِي، وتَأوَّلَ نَحْوَ الآيَةِ بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ، ومَعْنى الِاسْتِقْبالِ هُنا واضِحٌ؛ لِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَوَدُّوا أنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ قَبْلَ ظُهُورِ قُوَّةِ الإسْلامِ مِن وقْتِ الهِجْرَةِ.

والكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ في عَدَمِ اتِّباعِهِمْ دِينَ الإسْلامِ والمَعْنى: قَدْ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا أسْلَمُوا.

والتَّقْلِيلُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ والتَّخْوِيفِ، أيِ: احْذَرُوا ودادَتَكم أنْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ، فَلَعَلَّها أنْ تَقَعَ نادِرًا كَما يَقُولُ العَرَبُ في التَّوْبِيخِ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ، وهم لا يَشُكُّونَ في تَنَدُّمِهِ، وإنَّما يُرِيدُونَ أنَّهُ لَوْ كانَ النَّدَمُ مَشْكُوكًا فِيهِ لَكانَ حَقًّا عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ ما قَدْ تَنَدَمُ عَلى التَّفْرِيطِ فِيهِ لِكَيْ لا تَنْدَمَ؛ لِأنَّ العاقِلَ يَتَحَرَّزُ مِنَ الضُّرِّ المَظْنُونِ كَما يَتَحَرَّزُ مِنَ المُتَيَقَّنِ.

والمَعْنى أنَّهم قَدْ يَوَدُّونَ أنْ يَكُونُوا أسْلَمُوا ولَكِنْ بَعْدَ الفَواتِ.

والإتْيانُ بِفِعْلِ الكَوْنِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَوَدُّونَ الإسْلامَ بَعْدَ مُضِيِّ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِن إيقاعِهِ، وذَلِكَ عِنْدَما يُقْتَلُونَ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ، وعِنْدَ حُضُورِ يَوْمِ الجَزاءِ، وقَدْ ودَّ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ في الحَياةِ الدُّنْيا حِينَ شاهَدُوا نَصْرَ المُسْلِمِينَ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ودَّ كُفّارُ قُرَيْشٍ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَأوْا نَصْرَ المُسْلِمِينَ، ويَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ يُساقُونَ إلى النّارِ لِكُفْرِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]، وكَذَلِكَ إذا أُخْرِجَ عُصاةُ المُسْلِمِينَ مِنَ النّارِ ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في النّارِ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، عَلى أنَّهم قَدْ ودُّوا ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وكَتَمُوهُ في نُفُوسِهِمْ عِنادًا وكُفْرًا؛ قالَ تَعالى

صفحة ١٢

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، أيْ: فَلا يُصَرِّحُونَ بِهِ.

و(لَوْ) في ﴿لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي؛لِأنَّ أصْلَها الشَّرْطِيَّةُ، إذْ هي حَرْفُ امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ، فَهي مُناسِبَةٌ لِمَعْنى التَّمَنِّي الَّذِي هو طَلَبُ الأمْرِ المُمْتَنَعِ الحُصُولِ، فَإذا وقَعَتْ …

3

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ لَمّا دَلَّتْ (رُبَّ) عَلى التَّقْلِيلِ اقْتَضَتْ أنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى غُلَوائِهِمْ هو أكْثَرُ حالِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَمّا يَدْعُوهم إلَيْهِ الإسْلامُ مِنَ الكَمالِ النَّفْسِيِّ، فَبِإعْراضِهِمْ عَنْهُ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِحَياةِ الأنْعامِ، وهي الِاقْتِصارُ عَلى اللَّذّاتِ الجَسَدِيَّةِ، فَخُوطِبَ الرَّسُولُ ﷺ بِما يُعَرَّضُ لَهم بِذَلِكَ مِن أنَّ حَياتَهم حَياةُ أكْلٍ وشُرْبٍ، وذَلِكَ مِمّا يَتَعَيَّرُونَ بِهِ في مَجارِي أقْوالِهِمْ كَما في قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

دَعِ المَكارِمَ لا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِها واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي

وهم مُنْغَمِسُونَ فِيما يَتَعَيَّرُونَ بِهِ في أعْمالِهِمْ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] .

