Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 71–80 of 128

71

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

And Allah has favored some of you over others in provision. But those who were favored would not hand over their provision to those whom their right hands possess so they would be equal to them therein. Then is it the favor of Allah they reject?

ولَمّا ذَكَرَ المُفاوَتَةَ في الأعْمارِ؛ المُنادِيَةِ بِإبْطالِ الطَّبائِعِ؛ المُوجِبَةِ لِلْمُسابَقَةِ إلى الِاعْتِبارِ لِأُولِي الأبْصارِ؛ لِلْخَوْفِ كُلَّ لَحْظَةٍ مِن مُصِيبَةِ المَوْتِ؛ ثَنّى بِالمُفاوَتَةِ في الأرْزاقِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾؛ أيُّها النّاسُ؛ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ ولَمّا كانَتْ وُجُوهُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةً؛ وكانَ التَّفْضِيلُ في المَعاشِ؛ الَّذِي يَظُنُّ الإنْسانُ أنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلى تَحْصِيلِهِ؛ وكانَتِ المُفاوَتَةُ فِيهِ أدَلَّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ الَّذِي السِّياقُ لَهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فِي الرِّزْقِ﴾؛ أيْ: ولَرُبَّما جَعَلَ الضَّعِيفَ العاجِزَ الجاهِلَ أغْنى مِنَ القَوِيِّ المُحْتالِ العالِمِ؛ فاتَّقُوا اللَّهَ؛ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ؛ وأقْبِلُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم عَلى ما يَنْفَعُكم مِنَ الِاسْتِبْصارِ؛ قالَ الإمامُ أبُو نُعَيْمٍ؛ في الحِلْيَةِ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ ثَنا أحْمَدُ ثَنا أحْمَدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الخَلّالُ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أبِي عُمَرَ يَقُولُ: كُنّا عِنْدَ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَذَكَرُوا الفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ ودَهاءَهُ؛ فَأنْشَأ سُفْيانُ يَقُولُ:

؎كَمْ مِن قَوِيٍّ قَوِيٌّ في تَقَلُّبِهِ ∗∗∗ مُهَذَّبُ الرَّأْيِ عَنْهُ الرِّزْقُ مُنْحَرِفُ

؎ومِن ضَعِيفٍ ضَعِيفُ العَقْلِ مُخْتَلِطٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّهُ مِن خَلِيجِ البَحْرِ يَغْتَرِفُ

وعَنْ نَوادِرِ أبِي عَلِيٍّ القالِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وحَدَّثَنِي أبِي قالَ: بَعَثَ سُلَيْمانُ المُهَلَّبِيُّ إلى الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ بِمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ؛ وطالَبَهُ بِصُحْبَتِهِ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ المِائَةَ ألْفٍ؛ وكَتَبَ إلَيْهِ هَذِهِ الأبْياتَ:

؎أبْلِغْ سُلَيْمانَ أنِّي عَنْهُ في سَعَةٍ ∗∗∗ وفي غِنًى غَيْرَ أنِّي لَسْتُ ذا مالِ

؎سَخّى بِنَفْسِيَ أنِّي لا أرى أحَدًا ∗∗∗ يَمُوتُ هُزْلًا ولا يَبْقى عَلى حالِ

؎فالرِّزْقُ عَنْ قَدَرٍ لا العَجْزُ يَنْقُصُهُ ∗∗∗ ولا يَزِيدُكَ فِيهِ حَوْلُ مُحْتالِ

؎والفَقْرُ في النَّفْسِ لا في المالِ تَعْرِفُهُ ∗∗∗ ومِثْلُ ذاكَ الغِنى في النَّفْسِ لا المالِ

