Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 128

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

The command of Allah is coming, so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.

﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

لَمّا كانَ مُعْظَمُ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ زَجْرَ المُشْرِكِينَ عَنِ الإشْراكِ وتَوابِعِهِ، وإنْذارَهم بِسُوءِ عاقِبَةِ ذَلِكَ، وكانَ قَدْ تَكَرَّرَ وعِيدُهم مِن قَبْلُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِيَوْمٍ يَكُونُ الفارِقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَتَزُولُ فِيهِ شَوْكَتُهم وتَذْهَبُ شِدَّتُهم، وكانُوا قَدِ اسْتَبْطَئُوا ذَلِكَ اليَوْمَ حَتّى اطْمَأنُّوا أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ؛ فَصارُوا يَهْزَءُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَيَسْتَعْجِلُونَ حُلُولَ ذَلِكَ اليَوْمِ.

صُدِّرَتِ السُّورَةُ بِالوَعِيدِ المَصُوغِ في صُورَةِ الخَبَرِ بِأنْ قَدْ حَلَّ ذَلِكَ المُتَوَعَّدُ بِهِ، فَجِيءَ بِالماضِي المُرادِ بِهِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ الوُقُوعِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ (﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾)؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِعْجالِ حُلُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ يَقْتَضِي أنَّهُ لَمّا يَحُلَّ بَعْدُ.

والأمْرُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، كالوَعْدِ بِمَعْنى المَوْعُودِ، أيْ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ بِهِ تَقْدِيرُهُ، وإرادَةُ حُصُولِهِ في الأجَلِ المُسَمّى الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

صفحة ٩٧

وفِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِأمْرِ اللَّهِ إبْهامٌ يُفِيدُ تَهْوِيلَهُ وعَظَمَتَهُ؛لِإضافَتِهِ لِمَن لا يَعْظُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ تاراتٍ بِوَعْدِ اللَّهِ ومَرّاتٍ بِأجَلِ اللَّهِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِداءً؛ لِأنَّ اسْتِعْجالَ العَذابِ مِن خِصالِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شامِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ عَذابَ اللَّهِ - وإنْ كانَ الكافِرُونَ يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَهَكُّمًا لِظَنِّهِمْ أنَّهُ غَيْرُ آتٍ - فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُضْمِرُونَ في نُفُوسِهِمِ اسْتِبْطاءَهُ، ويُحِبُّونَ تَعْجِيلَهُ لِلْكافِرِينَ.

فَجُمْلَةُ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ وهي مِنَ المَقْصُودِ بِالإنْذارِ.

والِاسْتِعْجالُ: طَلَبُ تَعْجِيلِ حُصُولِ شَيْءٍ، فَمَفْعُولُهُ هو الَّذِي يَقَعُ التَّعْجِيلُ بِهِ، ويَتَعَدّى الفِعْلُ إلى أكْثَرِ مِن واحِدٍ بِالباءِ فَقالُوا: اسْتَعْجِلْ بِكَذا. وقَدْ مَضى في سُورَةِ الأنْعامِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] .

فَضَمِيرُ تَسْتَعْجِلُوهُ إمّا عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، أيْ فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ، وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ بِـ (تَسْتَعْجِلُوهُ)؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَلا تَسْتَعْجِلُوا اللَّهَ بِأمْرِهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] .

وقِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أمْرِ اللَّهِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الِاسْتِعْجالِ إلَيْهِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ.

والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ هُنا دَقِيقٌ، لَمْ يَذْكُرُوهُ في مَوارِدِ صِيَغِ النَّهْيِ، ويَجْدُرُ أنْ يَكُونَ لِلتَّسْوِيَةِ كَما تَرِدُ صِيغَةُ الأمْرِ لِلتَّسْوِيَةِ، أيْ لا جَدْوى في اسْتِعْجالِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُعَجَّلُ قَبْلَ وقْتِهِ المُؤَجَّلِ لَهُ.

* * *

صفحة ٩٨

﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا؛ لِأنَّها المَقْصُودُ مِنَ الوَعِيدِ إذِ الوَعِيدُ والزَّجْرُ إنَّما كانا لِأجْلِ إبْطالِ الإشْراكِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ كالمُقَدِّمَةِ، وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كالمَقْصِدِ.

و(ما) في قَوْلِهِ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ عَنْ إشْراكِهِمْ غَيْرِهِ مَعَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ يُشْرِكُونَ …

2

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ

He sends down the angels, with the inspiration of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾

كانَ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً بِالرَّسُولِ ﷺ وتَكْذِيبِهِ، وكانَ ناشِئًا عَنْ عَقِيدَةِ الإشْراكِ الَّتِي مِن أُصُولِها اسْتِحالَةُ إرْسالِ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ.

وأُتْبِعَ تَحْقِيقُ مَجِيءِ العَذابِ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الشَّرِيكِ فَقُفِّيَ ذَلِكَ بِتَبْرِئَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكَذِبِ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ، ووَصَفَ لَهُمُ الإرْسالَ وصْفًا مُوجَزًا، وهَذا اعْتِراضٌ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ.

والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ الواحِدُ مِنهم وهو جِبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والرُّوحُ: الوَحْيُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الرُّوحِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الوَحْيَ بِهِ هُدًى لِلْعُقُولِ إلى الحَقِّ، فَشَبَّهَ الوَحْيَ بِالرُّوحِ كَما يُشَبِّهُ العِلْمَ الحَقَّ بِالحَياةِ، وكَما يُشَبِّهُ الجَهْلَ بِالمَوْتِ قالَ تَعالى ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] .

صفحة ٩٩

ووَجْهُ تَشْبِيهِ الوَحْيِ بِالرُّوحِ أنَّ الوَحْيَ إذا وعَتْهُ العُقُولُ حَلَّتْ بِها الحَياةُ المَعْنَوِيَّةُ - وهو العِلْمُ - كَما أنَّ الرُّوحَ إذا حَلَّ في الجِسْمِ حَلَّتْ بِهِ الحَياةُ الحِسِّيَّةُ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] .

ومَعْنى (﴿مِن أمْرِهِ﴾) الجِنْسُ، أيْ مِن أُمُورِهِ، وهي شُئُونُهُ ومُقَدَّراتُهُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِها، وذَلِكَ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ كَما هُنا وكَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقَوْلَهِ تَعالى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] لِما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ التَّخْصِيصِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنَزِّلُ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ النُّونِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنَزِّلُ) بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الزّايِ مَكْسُورَةً، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّاي مَكْسُورَةً و(المَلائِكَةَ) مَنصُوبًا.

وقَرَأهُ رَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةً، وفَتْحِ النُّونِ، وتَشْدِيدِ الزّايِ مَفْتُوحَةً ورَفْعِ (المَلائِكَةَ) عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَنَزَّلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ رَدٌّ عَلى فُنُونٍ مِن تَكْذِيبِهِمْ، فَقَدْ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، وقالُوا ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣] أيْ كانَ مَلِكًا، وقالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]، ومَشِيئَةُ اللَّهِ جارِيَةٌ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ، قالَ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .

و﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يُنَزِّلُ)؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالوَحْيِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ بَيْنَ فِعْلِ (يُنَزِّلُ) ومُفَسِّرِهِ.

صفحة ١٠٠

و﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (أنْذِرُوا) عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أنْ)، والتَّقْدِيرُ: أنْذِرُوا بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ بِـ (أنَّ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ولَمّا كانَ هَذا الخَبَرُ مَسُوقًا لِلَّذِينَ …

3

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]؛ لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَرَقَّبُوا دَلِيلَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ؛ فابْتُدِئَ بِالدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِالخَلْقِ والتَّقْدِيرِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما يُخْلَقُ لا يُوصَفُ بِالإلَهِيَّةِ كَما أنْبَأ عَنْهُ التَّفَرُّعُ عَقِبَ هَذِهِ الأدِلَّةِ بِقَوْلِهِ الآتِي ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .

وأعْقَبَ قَوْلَهُ (سُبْحانَهُ) بِقَوْلِهِ (﴿وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١])؛ تَحْقِيقًا لِنَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، كَما يُذْكَرُ المَطْلُوبُ قَبْلَ ذِكْرِ القِياسِ في صِناعَةِ المَنطِقِ، ثُمَّ يُذْكَرُ ذَلِكَ المَطْلُوبُ عَقِبَ القِياسِ في صُورَةِ النَّتِيجَةِ تَحْقِيقًا لِلْوَحْدانِيَّةِ؛ لِأنَّ الضَّلالَ فِيها هو أصْلُ انْتِقاضِ عَقائِدِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ ولِأنَّ إشْراكَهم هو الَّذِي حَداهم

صفحة ١٠١

إلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مَن جاءَ يَنْهاهم عَنِ الشِّرْكِ؛ فَلا جَرَمَ كانَ الِاعْتِناءُ بِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، وإبْطالِ الشِّرْكِ مُقَدَّمًا عَلى إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المُبْدَأُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] .

وعُدِّدَتْ دَلائِلُ مِنَ الخَلْقِ كُلِّها مُتَضَمِّنَةً نِعَمًا جَمَّةً عَلى النّاسِ إدْماجًا لِلِامْتِنانِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ قَدْ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، إذْ شَكَرُوا ما لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِمْ ونَسُوا مَنِ انْفَرَدَ بِالإنْعامِ، وذَلِكَ أعْظَمُ الكُفْرانِ، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ عَطْفُ (﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨]) عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] .

والِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن سائِرِ الأدِلَّةِ وأجْمَعُ؛ لِأنَّها مَحْوِيَّةٌ لَهُما، ولِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَوْجُوداتِ؛ فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِما، ولَكِنْ ما فِيهِ مِن إجْمالِ المَحْوِيّاتِ اقْتَضى أنْ يُعَقَّبَ بِالِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ الخَلْقِ والمَخْلُوقاتِ؛ فَثَنّى بِخَلْقِ الإنْسانِ وأطْوارِهِ، وهو أعْجَبُ المَوْجُوداتِ المُشاهَدَةِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الحَيَوانِ وأحْوالِهِ؛ لِأنَّهُ جَمَعَ الأنْواعَ الَّتِي تَلِي الإنْسانَ في إتْقانِ الصُّنْعِ مَعَ ما في أنْواعِها مِنَ المِنَنِ، ثُمَّ بِخَلْقِ ما بِهِ حَياةُ الإنْسانِ والحَيَوانِ وهو الماءُ والنَّباتُ، ثُمَّ بِخَلْقِ أسْبابِ الأزْمِنَةِ والفُصُولِ والمَواقِيتِ، ثُمَّ بِخَلْقِ المَعادِنِ الأرْضِيَّةِ، وانْتَقَلَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ البِحارِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الجِبالِ والأنْهارِ والطُّرُقاتِ وعَلاماتِ الِاهْتِداءِ في السَّيْرِ، وسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (خَلَقَ) إذِ الخَلْقُ هو المُلابِسُ لِلْحَقِّ.

والحَقُّ: هُنا ضِدُّ العَبَثِ، فَهو هُنا بِمَعْنى الحِكْمَةِ والجَدِّ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، والحَقُّ والصِّدْقُ يُطْلَقانِ وصْفَيْنِ لِكَمالِ الشَّيْءِ في نَوْعِهِ.

وجُمْلَةُ (﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ.

صفحة ١٠٢

وقَرَأ …

4

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ

He created man from a sperm-drop; then at once, he is a clear adversary.

﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْضًا، وهو اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ ووَحْدانِيَّتِهِ فِيها، وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِ العَوالِمِ العُلْيا والسُّفْلى - وهي مُشاهَدَةٌ لَدَيْهِمْ - انْتَقَلَ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِ أنْفُسِهِمُ المَعْلُومِ لَهم، وأيْضًا لَمّا اسْتَدَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِخَلْقِ أعْظَمِ الأشْياءِ المَعْلُومَةِ لَهُمُ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ أيْضًا بِخَلْقِ أعْجَبِ الأشْياءِ لِلْمُتَأمِّلِ وهو الإنْسانُ في طَرَفَيْ أطْوارِهِ؛ مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً مَهِينَةً إلى كَوْنِهِ عاقِلًا فَصِيحًا مُبِينًا بِمَقاصِدِهِ وعُلُومِهِ.

وتَعْرِيفُ الإنْسانِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وهو تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ خَلْقُ الجِنْسِ المَعْلُومِ الَّذِي تَدْعُونَهُ بِالإنْسانِ.

وقَدْ ذُكِرَ لِلِاعْتِبارِ بِخَلْقِ الإنْسانِ ثَلاثَةُ اعْتِباراتٍ: جِنْسُهُ المَعْلُومُ بِماهِيَّتِهِ وخَواصِّهِ مِنَ الحَيَوانِيَّةِ والنّاطِقِيَّةِ وحُسْنِ القَوامِ، وبَقِيَّةِ أحْوالِ كَوْنِهِ، ومَبْدَأُ خَلْقِهِ وهو النُّطْفَةُ الَّتِي هي أمْهَنُ شَيْءٍ نَشَأ مِنها أشْرَفُ نَوْعٍ، ومُنْتَهى ما شَرَّفَهُ بِهِ وهو العَقْلُ، وذَلِكَ في جُمْلَتَيْنِ وشِبْهِ جُمْلَةٍ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ .

والخَصِيمُ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ، أيْ كَثِيرُ الخِصامِ.

و(مُبِينٌ) خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ (فَإذا هو)، أيْ فَإذا هو مُتَكَلِّمٌ مُفْصِحٌ عَمّا في ضَمِيرِهِ ومُرادِهِ بِالحَقِّ أوْ بِالباطِلِ والمِنطِيقُ بِأنْواعِ الحُجَّةِ حَتّى السَّفْسَطَةِ.

والمُرادُ: الخِصامُ في إثْباتِ الشُّرَكاءِ، وإبْطالُ الوَحْدانِيَّةِ، وتَكْذِيبُ مَن يَدْعُونَ إلى التَّوْحِيدِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس

صفحة ١٠٣

﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .

والإتْيانُ بِحَرْفِ (إذا) المُفاجِأةِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ الحَرْفُ الدّالُّ عَلى مَعْنى المُفاجَأةِ لِمَعْنى تَرَتُّبِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ ما يُظَنُّ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ، وهَذا مَعْنًى لَمْ يُوضَعْ لَهُ حَرْفٌ، ولا مُفاجَأةَ بِالحَقِيقَةِ هُنا؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْجَأْهُ ذَلِكَ ولا فَجَأ أحَدًا، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ بِحَيْثُ لَوْ تَدَبَّرَ النّاظِرُ في خَلْقِ الإنْسانِ لَتَرَقَّبَ مِنهُ الِاعْتِرافَ بِوَحْدانِيَّةِ خالِقِهِ وبِقُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِ، فَإذا سَمِعَ مِنهُ الإشْراكَ والمُجادَلَةَ في إبْطالِ الوَحْدانِيَّةِ، وفي إنْكارِ البَعْثِ كانَ كَمَن فَجَأهُ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ حَرْفُ المُفاجَأةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الفَجْأةِ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ المُفاجَأةُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً.

