وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
And fulfill the covenant of Allah when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allah, over you, a witness. Indeed, Allah knows what you do.
﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِمِلاكِ المَصالِحِ، ونَهاهم عَنْ مِلاكِ المَفاسِدِ بِما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً حَسَنَةً لِهَذا الِانْتِقالِ الَّذِي هو مِن أغْراضِ تَفَنُّنِ القُرْآنِ، وأوْضَحَ لَهم أنَّهم قَدْ صارُوا إلى كَمالٍ وخَيْرٍ بِذَلِكَ الكِتابِ المُبَيِّنِ لِكُلِّ شَيْءٍ، ولا جَرَمَ ذَكَّرَهُمُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ الَّذِي عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ عِنْدَما أسْلَمُوا، وهو ما بايَعُوا عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ مِمّا فِيهِ: «أنْ لا يَعْصُوهُ في مَعْرُوفٍ» . وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْخُذُ البَيْعَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ مِن وقْتِ ابْتِداءِ الإسْلامِ في مَكَّةَ.
وتَكَرَّرَتِ البَيْعَةُ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها عَلى أُمُورٍ أُخْرى، مِثْلِ النُّصْرَةِ الَّتِي بايَعَ عَلَيْها الأنْصارُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، ومِثْلِ بَيْعَةِ الحُدَيْبِيَةِ.
صفحة ٢٦١
والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ في الحِفاظِ عَلى عَهْدِهِمْ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ، وإضافَةُ العَهْدِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم عاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى الإسْلامِ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، فَهم قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ كَما قالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقالَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ الَّذِينَ كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ مِن أنْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، و(إذا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فالإتْيانُ بِاسْمِ الزَّمانِ لِتَأْكِيدِ الوَفاءِ، فالمَعْنى: أنَّ مَن عاهَدَ وجَبَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِالعَهْدِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ .
والعَهْدُ: الحَلِفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ النَّقْضُ تَقَدَّمَ في تِلْكَ الآيَةِ، ونَقْضُ الأيْمانِ: إبْطالُ ما كانَتْ لِأجْلِهِ، فالنَّقْضُ إبْطالُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لا إبْطالُ القَسَمِ، فَجَعَلَ إبْطالَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَقْضًا لِلْيَمِينِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ تَهْوِيلًا وتَغْلِيظًا لِلنَّقْضِ؛ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِحُرْمَةِ اليَمِينِ.
و﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ زِيادَةٌ في التَّحْذِيرِ، ولَيْسَ قَيْدًا لِلنَّهْيِ بِالبَعْدِيَّةِ، إذِ المَقْصُودُ أيْمانٌ مَعْلُومَةٌ، وهي أيْمانُ العَهْدِ والبَيْعَةِ، ولَيْسَتْ فِيها بَعْدِيَّةٌ.
و(بَعْدَ) هُنا بِمَعْنى (مَعَ)، إذِ البَعْدِيَّةُ والمَعِيَّةُ أثَرُهُما واحِدٌ هُنا، وهو حُصُولُ تَوْثِيقِ الأيْمانِ وتَوْكِيدِها، كَقَوْلِ الشُّمَيْذَرِ الحارِثِيِّ:
بَنِي عَمِّنا لا تَذْكُرُوا الشِّعْرَ بَعْدَما دَفَنْتُمْ بِصَحْراءِ الغُمَيْرِ القَوافِيا
أيْ لا تَذْكُرُوا أنَّكم شُعَراءُ، وأنَّ لَكم شِعْرًا، أوْ لا تَنْطِقُوا بِشِعْرٍ مَعَ وُجُودِ أسْبابِ الإمْساكِ عَنْهُ في وقْعَةِ صَحْراءِ الغُمَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] .
صفحة ٢٦٢
والتَّوْكِيدُ: التَّوْثِيقُ وتَكْرِيرُ الفَتْلِ، ولَيْسَ هو تَوْكِيدَ اللَّفْظِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم …