Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 91–100 of 128

91

وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ

And fulfill the covenant of Allah when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allah, over you, a witness. Indeed, Allah knows what you do.

﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِمِلاكِ المَصالِحِ، ونَهاهم عَنْ مِلاكِ المَفاسِدِ بِما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً حَسَنَةً لِهَذا الِانْتِقالِ الَّذِي هو مِن أغْراضِ تَفَنُّنِ القُرْآنِ، وأوْضَحَ لَهم أنَّهم قَدْ صارُوا إلى كَمالٍ وخَيْرٍ بِذَلِكَ الكِتابِ المُبَيِّنِ لِكُلِّ شَيْءٍ، ولا جَرَمَ ذَكَّرَهُمُ الوَفاءَ بِالعَهْدِ الَّذِي عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ عِنْدَما أسْلَمُوا، وهو ما بايَعُوا عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ مِمّا فِيهِ: «أنْ لا يَعْصُوهُ في مَعْرُوفٍ» . وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْخُذُ البَيْعَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ مِن وقْتِ ابْتِداءِ الإسْلامِ في مَكَّةَ.

وتَكَرَّرَتِ البَيْعَةُ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها عَلى أُمُورٍ أُخْرى، مِثْلِ النُّصْرَةِ الَّتِي بايَعَ عَلَيْها الأنْصارُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، ومِثْلِ بَيْعَةِ الحُدَيْبِيَةِ.

صفحة ٢٦١

والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ في الحِفاظِ عَلى عَهْدِهِمْ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ، وإضافَةُ العَهْدِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم عاهَدُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى الإسْلامِ الَّذِي دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، فَهم قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ كَما قالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وقالَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ الَّذِينَ كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ مِن أنْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، و(إذا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ، فالإتْيانُ بِاسْمِ الزَّمانِ لِتَأْكِيدِ الوَفاءِ، فالمَعْنى: أنَّ مَن عاهَدَ وجَبَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِالعَهْدِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ .

والعَهْدُ: الحَلِفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ النَّقْضُ تَقَدَّمَ في تِلْكَ الآيَةِ، ونَقْضُ الأيْمانِ: إبْطالُ ما كانَتْ لِأجْلِهِ، فالنَّقْضُ إبْطالُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لا إبْطالُ القَسَمِ، فَجَعَلَ إبْطالَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَقْضًا لِلْيَمِينِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ تَهْوِيلًا وتَغْلِيظًا لِلنَّقْضِ؛ لِأنَّهُ نَقْضٌ لِحُرْمَةِ اليَمِينِ.

و﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ زِيادَةٌ في التَّحْذِيرِ، ولَيْسَ قَيْدًا لِلنَّهْيِ بِالبَعْدِيَّةِ، إذِ المَقْصُودُ أيْمانٌ مَعْلُومَةٌ، وهي أيْمانُ العَهْدِ والبَيْعَةِ، ولَيْسَتْ فِيها بَعْدِيَّةٌ.

و(بَعْدَ) هُنا بِمَعْنى (مَعَ)، إذِ البَعْدِيَّةُ والمَعِيَّةُ أثَرُهُما واحِدٌ هُنا، وهو حُصُولُ تَوْثِيقِ الأيْمانِ وتَوْكِيدِها، كَقَوْلِ الشُّمَيْذَرِ الحارِثِيِّ:

بَنِي عَمِّنا لا تَذْكُرُوا الشِّعْرَ بَعْدَما دَفَنْتُمْ بِصَحْراءِ الغُمَيْرِ القَوافِيا

أيْ لا تَذْكُرُوا أنَّكم شُعَراءُ، وأنَّ لَكم شِعْرًا، أوْ لا تَنْطِقُوا بِشِعْرٍ مَعَ وُجُودِ أسْبابِ الإمْساكِ عَنْهُ في وقْعَةِ صَحْراءِ الغُمَيْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] .

صفحة ٢٦٢

والتَّوْكِيدُ: التَّوْثِيقُ وتَكْرِيرُ الفَتْلِ، ولَيْسَ هو تَوْكِيدَ اللَّفْظِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم …

92

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثًۭا تَتَّخِذُونَ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community. Allah only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.

صفحة ٢٦٤

﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ تَشْجِيعٌ لِحالِ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ العَهْدَ.

وعَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١]، واعْتَمَدَ العَطْفُ عَلى المُغايَرَةِ في المَعْنى بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِما في هَذِهِ الثّانِيَةِ مِنَ التَّمْثِيلِ، وإنْ كانَتْ مِن جِهَةِ المَوْقِعِ كالتَّوْكِيدِ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النحل: ٩١]، نُهُوا عَنْ أنْ يَكُونُوا مَضْرِبَ مَثَلٍ مَعْرُوفٍ في العَرَبِ بِالِاسْتِهْزاءِ، وهو المَرْأةُ الَّتِي تَنْقُضُ غَزْلَها بَعْدَ شَدِّ فَتْلِهِ، فالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها امْرَأةٌ اسْمُها رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ التَّمِيمِيَّةُ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِن قُرَيْشٍ، وعَبَّرَ عَنْها بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِاشْتِهارِها بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ؛ ولِأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو الحالَةُ المُشَبَّهُ بِها في هَذا التَّمْثِيلِ؛ ولِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يَذْكُرُ فِيهِ بِالِاسْمِ العَلَمِ إلّا مَنِ اشْتُهِرَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ مِثْلُ جالُوتَ وقارُونَ.

وقَدْ ذُكِرَ مِن قِصَّتِها أنَّها كانَتِ امْرَأةً خَرْقاءَ مُخْتَلَّةَ العَقْلِ، ولَها جَوارٍ، وقَدِ اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ وصِنّارَةٍ مِثْلِ أُصْبُعٍ وفَلْكَةٍ عَظِيمَةٍ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَتَنْقُضُ ما غَزَلَتْهُ، وهَكَذا تَفْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ، فَكانَ حالُها إفْسادَ ما كانَ نافِعًا مُحْكَمًا مِن عَمَلِها، وإرْجاعَهُ إلى عَدَمِ الصَّلاحِ، فَنُهُوا عَنْ أنْ يَكُونَ حالُهم كَحالِها في نَقْضِهِمْ عَهْدَ اللَّهِ، وهو عَهْدُ الإيمانِ بِالرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ، وأعْمالِ الجاهِلِيَّةِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الرُّجُوعُ إلى فَسادٍ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِصَلاحٍ.

صفحة ٢٦٥

والغَزَلُ: هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَغْزُولِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْبَلُ النَّقْضَ، والغَزْلُ: فِتَلُ نُتَفٍ مِنَ الصُّوفِ أوِ الشَّعْرِ لِتُجْعَلَ خُيُوطًا مُحْكَمَةَ اتِّصالِ الأجْزاءِ بِواسِطَةِ إدارَةِ آلَةِ الغَزْلِ بِحَيْثُ تَلْتَفُّ النُّتَفُ المَفْتُولَةُ بِاليَدِ؛ فَتَصِيرُ خَيْطًا غَلِيظًا طَوِيلًا بِقَدْرِ الحاجَةِ لِيَكُونَ سُدًى أوْ لُحْمَةً لِلنَّسْجِ.

والقُوَّةُ: إحْكامُ الغَزْلِ، أيْ نَقَضَتْهُ مَعَ كَوْنِهِ مُحْكَمَ الفَتْلِ لا مُوجِبَ لِنَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ فَتْلُهُ غَيْرَ مُحْكَمٍ؛ لَكانَ عُذْرٌ لِنَقْضِهِ.

والأنْكاثُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ: جَمْعُ نِكْثٍ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الكافِ أيْ مَنكُوثٌ، أيْ مَنقُوضٌ، ونَظِيرُهُ نَقْضٌ وأنْقاضٌ، والمُرادُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ أنَّ ما كانَ غَزْلًا واحِدًا جَعَلَتْهُ مَنقُوضًا، أيْ خُيُوطًا عَدِيدَةً، وذَلِكَ بِأنْ صَيَّرَتْهُ إلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ الغَزَلِ، وهي كَوْنُهُ خُيُوطًا ذاتَ عَدَدٍ.

وانْتَصَبَ أنْكاثًا عَلى الحالِ مِن غَزْلِها، أيْ نَقَضَتْهُ فَإذا هو أنْكاثٌ.

وجُمْلَةُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾ [النحل: ٩١] .

والدَّخَلُ بِفَتْحَتَيْنِ: الفَسادُ، أيْ تَجْعَلُونَ أيْمانَكُمُ الَّتِي حَلَفْتُمُوها. .، والدَّخَلُ أيْضًا: الشَّيْءُ الفاسِدُ، ومِن كَلامِ العَرَبِ: تَرى الفِتْيانَ كالنَّخْلِ وما يُدْرِيكَ ما الدَّخْلُ (سَكِّنِ الخاءَ لُغَةً أوْ لِلضَّرُورَةِ إنْ كانَ نَظْمًا، أوْ لِلسَّجْعِ إنْ كانَ نَثْرًا) أيْ …

93

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And if Allah had willed, He could have made you [of] one religion, but He causes to stray whom He wills and guides whom He wills. And you will surely be questioned about what you used to do.

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

لَمّا أحالَ البَيانَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ زادَهم إعْلامًا بِحِكْمَةِ هَذا التَّأْخِيرِ؛ فَأعْلَمَهم أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ مِن هَذِهِ الدّارِ فَيَجْعَلُهم أُمَّةً واحِدَةً، ولَكِنَّهُ أضَلَّ مَن شاءَ، أيْ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الضَّلالِ، وهَدى مَن شاءَ، أيْ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الهُدى، وأحالَ الأمْرَ هُنا عَلى المَشِيئَةِ إجْمالًا؛ لِتَعَذُّرِ نَشْرِ مَطاوِي الحِكْمَةِ مِن ذَلِكَ.

ومَرْجِعُها إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَخْلُقَ النّاسَ عَلى هَذا الِاخْتِلافِ النّاشِئِ عَنِ اخْتِلافِ أحْوالِ التَّفْكِيرِ، ومَراتِبِ المَدارِكِ والعُقُولِ، وذَلِكَ يَتَوَلَّدُ مِن تَطَوُّراتٍ عَظِيمَةٍ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ في تَناسُلِهِ وحَضارَتِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أجْمَلَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]، وهَذِهِ المَشِيئَةُ لا يَطَّلِعُ عَلى كُنْهِها إلّا اللَّهُ تَعالى، وتَظْهَرُ آثارُها في فِرْقَةِ المُهْتَدِينَ، وفِرْقَةِ الضّالِّينَ.

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ قَدْ يَغْتَرُّ بِهِ قِصارُ الأنْظارِ فَيَحْسَبُونَ أنَّ الضّالِّينَ والمُهْتَدِينَ سَواءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ الضّالِّينَ مَعْذُورُونَ في ضَلالِهِمْ إذْ كانَ مِن أثَرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ

صفحة ٢٦٨

﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُؤَكَّدًا بِتَأْكِيدَيْنِ كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا، أيْ عَمّا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلِ ضَلالٍ أوْ عَمَلِ هُدًى.

والسُّؤالُ: كِنايَةٌ عَنِ المُحاسَبَةِ؛ لِأنَّهُ سُؤالٌ حَكِيمٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الإنارَةَ، ولَيْسَ سُؤالَ اسْتِطْلاعٍ.

94

وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allah, and you would have [in the Hereafter] a great punishment.

﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لَمّا حَذَّرَهم مِنَ النَّقْضِ الَّذِي يَئُولُ إلى اتِّخاذِ أيْمانِهِمْ دَخَلًا فِيهِمْ، وأشارَ بِالإجْمالِ إلى ما في ذَلِكَ مِنَ الفَسادِ فِيهِمْ، أعادَ الكَرَّةَ إلى بَيانِ عاقِبَةِ ذَلِكَ الصَّنِيعِ إعادَةً تُفِيدُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وتَأْكِيدَ التَّحْذِيرِ، وتَفْصِيلَ الفَسادِ في الدُّنْيا، وسُوءَ العاقِبَةِ في الآخِرَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَتَّخِذُوا﴾ تَصْرِيحًا بِالنَّهْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، وكانَ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَفْصِيلًا لِما أُجْمِلَ في مَعْنى الدَّخَلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ المَعْطُوفُ عَلى التَّفْرِيعِ وعِيدٌ بِعِقابِ الآخِرَةِ، وبِهَذا التَّصْدِيرِ وهَذا التَّفْرِيعِ النّاشِئِ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ فارَقَتْ هَذِهِ نَظِيرَتَها السّابِقَةَ بِالتَّفْصِيلِ والزِّيادَةِ، فَحُقَّ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْها لِهَذِهِ المُغايَرَةِ، وإنْ كانَ شَأْنُ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أنْ لا تُعْطَفَ.