فَإقْحامُ حَرْفِ المُفاجَأةِ جَعَلَ الكَلامَ مُفْهِمًا أمْرَيْنِ هُما: التَّعْجِيبُ مِن تَطَوُّرِ الإنْسانِ مِن أمْهَنِ حالَةٍ إلى أبْدَعِ حالَةٍ، وهي حالَةُ الخُصُومَةِ والإبانَةِ النّاشِئَتَيْنِ عَنِ التَّفْكِيرِ والتَّعَقُّلِ، والدَّلالَةِ عَلى كُفْرانِهِ النِّعْمَةَ، وصَرْفِهِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ في عِصْيانِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ، فالجُمْلَةُ في حَدِّ ذاتِها تَنْوِيهٌ، وبِضَمِيمَةِ حَرْفِ المُفاجَأةِ أُدْمِجَتْ مَعَ التَّنْوِيهِ التَّعْجِيبِ، ولَوْ قِيلَ: فَهو خَصِيمٌ، أوْ فَكانَ خَصِيمًا لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَعْنى البَلِيغُ.

5

وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth and [numerous] benefits, and from them you eat.

﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ الأنْعامَ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ عَطْفًا عَلى الإنْسانَ، أيْ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ والأنْعامَ، وهي أيْضًا مَخْلُوقَةٌ مِن نُطْفَةٍ، فَيَحْصُلُ

صفحة ١٠٤

اعْتِبارٌ بِهَذا التَّكْوِينِ العَجِيبِ؛ لِشَبَهِهِ بِتَكْوِينِ الإنْسانِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (خَلَقَها) بِمُتَعَلِّقاتِها مُسْتَأْنَفَةٌ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الِامْتِنانُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَيَكُونُ نَصْبُ الأنْعامِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ، والتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ الأنْعامَ خَلَقَها، فَيَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الحُكْمِ اهْتِمامًا بِما في الأنْعامِ مِنَ الفَوائِدِ؛ فَيَكُونُ امْتِنانًا عَلى المُخاطَبِينَ، وتَعْرِيضًا بِهِمْ، فَإنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِخَلْقِها فَجَعَلُوا مِن نِتاجِها لِشُرَكائِهِمْ وجَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا، وأيُّ كُفْرانٍ أعْظَمُ مِن أنْ يُتَقَرَّبَ بِالمَخْلُوقاتِ إلى غَيْرِ مَن خَلَقَها، ولَيْسَ في الكَلامِ حَصْرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (خَلَقَها) عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ؛ إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ تَمامُ مُقابَلَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] مِن حَيْثُ حُصُولِ الِاعْتِبارِ ابْتِداءً ثُمَّ التَّعْرِيضِ بِالكُفْرانِ ثانِيًا، بِخِلافِ الوَجْهِ الثّانِي فَإنَّ صَرِيحَهُ الِامْتِنانُ ويَحْصُلُ الِاعْتِبارُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ مِن الِاهْتِمامِ.

والمَقْصُودُ مِن الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ وما بَعْدَهُ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ.

والأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، والمَعِزُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأشْهَرُ الأنْعامِ عِنْدَ العَرَبِ الإبِلُ؛ ولِذَلِكَ يَغْلِبُ أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الأنْعامِ عِنْدَهم عَلى الإبِلِ.

والخِطابُ صالِحٌ لِشُمُولِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً مِن الِاسْتِدْلالِ، وأنْ يَشْمَلَ جَمِيعَ النّاسِ، ولا سِيَّما فِيما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِن الِامْتِنانِ.

وفِيهِ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]) بِاعْتِبارِ بَعْضِ المُخاطَبِينَ.

والدِّفْءُ - بِكَسْرِ الدّالِ - اسْمٌ لِما يُتَدَفَّأُ بِهِ كالمِلْءِ والحِمْلِ، وهو الثِّيابُ المَنسُوجَةُ مِن أوْبارِ الأنْعامِ وأصْوافِها وأشْعارِها تُتَّخَذُ مِنها الخِيامُ والمَلابِسُ.

صفحة ١٠٥

فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ مادَّةَ النَّسْجِ جُعِلَ المَنسُوجُ كَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الأنْعامِ، وخُصَّ الدِّفْءُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عُمُومِ المَنافِعِ لِلْعِنايَةِ بِهِ.

عَطْفُ (ومَنافِعُ) عَلى (دِفْءٌ) مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ؛ لِأنَّ أمْرَ الدِّفْءِ قَلَّما تَسْتَحْضِرُهُ الخَواطِرُ.

ثُمَّ عُطِفَ الأكْلُ مِنها؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِها لا مِن ثَمَراتِها.

