Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 81–90 of 128

81

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَٰنًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ

And Allah has made for you, from that which He has created, shadows and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].

ولَمّا ذَكَرَ ما يَخُصُّهم أتْبَعَهُ ما يُشارِكُونَ فِيهِ سائِرَ الحَيَواناتِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ حاجَةٍ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾؛ مِنَ الأشْجارِ؛ والجِبالِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ غِناهُ المُطْلَقِ؛ ﴿مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾؛ جَمْعُ ”كِنٌّ“؛ وهو ما يُسْتَكَنَّ بِهِ -؛ أيْ: يُسْتَتَرُ - مِنَ الكُهُوفِ؛ ونَحْوِها؛ ولَوْ كانَ الخالِقُ غَيْرَ مُخْتارٍ؛ لَكانَتْ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ؛ لا ظِلالَ؛ ولا أكْنانَ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما هَداهم إلَيْهِ؛ عِوَضًا مِمّا جَعَلَهُ لِسائِرِ الحَيَوانِ؛ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَنًّا مِنهُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿سَرابِيلَ﴾؛ أيْ: ثِيابًا؛ ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾؛ وهي كُلُّ ما لُبِسَ؛ مِن قَمِيصٍ؛ وغَيْرِهِ؛ كَما قالَ الزَّجّاجُ.

ولَمّا كانَتِ السَّرابِيلُ نَوْعًا واحِدًا؛ لَمْ يُكَرِّرْ ”جَعَلَ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسَرابِيلَ﴾؛ أيْ: دُرُوعًا؛ ومَغافِرَ؛ وغَيْرَها؛ ﴿تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾؛ أضافَهُ إلَيْهِمْ إفْهامًا لِأنَّهُ الحَرْبُ؛ وذَلِكَ كَما جَعَلَ لِبَقِيَّةِ الحَيَوانِ - مِنَ الأصْوافِ؛ ونَحْوِها؛ والأنْيابِ؛ والأظْفارِ؛ ونَحْوِها - ما هو نَحْوُ ذَلِكَ؛ يَمْنَعُ مِنَ الحَرِّ؛ والبَرْدِ؛ ومِن سِلاحِ العَدُوِّ؛ ولَمْ يَذْكُرْ - سُبْحانَهُ - هُنا وِقايَةَ البَرْدِ لِتَقَدُّمِها في قَوْلِهِ (تَعالى): ”لَكم فِيها دِفْءٌ“؛ ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: نَبَّهَنا - سُبْحانَهُ - بِهَذا الكَلامِ عَلى تَمامِ نِعْمَةِ الإيجادِ؛ فَهَلْ بَعْدَها مِن نِعْمَةٍ؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: كَما أتَمَّ نِعْمَةَ الإيجادِ عَلَيْكم هَذا الإتْمامَ العَظِيمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ؛ ونَبَّهَكم عَلَيْها؛ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ في الدُّنْيا والدِّينِ؛ بِالهِدايَةِ؛ والبَيانِ لِطَرِيقِ النَّجاةِ؛ والمَنافِعِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ؛ بَعْدَ جَلائِلِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم - بِما تَرَوْنَ مِن كَثْرَةِ إحْسانِهِ؛ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ مَعَ وُضُوحِ الأمْرِ - حالَ مَن يُرْجى مِنهُ إسْلامُ قِيادِهِ لِرَبِّهِ؛ فَلا يَسْكُنُ؛ ولا يَتَحَرَّكُ؛ إلّا في طاعَتِهِ.

82

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

But if they turn away, [O Muhammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.