والزَّلَلُ: تَزَلُّقُ الرِّجْلِ وتَنَقُّلُها مِن مَوْضِعِها دُونَ إرادَةِ صاحِبِها؛ بِسَبَبِ مَلاسَةِ الأرْضِ مِن طِينٍ رَطْبٍ، أوْ تَخَلْخُلِ حَصًى أوْ حَجَرٍ مِن تَحْتِ القَدَمِ فَيَسْقُطُ الماشِي عَلى الأرْضِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾ [البقرة: ٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٦٩

وزَلَلُ القَدَمِ تَمْثِيلٌ لِاخْتِلالِ الحالِ، والتَّعَرُّضِ لِلضُّرِّ؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ السُّقُوطُ أوِ الكَسْرُ، كَما أنَّ ثُبُوتَ القَدَمِ تَمَكُّنُ الرِّجْلِ مِنَ الأرْضِ، وهو تَمْثِيلٌ لِاسْتِقامَةِ الحالِ، ودَوامِ السَّيْرِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَمْثِيلَ ما يَجُرُّهُ نَقْضُ الأيْمانِ مِنَ الدَّخَلِ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ الماشِي في طَرِيقٍ بَيْنَما كانَتْ قَدَمُهُ ثابِتَةً إذا هي قَدْ زَلَّتْ بِهِ فَصُرِعَ، فالمُشَبَّهُ بِها حالُ رَجُلٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ نُكِّرَتْ (قَدَمٌ) وأُفْرِدَتْ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ قَدَمًا مَعْنِيَّةً، ولا عَدَدًا مِنَ الأقْدامِ، فَإنَّكَ تَقُولُ لِجَماعَةٍ يَتَرَدَّدُونَ في أمْرٍ: أراكم تُقَدِّمُونَ رِجْلًا، وتُؤَخِّرُونَ أُخْرى؛ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ بِحالِ الشَّخْصِ المُتَرَدِّدِ في المَشْيِ إلى الشَّيْءِ.

وزِيادَةُ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ مَعَ أنَّ الزَّلَلَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِتَصْوِيرِ اخْتِلافِ الحالَيْنِ، وأنَّهُ انْحِطاطٌ مَن حالِ سَعادَةٍ إلى حالِ شَقاءٍ، ومَن حالِ سَلامَةٍ إلى حالِ مِحْنَةٍ.

والثُّبُوتُ: مَصْدَرُ ثَبَتَ كالثَّباتِ، وهو الرُّسُوخُ، وعَدَمُ التَّنَقُّلِ، وخَصَّ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الكُتّابِ الثُّبُوتَ الَّذِي بِالواوِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو التَّحَقُّقُ مِثْلُ ثُبُوتِ عَدالَةِ الشّاهِدِ لَدى القاضِي، وخَصُّوا الثَّباتَ الَّذِي بِالألِفِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ.

والذَّوْقُ: مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ القَوِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ.

والسُّوءُ: ما يُؤْلِمُ، والمُرادُ بِهِ: ذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا مِن مُعامَلَتِهِمْ مُعامَلَةَ النّاكِثِينَ عَنِ الدِّينِ أوِ الخائِنِينَ عُهُودَهم.

و(صَدَدْتُمْ) هُنا قاصِرٌ، أيْ …

95

وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not exchange the covenant of Allah for a small price. Indeed, what is with Allah is best for you, if only you could know.

﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الثَّمَنُ القَلِيلُ هو ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ مِن مالٍ وهَناءِ عَيْشٍ، وهَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ؛ لِأجْلِ ما فاتَهم بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مِن مَنافِعَ عِنْدَ قَوْمِ الشِّرْكِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] وعَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤]؛لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها تَلْتَفِتُ إلى غَرَضٍ خاصٍّ مِمّا قَدْ يَبْعَثُ عَلى النَّقْضِ.

والثَّمَنُ: العِوَضُ الَّذِي يَأْخُذُهُ المُعاوِضُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا هُناكَ أنَّ قَلِيلًا صِفَةٌ كاشِفَةٌ، ولَيْسَتْ مُقَيَّدَةً، أيْ أنَّ كُلَّ عِوَضٍ يُؤْخَذُ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ هو عِوَضٌ قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ أعْظَمَ المُكْتَسَباتِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِاعْتِبارِ وصْفِ عِوَضِ الِاشْتِراءِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالقِلَّةِ، فَإنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ.

صفحة ٢٧١

و﴿ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١١] هو ما ادَّخَرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَن خَيْرٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] الآيَةَ فَخَيْرُ الدُّنْيا المَوْعُودُ بِهِ أفْضَلُ مِمّا يَبْذُلُهُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وخَيْرُ الآخِرَةِ أعْظَمُ مِنَ الكُلِّ، فالعِنْدِيَّةُ هُنا بِمَعْنى الِادِّخارِ لَهم، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مِلْكِ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ .

و(وإنَّما) هَذِهِ مَرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ، فَحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً (ما) عَنْ (إنَّ)؛ لِأنَّها لَيْسَتْ (ما) الكافَّةَ، ولَكِنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً اعْتِبارًا لِحالَةِ النُّطْقِ، ولَمْ يَكُنْ وصْلُ أمْثالِها مُطَّرِدًا في جَمِيعِ المَواضِعِ مِنَ المُصْحَفِ.

ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ عَواقِبِ الأشْياءِ، ولا يَغُرُّكُمُ العاجِلُ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى التَّأمُّلِ والعِلْمِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لَهم خَيْرٌ مُتَجَدِّدٌ لا نَفادَ لَهُ، وأنَّ ما يُعْطِيهِمُ المُشْرِكُونَ مَحْدُودٌ نافِذٌ؛ لِأنَّ خَزائِنَ النّاسِ صائِرَةٌ إلى النَّفادِ بِالإعْطاءِ، وخَزائِنُ اللَّهِ باقِيَةٌ.

والنَّفادُ: الِانْقِراضُ، والبَقاءُ: عَدَمُ الفَناءِ.

أيْ ما عِنْدَ اللَّهِ لا يَفْنى، فالأجْدَرُ الِاعْتِمادُ عَلى عَطاءِ اللَّهِ المَوْعُودِ عَلى الإسْلامِ دُونَ الِاعْتِمادِ عَلى عَطاءِ النّاسِ الَّذِينَ يَنْفَدُ رِزْقُهم، ولَوْ كَثُرَ.

وهَذا الكَلامُ جَرى مَجْرى التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ، وأُرْسِلَ إرْسالَ المَثَلِ فَيُحْمَلُ عَلى أعَمَّ، ولِذَلِكَ كانَ …

96

مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Whatever you have will end, but what Allah has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.

﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الثَّمَنُ القَلِيلُ هو ما يَعِدُهم بِهِ المُشْرِكُونَ إنْ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ مِن مالٍ وهَناءِ عَيْشٍ، وهَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ الإسْلامِ؛ لِأجْلِ ما فاتَهم بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مِن مَنافِعَ عِنْدَ قَوْمِ الشِّرْكِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ [النحل: ٩١] وعَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٤]؛لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنها تَلْتَفِتُ إلى غَرَضٍ خاصٍّ مِمّا قَدْ يَبْعَثُ عَلى النَّقْضِ.

والثَّمَنُ: العِوَضُ الَّذِي يَأْخُذُهُ المُعاوِضُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَكَرْنا هُناكَ أنَّ قَلِيلًا صِفَةٌ كاشِفَةٌ، ولَيْسَتْ مُقَيَّدَةً، أيْ أنَّ كُلَّ عِوَضٍ يُؤْخَذُ عَنْ نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ هو عِوَضٌ قَلِيلٌ، ولَوْ كانَ أعْظَمَ المُكْتَسَباتِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِاعْتِبارِ وصْفِ عِوَضِ الِاشْتِراءِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالقِلَّةِ، فَإنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ مِن كُلِّ ثَمَنٍ، وإنْ عَظُمَ قَدْرُهُ.

صفحة ٢٧١

و﴿ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١١] هو ما ادَّخَرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَن خَيْرٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] الآيَةَ فَخَيْرُ الدُّنْيا المَوْعُودُ بِهِ أفْضَلُ مِمّا يَبْذُلُهُ لَهُمُ المُشْرِكُونَ، وخَيْرُ الآخِرَةِ أعْظَمُ مِنَ الكُلِّ، فالعِنْدِيَّةُ هُنا بِمَعْنى الِادِّخارِ لَهم، كَما تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي كَذا، ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مِلْكِ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ .

و(وإنَّما) هَذِهِ مَرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ، فَحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً (ما) عَنْ (إنَّ)؛ لِأنَّها لَيْسَتْ (ما) الكافَّةَ، ولَكِنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً اعْتِبارًا لِحالَةِ النُّطْقِ، ولَمْ يَكُنْ وصْلُ أمْثالِها مُطَّرِدًا في جَمِيعِ المَواضِعِ مِنَ المُصْحَفِ.

ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ عَواقِبِ الأشْياءِ، ولا يَغُرُّكُمُ العاجِلُ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى التَّأمُّلِ والعِلْمِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لَهم خَيْرٌ مُتَجَدِّدٌ لا نَفادَ لَهُ، وأنَّ ما يُعْطِيهِمُ المُشْرِكُونَ مَحْدُودٌ نافِذٌ؛ لِأنَّ خَزائِنَ النّاسِ صائِرَةٌ إلى النَّفادِ بِالإعْطاءِ، وخَزائِنُ اللَّهِ باقِيَةٌ.

