Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 128

81

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَٰنًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ

And Allah has made for you, from that which He has created, shadows and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى أخَواتِها.

والقَوْلُ في نَظْمِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ المُتَقَدِّمَةِ.

وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ الإلْهامِ إلى التَّوَقِّي مِن أضْرارِ الحَرِّ والقَرِّ في حالَةِ الِانْتِقالِ، أعْقَبَتْ بِهِ المِنَّةَ بِذَلِكَ في حالِ الإقامَةِ والسُّكْنى، وبِنِعْمَةِ خَلْقِ الأشْياءِ الَّتِي

صفحة ٢٤٠

يَكُونُ بِها ذَلِكَ التَّوَقِّي بِاسْتِعْمالِ المَوْجُودِ، وصُنْعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ اللِّباسِ، إذْ خَلَقَ اللَّهُ الظِّلالَ صالِحَةً لِلتَّوَقِّي مِن حَرِّ الشَّمْسِ. وخَلَقَ الكُهُوفَ في الجِبالِ؛ لِيُمْكِنَ اللَّجَأُ إلَيْها. وخَلَقَ مَوادَّ اللِّباسِ مَعَ الإلْهامِ إلى صِناعَةِ نَسْجِها، وخَلَقَ الحَدِيدَ؛ لِاتِّخاذِ الدُّرُوعِ لِلْقِتالِ.

و(مِن) في ﴿مِمّا خَلَقَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ.

والظِّلالُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] آنِفًا؛ لِأنَّ الظِّلالَ آثارُ حَجْبِ الأجْسامِ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ.

والأكْنانُ: جَمَعَ (كِنٍّ) بِكَسْرِ الكافِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَكْنُونٍ فِيهِ، وهي الغِيرانُ والكُهُوفُ.

و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِمّا خَلَقَ﴾، و﴿مِنَ الجِبالِ﴾، لِلتَّبْعِيضِ، كانُوا يَأْوُونَ إلى الكُهُوفِ في شِدَّةِ حَرِّ الهَجِيرِ أوْ عِنْدَ اشْتِدادِ المَطَرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ سَألُوا اللَّهَ بِأفْضَلِ أعْمالِهِمْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.

والسَّرابِيلُ: جَمْعُ سِرْبالٍ، وهو القَمِيصُ يَقِي الجَسَدَ حَرَّ الشَّمْسِ، كَما يَقِيهِ البَرْدَ.

وخَصَّ الحَرَّ هُنا؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ أحْوالِ بِلادِ المُخاطَبِينَ في وقْتِ نُزُولِها، عَلى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدِّفْءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] ذَكَرَ ضِدَّهُ هُنا.

والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي البَأْسَ: هي دُرُوعُ الحَدِيدِ، ولَها مِن أسْماءِ القَمِيصِ الدِّرْعُ، والسِّرْبالُ، والبَدَنُ.

والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في الحَرْبِ، وإضافَتُهُ إلى الضَّمِيرِ عَلى مَعْنى التَّوْزِيعِ، أيْ تَقِي بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ، كَما فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، وقالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وهو بَأْسُ السُّيُوفِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِيُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] .

صفحة ٢٤١

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْيِيلٌ لِما ذُكِرَ مِنَ النِّعَمِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما في النِّعَمِ المَذْكُورَةِ مِنَ الإتْمامِ، أوْ إلى الإتْمامِ المَأْخُوذِ مِن (يُتِمَّ) .

و(لَعَلَّ) لِلرَّجاءِ، اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى الرَّغْبَةِ، أيْ رَغْبَةٌ في أنْ تُسْلِمُوا، أيْ تَتَّبِعُوا دِينَ الإسْلامِ الَّذِي يَدْعُوكم إلى ما مَآلُهُ شُكْرُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى.

وتَقَدَّمَ تَأْوِيلُ مَعْنى الرَّجاءِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

82

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

But if they turn away, [O Muhammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل: ٨١] وجُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٤] .

وقَدْ حَوَّلَ الخِطابَ عَنْهم إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ وهو نَوْعٌ مِنَ الِالتِفاتِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، والتِفاتٌ عَمَّنْ كانَ الكَلامُ مُوَجَّهًا إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ الكَلامِ إلى شَخْصٍ آخَرَ.