ولَمّا كانَ جَعْلُ المَمْلُوكِ في رُتْبَةِ المالِكِ مِمّا يَتَعاظَمُهم في حُقُوقِهِمْ؛ مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لا مِلْكَ؛ ولا مُلْكَ؛ فَلا يَدِينُونَ لِذَلِكَ؛ ولا يُدانُونَهُ؛ وإنْ جَلَّ الخَطْبُ؛ وأدّى إلى ذَهابِ الأرْواحِ؛ بَلْ مَن كانَتْ أُمُّهُ مَمْلُوكَةً حَطُّوا رُتْبَتَهُ؛ وإنْ كانَ أبُوهُ مَن كانَ؛ وإنْ كانَتِ العِبْرَةُ عِنْدَهم في النِّسَبِ بِالأبِ؛ وهَذا هو الَّذِي أحْوَجَ عَنْتَرَةَ إلى قَوْلِهِ:

؎إنِّي امْرُؤٌ مِن خَيْرِ عَبْسٍ مَنصِبًا ∗∗∗ شَطْرِي وأحْمِي سائِرِي بِالمِنصَلِ

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانَ يَعْتَذِرُ بِهِ عَنْ جِهَةِ أُمِّهِ؛ نَبَّهَهم - سُبْحانَهُ - عَلى ما وقَعُوا فِيهِ في حَقِّهِ مِن ذَلِكَ؛ بِسَبَبِ الإشْراكِ؛ مَعَ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ؛ ومَلِكُ المُلُوكِ؛ بَعْدَما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ في تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ في نِسْبَةِ البَناتِ إلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾؛ أيْ: في الرِّزْقِ؛ ﴿بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ؛ ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾؛ وإنْ جَلَّ نَفْعُهُمْ؛ وتَعاظَمَ عِنْدَهم وقْعُهُمْ؛ ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾؛ أيْ: فَيَكُونُ بِذَلِكَ الرَّدِّ المالِكُ والمَمْلُوكُ سَواءً؛ فَهو جَوابٌ لِلنَّفْيِ - نَقَلَهُ الرَّمّالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

ولَمّا وضَحَ ذَلِكَ وُضُوحَ الشَّمْسِ؛ وظَهَرَ حَتّى ما بِهِ …

72

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ

And Allah has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allah they disbelieve?