والنَّفادُ: الِانْقِراضُ، والبَقاءُ: عَدَمُ الفَناءِ.

أيْ ما عِنْدَ اللَّهِ لا يَفْنى، فالأجْدَرُ الِاعْتِمادُ عَلى عَطاءِ اللَّهِ المَوْعُودِ عَلى الإسْلامِ دُونَ الِاعْتِمادِ عَلى عَطاءِ النّاسِ الَّذِينَ يَنْفَدُ رِزْقُهم، ولَوْ كَثُرَ.

وهَذا الكَلامُ جَرى مَجْرى التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ، وأُرْسِلَ إرْسالَ المَثَلِ فَيُحْمَلُ عَلى أعَمَّ، ولِذَلِكَ كانَ …

97

مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مَن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لَمّا كانَ الوَعْدُ المُتَقَدِّمُ بُقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] خاصًّا بِأُولَئِكَ الَّذِينَ نُهُوا عَنْ أنْ يَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَقَّبَ بِتَعْمِيمِهِ لِكُلِّ مَن ساواهم في الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والعَمَلِ الصّالِحِ مَعَ التَّبْيِينِ لِلْأجْرِ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلَّتِي قَبْلَها، والبَيانِ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن مُجْمَلِ الأجْرِ، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ يُوجِبُ فَصْلَهُما عَمّا قَبْلَها.

صفحة ٢٧٣

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ تَبْيِينٌ لِلْعُمُومِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ (مَن) المَوْصُولَةُ، وفي هَذا البَيانِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أحْكامَ الإسْلامِ يَسْتَوِي فِيها الذُّكُورُ والنِّساءُ، عَدا ما خَصَّصَهُ الدِّينُ بِأحَدِ الصِّنْفَيْنِ، وأكَّدَ هَذا الوَعْدَ كَما أكَّدَ المُبَيَّنَ بِهِ.

وذُكِرَ (لَنُحْيِيَنَّهُ) لِيُبْنى عَلَيْهِ بَيانُ نَوْعِ الحَياةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَياةً طَيِّبَةً﴾، وذَلِكَ المَصْدَرُ هو المَقْصُودُ، أيْ لَنَجْعَلَنَّ لَهُ حَياةً طَيِّبَةً، وابْتُدِئِ الوَعْدُ بِإسْنادِ الإحْياءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَهُ حَياةٌ طَيِّبَةٌ مِنّا، ولَمّا كانَتْ حَياةُ الذّاتِ لَها مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ كَثُرَ إطْلاقُ الحَياةِ عَلى مُدَّتِها، فَوَصَفَها بِالطِّيبِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، أيْ طَيِّبٌ ما يَحْصُلُ فِيها، فَهَذا الوَصْفُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ طَيِّبًا ما فِيها، ويُقارِنُها مِنَ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلْمَرْءِ في مُدَّةِ حَيّاتِهِ، فَمَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَلِمُوا صالِحًا عَوَّضَهُ اللَّهُ عَنْ عَمَلِهِ ما فاتَهُ مِن وعْدِهِ.

ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: هاجَرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ فَوَجَبَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ، فَمِنّا مَن مَضى لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، كانَ مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَتْرُكْ إلّا نَمِرَةً كُنّا إذا غَطَّيْنا بِها رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، وإذا غُطِّيَ بِها رِجْلاهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، ومِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها.

والطَّيِّبُ: ما يَطِيبُ ويَحْسُنُ، وضِدُّ الطَّيِّبِ: الخَبِيثُ والسَّيِّئُ، وهَذا وعْدٌ بِخَيْراتِ الدُّنْيا، وأعْظَمُها الرِّضى بِما قَسَمَ لَهم، وحُسْنُ أمَلِهِمْ بِالعاقِبَةِ والصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وعِزَّةُ الإسْلامِ في نُفُوسِهِمْ، وهَذا مَقامٌ دَقِيقٌ تَتَفاوَتُ فِيهِ الأحْوالُ عَلى تَفاوُتِ سَرائِرِ النُّفُوسِ، ويُعْطِي اللَّهُ فِيهِ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَلى مَراتِبِ هِمَمِهِمْ وآمالِهِمْ، ومَن راقَبَ نَفْسَهُ رَأى شَواهِدَ هَذا.

وقَدْ عَقَّبَ بِوَعْدِ جَزاءِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فاخْتَصَّ هَذا بِأجْرِ الآخِرَةِ بِالقَرِينَةِ بِخِلافِ نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، فَإنَّهُ عامٌّ في الجَزاءَيْنِ.