والمَعْنى: كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لِتُسْلِمُوا فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ.

والمَقْصُودُ: تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ.

والتَّوَلِّي: الإعْراضُ، وفِعْلُ (تَوَلَّوْا) هُنا بِصِيغَةِ المُضِيِّ، أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الدَّعْوَةِ فَلا تَقْصِيرَ مِنكَ، ولا غَضاضَةَ عَلَيْكَ فَإنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ البَلاغَ المُبِينَ لِلْمَحَجَّةِ.

والقَصْرُ إضافِيٌّ؛ أيْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ لا تَقْلِيبُ قُلُوبِهِمْ إلى الإسْلامِ، أوْ لا تَوَلِّي جَزاءَهم عَلى الإعْراضِ، بَلْ عَلَيْنا جَزاؤُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] .

وجَعَلَ هَذا جَوابًا لِجُمْلَةِ (فَإنْ تَوَلَّوْا) مِن إقامَةِ السَّبَبِ والعِلَّةِ مَقامَ المُسَبِّبِ والمَعْلُولِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَإنْ تَوَلَّوْا فَلا تَقْصِيرَ ولا مُؤاخَذَةَ عَلَيْكَ

صفحة ٢٤٢

لِأنَّكَ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، ونَظِيرُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] .

83

يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ

They recognize the favor of Allah; then they deny it. And most of them are disbelievers.

﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ تَوَلِّيَهم عَنِ الإسْلامِ مَعَ وفْرَةِ أسْبابِ اتِّباعِهِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ: كَيْفَ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ دَلائِلُ الإسْلامِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهم عَرَفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، ولَكِنَّهم أعْرَضُوا عَنْها إنْكارًا ومُكابَرَةً، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَها حالًا مِن ضَمِيرِ (تَوَلَّوْا)، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِجُمْلَةِ (تَوَلَّوْا) .

وهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها تَقْتَضِي عَدَمَ عَطْفِها عَلى ما قَبْلَها، والمَعْنى: هم يَعْلَمُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ المَعْدُودَةَ عَلَيْهِمْ فَإنَّهم مُنْتَفِعُونَ بِها، ومَعَ تَحَقُّقُهِمْ أنَّها نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يُنْكِرُونَها، أيْ يَنْكَرُونَ شُكْرَها، فَإنَّ النِّعْمَةَ تَقْتَضِي أنْ يَشْكُرَ المُنْعَمُ عَلَيْهِ بِها مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، فَلَمّا عَبَدُوا ما لا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهم أنْكَرُوها، فَقَدْ أُطْلِقَ فِعْلُ (يُنْكِرُونَ) بِمَعْنى إنْكارِ حَقِّ النِّعْمَةِ، فَإسْنادُ إنْكارِ النِّعْمَةِ إلَيْهِمْ مَجازٌ لُغَوِيٌّ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ يُنْكِرُونَ مُلابِسَها وهو الشُّكْرُ.

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ)، وكَأنَّهُ قِيلَ: ويُنْكِرُونَها؛ لِأنَّ (ثُمَّ) لَمّا كانَتْ لِلْعَطْفِ اقْتَضَتِ التَّشْرِيكَ في الحُكْمِ، ولَمّا كانَتْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ زالَ عَنْها مَعْنى المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ المَوْضُوعَةِ هي لَهُ؛ فَبَقِيَ لَها مَعْنى التَّشْرِيكِ، وصارَتِ المُهْلَةُ مُهْلَةً رُتَبِيَّةً؛ لِأنَّ إنْكارَ نِعْمَةِ اللَّهِ أمْرٌ غَرِيبٌ.