صفحة ١٣

و”ذَرْ“ أمْرٌ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ ماضٍ في كَلامِهِمْ، وهو بِمَعْنى التَّرْكِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأمْرُ بِتَرْكِهِمْ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ، وهو قِلَّةُ جَدْوى الحِرْصِ عَلى إصْلاحِهِمْ، ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في الإذْنِ بِمُتارَكَتِهِمْ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُورٌ بِالدَّوامِ عَلى دُعائِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا﴾ [الأنعام: ٧٠] إلى قَوْلِهِ ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠]، فَما أمَرَهُ بِتَرْكِهِمْ إلّا وقَدْ أعْقَبَهُ بِأمْرِهِ بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ، فَعُلِمَ أنَّ التَّرْكَ مُسْتَعْمَلٌ في عَدَمِ الرَّجاءِ في صَلاحِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِ كَبْشَةَ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ في قَتْلِ أخِيها عَبْدِ اللَّهِ تَسْتَنْهِضُ أخاها عَمْرًا لِلْأخْذِ بِثَأْرِهِ:

ودَعْ عَنْكَ عَمْرًا إنَّ عَمْرًا مُسالِمٌ ∗∗∗ وهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ

وقَدْ يُسْتَعْمَلُ هَذا الفِعْلُ وما يُرادُ بِهِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى الإعانَةِ أوْ عَنْ عَدَمِ قَبُولِ الوَساطَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] .

وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في التَّرْكِ المَجازِيِّ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِ مَنزِلَةَ المُتَلَبِّسِ بِالضِّدِّ كَقَوْلِ أبِي تَمّامٍ:

دَعُونِي أنُحْ مِن قَبْلِ نَوْحِ الحَمائِمِ ∗∗∗ ولا تَجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ

إذْ مِثْلُ هَذا يُقالُ عِنْدَ اليَأْسِ والقُنُوطِ عَنْ صَلاحِ المَرْءِ.

وقَدْ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّرْكِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ نَزَلَ مَنزِلَةَ ما لا يَحْتاجُ إلى مُتَعَلِّقٍ، إذِ المَعْنِيُّ بِهِ تَرْكُ الِاشْتِغالِ بِهِمْ والبُعْدُ عَنْهم، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ فِعْلُ التَّرْكِ إلى ذَواتِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى اليَأْسِ مِنهم.

و”يَأْكُلُوا“ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ المَحْذُوفَةِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وهو

صفحة ١٤

أمْرُ التَّوْبِيخِ والتَّوَعُّدِ والإنْذارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] .

ولا يَحْسُنُ جَعْلُهُ مَجْزُومًا في جَوابِ ذَرْهم؛ لِأنَّهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ سَواءً تَرَكَ الرَّسُولُ ﷺ دَعْوَتَهم أمْ دَعاهم.

والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمَتاعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. …

4

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾

اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمًا يَشْمَلُهم وهو حُكْمُ إمْهالِ الأُمَمِ الَّتِي حَقَّ عَلَيْها الهَلاكُ، أيْ: ما أهْلَكْنا أُمَّةً إلّا وقَدْ مَتَّعْناها زَمَنًا وكانَ لِهَلاكِها أجَلٌ ووَقْتٌ مَحْدُودٌ، فَهي مُمَتَّعَةٌ قَبْلَ حُلُولِهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ عِنْدَ إبّانِهِ.

صفحة ١٥

وهَذا تَعْرِيضٌ لِتَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ مُؤَيَّدٍ بِتَنْظِيرِهِمْ بِالمُكَذِّبِينَ السّالِفِينَ، وإنَّما ذَكَرَ حالَ القُرى الَّتِي أُهْلِكَتْ مِن قَبْلُ لِتَذْكِيرِ هَؤُلاءِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في إمْهالِ الظّالِمِينَ؛ لِئَلّا يَغُرَّهم ما هم فِيهِ مِنَ التَّمَتُّعِ فَيَحْسَبُوا أنَّهم أفْلَتُوا مِنَ الوَعِيدِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لا يَقْتَضِي أنَّ المُشْرِكِينَ قَدَّرَ اللَّهُ أجَلًا لِهَلاكِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم ولَكِنْ هَدى كَثِيرًا مِنهم إلى الإسْلامِ بِالسَّيْفِ وأهْلَكَ سادَتَهم يَوْمَ بَدْرٍ.