وجُمْلَةُ (﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾، وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ تَسْخِيرِها لِلْأكْلِ مِنها والتَّغَذِّي، واسْتِرْدادِ القُوَّةِ لِما يَحْصُلُ مِن تَغْذِيَتِها.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ …

6

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ الأنْعامَ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ عَطْفًا عَلى الإنْسانَ، أيْ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ والأنْعامَ، وهي أيْضًا مَخْلُوقَةٌ مِن نُطْفَةٍ، فَيَحْصُلُ

صفحة ١٠٤

اعْتِبارٌ بِهَذا التَّكْوِينِ العَجِيبِ؛ لِشَبَهِهِ بِتَكْوِينِ الإنْسانِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (خَلَقَها) بِمُتَعَلِّقاتِها مُسْتَأْنَفَةٌ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الِامْتِنانُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَيَكُونُ نَصْبُ الأنْعامِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ، والتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ الأنْعامَ خَلَقَها، فَيَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الحُكْمِ اهْتِمامًا بِما في الأنْعامِ مِنَ الفَوائِدِ؛ فَيَكُونُ امْتِنانًا عَلى المُخاطَبِينَ، وتَعْرِيضًا بِهِمْ، فَإنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِخَلْقِها فَجَعَلُوا مِن نِتاجِها لِشُرَكائِهِمْ وجَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا، وأيُّ كُفْرانٍ أعْظَمُ مِن أنْ يُتَقَرَّبَ بِالمَخْلُوقاتِ إلى غَيْرِ مَن خَلَقَها، ولَيْسَ في الكَلامِ حَصْرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (خَلَقَها) عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ؛ إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ تَمامُ مُقابَلَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] مِن حَيْثُ حُصُولِ الِاعْتِبارِ ابْتِداءً ثُمَّ التَّعْرِيضِ بِالكُفْرانِ ثانِيًا، بِخِلافِ الوَجْهِ الثّانِي فَإنَّ صَرِيحَهُ الِامْتِنانُ ويَحْصُلُ الِاعْتِبارُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ مِن الِاهْتِمامِ.

والمَقْصُودُ مِن الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ وما بَعْدَهُ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ.

والأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، والمَعِزُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأشْهَرُ الأنْعامِ عِنْدَ العَرَبِ الإبِلُ؛ ولِذَلِكَ يَغْلِبُ أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الأنْعامِ عِنْدَهم عَلى الإبِلِ.

والخِطابُ صالِحٌ لِشُمُولِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً مِن الِاسْتِدْلالِ، وأنْ يَشْمَلَ جَمِيعَ النّاسِ، ولا سِيَّما فِيما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِن الِامْتِنانِ.

وفِيهِ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]) بِاعْتِبارِ بَعْضِ المُخاطَبِينَ.

والدِّفْءُ - بِكَسْرِ الدّالِ - اسْمٌ لِما يُتَدَفَّأُ بِهِ كالمِلْءِ والحِمْلِ، وهو الثِّيابُ المَنسُوجَةُ مِن أوْبارِ الأنْعامِ وأصْوافِها وأشْعارِها تُتَّخَذُ مِنها الخِيامُ والمَلابِسُ.

صفحة ١٠٥

فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ مادَّةَ النَّسْجِ جُعِلَ المَنسُوجُ كَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الأنْعامِ، وخُصَّ الدِّفْءُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عُمُومِ المَنافِعِ لِلْعِنايَةِ بِهِ.

عَطْفُ (ومَنافِعُ) عَلى (دِفْءٌ) مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ؛ لِأنَّ أمْرَ الدِّفْءِ قَلَّما تَسْتَحْضِرُهُ الخَواطِرُ.

ثُمَّ عُطِفَ الأكْلُ مِنها؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِها لا مِن ثَمَراتِها.

وجُمْلَةُ (﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾، وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ تَسْخِيرِها لِلْأكْلِ مِنها والتَّغَذِّي، واسْتِرْدادِ القُوَّةِ لِما يَحْصُلُ مِن تَغْذِيَتِها.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ …

7

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ الأنْعامَ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ عَطْفًا عَلى الإنْسانَ، أيْ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ والأنْعامَ، وهي أيْضًا مَخْلُوقَةٌ مِن نُطْفَةٍ، فَيَحْصُلُ

صفحة ١٠٤

اعْتِبارٌ بِهَذا التَّكْوِينِ العَجِيبِ؛ لِشَبَهِهِ بِتَكْوِينِ الإنْسانِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (خَلَقَها) بِمُتَعَلِّقاتِها مُسْتَأْنَفَةٌ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الِامْتِنانُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَيَكُونُ نَصْبُ الأنْعامِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ، والتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ الأنْعامَ خَلَقَها، فَيَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الحُكْمِ اهْتِمامًا بِما في الأنْعامِ مِنَ الفَوائِدِ؛ فَيَكُونُ امْتِنانًا عَلى المُخاطَبِينَ، وتَعْرِيضًا بِهِمْ، فَإنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِخَلْقِها فَجَعَلُوا مِن نِتاجِها لِشُرَكائِهِمْ وجَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا، وأيُّ كُفْرانٍ أعْظَمُ مِن أنْ يُتَقَرَّبَ بِالمَخْلُوقاتِ إلى غَيْرِ مَن خَلَقَها، ولَيْسَ في الكَلامِ حَصْرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (خَلَقَها) عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ؛ إلّا أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ تَمامُ مُقابَلَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] مِن حَيْثُ حُصُولِ الِاعْتِبارِ ابْتِداءً ثُمَّ التَّعْرِيضِ بِالكُفْرانِ ثانِيًا، بِخِلافِ الوَجْهِ الثّانِي فَإنَّ صَرِيحَهُ الِامْتِنانُ ويَحْصُلُ الِاعْتِبارُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ مِن الِاهْتِمامِ.