وإنْكارُ النِّعْمَةِ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ أئِمَّتُهم ودَهْماؤُهم، فَفَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ - وهم أئِمَّةُ الكُفْرِ شَأْنُهُمُ التَّعَقُّلُ والتَّأمُّلُ فَإنَّهم عَرِفُوا النِّعْمَةَ بِإقْرارِهِمْ بِالمُنْعِمِ، وبِما سَمِعُوا مِن دَلائِلِ القُرْآنِ حَتّى تَرَدَّدُوا وشَكُّوا في

صفحة ٢٤٣

دِينِ الشِّرْكِ ثُمَّ رَكِبُوا رُءُوسَهم وصَمَّمُوا عَلى الشِّرْكِ، ولِهَذا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإنْكارِ المُقابِلِ لِلْإقْرارِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ فَظاهِرُ كَلِمَةِ (أكْثَرُ) وكَلِمَةِ (الكافِرُونَ) أنَّ الَّذِينَ وُصِفُوا بِأنَّهُمُ الكافِرُونَ هم غالِبُ المُشْرِكِينَ لا جَمِيعُهم، فَيُحْمَلُ المُرادُ بِالغالِبِ عَلى دَهْماءِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ مُعْظَمَهم بُسَطاءُ العُقُولِ بُعَداءُ عَنِ النَّظَرِ، فَهم لا يَشْعُرُونَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، فَإنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ، فَكانَ إشْراكَهم راسِخًا، بِخِلافِ عُقَلائِهِمْ وأهْلِ النَّظَرِ، فَإنَّ لَهم تَرَدُّدًا في نُفُوسِهِمْ، ولَكِنْ يَحْمِلُهم عَلى الكُفْرِ حُبُّ السِّيادَةِ في قَوْمِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .

84

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allah].

﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾

الواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ يَوْمَ نَبْعَثُ إلَخْ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فالتَّذْكِيرُ بِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ البَلاغِ المُبِينِ، والمَعْنى: فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ، وسَنُجازِي يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْها، ذَلِكَ أنَّ وصْفَ شَهِيدٍ يَقْتَضِي أنَّهُ شاهِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ وعَلى الكافِرِينَ، أيْ شَهِيدٌ؛ لِأنَّهُ بَلَّغَهم رِسالَةَ اللَّهِ.

وبَعْثُ شَهِيدٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ يُفِيدُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ شَهِيدٌ عَلى هَؤُلاءِ الكافِرِينَ كَما سَيَجِيءُ عَقِبَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩]، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ أمْرُ العَطْفِ، والتَّخَلُّصِ إلى وصْفِ يَوْمِ الحِسابِ، وإلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ.

صفحة ٢٤٤

وانْتَصَبَ يَوْمَ نَبْعَثُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ المَذْكُورُ يُقَدَّرُ بِما يَسْمَحُ بِهِ المَعْنى، مِثْلُ: نُحاسِبُهم حِسابًا لا يُسْتَعْتَبُونَ مِنهُ، أوْ وقَعُوا فِيما وقَعُوا مِنَ الخَطْبِ العَظِيمِ.

والَّذِي دَعا إلى هَذا الحَذْفِ هو أنَّ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ عامِلًا في الظَّرْفِ وهو (لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا) قَدْ حُوِّلَ إلى جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الظَّرْفِ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ، إذِ الأصْلُ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ﴾ . . . إلى آخِرِهِ، فَبَقِيَ الظَّرْفُ بِدُونِ مُتَعَلَّقٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسّامِعِ بُدٌّ مِن تَقْدِيرِهِ بِما تَذْهَبُ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ.

والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ.

والبَعْثُ: إحْضارُهُ في المَوْقِفِ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ إلْجامَهم عَنِ الكَلامِ مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِعْتابِ أشَدُّ هَوْلًا مِنَ الإتْيانِ بِالشَّهِيدِ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الزَّمَنِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإذْنِ لَهم مُقارِنٌ لِبَعْثِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يُؤْذَنُ لَهم بِالمُجادَلَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقِ يُؤْذَنُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الإذْنِ كِنايَةً عَنِ الطَّرْدِ كَما كانَ الإذْنُ كِنايَةً عَنِ الإكْرامِ، كَما في حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «ما اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ مُنْذُ أسْلَمْتُ إلّا أذِنَ لِي»، وحِينَئِذٍ لا يُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلَّقٌ، أوْ لا يُؤْذَنُ لَهم في الخُرُوجِ مِن جَهَنَّمَ حِينَ يَسْألُونَهُ بِقَوْلِهِمُ ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٩] فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] .

والِاسْتِعْتابُ: أصْلُهُ طَلَبُ العُتْبى، والعُتْبى: الرِّضى بَعْدَ الغَضَبِ، يُقالُ: اسْتَعْتَبَ فُلانٌ فُلانًا فَأعْتَبَهُ، إذا أرْضاهُ، قالَ تَعالى ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] .