فَلَمّا صارَ هَذا البَيانُ؛ إلى أجْلى مِنَ العِيانِ؛ كانَ رُبَّما وقَعَ في الوَهْمِ أنَّهم إنْ لَمْ يُجِيبُوا لَحِقَ الدّاعِي - بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ - حَرَجٌ؛ فَقالَ (تَعالى) - نافِيًا لِذَلِكَ؛ مُعْرِضًا عَنْهم إعْراضَ المُغْضَبِ؛ مُقْبِلًا عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - إقْبالَ المُسَلِّي؛ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ ”التَّفَعُّلِ“؛ المُفْهِمَةِ لِأنَّ الفِطَرَ الأُولى داعِيَةٌ إلى الإقْبالِ عَلى اللَّهِ؛ فَلا يُعْرِضُ صاحِبُها عَمّا يُرْضِيهِ - سُبْحانَهُ - إلّا بِنَوْعِ مُعالَجَةٍ -: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ؛ ومُتابَعَةَ الأهْواءِ؛ فَلا تَقْصِيرَ عَلَيْكَ بِسَبَبِ تَوَلِّيهِمْ؛ ولا حَرَجَ؛ ﴿فَإنَّما﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ إنَّما ﴿عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَرُدَّهم عَنِ العِنادِ؛

83

يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

They recognize the favor of Allah; then they deny it. And most of them are disbelievers.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ كانَ إعْراضُهم عَنْ جَهْلٍ؛ أوْ عِنادٍ؟ فَقِيلَ فِيهِمْ؛ وفِيهِمْ؛ ﴿يَعْرِفُونَ﴾؛ أيْ: كُلُّهُمْ؛ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّتِي تَقَدَّمَ عَدُّ بَعْضِها في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾؛ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها؛ أوْ بِتَكْذِيبِ الآتِي بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْها؛ بَعْضُهم لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِ؛ وبَعْضُهم عِنادًا؛ وكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: هي مِنَ اللَّهِ؛ ولَكِنْ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا؛ ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ أيْ: المَدْعُوِّينَ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ؛ الَّذِينَ أدْرَكَتْهم دَعْوَتُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ﴿الكافِرُونَ﴾؛ أيْ: المُعانِدُونَ؛ الرّاسِخُونَ في الكُفْرِ.

84

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allah].

ولَمّا كانَ مِن أجَلِّ المَقاصِدِ بِهَذِهِ الأسالِيبِ التَّخْوِيفُ مِنَ البَعْثِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإعْراضِ عَنِ البَيانِ؛ والإصْرارِ عَلى كُفْرانِ المَعْرُوفِ مِنَ الإحْسانِ؛ إلّا المُجازاةُ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ يُمْهِلُ؛ ولا يُهْمِلُ؛ قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ثَمَرَةِ ”فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ“؛ وهِيَ: فَبَلِّغْهُمْ؛ وبَيِّنْ لَهُمْ؛ ولا تَيْأسْ مِن رُجُوعِهِمْ -:﴿ويَوْمَ﴾؛ أيْ: وخَوِّفْهم يَوْمَ ﴿نَبْعَثُ﴾؛ بَعْدَ البَعْثِ؛ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾؛ يَحْكُمُ بِقَوْلِهِ المَلِكُ إجْراءً لِلْأمْرِ عَلى ما يَتَعارَفُونَ؛ وإنْ كانَ غَنِيًّا عَنْ شَهِيدٍ؛ ولَمّا كانَ الإذْنُ لَهم في الِاعْتِذارِ في بَعْضِ المَواقِفِ الطَّوِيلَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَعَذِّرًا؛ عَبَّرَ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ﴾؛ أيْ: لا يَقَعُ إذْنٌ؛ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ الشُّهَداءِ؛ في الِاعْتِذارِ؛ كَما يُؤْذَنُ في هَذِهِ الدّارِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّؤالِ في الإعْذارِ؛ لِأنَّهُ لا عُذْرَ هُناكَ في الحَقِيقَةِ؛ ﴿ولا هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ المُؤْثِرُ لِلرِّضا؛ وهو إزالَةُ العَتْبِ؛ وهو المَوْجِدَةُ؛ المُعَبَّرُ بِها عَنِ الغَضَبِ؛ المُعَبَّرِ بِهِ عَنْ آثارِهِ مِنَ السَّطْوَةِ والِانْتِقامِ؛ وأخْذِ العَذابِ لِأهْلِ الإجْرامِ؛ مِن قَبِيحِ ما ارْتَكَبُوا؛ لِأنَّ تِلْكَ الدّارَ لَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ؛