ولَمّا ذَكَرَ الخَلْقَ والرِّزْقَ؛ أتْبَعَهُما الألْذاذَ بِالتَّأنُّسِ بِالجِنْسِ مِنَ الأزْواجِ؛ والأوْلادِ؛ وغَيْرِهِما؛ اللّازِمِ لَهُ القِيامُ بِالمَصالِحِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ تَمامُ القُدْرَةِ؛ وكَمالُ العِلْمِ؛ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الأزْواجُ مِنَ الجِنْسِ؛ قالَ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّ الشَّيْءَ آلَفُ لِنَوْعِهِ؛ وأقْرَبُ إلى جِنْسِهِ؛ ﴿أزْواجًا﴾؛ أيْ: تَتَوالَدُونَ بِها؛ ويَكُونُ السُّكُونُ إلَيْها سَبَبًا لِبَقاءِ نَوْعِكُمْ؛ ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ الَّذِينَ يُوَجِّهُونَ رَغَباتِهِمْ إلى غَيْرِهِ؛ ﴿مِن أزْواجِكم بَنِينَ﴾؛ ولَعَلَّهُ قَدَّمَهم لِلشَّرَفِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو أعَمُّ؛ فَقالَ: ﴿وحَفَدَةً﴾؛ أيْ: مِنَ البَناتِ؛ والبَنِينَ؛ وأوْلادِهِمْ؛ والأصْهارِ؛ والأخْتانِ؛ جَمْعُ ”حافِدٌ“؛ يَخِفُّونَ في أعْمالِكُمْ؛ ويُسْرِعُونَ في خَدْمِكُمْ؛ طاعَةً ومُوالاةً؛ لا كَما يَفْعَلُ الأجانِبُ؛ وبَعْضُ العاقِّينَ؛ وهَذا مَعْنى ما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّهُ فَسَّرَهم بِالخُدّامِ؛ والأعْوانِ؛ وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ مادَّةَ ”حَفَدَ“؛ تَدُورُ عَلى الإسْراعِ؛ والخِفَّةِ: ”حَفَدَ“: خَفَّ في العَمَلِ؛ وأسْرَعَ؛ و”الحَفَدُ“؛ مُحَرَّكَةً: الخَدَمُ؛ لِخِفَّتِهِمْ؛ ومَشْيٌ دُونَ الخَبَبِ؛ و”الحَفَدَةُ“: البَناتُ؛ وأوْلادُ الأوْلادِ؛ أوِ الأصْهارِ؛ لِذَلِكَ؛ وصُنّاعُ الوَشْيِ؛ لِإسْراعِهِمْ فِيهِ؛ وإسْراعِ لابِسِهِ إلى لُبْسِهِ مُنْبَسِطَ النَّفْسِ؛ و”المَحْفِدُ“؛ كَـ ”مَجْلِسٌ“؛ و”مِنبَرٌ“: شَيْءٌ يُعْلَفُ فِيهِ الدَّوابُّ؛ لِإسْراعِها إلَيْهِ؛ وكَـ ”مِنبَرٌ“: طَرَفُ الثَّوْبِ؛ لِإسْراعِ حَرَكَتِهِ؛ وقَدَحٌ يُكالُ بِهِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ وكَـ ”مَجْلِسٌ“: الأصْلُ؛ لِدَوَرانِ الأُمُورِ عَلَيْهِ؛ وإسْراعِها إلَيْهِ؛ و”سَيْفٌ مُحْتَفِدٌ“: سَرِيعُ القَطْعِ؛ و”أحْفَدَهُ“: حَمَلَهُ عَلى الإسْراعِ؛ و”الفادِحَةُ“: النّازِلَةُ؛ و”فَوادِحُ الدَّهْرِ“؛ خُطُوبُهُ؛ لِإسْراعِها بِالمَكْرُوهِ؛ وإسْراعِ المَنزُولِ بِهِ؛ ومَن يُهِمُّهُ شَأْنُهُ؛ إلى مُدافَعَتِها؛ ومِن ذَلِكَ ”فَدَحَهُ الأمْرُ“: أثْقَلُهُ؛ لِأنَّ المَكْرُوهَ يُسْرِعُ فَيُثْقِلُ؛ فَيَكْثُرُ اضْطِرابُ المَنزُولِ بِهِ. ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ -؛ أتْبَعُ ما لا يَطِيبُ العَيْشُ إلّا بِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ورَزَقَكُمْ﴾؛ أيْ: لِإقامَةِ أوَدِكُمْ؛ وإصْلاحِ أحْوالِكُمْ؛ ولَمّا كانَ كُلُّ النَّعِيمِ إنَّما هو في الجَنَّةِ؛ بَعَّضَ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾؛ بِجَعْلِهِ مُلائِمًا لِلطِّباعِ؛ شَهِيًّا لِلْأرْواحِ؛ نافِعًا لِلْإشْباعِ؛ فَعُلِمَ مِن هَذا قَطْعًا أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الأفْعالِ؛ هو المُخْتَصُّ بِالجَلالِ؛ ومَن أنْكَرَ شَيْئًا مِن حَقِّهِ فَقَدْ ضَلَّ أبْعَدَ الضَّلالِ؛ فَكَيْفَ بِمَن أنْكَرَ خَيْرَهُ؛ وعَبَدَ غَيْرَهُ؛ وهو بِاسْمِ العَدَمِ أحَقُّ مِنهُ بِاسْمِ الوُجُودِ؟! فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ - مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ إعْراضَ المُغْضَبِ -: ﴿أفَبِالباطِلِ﴾؛ أيْ: مِنَ الأصْنامِ؛ وما جَعَلُوا لَهم مِنَ النَّصِيبِ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٧]؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿هُمْ﴾؛ ولَهُ عَلَيْهِمْ خاصَّةً - غَيْرَ ما يُشارِكُونَ فِيهِ النّاسَ - مِنَ المِنَنِ ما لَهُ؛ ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ حَتّى إنَّهم يَجْعَلُونَ مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ السّائِبَةِ؛ والوَصِيلَةِ؛ والحامِي؛ وغَيْرِها؛ لِأصْنامِهِمْ؛ وذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِكُفْرانِ النِّعْمَةِ الكائِنَةِ مِنهُ؛ ومُتَضَمِّنٌ لِنِسْبَتِها إلى غَيْرِهِ؛ …