صفحة ٢٤٥

وإذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ فالأصْلُ أنْ يَكُونَ نائِبَ فاعِلِهِ …

85

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤]) . و(إذا) شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.

وجُمْلَةُ (فَلا يُخَفَّفُ) جَوابُ (إذا) وقُرِنَ بِالفاءِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ والجَوابِيَّةِ لِدَفْعِ احْتِمالِ الِاسْتِئْنافِ.

صفحة ٢٤٦

وصاحِبُ الكَشّافِ جَعَلَ (إذا) ظَرْفًا مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ يَقْتَضِي تَقْدِيرُهُ عَدَمَ وُجُودِ مُتَعَلَّقٍ لِلظَّرْفِ فَيُقَدَّرُ لَهُ مُتَعَلَّقٌ بِما يُناسِبُ، كَما قُدِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ [النحل: ٨٤]، والتَّقْدِيرُ: إذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ وبَغَتَهم، وعَلى هَذا فالفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ فَصِيحَةٌ، ولَيْسَتْ رابِطَةً لِلْجَوابِ.

و(الَّذِينَ ظَلَمُوا) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، فالتَّعْبِيرُ بِهِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِقَصْدِ إجْراءِ الصِّفاتِ المُتَلَبِّسِينَ بِها عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: فَلا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ، ثُمَّ يُساقُونَ إلى العَذابِ فَإذا رَأوْهُ لا يُخَفَّفُ عَنْهم، أيْ يَسْألُونَ تَخْفِيفَهُ، أوْ تَأْخِيرَ الإقْحامِ فِيهِ فَلا يُسْتَجابُ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وأطْلَقَ العَذابَ عَلى آلاتِهِ ومَكانِهِ.

وجاءَ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنِ الِاسْمِ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمِ، فَأُرِيدَ تَقَوِّي حُكْمَ النَّفْيِ، أيْ أنَّ عَدَمَ تَخْفِيفِ العَذابِ عَنْهم مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا طَماعِيَةَ في إخْلافِهِ، فَحَصَلَ تَأْكِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَما حَصَلَ تَأْكِيدُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِالفاءِ، أيْ فَهم يُلْقَوْنَ بِسُرْعَةٍ في العَذابِ.

86

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَٰذِبُونَ

And when those who associated others with Allah see their "partners," they will say," Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."

﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

الَّذِينَ أشْرَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ يَرَوْنَ العَذابَ، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ لا يُؤْذَنُ لَهم، وإجْراءُ هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّلاثِ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ إجْرامِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهو نُكْتَةُ

صفحة ٢٤٧

الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ هُنا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] .

فالإشْراكُ المَقْصُودُ هُنا هو إشْراكُهُمُ الأصْنامَ في صِفَةِ الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامَ، أيِ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ حَسَبَ اعْتِقادِهِمْ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أُضِيفَ لَفْظُ (شُرَكاءَ) إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِ تَعالى (شُرَكاءَهم)، كَقَوْلِ خالِدِ بْنِ الصَّقْعَبِ النَّهْدِيِّ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ وقَدْ تَحَدَّثَ عَمْرٌو في مَجْلِسِ قَوْمٍ بِأنَّهُ أغارَ عَلى بَنِي نَهْدٍ، وقَتَلَ خالِدًا، وكانَ خالِدٌ حاضِرًا في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَناداهُ: مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكُ يَسْمَعُ، أيْ قَتِيلُكُ المَزْعُومُ. فالإضافَةُ لِلتَّهَكُّمِ. والمَعْنى: إذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا الشُّرَكاءَ عِنْدَهم، أيْ في ظَنِّهِمْ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ لَفْظَ (شُرَكاءَ) لَقَبًا زالَ مِنهُ مَعْنى الوَصْفِ بِالشَّرِكَةِ، وصارَ لَقَبًا لِلْأصْنامِ، فَتَكُونُ الإضافَةُ عَلى أصْلِها.

والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ الأصْنامَ حِينَ تُقْذَفُ مَعَهم في النّارِ، قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .

وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾ إمّا مِن قَبِيلِ الِاعْتِرافِ عَنْ غَيْرِ إرادَةٍ؛ فَضْحًا لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ ألْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وإمّا مِن قَبِيلِ التَّنَصُّلِ وإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى المَعْبُوداتِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ هَؤُلاءِ أغْرَوْنا بِعِبادَتِهِمْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧] .

والفاءُ في فَألْقَوْا لِلتَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ بِتَكْذِيبِ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم، أنْطَقَ اللَّهُ تِلْكَ الأصْنامَ فَكَذَّبَتْ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم مِن كَوْنِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوْ مِن كَوْنِ عِبادَتِهِمْ بِإغْراءٍ مِنها تَفْضِيحًا لَهم وحَسْرَةً عَلَيْهِمْ.

والجَمْعُ في اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ جَمْعُ العُقَلاءِ؛ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ.

صفحة ٢٤٨

ولَمّا كانَ نُطْقُ الأصْنامِ غَيْرَ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإلْقاءِ المُؤْذِنِ بِكَوْنِ القَوْلِ أجْراهُ اللَّهُ عَلى أفْواهِ الأصْنامِ مِن دُونِ أنْ يَكُونُوا ناطِقِينَ، فَكَأنَّهُ سَقَطَ مِنها.

وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى ضَمِيرِ الشُّرَكاءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّها مَظْهَرُهُ.

وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ جَمْعِ العُقَلاءِ في فِعْلِ ألْقَوْا مُشاكَلَةً لِاسْمِ الإشارَةِ، واسْمِ المَوْصُولِ لِلْعُقَلاءِ.

ووَصْفُهم بِالكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم أنَّ أُولَئِكَ آلِهَةٌ يُدْعَوْنَ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في الحَدِيثِ: فَيُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ …

87

وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

And they will impart to Allah that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.

﴿وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

الَّذِينَ أشْرَكُوا هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا الَّذِينَ يَرَوْنَ العَذابَ، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ لا يُؤْذَنُ لَهم، وإجْراءُ هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّلاثِ عَلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ إجْرامِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى تَكْذِيبِ ما دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهو نُكْتَةُ

صفحة ٢٤٧

الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ هُنا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥] .

فالإشْراكُ المَقْصُودُ هُنا هو إشْراكُهُمُ الأصْنامَ في صِفَةِ الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ الأصْنامَ، أيِ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ حَسَبَ اعْتِقادِهِمْ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أُضِيفَ لَفْظُ (شُرَكاءَ) إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِ تَعالى (شُرَكاءَهم)، كَقَوْلِ خالِدِ بْنِ الصَّقْعَبِ النَّهْدِيِّ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ وقَدْ تَحَدَّثَ عَمْرٌو في مَجْلِسِ قَوْمٍ بِأنَّهُ أغارَ عَلى بَنِي نَهْدٍ، وقَتَلَ خالِدًا، وكانَ خالِدٌ حاضِرًا في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَناداهُ: مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكُ يَسْمَعُ، أيْ قَتِيلُكُ المَزْعُومُ. فالإضافَةُ لِلتَّهَكُّمِ. والمَعْنى: إذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا الشُّرَكاءَ عِنْدَهم، أيْ في ظَنِّهِمْ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ لَفْظَ (شُرَكاءَ) لَقَبًا زالَ مِنهُ مَعْنى الوَصْفِ بِالشَّرِكَةِ، وصارَ لَقَبًا لِلْأصْنامِ، فَتَكُونُ الإضافَةُ عَلى أصْلِها.

والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ الأصْنامَ حِينَ تُقْذَفُ مَعَهم في النّارِ، قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .

وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾ إمّا مِن قَبِيلِ الِاعْتِرافِ عَنْ غَيْرِ إرادَةٍ؛ فَضْحًا لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمُ ألْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]، وإمّا مِن قَبِيلِ التَّنَصُّلِ وإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى المَعْبُوداتِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ هَؤُلاءِ أغْرَوْنا بِعِبادَتِهِمْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧] .

والفاءُ في فَألْقَوْا لِلتَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ بِتَكْذِيبِ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم، أنْطَقَ اللَّهُ تِلْكَ الأصْنامَ فَكَذَّبَتْ ما تَضَمَّنَهُ مَقالُهم مِن كَوْنِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوْ مِن كَوْنِ عِبادَتِهِمْ بِإغْراءٍ مِنها تَفْضِيحًا لَهم وحَسْرَةً عَلَيْهِمْ.