والقَرْيَةُ: المَدِينَةُ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والكِتابُ: القَدَرُ المَحْدُودُ عِنْدَ اللَّهِ؛ شُبِّهَ بِالكِتابِ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى.

وجُمْلَةُ ﴿ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَفاكَ عِلْمًا عَلى ذَلِكَ اقْتِرانُها بِالواوِ فَهي اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ أحْوالٍ، وصاحِبُ الحالِ هو قَرْيَةٌ وهو وإنْ كانَ نَكِرَةً فَإنَّ وُقُوعَها في سِياقِ النَّفْيِ سَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ كَما سَوَّغَ العُمُومُ صِحَّةَ الإخْبارِ عَنِ النَّكِرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”﴿ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾“ لِبَيانِ فائِدَةِ التَّحْدِيدِ: أنَّهُ عَدِمَ المُجاوَزَةِ بَدْءًا وِنَهايَةً.

ومَعْنى (تَسْبِقُ أجَلَها) تَفُوتُهُ، أيْ: تُعْدَمُ قَبْلَ حُلُولِهِ، شَبَّهَ ذَلِكَ بِالسَّبْقِ، ويَسْتَأْخِرُونَ: يَتَأخَّرُونَ؛ فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ.

وأُنِّثَ مُفْرَدًا ضَمِيرُ (الأُمَّةِ) مَرَّةً مُراعاةً لِلَّفْظِ، وجُمِعَ مُذَكَّرًا مُراعاةً لِلْمَعْنى، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَسْتَأْخِرُونَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: وما يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ.

5

مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾

اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمًا يَشْمَلُهم وهو حُكْمُ إمْهالِ الأُمَمِ الَّتِي حَقَّ عَلَيْها الهَلاكُ، أيْ: ما أهْلَكْنا أُمَّةً إلّا وقَدْ مَتَّعْناها زَمَنًا وكانَ لِهَلاكِها أجَلٌ ووَقْتٌ مَحْدُودٌ، فَهي مُمَتَّعَةٌ قَبْلَ حُلُولِهِ، وهي مَأْخُوذَةٌ عِنْدَ إبّانِهِ.

صفحة ١٥

وهَذا تَعْرِيضٌ لِتَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ مُؤَيَّدٍ بِتَنْظِيرِهِمْ بِالمُكَذِّبِينَ السّالِفِينَ، وإنَّما ذَكَرَ حالَ القُرى الَّتِي أُهْلِكَتْ مِن قَبْلُ لِتَذْكِيرِ هَؤُلاءِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في إمْهالِ الظّالِمِينَ؛ لِئَلّا يَغُرَّهم ما هم فِيهِ مِنَ التَّمَتُّعِ فَيَحْسَبُوا أنَّهم أفْلَتُوا مِنَ الوَعِيدِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لا يَقْتَضِي أنَّ المُشْرِكِينَ قَدَّرَ اللَّهُ أجَلًا لِهَلاكِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم ولَكِنْ هَدى كَثِيرًا مِنهم إلى الإسْلامِ بِالسَّيْفِ وأهْلَكَ سادَتَهم يَوْمَ بَدْرٍ.

والقَرْيَةُ: المَدِينَةُ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والكِتابُ: القَدَرُ المَحْدُودُ عِنْدَ اللَّهِ؛ شُبِّهَ بِالكِتابِ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ، وهو مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى.

وجُمْلَةُ ﴿ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَفاكَ عِلْمًا عَلى ذَلِكَ اقْتِرانُها بِالواوِ فَهي اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ أحْوالٍ، وصاحِبُ الحالِ هو قَرْيَةٌ وهو وإنْ كانَ نَكِرَةً فَإنَّ وُقُوعَها في سِياقِ النَّفْيِ سَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ كَما سَوَّغَ العُمُومُ صِحَّةَ الإخْبارِ عَنِ النَّكِرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”﴿ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾“ لِبَيانِ فائِدَةِ التَّحْدِيدِ: أنَّهُ عَدِمَ المُجاوَزَةِ بَدْءًا وِنَهايَةً.

