وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
And when We substitute a verse in place of a verse - and Allah is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muhammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.
﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتِ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتَمَرَّ الكَلامُ عَلى شَأْنِ القُرْآنِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوَسْوِسُهُ الشَّيْطانُ في الصَّدِّ عَنْ مُتابَعَتِهِ.
ولَمّا كانَ مَن أكْبَرِ الأغْراضِ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَيانُ فَضْلِهِ وهَدْيِهِ فابْتُدِئَ فِيها بِآيَةِ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] . ثُمَّ قُفِيَتْ بِما اخْتَلَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ بَعْدَ تَنَقُّلاتٍ جاءَ فِيها ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، وأُتْبِعُ ذَلِكَ بِتَنَقُّلاتٍ بَدِيعَةٍ؛ فَأُعِيدُ الكَلامَ عَلى القُرْآنِ، وفَضائِلِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وجاءَ في عَقِبِ ذَلِكَ بِشاهِدٍ يَجْمَعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ، وذَلِكَ آيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فَلَمّا اسْتَقَرَّ ما يَقْتَضِي تَقَرُّرَ فَضْلِ القُرْآنِ في النُّفُوسِ نَبَّهَ عَلى نَفاسَتِهِ ويُمْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، لا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِإبْطالِ اخْتِلاقٍ آخَرَ مِنِ اخْتِلاقِهِمْ عَلى القُرْآنِ اخْتِلاقًا مُمَوَّهًا بِالشُّبَهاتِ كاخْتِلاقِهِمُ السّابِقِ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، ذَلِكَ الِاخْتِلاقُ هو تَعَمُّدُهُمُ التَّمْوِيهَ فِيما يَأْتِي مِن
صفحة ٢٨١
آياتِ القُرْآنِ مُخالِفًا لِآياتٍ أُخْرى؛ لِاخْتِلافِ المُقْتَضِي والمَقامِ، والمُغايَرَةِ بِاللِّينِ والشِّدَّةِ، أوْ بِالتَّعْمِيمِ والتَّخْصِيصِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتْبَعُ اخْتِلافُهُ اخْتِلافَ المَقاماتِ، واخْتِلافَ الأغْراضِ، واخْتِلافَ الأحْوالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها، فَيَتَّخِذُونَ مِن ظاهِرِ ذَلِكَ دُونَ وضْعِهِ مَواضِعَهُ، وحَمْلِهِ مَحامِلَهُ مَغامِزَ يَتَشَدَّقُونَ بِها في نَوادِيهِمْ، يَجْعَلُونَ ذَلِكَ اضْطِرابًا مِنَ القَوْلِ، ويَزْعُمُونَهُ شاهِدًا بِاقْتِداءِ قائِلِهِ في إحْدى المَقالَتَيْنِ أوْ كِلْتَيْهِما. وبَعْضُ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ قُصُورِ مَدارِكِهِمْ عَنْ إدْراكِ مَرامِي القُرْآنِ وسُمُوِّ مَعانِيهِ، وبَعْضُهُ ناشِئٌ عَنْ تَعَمُّدٍ لِلتَّجاهُلِ؛ تَعَلُّقًا بِظَواهِرِ الكَلامِ يُلَبِّسُونَ بِذَلِكَ عَلى ضُعَفاءِ الإدْراكِ مِن أتْباعِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ ومِنهم مَن يَعْلَمُونَ، ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ فِيها شِدَّةٌ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ ألْيَنُ مِنها يَقُولُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ؛ اليَوْمَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ، وغَدًا يَنْهى عَنْهُ، وأنَّهُ لا يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ اهـ.
وهَذِهِ الكَلِمَةُ أحْسَنُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في حاصِلِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، فالمُرادُ مِنَ التَّبْدِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى (بَدَّلْنا) مُطْلَقُ التَّغايُرِ بَيْنَ الأغْراضِ والمَقاماتِ، أوِ التَّغايُرُ في المَعانِي واخْتِلافُها بِاخْتِلافِ المَقاصِدِ، والمَقاماتِ مَعَ وُضُوحِ الجَمْعِ بَيْنَ مَحامِلِها.
والمُرادُ بِالآيَةِ الكَلامُ التّامُّ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ المُرادُ …