73

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ

And they worship besides Allah that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

ثُمَّ قالَ - عَطْفًا عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ هُناكَ -: ﴿ويَعْبُدُونَ﴾؛ وأشارَ إلى سُفُولِ المَراتِبِ كُلِّها عَنْ رُتْبَتِهِ - سُبْحانَهُ - فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ مَن لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مِمّا هو في غايَةِ السُّفُولِ؛ مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿ما لا يَمْلِكُ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿لَهم رِزْقًا﴾؛ تارِكِينَ مَن بِيَدِهِ جَمِيعُ الرِّزْقِ؛ وهو ذُو العُلُوِّ المُطْلَقِ؛ الَّذِي رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ جِهَةَ الرِّزْقِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ تَعْمِيمَ هَذا النَّفْيِ بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن ”رِزْقًا“؛ مُبَيِّنًا أنَّ تَنْوِينَهُ لِلتَّحْقِيرِ -: ﴿شَيْئًا﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ حَقارَتَهم بِقَوْلِهِ - جامِعًا؛ لِأنَّ ما عَجَزَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ فَهو عِنْدَ الِانْفِرادِ أعْجَزُ -: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم نَوْعُ اسْتِطاعَةٍ أصْلًا؛ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما مَضى مِنَ المُعَجَّبِ مِنهُ مِن أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ في قَوْلِهِ: ”ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ“؛ ونَحْوِهِ.

74

فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

So do not assert similarities to Allah. Indeed, Allah knows and you do not know.

ولَمّا دَحَضَ بِهَذِهِ الحُجَّةِ جَمِيعَ ما أقامُوهُ مِنَ الشُّبَهِ؛ وضَرَبُوهُ مِنَ الأمْثالِ فِيما ارْتَكَبُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ المَلِكَ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِأعْوانٍ؛ مِن حاجِبٍ؛ ونائِبٍ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ولا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِأنْواعِ القُرْبانِ؛ فَعَبَدُوا الأصْنامَ؛ وفَعَلُوا لَها ما يُفْعَلُ لَهُ؛ تَشْبِيهًا بِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ؛ وتَعالى سُلْطانُهُ -؛ لِأنَّ الفارِقَ أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا المَقِيسَ عَلَيْهِمْ؛ إنَّما أقامُوا مَن ذُكِرَ لِحاجَتِهِمْ؛ وضَعْفِ مُلْكِهِمْ؛ ومِلْكِهِمْ؛ فَحالُهم مُخالِفٌ لِوَصْفِ مَن لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ؛ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ؛ وكُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿الأمْثالَ﴾؛ أيْ: فَتُشَبِّهُوهُ؛ تَشْبِيهًا بِغَيْرِهِ؛ وإنْ ضَرَبَ لَكم هو الأمْثالَ؛ قالَ أبُو حَيّانَ؛ وغَيْرُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أيْ: لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ؛ انْتَهى. وهو - كَما قالَ في ”الكَشّافُ“ - تَمْثِيلٌ لِلْإشْراكِ بِاللَّهِ؛ والتَّشْبِيهِ بِهِ؛ لِأنَّ مَن يَضْرِبُ الأمْثالَ مُشَبِّهٌ حالًا بِحالٍ؛ وقِصَّةً بِقِصَّةٍ؛ انْتَهى؛ وهَذا النَّهْيُ عامٌّ في كُلِّ مَثَلٍ؛ لِخَطَرِ الأمْرِ؛ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَثَلُ غَيْرَ لائِقٍ بِمِقْدارِهِ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ لا سِيَّما في هَذا؛ لِأنَّ الخَطَأ فِيهِ كُفْرٌ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ: لَهُ جَمِيعُ صِفَةِ العِلْمِ؛ فَإذا ضَرَبَ مَثَلًا أتْقَنَهُ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يُبْدِيَ فارِقًا ما بَيْنَ المُمَثِّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ؛ في الأمْرِ المُمَثَّلِ لَهُ؛ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَكم عِلْمٌ أصْلًا؛ فَلِذَلِكَ تُعْمَوْنَ عَنِ الشَّمْسِ؛ وتَلَبَّسَ عَلَيْكم ما لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ؛ وهَذا المَقامُ عالٍ؛ ومَسْلَكُهُ وعِرٌ؛ وسالِكُهُ عَلى غايَةٍ مِنَ الخَطَرِ.