85

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

ثُمَّ وصَلَ بِهِ أنَّ ما يُوجِبُهُ الغَضَبُ يَدُومُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ما بَعْدَ ”ثُمَّ“ -: ﴿وإذا رَأى﴾؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ فَعَبَّرَ بِالوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَذابِ؛ ﴿العَذابَ﴾؛ بَعْدَ المَوْقِفِ؛ وشَهادَةِ الشُّهَداءِ؛ وجَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما قُرِنَ بِالفاعِلِيَّةِ؛ تَقْدِيرُهُ: ”لابَسَهُمْ“؛ ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ تَخْفِيفٌ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ؛ ولا بِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ شَيْءٌ مِنهُ؛ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾؛ بِالتَّأْخِيرِ؛ ولا لَحْظَةً؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ مِن أحَدٍ ما.

86

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَٰذِبُونَ

And when those who associated others with Allah see their "partners," they will say," Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حاصِلَ أمْرِهِمْ في البَعْثِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وكانَ مِن أهَمِّ المُهِمِّ أمْرُهم في المَوْقِفِ مَعَ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَتَرَجَّوْنَهُمْ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وإذا رَأى﴾؛ أيْ: بِالعَيْنِ؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ فَأظْهَرَ أيْضًا الوَصْفَ المُناسِبَ لِلْمَقامِ؛ ﴿شُرَكاءَهُمْ﴾؛ أيْ: الآلِهَةَ الَّتِي كانُوا يَدْعُونَها شُرَكاءَ؛ ﴿قالُوا رَبَّنا﴾؛ يا مَن أحْسَنَ إلَيْنا؛ ورَبّانا؛ ﴿هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾؛ أضافُوهم إلى أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِشَرِكَتِهِمْ سِوى تَسْمِيَتِهِمْ لَها؛ المُوجِبَةِ لِضُرِّهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا﴾؛ أيْ: نَعْبُدُ.

ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ مُتَكَثِّرَةً دُونَ رُتْبَتِهِ - سُبْحانَهُ - لِأنَّ عُلُوَّهُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن دُونِكَ﴾؛ لِيُقَرِّبُونا إلَيْكَ؛ فَأكْرِمْنا لِأجْلِهِمْ؛ جَرْيًا عَلى مِنهاجِهِمْ في الدُّنْيا في الجَهْلِ؛ والغَباوَةِ؛ فَخافَ الشُّرَكاءُ مِن عَواقِبِ هَذا القَوْلِ؛ والإقْرارِ عَلَيْهِ؛ سَطْواتِ الغَضَبِ؛ ﴿فَألْقَوْا﴾؛ أيْ: الشُّرَكاءُ؛ ﴿إلَيْهِمُ﴾؛ أيْ: المُشْرِكِينَ؛ ﴿القَوْلَ﴾؛ أيْ: بادَرُوا بِهِ؛ حَتّى كانَ إسْراعُهُ إلَيْهِمْ إسْراعَ شَيْءٍ ثَقِيلٍ يُلْقى مِن عُلُوٍّ؛ وأكَّدُوا قَوْلَهُمْ؛ لِأنَّهُ مُطاعَنَةٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ؛ فَقالُوا: ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾؛ في جَعْلِنا شُرَكاءَ؛ وأنّا نَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ أوْ نَشْفَعُ؛ أوْ يَكُونُ لَنا أمْرٌ نَسْتَحِقُّ بِهِ أنْ نُذْكَرَ؛

87

وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

And they will impart to Allah that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.