98

فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

So when you recite the Qur'an, [first] seek refuge in Allah from Satan, the expelled [from His mercy].

صفحة ٢٧٤

﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾

مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا خَفِيٌّ ودَقِيقٌ، ولِذَلِكَ تَصَدّى بَعْضُ حُذّاقِ المُفَسِّرِينَ إلى البَحْثِ عَنْهُ، فَقالَ في الكَشّافِ: لَمّا ذَكَرَ العَمَلَ الصّالِحُ، ووَعَدَ عَلَيْهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِن جُمْلَةِ الأعْمالِ الَّتِي يُجْزَلُ عَلَيْها الثَّوابُ اهـ.

وهُوَ إبْداءُ مُناسَبَةٍ ضَعِيفَةٍ لا تَقْتَضِي تَمَكُّنَ ارْتِباطِ أجْزاءِ النَّظْمِ.

وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: لَمّا قالَ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي تَخْلُصُ بِهِ الأعْمالُ مِنَ الوَسْواسِ اهـ.

وهُوَ أمْكَنُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وزادَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَ مَدارُ الجَزاءِ هو حُسْنَ العَمَلِ؛ رَتَّبَ عَلَيْهِ الإرْشادَ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ بِأنْ يَخْلُصَ مِن شَوْبِ الفَسادِ، وفي كَلامَيْهِما مِنَ الوَهَنِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِعاذَةِ بِإرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ.

وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: الفاءُ في فَإذا واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، فَتَكُونُ الفاءُ عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ وصْلِ كَلامٍ بِكَلامٍ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِالِاسْتِعْمالِ، والعُهْدَةُ عَلَيْهِ.

وقالَ شَرَفُ الدِّينِ الطَّيْبِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِالفاءِ بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِإنْزالِ كِتابٍ جامِعٍ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلٍّ شَيْءٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]

صفحة ٢٧٥

الآيَةَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وأكَّدَهُ ذَلِكَ التَّأْكِيدَ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾، أيْ إذا شَرَعْتَ في قِراءَةِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ الجامِعِ الَّذِي نَبَّهْتَ عَلى بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ونازَعَكَ فِيهِ الشَّيْطانُ بِهَمْزِهِ ونَفْثِهِ؛ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ، والمَقْصُودُ إرْشادُ الأُمَّةِ اهـ.

وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدِ انْقَدَحَ في فِكْرِي قَبْلَ مُطالَعَةِ كَلامِهِ ثُمَّ وجَدْتُهُ في كَلامِهِ فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وتَرَحَّمْتُهُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فَما بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا﴾ [النحل: ٨٩] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ الشُّرُوعُ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.

وإظْهارُ اسْمِ القُرْآنِ دُونَ أنْ يُضْمَرَ لِلْكِتابِ؛ لِأجْلِ بُعْدِ المَعادِ.

والأظْهَرُ أنَّ (قَرَأْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ …

99

إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

صفحة ٢٧٤

﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾

مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا خَفِيٌّ ودَقِيقٌ، ولِذَلِكَ تَصَدّى بَعْضُ حُذّاقِ المُفَسِّرِينَ إلى البَحْثِ عَنْهُ، فَقالَ في الكَشّافِ: لَمّا ذَكَرَ العَمَلَ الصّالِحُ، ووَعَدَ عَلَيْهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِن جُمْلَةِ الأعْمالِ الَّتِي يُجْزَلُ عَلَيْها الثَّوابُ اهـ.

وهُوَ إبْداءُ مُناسَبَةٍ ضَعِيفَةٍ لا تَقْتَضِي تَمَكُّنَ ارْتِباطِ أجْزاءِ النَّظْمِ.

وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: لَمّا قالَ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي تَخْلُصُ بِهِ الأعْمالُ مِنَ الوَسْواسِ اهـ.

وهُوَ أمْكَنُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وزادَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَ مَدارُ الجَزاءِ هو حُسْنَ العَمَلِ؛ رَتَّبَ عَلَيْهِ الإرْشادَ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ بِأنْ يَخْلُصَ مِن شَوْبِ الفَسادِ، وفي كَلامَيْهِما مِنَ الوَهَنِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِعاذَةِ بِإرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ.

وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: الفاءُ في فَإذا واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، فَتَكُونُ الفاءُ عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ وصْلِ كَلامٍ بِكَلامٍ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِالِاسْتِعْمالِ، والعُهْدَةُ عَلَيْهِ.

