Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 101–110 of 128

101

وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

And when We substitute a verse in place of a verse - and Allah is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muhammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.

﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتِ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتَمَرَّ الكَلامُ عَلى شَأْنِ القُرْآنِ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوَسْوِسُهُ الشَّيْطانُ في الصَّدِّ عَنْ مُتابَعَتِهِ.

ولَمّا كانَ مَن أكْبَرِ الأغْراضِ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَيانُ فَضْلِهِ وهَدْيِهِ فابْتُدِئَ فِيها بِآيَةِ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] . ثُمَّ قُفِيَتْ بِما اخْتَلَقَهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ بَعْدَ تَنَقُّلاتٍ جاءَ فِيها ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، وأُتْبِعُ ذَلِكَ بِتَنَقُّلاتٍ بَدِيعَةٍ؛ فَأُعِيدُ الكَلامَ عَلى القُرْآنِ، وفَضائِلِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤] ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وجاءَ في عَقِبِ ذَلِكَ بِشاهِدٍ يَجْمَعُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ، وذَلِكَ آيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فَلَمّا اسْتَقَرَّ ما يَقْتَضِي تَقَرُّرَ فَضْلِ القُرْآنِ في النُّفُوسِ نَبَّهَ عَلى نَفاسَتِهِ ويُمْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، لا جَرَمَ تَهَيَّأ المَقامُ لِإبْطالِ اخْتِلاقٍ آخَرَ مِنِ اخْتِلاقِهِمْ عَلى القُرْآنِ اخْتِلاقًا مُمَوَّهًا بِالشُّبَهاتِ كاخْتِلاقِهِمُ السّابِقِ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، ذَلِكَ الِاخْتِلاقُ هو تَعَمُّدُهُمُ التَّمْوِيهَ فِيما يَأْتِي مِن

صفحة ٢٨١

آياتِ القُرْآنِ مُخالِفًا لِآياتٍ أُخْرى؛ لِاخْتِلافِ المُقْتَضِي والمَقامِ، والمُغايَرَةِ بِاللِّينِ والشِّدَّةِ، أوْ بِالتَّعْمِيمِ والتَّخْصِيصِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتْبَعُ اخْتِلافُهُ اخْتِلافَ المَقاماتِ، واخْتِلافَ الأغْراضِ، واخْتِلافَ الأحْوالِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها، فَيَتَّخِذُونَ مِن ظاهِرِ ذَلِكَ دُونَ وضْعِهِ مَواضِعَهُ، وحَمْلِهِ مَحامِلَهُ مَغامِزَ يَتَشَدَّقُونَ بِها في نَوادِيهِمْ، يَجْعَلُونَ ذَلِكَ اضْطِرابًا مِنَ القَوْلِ، ويَزْعُمُونَهُ شاهِدًا بِاقْتِداءِ قائِلِهِ في إحْدى المَقالَتَيْنِ أوْ كِلْتَيْهِما. وبَعْضُ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ قُصُورِ مَدارِكِهِمْ عَنْ إدْراكِ مَرامِي القُرْآنِ وسُمُوِّ مَعانِيهِ، وبَعْضُهُ ناشِئٌ عَنْ تَعَمُّدٍ لِلتَّجاهُلِ؛ تَعَلُّقًا بِظَواهِرِ الكَلامِ يُلَبِّسُونَ بِذَلِكَ عَلى ضُعَفاءِ الإدْراكِ مِن أتْباعِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ ومِنهم مَن يَعْلَمُونَ، ولَكِنَّهم يُكابِرُونَ.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ فِيها شِدَّةٌ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ ألْيَنُ مِنها يَقُولُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ؛ اليَوْمَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ، وغَدًا يَنْهى عَنْهُ، وأنَّهُ لا يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ اهـ.

وهَذِهِ الكَلِمَةُ أحْسَنُ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ في حاصِلِ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، فالمُرادُ مِنَ التَّبْدِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى (بَدَّلْنا) مُطْلَقُ التَّغايُرِ بَيْنَ الأغْراضِ والمَقاماتِ، أوِ التَّغايُرُ في المَعانِي واخْتِلافُها بِاخْتِلافِ المَقاصِدِ، والمَقاماتِ مَعَ وُضُوحِ الجَمْعِ بَيْنَ مَحامِلِها.

والمُرادُ بِالآيَةِ الكَلامُ التّامُّ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ المُرادُ …

An-Nahl 16:101Listen in Qur'an →
102

قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ

Say, [O Muhammad], "The Pure Spirit has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."

﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] فَلِذَلِكَ فُصِلَ فِعْلُ (قُلْ) لِوُقُوعِهِ في المُحاوَرَةِ، أيْ قُلْ لَهم: لَسْتَ بِمُفْتَرٍ، ولا القُرْآنُ بِافْتِراءٍ، بَلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنَ اللَّهِ، وفي أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ شَدًّا لِعَزْمِهِ لِكَيْلا يَكُونَ تَجاوُزُهُمُ الحَدَّ في البُهْتانِ صارِفًا إيّاهُ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ.

فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَ اللَّهُ دَعْواهم عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْتَرٍ بِطَرِيقَةِ النَّقْضِ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم ماهِيَّةَ القُرْآنِ، وهَذِهِ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى مِن رَبِّكَ الجارِي عَلى خِلافِ مُقْتَضى ظاهِرِ حِكايَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: مِن رَبِّي، فَوَقَعَ الِالتِفاتُ إلى الخِطابِ؛ تَأْنِيسًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِزِيادَةِ تَوَغُّلِ الكَلامِ مَعَهُ في طَرِيقَةِ الخِطابِ.

واخْتِيرَ اسْمُ الرَّبِّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِنايَةِ والتَّدْبِيرِ.

ورُوحُ القُدُسِ: جِبْرِيلُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والرُّوحُ: المَلَكُ، قالَ تَعالى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧]، أيْ مَلَكًا منْ مَلائِكَتِنا.

صفحة ٢٨٥

والقُدُسُ: الطُّهْرُ، وهو هَنا مُرادٌ بِهِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ والمَجازِيُّ الَّذِي هو الفَضْلُ، وجَلالَةُ القَدْرِ.

وإضافَةُ الرُّوحِ إلى القُدْسِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِمْ: حاتِمُ الجُودِ، وزَيْدُ الخَيْرِ، والمُرادُ: حاتِمٌ الجَوادُ، وزَيْدٌ الخَيِّرُ، فالمَعْنى: المَلَكُ المُقَدَّسُ.

والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَزَّلَهُ) مِثْلُ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، أيْ مُلابِسًا لِلْحَقِّ، لا شائِبَةَ لِلْباطِلِ فِيهِ.

وذُكِرَتْ عِلَّةٌ مِن عِلَلِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ، أيْ تَبْدِيلُ آيَةٍ مَكانَ آيَةٍ، بِأنَّ في ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِلَّذِينِ آمَنُوا إذْ يَفْهَمُونَ مَحْمَلَ كُلِّ آيَةٍ، ويَهْتَدُونَ بِذَلِكَ، وتَكُونُ آياتُ البُشْرى بِشارَةً لَهم، وآياتُ الإنْذارِ مَحْمُولَةً عَلى أهْلِ الكُفْرِ.

فَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وفي قَوْلِهِ تَعالى بِالحَقِّ إيقاظٌ لِلنّاسِ بِأنْ يَنْظُرُوا في حِكْمَةِ اخْتِلافِ أغْراضِهِ، وأنَّها حَقٌّ.

وفِي التَّعْلِيلِ بِحِكْمَةِ التَّثْبِيتِ والهُدى والبُشْرى بَيانٌ لِرُسُوخِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، وسَدادِ آرائِهِمْ في فَهْمِ الكَلامِ السّامِي، وأنَّهُ تَثْبِيتٌ لِقُلُوبِهِمْ بِصِحَّةِ اليَقِينِ، وهُدًى وبُشْرى لَهم.

وفِي تَعَلُّقِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ بِفِعْلِ التَّثْبِيتِ إيماءٌ إلى أنَّ حُصُولِ ذَلِكَ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ؛ فَيُفِيدُ تَعْرِيضًا بِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ تَقْتَصِرُ مَدارِكُهم عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الحَقِّ فَيَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الفَهْمُ، ويَزْدادُونَ كُفْرًا، ويَضِلُّونَ، ويَكُونُ نِذارَةً لَهم.

والمُرادُ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وهُدًى وبُشْرى لَهم، فَعَدَلَ إلى الإظْهارِ؛ لِزِيادَةِ مَدْحِهِمْ بِوَصْفٍ آخَرَ شَرِيفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] عَطْفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ لِيُثَبِّتَ، فَيَكُونُ ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ [النمل: ٢] مَصْدَرَيْنِ …

An-Nahl 16:102Listen in Qur'an →
103

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches the Prophet." The tongue of the one they refer to is foreign, and this Qur'an is [in] a clear Arabic language.

﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وهَذا إبْطالٌ لِتَلْبِيسٍ آخَرَ مِمّا يُلَبِّسُونَ بِهِ عَلى عامَّتِهِمْ، وذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَلَقّى القُرْآنَ مِن رَجُلٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وغَيْرُهُ، قالَ عَنْهُ تَعالى فَقالَ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، أيْ لا يُلَقِّنُهُ مَلَكٌ بَلْ يُعَلِّمُهُ إنْسانٌ، وقَدْ عَيَّنُوهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ .

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالتَّأْكِيدِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) يُشِيرُ إلى أنَّ خاصَّةَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِعامَّتِهِمْ، ولا يَجْرُونَ بِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ باطِلٌ مَكْشُوفٌ، وأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ في مَكَّةَ غُلامٌ رُومِيٌّ كانَ مَوْلًى لِعامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، اسْمُهُ (جَبْرٌ) كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ بِمَكَّةَ، ويَقْرَأُ مِنَ الإنْجِيلِ ما يَقْرَأُ أمْثالُهُ مِن عامَّةِ النَّصارى مِن دَعَواتِ الصَّلَواتِ، فاتَّخَذَ زُعَماءُ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ تَمْوِيهًا عَلى العامَّةِ، فَإنَّ مُعْظَمَ أهْلِ مَكَّةَ كانُوا أُمِّيِّينَ فَكانُوا يَحْسَبُونَ مَن يَتْلُو كَلِماتٍ يَحْفَظُها - ولَوْ مُحَرَّفَةً - أوْ يَكْتُبُ حُرُوفًا يَتَعَلَّمُها يَحْسَبُونَهُ عَلى عِلْمٍ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا جانَبَهُ قَوْمُهُ، وقاطَعُوهُ يَجْلِسُ إلى هَذا الغُلامِ، وكانَ هَذا الغُلامُ قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: هَذا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا ما يَقُولُهُ.

صفحة ٢٨٧

وقِيلَ: كانَ غُلامٌ رُومِيٌّ اسْمُهُ (بِلْعامُ) كانَ عَبْدًا بِمَكَّةَ لِرَجُلٍ مِن قُرَيْشَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَيْهِ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَتَعَلَّمُ مِنهُ، وكانَ هَذا العَبْدُ يَقُولُ: إنَّما يَقِفُ عَلَيَّ يُعَلِّمُنِي الإسْلامَ.

وظاهِرُ الإفْرادِ في إلَيْهِ أنَّ المَقْصُودَ رَجُلٌ واحِدٌ، وقَدْ قِيلَ: المُرادُ عَبْدانِ هَمّا (جَبْرٌ)، (ويَسارٌ) كانا قِنَّيْنِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ (بَشَرٌ) الجِنْسُ، وبِإفْرادِ ضَمِيرِهِ جَرَيانُهُ عَلى أفْرادِ مَعادِهِ.

وقَدْ كَشَفَ القُرْآنُ هَذا اللَّبْسَ هُنا بِأوْضَحِ كَشْفٍ؛ إذْ قالَ قَوْلًا فَصْلًا دُونَ طُولِ جِدالٍ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، أيْ كَيْفَ يُعَلِّمُهُ وهو أعْجَمِيٌّ لا يَكادُ يُبِينُ، وهَذا القُرْآنُ فَصِيحٌ عَرَبِيٌّ مُعْجِزٌ.

والجُمْلَةُ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِمْ، فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛لِأنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَسْألُ سائِلٌ: ماذا جَوابُ قَوْلِهِمْ ؟ فَيُقالُ ﴿لِسانُ الَّذِي﴾ إلَخْ، وهَذا النَّظْمُ نَظِيرُ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .

وألْحَدَ: مِثْلُ لَحَدَ، أيْ مالَ عَنِ القَوِيمِ، فَهو مِمّا جاءَ مِنَ الأفْعالِ مَهْمُوزٌ بِمَعْنى المُجَرَّدِ، كَقَوْلِهِمْ: أبانَ بِمَعْنى بانَ. فَمَعْنى يُلْحِدُونَ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اخْتِلاقُ مَعاذِيرَ، فَهم يَتْرُكُونَ الحَقَّ القَوِيمَ مِن أنَّهُ كَلامٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ إلى أنْ يَقُولُوا …

An-Nahl 16:103Listen in Qur'an →
104

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

Indeed, those who do not believe in the verses of Allah - Allah will not guide them, and for them is a painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، ووُرُودُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ اخْتِلاقِ المُتَقَعِّرِينَ عَلى القُرْآنِ المُرْجِفِينَ بِالقالَةِ فِيهِ بَيْنَ الدَّهْماءِ يُومِئُ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ هم أُولَئِكَ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ آنِفًا، وهم فَرِيقٌ مَعْلُومٌ بِشِدَّةِ العَداوَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وبِالتَّصَلُّبِ في التَّصَدِّي لِصَرْفِ النّاسِ عَنْهُ، بِحَيْثُ بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ غايَةً ما وراءَها غايَةٌ، فَحَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَهَؤُلاءِ فَرِيقٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ يَوْمَئِذٍ، ولَكِنَّهم مُشارٌ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وتَكْشِفُ عَنْ تَعْيِينِهِمْ عَواقِبُ أحْوالِهِمْ.

فَقَدْ كانَ مِنَ الكافِرِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وأبُو سُفْيانَ، وكانَ أبُو سُفْيانَ أطْوَلَ مُدَّةً في الكُفْرِ مِن أبِي جَهْلٍ، ولَكِنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَخْلِطُ كُفْرَهُ بِأذى النَّبِيءِ ﷺ والحَنَقِ عَلَيْهِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ مُقْتَصِرًا عَلى الِانْتِصارِ لِدِينِهِ ولِقَوْمِهِ، ودَفَعَ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَغْلِبُوهم فَحَرَمَ اللَّهُ أبا جَهْلٍ الهِدايَةَ؛ فَأهْلَكَهُ كافِرًا، وهَدى أبا سُفْيانَ؛ فَأصْبَحَ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، وتَشَرَّفَ بِصِهْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ

صفحة ٢٨٩

كافِرَيْنِ، وكانَ كِلاهُما يَدْفَعُ النّاسَ مِنَ اتِّباعِ الإسْلامِ، ولَكِنَّ الوَلِيدَ كانَ يَخْتَلِقُ المَعاذِيرَ والمَطاعِنَ في القُرْآنِ، وذَلِكَ مِنَ الكَيْدِ، وعُمَرُ كانَ يَصْرِفُ النّاسَ بِالغِلْظَةِ عَلَنًا دُونَ اخْتِلاقٍ؛ فَحَرَمَ اللَّهُ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ الِاهْتِداءَ، وهَدى عُمَرَ إلى الإسْلامِ، فَأصْبَحَ الإسْلامُ بِهِ عَزِيزَ الجانِبِ، فَتَبَيَّنَ النّاسُ أنَّ الوَلِيدَ مِنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وأنَّ عُمَرَ لَيْسَ مِنهم، وقَدْ كانا مَعًا كافِرَيْنِ في زَمَنٍ ما، ويُشِيرُ إلى هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فَوَصَفَ مَن لا يَهْدِيهِ اللَّهُ بِوَصْفَيِ؛ الكَذِبِ، وشِدَّةِ الكُفْرِ.

فَتَبَيَّنَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ مَن كانَ الإيمانُ مُنافِيًا لِجِبِلَّةِ طَبْعِهِ لا لِأمْيالِ هَواهُ، وهَذا يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأنَّهُ لَيْسَ مُعَرَّضًا لِلْإيمانِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ، أيْ لا يُكَوِّنُ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ.

وهَذا الأُسْلُوبُ عَكْسُ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦])، وكُلٌّ يَرْمِي إلى مَعْنًى عَظِيمٍ.

فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجَمِيعِ أقْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ، والتَّذْيِيلِ لِخُلاصَةِ أحْوالِهِمْ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ بِدُونِ عَطْفٍ.

وعَطَفَ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣] عَلى ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، وإلْقائِهِمْ في الشَّرِّ؛ لِأنَّهم إذا حُرِمُوا الهِدايَةَ فَقَدْ وقَعُوا في الضَّلالَةِ، ﴿وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢]، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، ويَشْمَلُ العَذابُ عَذابَ الدُّنْيا - وهو عَذابُ القَتْلِ - مِثْلُ ما أصابَ أبا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ مِن ألَمِ الجِراحِ، وهو في سَكَراتِ المَوْتِ، ثُمَّ مِن إهانَةِ …

An-Nahl 16:104Listen in Qur'an →
105

إِنَّمَا يَفْتَرِى ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰذِبُونَ

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allah, and it is those who are the liars.