75

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Allah presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allah! But most of them do not know.

ولَمّا خَتَمَ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ؛ تَأْكِيدًا لِإبْطالِ مَذْهَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ بِسَلْبِ العِلْمِ؛ الَّذِي هو مَناطُ السَّدادِ؛ عَنْهُمْ؛ حَسُنَ أنْ يَصِلَ بِهِ قَوْلَهُ - إقامَةً لِلدَّلِيلِ عَلى عِلْمِهِ بِأنَّ أمْثالَهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها الطَّعْنُ؛ ولا يَتَوَجَّهُ نَحْوَها الشُّكُوكُ -: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كَمالُ العِلْمِ؛ وتَمامُ القُدْرَةِ؛ ﴿مَثَلا﴾؛ بِالأحْرارِ؛ والعَبِيدِ؛ لَهُ؛ ولِما عَبَدْتُمُوهُ مَعَهُ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”مَثَلًا“: ﴿عَبْدًا﴾؛ ولَمّا كانَ العَبْدُ يُطْلَقُ عَلى الحُرِّ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ (تَعالى): ﴿مَمْلُوكًا﴾؛ لا مُكاتَبًا؛ ولا فِيهِ شائِبَةٌ لِلْحُرِّيَّةِ؛ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾؛ بِإذْنِ سَيِّدِهِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ وهَذا مَثَلُ شُرَكائِهِمْ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ”عَبْدًا“؛ قَوْلَهُ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا﴾؛ مِنَ الأحْرارِ؛ ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ واسِعًا طَيِّبًا؛ ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾؛ دائِمًا؛ وهو مَعْنى ﴿سِرًّا وجَهْرًا﴾؛ وهَذا مَثَلُ الإلَهِ؛ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى؛ ثُمَّ بَكَّتَهم إنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؛ أيْ: هَذانِ الفَرِيقانِ؛ المُمَثَّلِ بِهِما؛ لِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ؛ فَإذا كانَ لا يَسُوغُ في عَقْلٍ أنْ يُسَوّى بَيْنَ مَخْلُوقَيْنِ: أحَدُهُما حُرٌّ مُقْتَدِرٌ؛ والآخَرُ مَمْلُوكٌ عاجِزٌ؛ فَكَيْفَ يُسَوّى بَيْنَ حَجَرٍ مَواتٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وبَيْنَ اللَّهِ؛ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا؛ وعُلِمَ أنَّ الفاضِلَ ما كانَ مِثالًا لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ عَلى أنَّ مَن سَوّى بَيْنَهُما أوْ فَعَلَ ما يَؤُولُ إلى التَّسْوِيَةِ؛ أجْهَلُ الجَهَلَةِ.