ومَعْنى (تَسْبِقُ أجَلَها) تَفُوتُهُ، أيْ: تُعْدَمُ قَبْلَ حُلُولِهِ، شَبَّهَ ذَلِكَ بِالسَّبْقِ، ويَسْتَأْخِرُونَ: يَتَأخَّرُونَ؛ فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ.

وأُنِّثَ مُفْرَدًا ضَمِيرُ (الأُمَّةِ) مَرَّةً مُراعاةً لِلَّفْظِ، وجُمِعَ مُذَكَّرًا مُراعاةً لِلْمَعْنى، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَسْتَأْخِرُونَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: وما يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ.

6

وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.

صفحة ١٦

﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣]، والمُناسَبَةُ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْها تَضَمَّنَتِ انْهِماكَهم في المَلَذّاتِ والآمالِ، وهَذِهِ تَضَمَّنَتْ تَوَغُّلَهم في الكُفْرِ وتَكْذِيبَهُمُ الرِّسالَةَ المُحَمَّدِيَّةَ.

والمَعْنى: ذَرْهم يُكَذِّبُونَ ويَقُولُونَ شَتّى القَوْلِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والجُمْلَةُ كُلُّها مِن مَقُولِهِمْ.

والنِّداءُ في ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ لِلتَّشْهِيرِ بِالوَصْفِ المُنادى بِهِ، واخْتِيارُ المَوْصُولِيَّةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ المَعْنى الَّذِي جَعَلُوهُ سَبَبَ التَّهَكُّمِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهم ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، وقَدْ أرادُوا الِاسْتِهْزاءَ بِوَصْفِهِ فَأنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِالحَقِّ فِيهِ صَرْفًا لِألْسِنَتِهِمْ عَنِ الشَّتْمِ، وهَذا كَما «كانُوا إذا شَتَمُوا النَّبِيءَ ﷺ أوْ هَجَوْهُ يَدْعُونَهُ مُذَمَّمًا؛ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعائِشَةَ ألَمْ تَرَيْ كَيْفَ صَرَفَ اللَّهُ عَنِّي أذى المُشْرِكِينَ وسَبَّهم، يَسُبُّونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحَمَّدٌ» .

وفِي هَذا إسْنادُ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ بِحَسَبِ ما يَدَّعِيهِ صاحِبُ اسْمِ المَوْصُولِ لا بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

والذِّكْرُ: مَصْدَرُ ذَكَرَ إذا تَلَفَّظَ، ومَصْدَرُ ذَكَرَ إذا خَطَرَ بِبالِهِ شَيْءٌ، فالذِّكْرُ: الكَلامُ المُوحى بِهِ؛ لِيُتْلى ويُكَرَّرَ، فَهو لِلتِّلاوَةِ؛لِأنَّهُ يُذْكَرُ ويُعادُ؛ إمّا لِأنَّ فِيهِ التَّذْكِيرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وإمّا بِمَعْنى أنَّ بِهِ ذِكْرَهم في الآخَرِينَ، وقَدْ شَمَلَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقالَ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] والمُرادُ بِهِ هُنا القُرْآنُ.

صفحة ١٧

فَتَسْمِيَةُ القُرْآنِ ذِكْرًا تَسْمِيَةٌ جامِعَةٌ عَجِيبَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عِلْمٌ بِها مِن قَبْلِ أنْ تَرِدَ في القُرْآنِ.

وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُهُ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ مِن إنْزالِهِ أنْ يُقْرَأ، فَصارَ الذِّكْرُ والقُرْآنُ صِنْفَيْنِ مِن أصْنافِ الكَلامِ الَّذِي يُلْقى لِلنّاسِ لِقَصْدِ وعْيِهِ وتِلاوَتِهِ، كَما كانَ مِن أنْواعِ الكَلامِ الشِّعْرُ والخُطْبَةُ والقِصَّةُ والأُسْطُورَةُ.