والجَمْعُ في اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ جَمْعُ العُقَلاءِ؛ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ.

صفحة ٢٤٨

ولَمّا كانَ نُطْقُ الأصْنامِ غَيْرَ جارٍ عَلى المُتَعارَفِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإلْقاءِ المُؤْذِنِ بِكَوْنِ القَوْلِ أجْراهُ اللَّهُ عَلى أفْواهِ الأصْنامِ مِن دُونِ أنْ يَكُونُوا ناطِقِينَ، فَكَأنَّهُ سَقَطَ مِنها.

وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى ضَمِيرِ الشُّرَكاءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّها مَظْهَرُهُ.

وأجْرى عَلَيْهِمْ ضَمِيرَ جَمْعِ العُقَلاءِ في فِعْلِ ألْقَوْا مُشاكَلَةً لِاسْمِ الإشارَةِ، واسْمِ المَوْصُولِ لِلْعُقَلاءِ.

ووَصْفُهم بِالكَذِبِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم أنَّ أُولَئِكَ آلِهَةٌ يُدْعَوْنَ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما وقَعَ في الحَدِيثِ: فَيُقالُ لِلنَّصارى: ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ …

88

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَٰهُمْ عَذَابًۭا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ

Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allah - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.

صفحة ٢٤٩

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ العَذابَ الَّذِينَ هم لاقُوهُ عَلى كُفْرِهِمُ اسْتَأْنَفَ هُنا بِذِكْرِ زِيادَةِ العَذابِ لَهم عَلى الزِّيادَةِ في كُفْرِهِمْ بِأنَّهم يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، وهو المُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيِ السَّبِيلِ المُوَصِّلَةِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى الكَوْنِ في أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ، والمَقْصُودُ: تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ إلى كَيْدِهِمْ وإفْسادِهِمْ، والتَّعْرِيضُ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في شِراكِهِمْ.

وزِيادَةُ العَذابِ: مُضاعَفَتُهُ.

والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوْقَ العَذابِ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المَعْهُودِ حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ [النحل: ٨٥]؛ لِأنَّ عَذابَ كُفْرِهِمْ لَمّا كانَ مَعْلُومًا بِكَثْرَةِ الحَدِيثِ عَنْهُ صارَ كالمَعْهُودِ، وأمّا عَذابُ صَدِّهِمُ النّاسَ فَلا يَخْطُرُ بِالبالِ؛ فَكانَ مَجْهُولًا فَناسَبَهُ التَّنْكِيرُ.

والباءُ في ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ: إفْسادُهُمُ الرّاغِبِينَ في الإسْلامِ بِتَسْوِيلِ البَقاءِ عَلى الكُفْرِ، كَما فَعَلُوا مَعَ الأعْشى حِينَ جاءَ مَكَّةَ راغِبًا في الإسْلامِ مادِحًا الرَّسُولَ ﷺ بِقَصِيدَةِ:

هَلِ اغْتَمَضَتْ عَيْناكِ لَيْلَةَ أرْمَدا

وقِصَّتُهُ في كُتُبِ السِّيرَةِ والأدَبِ، وكَما فَعَلُوا مَعَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الدَّوْسِيِّ فَإنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ فَمَشى إلَيْهِ رِجالٌ مِن قُرَيْشٍ فَقالُوا: يا طُفَيْلُ إنَّكَ قَدِمْتَ بِلادَنا، وهَذا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ أظْهُرِنا قَدْ أعْضَلَ بِنا، وقَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا، وشَتَّتَ أمْرَنا، وإنَّما قَوْلُهُ كالسِّحْرِ، وإنّا نَخْشى عَلَيْكَ، وعَلى قَوْمِكَ ما قَدْ دَخَلَ عَلَيْنا فَلا تُكَلِّمَنَّهُ ولا تَسْمَعْنَ مِنهُ، وقَدْ ذُكِرَ في قِصَّةِ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ كَيْفَ تَعَرَّضُوا لَهُ بِالأذى في المَسْجِدِ الحَرامِ حِينَ عَلِمُوا إسْلامَهُ.