فَثَبَتَ مَضْمُونُ ”إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ“؛ وأنَّ غَيْرَهُ (تَعالى) لا يُساوِي شَيْئًا؛ فَثَبَتَ بِلا رَيْبٍ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمَثَلِ الأعْلى؛ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لَهُ الإحاطَةُ بِالعِلْمِ؛ وجَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها اخْتِصاصُهُ بِالشُّكْرِ؛ لِكَوْنِهِ هو المُنْعِمَ؛ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ إحاطَةٌ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾؛ أيْ: في الظّاهِرِ؛ والباطِنِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإضْمارُ -؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ لِكَوْنِهِمْ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ؛ ومَن نَفى عَنْهُ العِلْمَ - الَّذِي هو أعْلى صِفاتِ الكَمالِ - كانَ في عِدادِ الأنْعامِ؛ فَهم لِذَلِكَ يُشَبِّهُونَ بِهِ ما ذُكِرَ؛ ويَضْرِبُونَ الأمْثالَ الباطِلَةَ؛ ويُضِيفُونَ نِعَمَهُ إلى ما لا يُعَدُّ؛ ولَعَلَّهُ أتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِقَصْرِ ذَلِكَ عَلى مَن خَتَمَ بِمَوْتِهِ عَلى الضَّلالِ؛ أوْ يُقالُ - وهو أرْشَقُ -: لَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا يَسْتَوُونَ؛ والفاضِلُ مِثالُكَ؛ فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ ذِي لُبٍّ أنَّ لَكَ المَثَلَ الأعْلى؛ فَتَرْجَمَ عَنْ وصْفِهِ بِقَوْلِهِ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“؛ أيْ: الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ؛ وعَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى عِلْمِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ“؛ أيْ: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِشَيْءٍ أصْلًا؛ لِأنَّهم يَعْمَلُونَ في هَذا بِالجَهْلِ؛ فَنِسْبَتُهم إلى الغَباوَةِ أحْسَنُ في حَقِّهِمْ مِن نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ عَلى عِلْمٍ؛ وسَيَأْتِي في سُورَةِ ”لُقْمانَ“؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) ما يَكُونُ نافِعًا في هَذا المَقامِ؛ وإنَّما فُسِّرَتْ ”الحَمْدُ“؛ بِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَضى في سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“؛ أنَّ مادَّةَ ”حَمَدَ“؛ تَدُورُ …

76

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

ولَمّا انْقَضى هَذا المَثَلُ كافِيًا في المُرادِ؛ مُلْزِمًا لَهم لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الأصْنامَ عَبِيدُ اللَّهِ؛ في قَوْلِهِمْ: ”لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ؛ لا شَرِيكَ لَكَ؛ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ؛ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ“؛ وكانَ رُبَّما كابَرَ مُكابِرٌ فَقالَ: إنَّهم لَيْسُوا مِلْكًا لَهُ؛ أتْبَعَهُ مَثَلًا آخَرَ؛ لا تُمْكِنُ المُكابَرَةُ فِيهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ أيْضًا؛ ﴿مَثَلا﴾؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ ﴿رَجُلَيْنِ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِما أجْمَلَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أحَدُهُما أبْكَمُ﴾؛ أيْ: وُلِدَ أخْرَسَ؛ ثُمَّ تَرْجَمَ بُكْمَتَهُ الَّتِي أُرِيدَ بِها أنَّهُ لا يَفْهَمُ؛ ولا يُفْهِمُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿وهُوَ كَلٌّ﴾؛ أيْ: ثِقْلٌ؛ وعِيالٌ؛ والأصْلُ فِيهِ الغِلَظُ؛ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ النُّفُوذِ؛ ”كَلَّتِ السِّكِّينُ كُلُولًا“؛ إذا غَلُظَتْ شَفْرَتُها؛ فَلَمْ تَقْطَعْ؛ و”كَلَّ لِسانُهُ“؛ إذا لَمْ يَنْبَعِثْ في القَوْلِ؛ لِغِلَظِهِ وذَهابِ حَدِّهِ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ؛ ﴿عَلى مَوْلاهُ﴾؛ الَّذِي يَلِي أمْرَهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾؛ أيْ: يُرْسِلْهُ؛ ويَصْرِفْهُ؛ ذَلِكَ المَوْلى؛ ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾؛ وهَذا مَثَلُ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ هم عِيالٌ؛ ووَبالٌ عَلى عَبَدَتِهِمْ. ولَمّا انْكَشَفَ ضَلالُهم في تَسْوِيَتِهِمُ الأنْدادَ - الَّذِينَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ ما - بِاللَّهِ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ تَوْبِيخُهُمْ؛ والإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾؛ أيْ: هَذا المَذْكُورُ؛ ﴿ومَن﴾؛ أيْ: ورَجُلٌ آخَرُ عَلى ضِدِّ صِفَتِهِ؛ فَهو عالِمٌ؛ فَطِنٌ؛ قَوِيٌّ؛ خَبِيرٌ؛ مُبارَكُ الأمْرِ؛ مَيْمُونُ النَّقِيبَةِ؛ ﴿يَأْمُرُ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ ﴿بِالعَدْلِ﴾؛ أيْ: بِبَذْلِ النَّصِيحَةِ لِغَيْرِهِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ في نَفْسِهِ؛ ظاهِرًا وباطِنًا؛ ﴿عَلى صِراطٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ واضِحٍ؛ واسِعٍ؛ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أيْ: عامِلٌ بِما يَأْمُرُ بِهِ؛ وهَذا مِثالٌ لِلْمَعْبُودِ بِالحَقِّ؛ الَّذِي يَكْفِي عابِدَهُ جَمِيعَ المُؤَنِ؛ وهو دالٌّ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ؛ وتَمامِ قُدْرَتِهِ.

77

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And to Allah belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allah is over all things competent.

ولَمّا تَمَّ هَذانِ المَثَلانِ؛ الدّالّانِ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ؛ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ؛ والقاضِيانِ بِأنَّ غَيْرَهُ عَدَمٌ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ“؛ قَوْلَهُ - مُصَرِّحًا بِتَمامِ عِلْمِهِ؛ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: هَذا عِلْمُ اللَّهِ في المُشاهَداتِ؛ الَّذِي عُلِمَ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ؛ ولِذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ كَما أنَّ لَهُ وحْدَهُ شَهادَتَهُما؛ فَما أرادَ مِن ذَلِكَ كانَتْ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ كَقُدْرَتِهِ عَلى الشَّهادَةِ مِنَ السّاعَةِ الَّتِي تُنْكِرُونَها اسْتِعْظامًا لَها؛ ومِن غَيْرِهِما بِما فَصَّلَهُ لَكم مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا؛ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ وما فِيهِما؛ ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾؛ وهي الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ البَعْثُ؛ عَلى اعْتِقادِكم أنَّها لا تَكُونُ اسْتِبْعادًا لَها؛ واسْتِصْعابًا لِأمْرِها في سُرْعَتِهِ عِنْدَ النّاسِ لَوْ رَأوْهُ؛ ولِذا عَبَّرَ عَنْهُ بِالسّاعَةِ؛ ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾؛ أيْ: كَرَجْعِ الطَّرْفِ؛ المَنسُوبِ إلى البَصَرِ؛ أيِّ بَصَرٍ كانَ؛ ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾؛ وإذا الخَلْقُ قَدْ قامُوا مِن قُبُورِهِمْ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي - هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِمْ وقِياسِهِمْ؛ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - فَأمْرُهُ في الجَلالَةِ والعِظَمِ؛ والسُّرْعَةِ؛ والإتْقانِ؛ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وتَقْصُرُ عَنْهُ العُقُولُ؛ ولا شَكَّ فِيهِ؛ ولا تَرَدُّدَ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مُمْكِنٍ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾

78

وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And Allah has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and intellect that perhaps you would be grateful.