والمَقْصُودُ مِن الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ وما بَعْدَهُ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ.

والأنْعامُ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، والمَعِزُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأشْهَرُ الأنْعامِ عِنْدَ العَرَبِ الإبِلُ؛ ولِذَلِكَ يَغْلِبُ أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الأنْعامِ عِنْدَهم عَلى الإبِلِ.

والخِطابُ صالِحٌ لِشُمُولِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً مِن الِاسْتِدْلالِ، وأنْ يَشْمَلَ جَمِيعَ النّاسِ، ولا سِيَّما فِيما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِن الِامْتِنانِ.

وفِيهِ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]) بِاعْتِبارِ بَعْضِ المُخاطَبِينَ.

والدِّفْءُ - بِكَسْرِ الدّالِ - اسْمٌ لِما يُتَدَفَّأُ بِهِ كالمِلْءِ والحِمْلِ، وهو الثِّيابُ المَنسُوجَةُ مِن أوْبارِ الأنْعامِ وأصْوافِها وأشْعارِها تُتَّخَذُ مِنها الخِيامُ والمَلابِسُ.

صفحة ١٠٥

فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ مادَّةَ النَّسْجِ جُعِلَ المَنسُوجُ كَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الأنْعامِ، وخُصَّ الدِّفْءُ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عُمُومِ المَنافِعِ لِلْعِنايَةِ بِهِ.

عَطْفُ (ومَنافِعُ) عَلى (دِفْءٌ) مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ؛ لِأنَّ أمْرَ الدِّفْءِ قَلَّما تَسْتَحْضِرُهُ الخَواطِرُ.

ثُمَّ عُطِفَ الأكْلُ مِنها؛ لِأنَّهُ مِن ذَواتِها لا مِن ثَمَراتِها.

وجُمْلَةُ (﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾، وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ تَسْخِيرِها لِلْأكْلِ مِنها والتَّغَذِّي، واسْتِرْدادِ القُوَّةِ لِما يَحْصُلُ مِن تَغْذِيَتِها.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ …

8

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾

و(الخَيْلَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ [النحل: ٥]، فالتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ الخَيْلَ.

والقَوْلُ في مَناطِ الِاسْتِدْلالِ وما بَعْدَهُ مِن الِامْتِنانِ، والعِبْرَةُ في كُلٍّ، كالقَوْلِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] الآيَةَ.

والفِعْلُ المَحْذُوفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾، أيْ خَلَقَها اللَّهُ لِتَكُونَ مَراكِبَ لِلْبَشَرِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ في وُجُودِها فائِدَةٌ لِعُمْرانِ العالَمِ.

وعَطْفُ (وزِينَةً) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى شِبْهِ الجُمْلَةِ في لِتَرْكَبُوها، فَجُنِّبَ قَرْنُهُ بِلامِ التَّعْلِيلِ مِن أجْلِ تَوَفُّرِ شَرْطِ انْتِصابِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّ فاعِلَهُ وفاعِلَ عامِلِهِ واحِدٌ، فَإنَّ عامِلَهُ فِعْلُ (خَلَقَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها﴾ [النحل: ٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلَ والبِغالَ﴾ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (خَلَقَها) .

ولا مِرْيَةَ في أنَّ فاعِلَ جَعَلَها زِينَةً هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّها في ذاتِها زِينَةً، أيْ خَلَقَها تُزَيِّنُ الأرْضَ، أوْ زَيَّنَ بِها الأرْضَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] .

وهَذا النَّصْبُ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ مَنصُوبٌ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ.

وهَذا واقِعٌ مَوْقِعَ الِامْتِنانِ فَكانَ مُقْتَصِرًا عَلى ما يَنْتَفِعُ بِهِ المُخاطَبُونَ الأوَّلُونَ في عادَتِهِمْ.

وقَدِ اقْتَصَرَ عَلى مِنَّةِ الرُّكُوبِ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والزِّينَةِ، ولَمْ يَذْكُرِ الحَمْلَ عَلَيْها كَما قالَ في شَأْنِ الأنْعامِ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]؛ لِأنَّهم لَمْ تَكُنْ مِن

صفحة ١٠٨

عادَتِهِمْ الحَمْلُ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، فَإنَّ الخَيْلَ كانَتْ تُرْكَبُ لِلْغَزْوِ ولِلصَّيْدِ، والبِغالُ تُرْكَبُ لِلْمَشْي والغَزْوِ، والحَمِيرُ تُرْكَبُ لِلتَّنَقُّلِ في القُرى، وشِبْهِها.