89

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ

And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves. And We will bring you, [O Muhammad], as a witness over your nation. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.

صفحة ٢٥٠

﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ .

ولَمّا كانَ تَكْرِيرًا أُعِيدَ نَظِيرُ الجُمْلَةِ عَلى صُورَةِ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ مُقْتَرِنَةً بِالواوِ؛ ولِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةَ وصْفِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَحَصَلَتْ مُغايِرَةٌ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والمُغايَرَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْعَطْفِ أيْضًا.

ومِن دَواعِي تَكْرِيرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ لِبُعْدِ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٨٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، فَهو كالإعادَةِ في قَوْلِ لَبِيَدٍ:

فَتَنازَعا سَبْطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها

مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا

مَعَ أنَّ الإعادَةَ هُنا أجْدَرُ؛ لِأنَّ الفَصْلَ أطْوَلُ.

وقَدْ حَصَلَ مِن هَذِهِ الإعادَةِ تَأْكِيدُ التَّهْدِيدِ والتَّسْجِيلِ.

وعُدِّيَ فِعْلُ نَبْعَثُ هُنا بِحَرْفِ (في)، وعُدِّيَ نَظِيرُهُ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِحَرْفِ (مِن) لِيَحْصُلَ التَّفَنُّنُ بَيْنَ المُكَرَّرَيْنِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِينَ.

وزِيدَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ الشَّهِيدَ يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ؛ زِيادَةً في التَّذْكِيرِ بِأنَّ شَهادَةَ الرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ شَهادَةٌ لا مَطْعَنَ لَهم فِيها؛ لِأنَّها شُهُودٌ مِن قَوْمِهِمْ، لا يَجِدُ المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ فِيها مَساغًا لِلطَّعْنِ.

صفحة ٢٥١

ولَمْ تَخْلُ أيْضًا بَعْدَ التَّعْرِيضِ بِالتَّحْذِيرِ مَن صَدِّ الكافِرِينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن حُسْنِ مَوْقِعِ تَذْكِيرِ المُسْلِمِينَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ شَهِيدًا يَشْهَدُ لَهم بِما يَنْفَعُهم وبِما يَضُرُّ أعْداءَهم.

والقَوْلُ في بَقِيَّةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِثْلُ ما سَبَقَ في نَظِيرَتِها.

ولَمّا بُعِثَ الشُّهَداءُ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ مُرادًا بِهِ بَعْثُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُضارِعِ.

وجُمْلَةُ ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ﴾ كُلِّها، فالمَعْنى: وجِئْنا بِكَ لَمّا أرْسَلْناكَ إلى أُمَّتِكَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، أيْ مُقَدَّرًا أنْ تَكُونَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا كانَ حَيًّا في آنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ شَهِيدًا في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، فاخْتِيرَ لَفْظُ الماضِي في جِئْنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مَجِيءٌ حَصَلَ مِن يَوْمِ بِعْثَتِهِ.

ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ بِطَرِيقِ المُساواةِ لِبَقِيَّةِ إخْوانِهِ الشُّهَداءِ عَلى الأُمَمِ؛ إذِ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ تَهْدِيدُ قَوْمِهِ وتَحْذِيرُهم، وهَذا الوَجْهُ شَدِيدُ المُناسَبَةِ بِأنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ.

وقَدْ عَلِمْتَ مِن هَذا أنَّ جُمْلَةَ ﴿وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا﴾ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى (نَبْعَثُ) بِحَيْثُ تَدْخُلُ في حَيِّزِ الظَّرْفِ، وهو يَوْمَ، بَلْ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ جُمْلَةِ يَوْمَ نَبْعَثُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ: وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا مِن وقْتِ إرْسالِكَ، وعَلى هَذا يَكُونُ …