﴿وألْقَوْا﴾؛ أيْ: الشُّرَكاءُ؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذْ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا؛ ﴿السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ والِاسْتِسْلامَ؛ بِما عَلِمَ بِهِ الكُفّارُ أنَّهم مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ؛ لا أمْرَ لَهم أصْلًا؛ فَأُصْلِدَ زَنْدُهُمْ؛ وخابَ قَصْدُهُمْ؛ وقَيَّدَ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا - بِتَزْيِينِ الشَّياطِينِ لِأُمُورِهِمْ؛ ونُطْقِهِمْ عَلى ألْسِنَتِهِمْ - بِحَيْثُ يَظُنُّ عابِدُوهم أنَّ لَهم مَنعَةً؛ وبِهِمْ قُوَّةً؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”ألْقَوْا“؛ لِلْمُشْرِكِينَ؛ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الكُفّارِ؛ ﴿ما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ؛ مِن دَعْوى النَّفْعِ لَهُمْ؛ والضُّرِّ؛ كَذِبًا وفُجُورًا؛

88

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَٰهُمْ عَذَابًۭا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ

Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allah - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.

فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا لِلَّذِينِ أشْرَكُوا؛ فَما لِلَّذِينِ كانُوا دُعاةً إلى الشِّرْكِ؛ مانِعِينَ مِنَ الِانْتِقالِ عَنْهُ؟ فَقِيلَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا الكُفْرَ في أنْفُسِهِمْ؛ ﴿وصَدُّوا﴾؛ مَعَ ذَلِكَ؛ غَيْرَهُمْ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها؛ ﴿زِدْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ بِصَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ؛ ﴿عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾؛ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى مُطْلَقِ الشِّرْكِ؛ ﴿بِما كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ ﴿يُفْسِدُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الفَسادَ ويُجَدِّدُونَهُ؛

89

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ

And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves. And We will bring you, [O Muhammad], as a witness over your nation. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.

ثُمَّ كَرَّرَ التَّحْذِيرَ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى وجْهٍ يَزِيدُ عَلى ما أفْهَمَتْهُ الآيَةُ السّالِفَةُ؛ وهو أنَّ الشَّهادَةَ تَقَعُ عَلى الأُمَمِ؛ لا لَهُمْ؛ وتَكُونُ بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ويَوْمَ﴾؛ أيْ: وخَوِّفْهم يَوْمَ ﴿نَبْعَثُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: هو في أعْلى رُتَبِ الشَّهادَةِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَتْ بِعْثَةُ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - خاصَّةً بِقَوْمِهِمْ؛ إلّا قَلِيلًا؛ قالَ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ وهو نَبِيُّهم.

ولَمّا كانَ لِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ التَّحَقُّقِ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ وكَذا شَهادَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ عَبَّرَ بِالماضِي؛ إشارَةً إلى ذَلِكَ؛ وإلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ مِن حِينِ بَعْثِهِ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ العَلِيَّةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وجِئْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بِكَ شَهِيدًا﴾؛ أيْ: شَهادَةً هي مُناسِبَةٌ لِعَظَمَتِنا؛ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ بَعَثْناكَ إلَيْهِمْ؛ وهم أهْلُ الأرْضِ؛ وأكْثَرُهم لَيْسَ مِن قَوْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ بِعْثَتَهُ بِشَيْءٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا إعْذارَ في شُهَدائِهِ؛ فَإنَّهُ لا حُجَّةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ اليَوْمَ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - أزاحَ العِلَلَ؛ وتَرَكَ الأمْرَ عَلى بَيْضاءَ نَقِيَّةٍ؛ لَيْلُها كَنَهارِها؛ لا يَزِيغُ عَنْها إلّا هالِكٌ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”وما أنْزَلَنا عَلَيْكَ الكِتابَ“؛ الآيَةَ؛ المُتَعَقِّبِ لِقَوْلِهِ: ”لا جَرَمَ“؛ الآيَتَيْنِ -: ﴿ونَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ؛ والتَّنْجِيمِ؛ ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ الجامِعَ لِلْهُدى؛ ﴿تِبْيانًا﴾؛ أيْ: لِأجْلِ البَيانِ التّامِّ؛ قالُوا: وهو اسْمٌ؛ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ؛ كَـ ”تِلْقاءُ“؛ ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ ورَدَّ عَلَيْكَ مِن أسْئِلَتِهِمْ؛ ووَقائِعِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو في أعْلى طَبَقاتِ البَيانِ؛ كَما أنَّهُ في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ أسْرَعُ إلى الأفْهامِ؛ وأظْهَرُ في الإدْراكِ؛ والنَّفْسُ أشَدُّ تَقَبُّلًا لَهُ لِما هو عَلَيْهِ مِن حُسْنِ النِّظامِ؛ والقُرْبِ إلى الأفْهامِ؛ وإنَّما احْتِيجَ إلى تَفْسِيرِهِ؛ مَعَ أنَّهُ في نِهايَةِ البَيانِ؛ لِتَقْصِيرِ الإنْسانِ في العِلْمِ بِمَذاهِبِ العَرَبِ الَّذِينَ هُمُ الأصْلُ في هَذا اللِّسانِ؛ وتَقْصِيرِ العَرَبِ عَنْ جَمِيعِ مَقاصِدِهِ؛ كَما قَصَّرُوا عَنْ دَرَجَتِهِ في البَلاغَةِ؛ فَرَجَعَتِ الحاجَةُ إلى تَقْصِيرِ الفَهْمِ؛ لا إلى تَقْصِيرِ الكَلامِ في البَيانِ؛ ولِهَذا تَفاوَتَ النّاسُ في فَهْمِهِ لِتَفاوُتِهِمْ في دَرَجاتِ البَلاغَةِ؛ ومَعْرِفَةِ طُرُقِ العَرَبِ في جَمِيعِ أسالِيبِها؛ قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في آخِرِ خُطْبَةِ الرِّسالَةِ؛ بَعْدَ أنْ دَعا اللَّهَ (تَعالى) أنْ يَرْزُقَهُ فَهْمًا في كِتابِهِ؛ ثُمَّ في سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: فَلَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأحَدٍ مِن أهْلِ دِينِ اللَّهِ نازِلَةٌ إلّا وفي كِتابِ اللَّهِ الدَّلِيلُ عَلى سَبِيلِ الهُدى فِيها - واحْتَجَّ بِآياتٍ؛ مِنها هَذِهِ -؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - بَيَّنَ فِيهِ التَّوْحِيدَ؛ والمَبْدَأ؛ والمَعادَ؛ والأمْرَ؛ والنَّهْيَ؛ والحَلالَ؛ والحَرامَ؛ والحُدُودَ؛ والأحْكامَ؛ بِالنَّصِّ عَلى بَعْضِها؛ وبِالإحالَةِ عَلى السُّنَّةِ في الآخَرِ؛ وعَلى الإجْماعِ في نَحْوِ قَوْلِهِ …

90

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

Indeed, Allah orders justice and good conduct and giving to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