وفِي حَدِيثِ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَجَّةِ الوَداعِ أنَّهُ قالَ: جِئْتُ عَلى حِمارِ أتانٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنّاسِ» الحَدِيثَ.

وكانَ أبُو سَيّارَةَ يُجِيزُ بِالنّاسِ مِن عَرَفَةَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى حِمارٍ وقالَ فِيهِ:

خَلُّوا السَّبِيلَ عَنْ أبِي سَيّارَهْ وعَنْ مَوالِيهِ بَنِي فَـزارَهْ

حَتّى يُجِيزَ راكِبًا حِمَـارَهْ ∗∗∗ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ يَدْعُو جارَهْ

فَلا يَتَعَلَّقُ الِامْتِنانُ بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلَةٍ عِنْدَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ الشَّيْءُ المُنْعَمُ بِهِ قَدْ تَكُونُ لَهُ مَنافِعُ لا يَقْصِدُها المُخاطَبُونَ مِثْلُ الحَرْثِ بِالإبِلِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، وهو مِمّا يَفْعَلُهُ المُسْلِمُونَ، ولا يُعْرَفُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِمْ، أوْ مَنافِعُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَها المُخاطَبُونَ مِثْلُ ما ظَهَرَ مِن مَنافِعِ الأدْوِيَةِ في الحَيَوانِ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لِلنّاسِ مِن قَبْلُ، فَيَدْخُلُ كُلُّ ذَلِكَ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإنَّهُ عُمُومٌ في الذَّواتِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأحْوالِ عَدا ما خَصَّصَهُ الدَّلِيلُ مِمّا في آيَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.

وبِهَذا يُعْلَمُ أنْ لا دَلِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ أكَلِ لُحُومِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ؛ لِأنَّ أكْلَها نادِرُ …

9

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

And upon Allah is the direction of the [right] way, and among the various paths are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، اقْتَضَتِ اعْتِراضَها مُناسَبَةُ الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ تَيْسِيرِ الأسْفارِ بِالرَّواحِلِ، والخَيْلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ.

صفحة ١١٢

فَلَمّا ذُكِرَتْ نِعْمَةُ تَيْسِيرِ السَّبِيلِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقاصِدِ الجُثْمانِيَّةِ ارْتَقى إلى التَّذْكِيرِ بِسَبِيلِ الوُصُولِ إلى المَقاصِدِ الرَّوْحانِيَّةِ، وهو سَبِيلُ الهُدى، فَكانَ تَعَهُّدُ اللَّهِ بِهَذِهِ السَّبِيلِ نِعْمَةً أعْظَمَ مِن تَيْسِيرِ المَسالِكِ الجُثْمانِيَّةِ؛ لِأنَّ سَبِيلَ الهُدى تَحْصُلُ بِهِ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، وهَذا السَّبِيلُ هي مَوْهِبَةُ العَقْلِ الإنْسانِيِّ الفارِقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وإرْسالُ الرُّسُلِ لِدَعْوَةِ النّاسِ إلى الحَقِّ، وتَذْكِيرُهم بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ، وإرْشادُهم إلى ما لا تَصِلُ إلَيْهِ عُقُولُهم أوْ تَصِلُ إلَيْهِ بِمَشَقَّةٍ عَلى خَطَرٍ مِنَ التَّوَرُّطِ في بِنْياتِ الطَّرِيقِ.

فالسَّبِيلُ: مَجازٌ لِما يَأْتِيهِ النّاسُ مِنَ الأعْمالِ مِن حَيْثُ هي مُوَصِّلَةٌ إلى دارِ الثَّوابِ أوْ دارِ العِقابِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ويَزِيدُ هَذِهِ المُناسَبَةَ بَيانًا لِما شَرَحْتُ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ ناسَبَ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ لِلْهُدى، وإزالَةٌ لِلْعُذْرِ، وأنَّ مِن بَيْنِ الطُّرُقِ الَّتِي يَسْلُكُها النّاسُ طَرِيقَ ضَلالٍ وجَوْرٍ.

وقَدِ اسْتُعِيرَ لِتَعَهُّدِ اللَّهِ بِتَبْيِينِ سَبِيلِ الهُدى حَرْفُ (عَلى) المُسْتَعارُ كَثِيرًا في القُرْآنِ، وكَلامُ العَرَبِ لِمَعْنى التَّعَهُّدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]، شَبَّهَ التِزامَ هَذا البَيانِ والتَّعَهُّدِ بِهِ بِالحَقِّ والواجِبِ عَلى المَحْقُوقِ بِهِ.

والقَصْدُ: اسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ، وقَعَ هُنا وصْفًا لِلسَّبِيلِ مِن قَبِيلِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: طَرِيقٌ قاصِدٌ، أيْ مُسْتَقِيمٌ، وذَلِكَ أقْوى في الوَصْفِ بِالِاسْتِقامَةِ كَشَأْنِ الوَصْفِ بِالمَصادِرِ، وإضافَةُ (قَصْدُ) إلى (السَّبِيلِ) مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، وهي صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ في السَّبِيلِ لِلْجِنْسِ، ويَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ؛ لِأنَّ الَّذِي تَعَهَّدَ اللَّهُ بِهِ هو بَيانُ السَّبِيلِ لا ذاتُ السَّبِيلِ.