90

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

Indeed, Allah orders justice and good conduct and giving to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ لَمّا جاءَ أنَّ هَذا القُرْآنَ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وهُدًى ورَحْمَةٌ وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ، حَسُنَ التَّخَلُّصُ إلى تِبْيانِ أصُولِ الهُدى في التَّشْرِيعِ لِلدِّينِ الإسْلامِيِّ العائِدَةِ إلى الأمْرِ والنَّهْيِ، إذِ الشَّرِيعَةُ كُلُّها أمْرٌ ونَهْيٌ، والتَّقْوى مُنْحَصِرَةٌ في الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِ الكِتابِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَهي جامِعَةٌ أُصُولَ التَّشْرِيعِ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ ما حَوَتْهُ، وتَصْدِيرُها بِاسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّشْرِيفِ، وذَكَرَ (يَأْمُرُ) و(يَنْهى) دُونَ أنْ يُقالَ: اعْدِلُوا واجْتَنِبُوا الفَحْشاءَ، لِلتَّشْوِيقِ. ونَظِيرُهُ ما في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا ويَكْرَهُ لَكم ثَلاثًا» الحَدِيثَ.

والعَدْلُ: إعْطاءُ الحَقِّ إلى صاحِبِهِ، وهو الأصْلُ الجامِعُ لِلْحُقُوقِ الرّاجِعَةِ إلى الضَّرُورِيِّ والحاجِيِّ مِنَ الحُقُوقِ الذّاتِيَّةِ وحُقُوقِ المُعامَلاتِ، إذِ المُسْلِمُ مَأْمُورٌ

صفحة ٢٥٥

بِالعَدْلِ في ذاتِهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ومَأْمُورٌ بِالعَدْلِ في المُعامَلَةِ وهي مُعامَلَةٌ مَعَ خالِقِهِ: بِالِاعْتِرافِ لَهُ بِصِفاتِهِ وبِأداءِ حُقُوقِهِ، ومُعامَلَةٌ مَعَ المَخْلُوقاتِ: مَن أصُولُ المُعاشَرَةِ العائِلِيَّةِ والمُخالَطَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ، وذَلِكَ في الأقْوالِ والأفْعالِ، قالَ تَعالى ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقالَ تَعالى ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.

ومِن هَذا تَفَرَّعَتْ شُعَبُ نِظامِ المُعامَلاتِ الِاجْتِماعِيَّةِ مِن آدابٍ، وحُقُوقٍ، وأقْضِيَةٍ، وشَهاداتٍ، ومُعامَلَةٍ مَعَ الأُمَمِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .

ومَرْجِعُ تَفاصِيلِ العَدْلِ إلى أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، فالعَدْلُ هُنا كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ جامِعَةٌ. فَهي بِإجْمالِها مُناسِبَةٌ أحْوالَ المُسْلِمِينَ حِينَ كانُوا بِمَكَّةَ، فَيُصارُ فِيها إلى ما هو مُقَرَّرٌ بَيْنَ النّاسِ في أُصُولِ الشَّرائِعِ وإلى ما رَسَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنَ البَيانِ في مَواضِعِ الخَفاءِ، فَحُقُوقُ المُسْلِمِينَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِنَ الأُخُوَّةِ والتَّناصُحِ قَدْ أصْبَحَتْ مِنَ العَدْلِ بِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ.

وأمّا الإحْسانُ فَهو مُعامَلَةٌ بِالحُسْنى مِمَّنْ لا يَلْزَمُهُ إلى مَن هو أهْلُها، والحَسَنُ: ما كانَ مَحْبُوبًا عِنْدَ المُعامَلِ بِهِ، ولَمْ يَكُنْ لازِمًا لِفاعِلِهِ، وأعْلاهُ ما كانَ في جانِبِ اللَّهِ تَعالى مِمّا فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِقَوْلِهِ «الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، ودُونَ ذَلِكَ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ بِالنَّوافِلِ، ثُمَّ الإحْسانُ في المُعامَلَةِ فِيما زادَ عَلى العَدْلِ الواجِبِ، وهو يَدْخُلُ في جَمِيعِ الأقْوالِ والأفْعالِ، ومَعَ سائِرِ الأصْنافِ إلّا ما حَرَّمَ الإحْسانَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ.

ومِن أدْنى مَراتِبِ الإحْسانِ ما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «أنَّ امْرَأةً بَغِيًّا رَأتْ كَلْبًا يَلْهَثُ مِنَ العَطَشِ يَأْكُلُ الثَّرى فَنَزَعَتْ خُفَّها وأدْلَتْهُ في بِئْرٍ ونَزَعَتْ فَسَقَتْهُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَها» .

صفحة ٢٥٦

وفِي الحَدِيثِ «إنَّ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.