صفحة ٢٩٠

﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ هَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَلْبِ ما زَعَمُوهُ عَلَيْهِمْ، كَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فَبَعْدَ أنْ نَزَّهَ القُرْآنَ عَنْ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى، والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُفْتَرِيًا، ثُنِيَ العِنانُ لِبَيانِ مَن هو المُفْتَرِي، وهَذا مِن طَرِيقَةِ القَلْبِ في الحالِ.

ووَجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِهِ هُنا أنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ النَّبِيءِ ﷺ في أنَّ ما جاءَ بِهِ مُنَزَّلٌ إلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَصارُوا بِهَذا الِاعْتِبارِ يُؤَكِّدُونَ بِمَضْمُونِهِ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] يُؤَكِّدُ أحَدُ القَوْلَيْنِ القَوْلَ الآخَرَ، فَلَمّا رَدَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، ورَدَتْ مَقالَتُهُمُ الأُخْرى في صَرِيحِها بِقَوْلِهِ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣]، ورَدَ مَضْمُونُها هُنا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ، حاصِلًا بِهِ رَدُّ نَظِيرِها أعْنِي قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِكَلامٍ أبْلَغَ مِن كَلامِهِمْ؛ لِأنَّهم أتَوْا في قَوْلِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] بِصِيغَةِ قَصْرٍ هي أبْلَغُ مِمّا قالُوهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] قَصْرٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى صِفَةِ الِافْتِراءِ الدّائِمَةِ؛ إذِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ تَقْتَضِي الثَّباتَ والدَّوامَ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةٍ تَقْصُرُهم عَلى الِافْتِراءِ المُتَكَرِّرِ المُتَجَدِّدِ؛ إذِ المُضارِعُ يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ.

وأكَّدَ فِعْلَ الِافْتِراءِ بِمَفْعُولِهِ الَّذِي هو بِمَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ لِكَوْنِهِ آيِلًا إلَيْهِ المَعْنى.

وعُرِّفَ الكَذِبُ بِأداةِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ الدّالَّةِ عَلى تَمَيُّزِ ماهِيَّةِ الجِنْسِ واسْتِحْضارِها، فَإنَّ تَعْرِيفَ اسْمِ الجِنْسِ أقْوى مِن تَنْكِيرِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

صفحة ٢٩١

وعَبَّرَ عَنِ المَقْصُورِ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ المَوْصُولِ دُونَ أنْ يَذْكُرَ ضَمِيرَهم فَيُقالُ: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ أنْتُمْ؛ لِيُفِيدَ اشْتِهارَهم بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، ولِأنَّ لِلصِّلَةِ أثَرًا في افْتِرائِهِمْ، لِما تُفِيدُهُ المَوْصُولِيَّةُ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ.

وعَلَيْهِ فَإنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ الَّتِي هي آياتُ صِدْقٍ لا يَسَعُهُ إلّا الِافْتِراءُ؛ لِتَرْوِيجِ تَكْذِيبِهِ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ، وفي هَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ عَنْ مُكابَرَةٍ لا عَنْ شُبْهَةٍ.

ثُمَّ أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ القَصْرِ بِجُمْلَةِ قَصْرٍ أُخْرى بِطَرِيقِ ضَمِيرِ الفَصْلِ وطَرِيقِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ وهي جُمْلَةُ (وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ) .

وافْتُتِحَتْ بِاسْمِ الإشارَةِ، بَعْدَ إجْراءِ وصْفِ انْتِفاءِ الإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ عَنْهم؛ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما يَرِدُ مِنَ الخَبَرِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، وهو قَصْرُهم عَلى الكَذِبِ؛ لِأنَّ مَن لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ يَتَّخِذُ الكَذِبَ دَيْدَنًا لَهُ مُتَجَدِّدًا. …

An-Nahl 16:105Listen in Qur'an →
106

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Whoever disbelieves in Allah after his belief... except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allah, and for them is a great punishment;

صفحة ٢٩٢

﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . لَمّا سَبَقَ التَّحْذِيرُ مِن نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عاهَدُوهُ، وأنْ لا يَغُرَّهم ما لِأُمَّةِ المُشْرِكِينَ مِنَ السَّعَةِ والرُّبُوِّ، والتَّحْذِيرُ مِن زَلَلِ القَدَمِ بَعْدَ ثُبُوتِها، وبُشِّرُوا بِالوَعْدِ بِحَياةٍ طَيِّبَةٍ، وجَزاءُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى التَّمَسُّكِ بِالقُرْآنِ والِاهْتِداءِ بِهِ، وأنْ لا تَغُرَّهم شُبَهُ المُشْرِكِينَ، وفُتُونُهم في تَكْذِيبِ القُرْآنِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُحاوِلُونَ فِتْنَةَ الرّاغِبِينَ في الإسْلامِ، والَّذِينَ أسْلَمُوا، فَلِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢]، وكانُوا يَقُولُونَ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: ١٠٣] .