ولَمّا بَيَّنَ (تَعالى) فَضْلَ هَذا القُرْآنِ؛ بِما يَقْطَعُ حُجَّتَهُمْ؛ وكانَ قَدْ قَدَّمَ فَضْلَ مَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ؛ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ أخَذَ يُبَيِّنُ اتِّصافَ القُرْآنِ بِبَيانِ كُلِّ شَيْءٍ؛ وتَضَمُّنَهُ لِذَلِكَ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ؛ فَقالَ (تَعالى) - جامِعًا لِما يَتَّصِلُ بِالتَّكالِيفِ؛ فَرْضًا ونَفْلًا؛ وما يَتَّصِلُ بِالأخْلاقِ والآدابِ؛ عُمُومًا وخُصُوصًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾؛ وهو الإنْصافُ؛ الَّذِي لا يُقْبَلُ عَمَلٌ بِدُونِهِ؛ وأوَّلُ دَرَجاتِهِ التَّوْحِيدُ؛ الَّذِي بُنِيَتِ السُّورَةُ عَلَيْهِ؛ والعَدْلُ يُعْتَبَرُ تارَةً في المَعْنى؛ فَيُرادُ بِهِ هَيْئَةٌ في الإنْسانِ تُطْلَبُ بِها المُساواةَ؛ وتارَةً في العَقْلِ؛ فَيُرادُ بِهِ التَّقْسِيطُ القائِمُ عَلى الِاسْتِواءِ؛ وتارَةً يُقالُ: هو الفَضْلُ كُلُّهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ الفَضائِلِ عَنْهُ؛ وتارَةً يُقالُ: هو أكْمَلُ الفَضائِلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ صاحِبَهُ يَقْدِرُ عَلى اسْتِعْمالِهِ في نَفْسِهِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ وهو مِيزانُ اللَّهِ المُبَرَّأُ مِن كُلِّ زَلَّةٍ؛ وبِهِ يَسْتَتِبُّ أمْرُ العالَمِ؛ وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ؛ وهو وسَطٌ؛ كُلُّ أطْرافِهِ جَوْرٌ؛ وبِالجُمْلَةِ الشَّرْعُ مَجْمَعُ العَدْلِ؛ وبِهِ تُعْرَفُ حَقائِقُهُ؛ ومَنِ اسْتَقامَ عَلى نَهْجِ الحَقِّ فَقَدِ اسْتَتَبَّ عَلى مَنهَجِ العَدْلِ؛ ذَكَرَهُ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“؛ وفِيهِ تَلْخِيصٌ؛ وفي آخِرِ الجُزْءِ الخامِسَ عَشَرَ مِنَ الثَّقَفِيّاتِ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صِفْ لِيَ العَدْلَ؛ فَقالَ: كُنْ لِصَغِيرِ النّاسِ أبًا؛ ولِكَبِيرِهِمُ ابْنًا؛ ولِلْمِثْلِ أخًا؛ ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ؛ وعاقِبِ النّاسَ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ؛ عَلى قَدْرِ أجْسامِهِمْ؛ ولا تَضْرِبَنَّ لِغَضَبِكَ سَوْطًا واحِدًا فَتَعْدِيَ فَتَكُونَ مِنَ العادِينَ؛ انْتَهى.

﴿والإحْسانِ﴾؛ وهو فِعْلُ الطّاعَةِ عَلى أعْلى الوُجُوهِ؛ فالعَدْلُ فَرْضٌ؛ والإحْسانُ فَضْلٌ؛ وهو مُجاوَزَةُ النَّصَفَةِ إلى التَّحامُلِ عَلى النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما وقَعَ في الفَرْضِ نَقْصٌ فَجُبِرَ بِالنَّفْلِ؛ وهو في التَّوْحِيدِ الِارْتِقاءُ عَنْ أوَّلِ الدَّرَجاتِ؛ ومِن أعْلاهُ الغِنى عَنِ الأكْوانِ؛ وتَكُونُ الأكْوانُ في غَيْبَتِها عِنْدَ انْبِساطِ نُورِ الحَقِّ؛ كالنُّجُومِ في انْطِماسِها عِنْدَ انْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ؛ وغايَتُهُ الفَناءُ؛ حَتّى عَنْ هَذا الغِنى؛ وشُهُودُ اللَّهِ وحْدَهُ؛ وهو التَّوْحِيدُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «”الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ“؛» وهو رُوحُ الإنْسانِيَّةِ؛ فَفي الجُزْءِ الثّامِنِ مِنَ الثَّقَفِيّاتِ؛ عَنْ عاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الجَرْمِيِّ قالَ: «حَدَّثَنِي أبِي كُلَيْبٌ أنَّهُ شَهِدَ مَعَ أبِيهِ جِنازَةً شَهِدَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ: وأنا غُلامٌ أعْقِلُ وأفْهَمُ؛ قالَ: فانْتَهى بِالجِنازَةِ إلى القَبْرِ؛ ولَمّا يُمَكَّنْ لَها؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ – يَقُولُ: ”سَوِّ ذا“؛ أوْ: ”خُذْ ذا“؛ قالَ: حَتّى ظَنَّ النّاسُ أنَّها سُنَّةٌ؛ فالتَفَتَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ”إنَّ هَذا لا يَنْفَعُ المَيِّتَ؛ ولا يَضُرُّهُ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ (تَعالى) يُحِبُّ مِنَ العامِلِ إذا عَمِلَ أنْ يُحْسِنَ“».

﴿وإيتاءِ ذِي …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.