ويَدُلُّكَ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، فَنَفى أنْ يَكُونَ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ شِعْرًا، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ، ولا يَخْفى أنَّ وصْفَهُ بِذَلِكَ يَقْتَضِي مُغايَرَةً بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ، وهي مُغايِرَةٌ بِاعْتِبارِ ما في الصِّفَتَيْنِ مِنَ المَعْنى الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، فالمُرادُ: أنَّهُ مِن صِنْفِ الذِّكْرِ ومِن صِنْفِ القُرْآنِ، لا مِن صِنْفِ الشِّعْرِ، ولا مِن صِنْفِ الأساطِيرِ.

ثُمَّ صارَ القُرْآنُ بِالتَّعْرِيفِ بِاللّامِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

وإنَّما وصَفُوهُ بِالجُنُونِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ ادِّعاءَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ لا يَصْدُرُ مِن عاقِلٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم مُخالِفٌ لِلْواقِعِ تَوَهُّمًا مِنهم بِأنَّ ما لا تَقْبَلُهُ عُقُولُهُمُ الَّتِي عَلَيْها غِشاوَةٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَهُ العُقَلاءُ؛ فالدّاعِي بِهِ غَيْرُ عاقِلٍ.

والمَجْنُونُ: الَّذِي جُنَّ، أيْ: أصابَهُ فَسادٌ في العَقْلِ مِن أثَرِ …

7

لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

صفحة ١٦

﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣]، والمُناسَبَةُ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْها تَضَمَّنَتِ انْهِماكَهم في المَلَذّاتِ والآمالِ، وهَذِهِ تَضَمَّنَتْ تَوَغُّلَهم في الكُفْرِ وتَكْذِيبَهُمُ الرِّسالَةَ المُحَمَّدِيَّةَ.

والمَعْنى: ذَرْهم يُكَذِّبُونَ ويَقُولُونَ شَتّى القَوْلِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، والجُمْلَةُ كُلُّها مِن مَقُولِهِمْ.

والنِّداءُ في ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ لِلتَّشْهِيرِ بِالوَصْفِ المُنادى بِهِ، واخْتِيارُ المَوْصُولِيَّةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ المَعْنى الَّذِي جَعَلُوهُ سَبَبَ التَّهَكُّمِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهم ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، وقَدْ أرادُوا الِاسْتِهْزاءَ بِوَصْفِهِ فَأنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِالحَقِّ فِيهِ صَرْفًا لِألْسِنَتِهِمْ عَنِ الشَّتْمِ، وهَذا كَما «كانُوا إذا شَتَمُوا النَّبِيءَ ﷺ أوْ هَجَوْهُ يَدْعُونَهُ مُذَمَّمًا؛ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعائِشَةَ ألَمْ تَرَيْ كَيْفَ صَرَفَ اللَّهُ عَنِّي أذى المُشْرِكِينَ وسَبَّهم، يَسُبُّونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحَمَّدٌ» .

وفِي هَذا إسْنادُ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ بِحَسَبِ ما يَدَّعِيهِ صاحِبُ اسْمِ المَوْصُولِ لا بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

والذِّكْرُ: مَصْدَرُ ذَكَرَ إذا تَلَفَّظَ، ومَصْدَرُ ذَكَرَ إذا خَطَرَ بِبالِهِ شَيْءٌ، فالذِّكْرُ: الكَلامُ المُوحى بِهِ؛ لِيُتْلى ويُكَرَّرَ، فَهو لِلتِّلاوَةِ؛لِأنَّهُ يُذْكَرُ ويُعادُ؛ إمّا لِأنَّ فِيهِ التَّذْكِيرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وإمّا بِمَعْنى أنَّ بِهِ ذِكْرَهم في الآخَرِينَ، وقَدْ شَمَلَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقالَ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] والمُرادُ بِهِ هُنا القُرْآنُ.

صفحة ١٧

فَتَسْمِيَةُ القُرْآنِ ذِكْرًا تَسْمِيَةٌ جامِعَةٌ عَجِيبَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عِلْمٌ بِها مِن قَبْلِ أنْ تَرِدَ في القُرْآنِ.

وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُهُ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ قَصَدَ مِن إنْزالِهِ أنْ يُقْرَأ، فَصارَ الذِّكْرُ والقُرْآنُ صِنْفَيْنِ مِن أصْنافِ الكَلامِ الَّذِي يُلْقى لِلنّاسِ لِقَصْدِ وعْيِهِ وتِلاوَتِهِ، كَما كانَ مِن أنْواعِ الكَلامِ الشِّعْرُ والخُطْبَةُ والقِصَّةُ والأُسْطُورَةُ.

ويَدُلُّكَ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، فَنَفى أنْ يَكُونَ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ شِعْرًا، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ، ولا يَخْفى أنَّ وصْفَهُ بِذَلِكَ يَقْتَضِي مُغايَرَةً بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ، وهي مُغايِرَةٌ بِاعْتِبارِ ما في الصِّفَتَيْنِ مِنَ المَعْنى الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، فالمُرادُ: أنَّهُ مِن صِنْفِ الذِّكْرِ ومِن صِنْفِ القُرْآنِ، لا مِن صِنْفِ الشِّعْرِ، ولا مِن صِنْفِ الأساطِيرِ.

ثُمَّ صارَ القُرْآنُ بِالتَّعْرِيفِ بِاللّامِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

وإنَّما وصَفُوهُ بِالجُنُونِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ ادِّعاءَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ لا يَصْدُرُ مِن عاقِلٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم مُخالِفٌ لِلْواقِعِ تَوَهُّمًا مِنهم بِأنَّ ما لا تَقْبَلُهُ عُقُولُهُمُ الَّتِي عَلَيْها غِشاوَةٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَهُ العُقَلاءُ؛ فالدّاعِي بِهِ غَيْرُ عاقِلٍ.

والمَجْنُونُ: الَّذِي جُنَّ، أيْ: أصابَهُ فَسادٌ في العَقْلِ مِن أثَرِ …

8

مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ

We do not send down the angels except with truth; and the disbelievers would not then be reprieved.

﴿ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾

مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ جَوابًا لِكَلامِهِمْ وُشُبُهاتِهِمْ ومُقْتَرَحاتِهِمْ.

وابْتُدِئَ في الجَوابِ بِإزالَةِ شُبْهَتِهِمْ إذْ قالُوا ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]، أُرِيدَ مِنهُ إزالَةُ جَهالَتِهِمْ إذْ سَألُوا نُزُولَ المَلائِكَةِ عَلامَةً عَلى التَّصْدِيقِ؛لِأنَّهم وإنْ طَلَبُوا ذَلِكَ بِقَصْدِ التَّهَكُّمِ فَهم مَعَ ذَلِكَ مُعْتَقِدُونَ أنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ هو آيَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَكانَ جَوابُهم مَشُوبًا بِطَرَفٍ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو صَرْفُهم إلى تَعْلِيمِهِمُ المَيْزَ بَيْنَ آياتِ الرُّسُلِ وبَيْنَ آياتِ العَذابِ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ لا يَدَّخِرَهم هَدْيًا وإلّا فَهم أحْرِياءُ بِأنْ لا يُجابُوا.

صفحة ١٩

والنُّزُولُ: التَّدَلِّي مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا انْتِقالُ المَلائِكَةِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ إلى العالَمِ الأرْضِيِّ نُزُولًا مَخْصُوصًا، وهو نُزُولُهم لِتَنْفِيذِ أمْرِ اللَّهِ بِعَذابٍ يُرْسِلُهُ عَلى الكافِرِينَ، كَما أُنْزِلُوا إلى مَدائِنِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَيْسَ مِثْلَ نُزُولِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ غَيْرِهِ مِنَ المَلائِكَةِ إلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالشَّرائِعِ أوْ بِالوَحْيِ؛ قالَ تَعالى في ذِكْرِ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ [آل عمران: ٣٩] .

والمُرادُ بِـ (الحَقِّ) هُنا الشَّيْءُ الحاقُّ، أيِ: المَقْضِيُّ، مِثْلُ إطْلاقِ القَضاءِ بِمَعْنى المَقْضِيِّ، وهو هُنا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ المَقامِ، أيِ: العَذابُ الحاقُّ، قالَ تَعالى ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾، أيْ: لا تَنْزِلُ المَلائِكَةُ لِلنّاسِ غَيْرِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا مُصاحِبِينَ لِلْعَذابِ الحاقِّ عَلى النّاسِ كَما تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، ولَوْ تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ لَعُجِّلَ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِمْ ولَما أُمْهِلُوا.

ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ مُنْظِرُهم؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدِ اسْتِئْصالَهم؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ نَشْرُ الدِّينِ بِواسِطَتِهِمْ فَأمْهَلَهم حَتّى اهْتَدَوْا، ولَكِنَّهُ أهْلَكَ كُبَراءَهم ومُدَبِّرِيهِمْ.

ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨]، وقَدْ نَزَلَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ يَقْطَعُونَ رُءُوسَ المُشْرِكِينَ.

والإنْظارُ: التَّأْخِيرُ والتَّأْجِيلُ.

و(إذا) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، وقَدْ سَقَطَتْ هُنا بَيْنَ جُزْأيْ جَوابِها رَعْيًا لِمُناسَبَةِ عَطْفِ جَوابِها عَلى قَوْلِهِ (﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾)، وكانَ شَأْنُ (إذَنْ) أنْ تَكُونَ في صَدْرِ جَوابِها، وجُمْلَتُها هي الجَوابُ المَقْصُودُ لِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]، وجُمْلَةُ (﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ﴾) مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ؛ لِأنَّها تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ، فَقُدِّمَ؛ لِأنَّهُ أوْقَعُ في الرَّدِّ، ولِأنَّهُ أسْعَدُ بِإيجازِ الجَوابِ.

صفحة ٢٠

وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ إذَنْ ما كُنْتُمْ مُنْظَرِينَ بِالحَياةِ، ولَعَجَّلَ لَكُمُ الِاسْتِئْصالَ؛ إذْ ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا مَصْحُوبِينَ …

9

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Indeed, it is We who sent down the Qur'an and indeed, We will be its guardian.

﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإبْطالِ جُزْءٍ مِن كَلامِهِمُ المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ، إذْ قالُوا ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]، بَعْدَ أنْ عَجَّلَ كَشْفَ شُبْهَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٧] .

جاءَ نَشْرُ الجَوابَيْنِ عَلى عَكْسِ لَفِّ المَقالَيْنِ اهْتِمامًا بِالِابْتِداءِ بِرَدِّ المَقالِ الثّانِي بِما فِيهِ مِنَ الشُّبْهَةِ بِالتَّعْجِيزِ والإفْحامِ، ثُمَّ ثُنِّيَ العَنانُ إلى رَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِالِاسْتِهْزاءِ وسُؤالِ رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ.

وكانَ هَذا الجَوابُ مِن نَوْعِ القَوْلِ بِالمُوجِبِ بِتَقْرِيرِ إنْزالِ الذِّكْرِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ مُجاراةً لِظاهِرِ كَلامِهِمْ.

والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في اسْتِهْزائِهِمْ، فَأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنّا)، وضَمِيرِ الفَصْلِ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِما في الواقِعِ كَقَوْلِهِ ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .

صفحة ٢١

ثُمَّ زادَ ذَلِكَ ارْتِقاءً ونِكايَةً لَهم، بِأنَّ مُنْزِلَ الذَّكَرِ هو حافِظُهُ مِن كَيْدِ الأعْداءِ؛ فَجُمْلَةُ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ، واللّامُ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ العامِلِ لِضَعْفِهِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ.

وشَمَلَ حَفِظُهُ الحِفْظَ مِنَ التَّلاشِي، والحِفْظَ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيهِ، بِأنْ يَسَّرَ تَواتُرَهُ وأسْبابَ ذَلِكَ، وسَلَّمَهُ مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ حَتّى حَفِظَتْهُ الأُمَّةُ عَنْ ظُهُورِ قُلُوبِها مِن حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ، فاسْتَقَرَّ بَيْنَ الأُمَّةِ بِمَسْمَعٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ وصارَ حُفّاظُهُ بِالِغِينَ عَدَدَ التَّواتُرِ في كُلِّ مِصْرٍ.