وضَمِيرُ (ومِنها) عائِدٌ إلى (السَّبِيلِ) عَلى اعْتِبارِ جَوازِ تَأْنِيثِهِ.

و(جائِرٌ) وصْفٌ لِـ (السَّبِيلِ) بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِهِ مُذَكَّرًا، أيْ مِن جِنْسِ السَّبِيلِ الَّذِي مِنهُ أيْضًا قَصْدُ سَبِيلٍ جائِرٍ غَيْرُ قَصْدٍ.

والجائِرُ: هو الحائِدُ عَنْ الِاسْتِقامَةِ، وكُنِّيَ بِهِ عَنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُوصِّلٍ إلى المَقْصُودِ، أيْ إلى الخَيْرِ، وهو المُفْضِي إلى ضُرٍّ، فَهو جائِرٌ بِسالِكِهِ، ووَصْفُهُ

صفحة ١١٣

بِالجائِرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ولَمْ يُضَفِ السَّبِيلُ الجائِرُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ سَبِيلَ الضَّلالِ اخْتَرَعَها أهْلُ الضَّلالَةِ اخْتِراعًا لا يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَهى اللَّهُ النّاسَ عَنْ سُلُوكِها.

وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ تَذْيِيلٌ.

10

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

﴿هو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ لِذِكْرِ دَلِيلٍ آخَرَ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى أُدْمِجَ فِيهِ امْتِنانٌ بِما يَأْتِي بِهِ ذَلِكَ الماءُ العَجِيبُ مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ مِن نِعْمَةِ الشَّرابِ، ونِعْمَةِ الطَّعامِ لِلْحَيَوانِ الَّذِي بِهِ قِوامُ حَياةِ النّاسِ ولِلنّاسِ أنْفُسِهِمْ.

وصِيغَةُ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ أفادَتِ الحَصْرَ، أيْ هو لا غَيْرُهُ، وهَذا قَصْرٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، ولا يَدَّعُونَ لَهُ شَرِيكًا في ذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا عَبَدُوا أصْنامًا لَمْ تُنْعِمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وكانَ حالُهم كَحالِ مَن يَدَّعِي أنَّ الأصْنامَ أنْعَمَتْ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ، فَنَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي الشَّرِكَةَ لِلَّهِ في الخَلْقِ، فَكانَ القَصْرُ قَصْرَ إفْرادٍ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وإنْزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ تَقَدَّمَ مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وذَكَرَ في الماءِ مِنَّتَيْنِ: الشَّرابَ مِنهُ، والإنْباتَ لِلشَّجَرِ والزَّرْعِ.

وجُمْلَةُ (﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾) صِفَةٌ لِـ (ماءً)، و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَرابٌ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، و(مِنهُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ كَذَلِكَ، وتَقْدِيمُهُ سَوَّغَ أنْ يَكُونَ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً.

صفحة ١١٤

والشَّرابُ: اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ، وهو المائِعُ الَّذِي تَشْتَفُّهُ الشَّفَتانِ وتُبْلِغُهُ إلى الحَلْقِ فَيُبْلَعُ دُونَ مَضْغٍ.

و(مِن) تَبْعِيضَيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى و(مِنهُ شَجَرٌ) نَظِيرُ قَوْلِهِ (﴿مِنهُ شَرابٌ﴾)، وأُعِيدَ حَرْفُ (مِن) بَعْدَ واوِ العَطْفِ؛ لِأنَّ حَرْفَ (مِن) هُنا لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ فَلا يَحْسُنُ عَطْفُ (شَجَرٌ) عَلى (شَرابٌ) .

والشَّجَرُ: يُطْلَقُ عَلى النَّباتِ ذِي السّاقِ الصُّلْبَةِ، ويُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العُشْبِ والكَلَأِ تَغْلِيبًا.

ورُوعِيَ هَذا التَّغْلِيبُ هُنا؛ لِأنَّهُ غالِبُ مَرْعى أنْعامِ أهْلِ الحِجازِ؛ لِقِلَّةِ الكَلَأِ في أرْضِهِمْ، فَهم يَرْعَوْنَ الشَّعارِي والغاباتِ، وفي حَدِيثِ ضالَّةُ الإبِلِ تَشْرَبُ الماءَ وتَرْعى الشَّجَرَ حَتّى يَأْتِيَها رَبُّها.

ومِنَ الدَّقائِقِ البَلاغِيَّةِ الإتْيانُ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ، فالإسامَةُ فِيهِ تَكُونُ بِالأكْلِ مِنهُ، والأكْلُ مِمّا تَحْتَهُ مِنَ العُشْبِ.

والإسامَةُ: إطْلاقُ الإبِلِ لِلسَّوْمِ وهو الرَّعْيُ، يُقالُ: سامَتِ الماشِيَةُ فَهي سائِمَةٌ وأسامَها رَبُّها.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.