وكانَ الغُلامُ الَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] قَدْ أسْلَمَ ثُمَّ فَتَنَهُ المُشْرِكُونَ فَكَفَرَ، وهو (جَبْرٌ) مَوْلى عامِرِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وكانُوا راوَدُوا نَفَرًا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى الِارْتِدادِ، مِنهم: بِلالٌ، وخِبابُ بْنُ الأرَتِّ، وياسِرٌ، وسُمَيَّةُ أبَوا عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعَمّارُ ابْنُهُما، فَثَبَتُوا عَلى الإسْلامِ، وفَتَنُوا عَمّارًا فَأظْهَرَ لَهُمُ الكُفْرَ، وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، وفَتَنُوا نَفَرًا آخَرِينَ فَكَفَرُوا، وذَكَرَ مِنهُمُ الحارِثَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، وأبُو قَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وأحْسَبُ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، فَكانَ مِن هَذِهِ المُناسَبَةِ رَدٌّ لِعَجُزِ الكَلامِ عَلى صَدْرِهِ.

صفحة ٢٩٣

عَلى أنَّ مَضْمُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ مُقابِلٌ لِمَضْمُونِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]، فَحَصَلَ التَّرْهِيبُ بَعْدَ التَّرْغِيبِ، كَما ابْتُدِئَ بِالتَّحْذِيرِ؛ تَحَفُّظًا عَلى الصّالِحِ مِنَ الفَسادِ، ثُمَّ أُعِيدَ الكَلامُ بِإصْلاحِ الَّذِينَ اعْتَراهُمُ الفَسادُ، وفُتِحَ بابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُحافِظِينَ عَلى صَلاحِهِمْ بِقَدْرِ الإمْكانِ.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ - إنْ كانَتْ تُشِيرُ إلى نَفَرٍ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ - كانَتْ (مَن) مَوْصُولَةً، وهي مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وقَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ في المُبْتَدَأِ شَبَهًا بِأداةِ الشَّرْطِ، وقَدْ يُعامَلُ المَوْصُولُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، ووَقَعَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج: ١٠]، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] في سُورَةِ بَراءَةَ، وقِيلَ: إنَّ فَرِيقًا كَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ، كَما رُوِيَ في …

An-Nahl 16:106Listen in Qur'an →
107

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allah does not guide the disbelieving people.

صفحة ٢٩٦

﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وإشارَةُ ذَلِكَ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .

وضَمِيرُ (بِأنَّهم) عائِدٌ إلى مَن كَفَرَ بِاللَّهِ سَواءٌ كانَ ماصَدَقُ (مَن) مُعَيَّنًا أوْ مَفْرُوضًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَمَدْخُولُها سَبَبٌ.

و(اسْتَحَبُّوا) مُبالَغَةٌ في (أحَبُّوا) مِثْلَ اسْتَأْخَرَ واسْتَكانَ، وضَمَّنَ (اسْتَحَبُّوا) مَعْنى (فَضَّلُوا) بِحَرْفِ (عَلى)، أيْ لِأنَّهم قَدَّمُوا نَفْعَ الدُّنْيا عَلى نَفْعِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَقَرَّ في قُلُوبِهِمْ أحَقِّيَّةُ الإسْلامِ، وما رَجَعُوا عَنْهُ إلّا خَوْفَ الفِتْنَةِ، أوْ رَغْبَةً في رَفاهِيَةِ العَيْشِ، فَيَكُونُ كُفْرُهم أشَدَّ مَن كُفْرِ المُسْتَصْحِبِينَ لِلْكُفْرِ مِن قَبْلِ البَعْثَةِ.

﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ سَبَبٌ ثانٍ لِلْغَضَبِ والعَذابِ، أيْ وبِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الهِدايَةَ فَهم مُوافُونَهُ عَلى الكُفْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ١٠٤] .