وقَدْ حَكى عِياضٌ في المَدارِكِ: أنَّ القاضِيَ إسْماعِيلَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ المالِكِيَّ البَصْرِيَّ سُئِلَ عَنْ السِّرِّ في تَطَرُّقِ التَّغْيِيرِ لِلْكُتُبِ السّالِفَةِ وسَلامَةِ القُرْآنِ مِن طرقِ التَّغْيِيرِ لَهُ، فَأجابَ بِأنَّ اللَّهَ أوْكَلَ لِلْأحْبارِ حِفْظَ كُتُبِهِمْ فَقالَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] - وتَوَلّى حِفْظَ القُرْآنِ بِذاتِهِ تَعالى فَقالَ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ قالَ أبُو الحَسَنِ بْنِ المُنْتابِ ذَكَرْتُ هَذا الكَلامَ لِلْمُحامِلِيِّ فَقالَ لِي: لا أحْسَنَ مِن هَذا الكَلامِ.

صفحة ٢٢

وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ في خَبَرٍ رَواهُ عَنْ يَحْيى بْنِ أكْثَمَ: أنَّهُ ذَكَرَ قِصَّةَ إسْلامِ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ في زَمَنِ المَأْمُونِ، وحَدَّثَ بِها سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَقالَ سُفْيانُ: قالَ اللَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] فَجَعَلَ حِفْظَهُ إلَيْهِمْ فَضاعَ، وقالَ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا فَلَمْ يَضِعْ اهـ، ولَعَلَّ هَذا مِن تَوارُدِ الخَواطِرِ.

وفِي هَذا مَعَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ إغاظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ أمْرَ هَذا الدِّينِ سَيَتِمُّ، ويَنْتَشِرُ القُرْآنُ، ويَبْقى عَلى مَرِّ الأزْمانِ، وهَذا مِنَ التَّحَدِّي لِيَكُونَ هَذا الكَلامُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن قَوْلِ البَشَرِ أوْ لَمْ يَكُنْ آيَةً لَتَطَرَّقَتْ إلَيْهِ الزِّيادَةُ …

10

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muhammad], among the sects of the former peoples.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ جَوابٌ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] قَوْلٌ بِمُوجَبِ قَوْلِهِمْ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]، وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ إبْطالٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِنُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

وفِي هَذا التَّنْظِيرِ تَحْقِيقٌ لِكُفْرِهِمْ؛لِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ السّالِفِينَ مُقَرٌّ عِنْدَ الأُمَمِ ومُتَحَدَّثٌ بِهِ بَيْنَهم.

وفِيهِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِ أمْثالِهِمْ وإدْماجٍ بِالكِنايَةِ عَنْ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ .

صفحة ٢٣

والتَّأْكِيدُ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ سَبْقِ الإرْسالِ مِنَ اللَّهِ، مِثْلَ الإرْسالِ الَّذِي جَحَدُوهُ واسْتَعْجَبُوهُ كَقَوْلِهِ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢]، وذَلِكَ مُقْتَضى مَوْقِعِ قَوْلِهِ مِن قَبْلِكَ.

والشِّيَعُ: جَمْعُ شِيعَةٍ وهي الفِرْقَةُ الَّتِي أمْرُها واحِدٌ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، ويَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ: في أُمَمِ الأوَّلِينَ، أيِ: القُرُونِ الأُولى، فَإنَّ مِنَ الأُمَمِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ومِنَ الأُمَمِ مَن لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ؛ فَهَذا وجْهُ إضافَةِ شِيَعٍ إلى الأوَّلِينَ.

وكانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم، وأنَّهُ سُنَّتُهم، فَـ (كانَ) دَلَّتْ عَلى أنَّهُ سَجِيَّةٌ لَهم، والمُضارِعُ دَلَّ عَلى تَكَرُّرِهِ مِنهم.

ومَفْعُولُ أرْسَلْنا مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الفِعْلِ، أيْ: رُسُلًا، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (مِن رَسُولٍ) .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى (يَسْتَهْزِئُونَ) يُفِيدُ القَصْرَ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا يُكْثِرُونَ الِاسْتِهْزاءَ بِرَسُولِهِمْ وصارَ ذَلِكَ سَجِيَّةً لَهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ إلّا الِاسْتِهْزاءَ بِالرَّسُولِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.