وقالَ شَرَفُ الدِّينِ الطَّيْبِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِالفاءِ بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِإنْزالِ كِتابٍ جامِعٍ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلٍّ شَيْءٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]

صفحة ٢٧٥

الآيَةَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وأكَّدَهُ ذَلِكَ التَّأْكِيدَ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾، أيْ إذا شَرَعْتَ في قِراءَةِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ الجامِعِ الَّذِي نَبَّهْتَ عَلى بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ونازَعَكَ فِيهِ الشَّيْطانُ بِهَمْزِهِ ونَفْثِهِ؛ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ، والمَقْصُودُ إرْشادُ الأُمَّةِ اهـ.

وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدِ انْقَدَحَ في فِكْرِي قَبْلَ مُطالَعَةِ كَلامِهِ ثُمَّ وجَدْتُهُ في كَلامِهِ فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وتَرَحَّمْتُهُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فَما بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا﴾ [النحل: ٨٩] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ الشُّرُوعُ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.

وإظْهارُ اسْمِ القُرْآنِ دُونَ أنْ يُضْمَرَ لِلْكِتابِ؛ لِأجْلِ بُعْدِ المَعادِ.

والأظْهَرُ أنَّ (قَرَأْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ …

100

إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allah.

صفحة ٢٧٤

﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾

مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا خَفِيٌّ ودَقِيقٌ، ولِذَلِكَ تَصَدّى بَعْضُ حُذّاقِ المُفَسِّرِينَ إلى البَحْثِ عَنْهُ، فَقالَ في الكَشّافِ: لَمّا ذَكَرَ العَمَلَ الصّالِحُ، ووَعَدَ عَلَيْهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ إيذانًا بِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ مِن جُمْلَةِ الأعْمالِ الَّتِي يُجْزَلُ عَلَيْها الثَّوابُ اهـ.

وهُوَ إبْداءُ مُناسَبَةٍ ضَعِيفَةٍ لا تَقْتَضِي تَمَكُّنَ ارْتِباطِ أجْزاءِ النَّظْمِ.

وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: لَمّا قالَ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي تَخْلُصُ بِهِ الأعْمالُ مِنَ الوَسْواسِ اهـ.

وهُوَ أمْكَنُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وزادَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا كانَ مَدارُ الجَزاءِ هو حُسْنَ العَمَلِ؛ رَتَّبَ عَلَيْهِ الإرْشادَ إلى ما بِهِ يَحْسُنُ العَمَلُ الصّالِحُ بِأنْ يَخْلُصَ مِن شَوْبِ الفَسادِ، وفي كَلامَيْهِما مِنَ الوَهَنِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الِاسْتِعاذَةِ بِإرادَةِ قِراءَةِ القُرْآنِ.

وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: الفاءُ في فَإذا واصِلَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُها في مِثْلِ هَذا، فَتَكُونُ الفاءُ عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ وصْلِ كَلامٍ بِكَلامٍ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِالِاسْتِعْمالِ، والعُهْدَةُ عَلَيْهِ.

وقالَ شَرَفُ الدِّينِ الطَّيْبِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ مُتَّصِلٌ بِالفاءِ بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِإنْزالِ كِتابٍ جامِعٍ لِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلٍّ شَيْءٍ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠]

صفحة ٢٧٥

الآيَةَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وأكَّدَهُ ذَلِكَ التَّأْكِيدَ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾، أيْ إذا شَرَعْتَ في قِراءَةِ هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ الجامِعِ الَّذِي نَبَّهْتَ عَلى بَعْضِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ونازَعَكَ فِيهِ الشَّيْطانُ بِهَمْزِهِ ونَفْثِهِ؛ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ، والمَقْصُودُ إرْشادُ الأُمَّةِ اهـ.

وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ، وقَدِ انْقَدَحَ في فِكْرِي قَبْلَ مُطالَعَةِ كَلامِهِ ثُمَّ وجَدْتُهُ في كَلامِهِ فَحَمِدْتُ اللَّهَ، وتَرَحَّمْتُهُ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ فَما بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا﴾ [النحل: ٨٩] إلَخْ، وجُمْلَةِ ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ الشُّرُوعُ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.

وإظْهارُ اسْمِ القُرْآنِ دُونَ أنْ يُضْمَرَ لِلْكِتابِ؛ لِأجْلِ بُعْدِ المَعادِ.

والأظْهَرُ أنَّ (قَرَأْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ إلى أزْواجِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ …

An-Nahl 16:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.