وهُوَ تَذْيِيلٌ لِما في صِيغَةِ القَوْمِ الكافِرِينَ مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم وغَيْرِهِمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ، ولَكِنَّهُ عُمُومٌ بَعْدَ خُصُوصٍ.

وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن كانَ هَذا شَأْنُهم فَقَدْ عُرِفُوا بِهِ، وتَمَكَّنَ مِنهم، وصارَ سَجِيَّةً حَتّى كَأنَّهم يَجْمَعُهم هَذا الوَصْفُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ جَرَيانَ وصْفٍ أوْ خَبَرٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمَ) يُؤْذِنُ بِأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] في سُورَةِ

صفحة ٢٩٧

البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.

An-Nahl 16:107Listen in Qur'an →
108

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allah has sealed, and it is those who are the heedless.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] بِأنَّ حِرْمانَهُمُ الهِدايَةَ بِحِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِوَسائِلِها: مِنَ النَّظَرِ الصّادِقِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ومِنَ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، ومِن ثَباتِ القَلْبِ عَلى حِفْظِ ما داخَلَهُ مِنَ الإيمانِ، حَيْثُ انْسَلَخُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ تَلَبَّسُوا بِهِ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَبْيِينًا لِمَعْنى الصِّلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي اتِّصافُهم بِالِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ.

وأخْبَرَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ المُبَيَّنِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .

والطَّبْعُ: مُسْتَعارٌ لِمَنعِ وُصُولِ الإيمانِ وأدِلَّتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلْبَيانِ، أيِ الغافِلُونَ الأكْمَلُونَ في الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ الغافِلَ البالِغَ الغايَةَ يُنافِي حالَةَ الِاهْتِداءِ.

صفحة ٢٩٨

والقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالغافِلِينَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في الغَفْلَةِ حَتّى عُدَّ كُلُّ غافِلٍ غَيْرِهِمْ كَمَن لَيْسَ بِغافِلٍ، ومِن هُنا جاءَ مَعْنى الكَمالِ في الغَفْلَةِ، لا مِن لامِ التَّعْرِيفِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ ما قَبْلَها صارَ كالدَّلِيلِ عَلى مَضْمُونِها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِكَلِمَةِ نَفْيِ الشَّكِّ.

فَإنَّ (لا جَرَمَ) بِمَعْنى (لا مَحالَةَ) أوْ (لا بُدَّ)، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ٢٣]، وتَقَدَّمُ بَسْطُ تَفْسِيرِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّ خَسارَتَهم هي الخَسارَةُ؛ لِأنَّهم أضاعُوا النَّعِيمَ إضاعَةً أبَدِيَّةً.

ويَجْرِي هَذا المَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في ماصَدَقِ (مَن) مِن قَوْلِهِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآيَةَ.

ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] ووَقَعَ هُنا هُمُ الخاسِرُونَ؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ تَقَدَّمَها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١]، فَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ خَسارَتِهِمْ في الآخِرَةِ أشَدَّ مِن خَسارَتِهِمْ في الدُّنْيا،

An-Nahl 16:108Listen in Qur'an →
109

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] بِأنَّ حِرْمانَهُمُ الهِدايَةَ بِحِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِوَسائِلِها: مِنَ النَّظَرِ الصّادِقِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، ومِنَ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، ومِن ثَباتِ القَلْبِ عَلى حِفْظِ ما داخَلَهُ مِنَ الإيمانِ، حَيْثُ انْسَلَخُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ تَلَبَّسُوا بِهِ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَبْيِينًا لِمَعْنى الصِّلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي اتِّصافُهم بِالِارْتِدادِ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ.

وأخْبَرَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ المُبَيَّنِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .

والطَّبْعُ: مُسْتَعارٌ لِمَنعِ وُصُولِ الإيمانِ وأدِلَّتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلْبَيانِ، أيِ الغافِلُونَ الأكْمَلُونَ في الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ الغافِلَ البالِغَ الغايَةَ يُنافِي حالَةَ الِاهْتِداءِ.

صفحة ٢٩٨

والقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالغافِلِينَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ في الغَفْلَةِ حَتّى عُدَّ كُلُّ غافِلٍ غَيْرِهِمْ كَمَن لَيْسَ بِغافِلٍ، ومِن هُنا جاءَ مَعْنى الكَمالِ في الغَفْلَةِ، لا مِن لامِ التَّعْرِيفِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ لِما قَبْلَها؛ لِأنَّ ما قَبْلَها صارَ كالدَّلِيلِ عَلى مَضْمُونِها، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِكَلِمَةِ نَفْيِ الشَّكِّ.

فَإنَّ (لا جَرَمَ) بِمَعْنى (لا مَحالَةَ) أوْ (لا بُدَّ)، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ٢٣]، وتَقَدَّمُ بَسْطُ تَفْسِيرِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّ خَسارَتَهم هي الخَسارَةُ؛ لِأنَّهم أضاعُوا النَّعِيمَ إضاعَةً أبَدِيَّةً.

ويَجْرِي هَذا المَعْنى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في ماصَدَقِ (مَن) مِن قَوْلِهِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] الآيَةَ.

ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هود: ٢٢] ووَقَعَ هُنا هُمُ الخاسِرُونَ؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ تَقَدَّمَها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١]، فَكانَ المَقْصُودُ بَيانَ خَسارَتِهِمْ في الآخِرَةِ أشَدَّ مِن خَسارَتِهِمْ في الدُّنْيا،

An-Nahl 16:109Listen in Qur'an →
110

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to renounce their religion] and thereafter fought [for the cause of Allah] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ هُمُ الخاسِرُونَ.

صفحة ٢٩٩

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِها الجُمَلَ؛ وذَلِكَ أنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أعْظَمُ رُتْبَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ إذْ لا أعْظَمَ مِن رِضى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

والمُرادُ بِـ الَّذِينَ هاجَرُوا المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ الَّذِينَ أذِنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالهِجْرَةِ لِلتَّخَلُّصِ مِن أذى المُشْرِكِينَ، ولا يَسْتَقِيمُ مَعْنى الهِجْرَةِ إلّا لِهَذِهِ الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُصِيبُ أصْحابَهُ مِنَ البَلاءِ وما هو فِيهِ مِنَ العافِيَةِ بِمَكانِهِ مِنَ اللَّهِ، ومِن عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَمْنَعَهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ البَلاءِ، قالَ لَهم: «لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَإنَّ بِها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ، وهي أرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكم فَرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ»؛ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَخافَةَ الفِتْنَةِ وفِرارًا بِدِينِهِمُ اهـ.

فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ آمَنُوا، وصَبَرُوا عَلى الأذى وعَذَرَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَذابَ الفِتْنَةِ بِأنْ قالُوا كَلامَ الكُفْرِ بِأفْواهِهِمْ، ولَكِنَّ قُلُوبَهم مُطَمْئِنَّةٌ بِالإيمانِ ذَكَرَ فَرِيقًا آخَرَ فازُوا بِفِرارٍ مِنَ الفِتْنَةِ؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ بُعْدَهم عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في تِلْكَ الشِّدَّةِ يُوهِنُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ فاسْتَوْفى ذِكْرَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ كُلِّها، وقَدْ أوْمَأ إلى حَظِّهِمْ مِنَ الفَضْلِ بِقَوْلِهِ: (هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا) فَسَمّى عَمَلَهم هِجْرَةً.

وهَذا الِاسْمُ في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ لِأجْلِ المُحافَظَةِ عَلى الدِّينِ، كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي، وقالَ في الأنْصارِ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، أيِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فارَقُوا مَكَّةَ.

وسَمّى ما لَقَوْهُ مِنَ المُشْرِكِينَ فِتْنَةً، والفِتْنَةُ: العَذابُ والأذى الشَّدِيدُ المُتَكَرِّرُ الَّذِي لا يَتْرُكُ لِمَن يَقَعُ بِهِ صَبْرًا ولا رَأْيًا، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ هم عَلى

صفحة ٣٠٠

النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ فَقَدْ نالَهُمُ الأذى في اللَّهِ.

والمُجاهَدَةُ: المُقاوَمَةُ بِالجُهْدِ، أيِ الطّاقَةِ.

والمُرادُ بِالمُجاهَدَةِ هُنا دِفاعُهُمُ المُشْرِكِينَ عَنْ أنْ يَرُدُّوهم إلى الكُفْرِ.

وهاتانِ الآيَتانِ مَكِّيَّتانِ نازِلَتانِ قَبْلَ شَرْعِ الجِهادِ الَّذِي هو بِمَعْنى قِتالِ الكُفّارِ لِنَصْرِ الدِّينِ.

والصَّبْرُ: الثَّباتُ عَلى تَحَمُّلِ المَكْرُوهِ والمَشاقِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ، والِاهْتِمامُ يَدْفَعُ النَّقِيصَةَ عَنْهم في …

An-Nahl 16:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.