ولَمّا انْقَضى تَوْبِيخُهم عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ؛ وكُفْرانِهِمْ بِالحَقِّ؛ وما اسْتَتْبَعَهُ؛ وخَتَمَ بِأمْرِ السّاعَةِ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ”واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا“؛ ما هو مِن أدِلَّةِ السّاعَةِ؛ وكَمالِ القُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ﴿أخْرَجَكُمْ﴾؛ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ؛ ﴿مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾؛ والَّذِي أخْرَجَكم مِنها قادِرٌ عَلى إخْراجِكم مِن بَطْنِ الأرْضِ؛ بِلا فارِقٍ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ حالَ كَوْنِكم عِنْدَ الإخْراجِ؛ ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ مِنَ الأشْياءِ؛ قَلَّ أوْ جَلَّ؛ وعَطَفَ عَلى ”أخْرَجَكُمْ“؛ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾؛ بِذَلِكَ أيْضًا؛ ﴿السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾؛ آلاتٍ؛ لِإزالَةِ الجَهْلِ؛ الَّذِي وقَعَتِ الوِلادَةُ عَلَيْهِ؛ وفَتَقَ مَواضِعَها؛ وسَوّاها؛ وعَدَّلَها وأنْتُمْ في البُطُونِ؛ حَيْثُ لا تَصِلُ إلَيْهِ يَدَهُ؛ ولا يَتَمَكَّنُ مِن شَقِّ شَيْءٍ مِنهُ بِآلَةٍ؛ فالَّذِي قَدَرَ عَلى ذَلِكَ في البُطُونِ إبْداعًا؛ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ في بَطْنِ الأرْضِ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَهُما دُونَ السَّمْعِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيهِما أكْثَرُ مِنَ التَّفاوُتِ فِيهِ؛ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ و”الأفْئِدَةُ“؛ هي القُلُوبُ؛ الَّتِي هَيَّأها لِلْفَهْمِ؛ وإصْلاحِ البَدَنِ؛ بِما أوْدَعَها مِنَ الحَرارَةِ اللَّطِيفَةِ؛ القابِلَةِ لِلْمَعانِي الدَّقِيقَةِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: لِتَصِيرُوا - بِمَعارِفِ القُلُوبِ الَّتِي وهَبَكُمُوها؛ إذا سَمِعْتُمُ المَواعِظَ وأبْصَرْتُمُ الآياتِ - في حالٍ يُرْجى فِيها شُكْرُكُمْ؛ لَمّا أفاضَ عَلَيْكم مِن لَطائِفِ صُنْعِهِ؛ بِأنْ تَعَرَّفُوا ما لَهُ مِنَ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ وحُسْنِ التَّعَرُّفِ؛ فَتَعْتَرِفُوا لَهُ بِجَمِيعِ ما أتَتْكم بِهِ رُسُلُهُ؛ وأهَمُّهُ الَّذِي تُبْنى عَلَيْهِ جَمِيعُ مَقاصِدِ الأُصُولِ؛ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ إلَهٌ واحِدٌ؛ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ وأنَّ الطَّبائِعَ مِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ؛ لا فِعْلَ لَها إلّا بِتَصْرِيفِهِ.

79

أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allah. Indeed in that are signs for a people who believe.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ الإعْلامَ بِأنَّهُ الفاعِلُ بِالِاخْتِيارِ وحْدَهُ؛ لا الطَّبائِعُ؛ ولا غَيْرُها؛ دَلَّهم عَلى ذَلِكَ مَضْمُونًا إلى ما مَضى؛ بِقَوْلِهِ - مُقَرِّرًا لَهم -: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾؛ بِالخِطابِ؛ والغَيْبَةِ - عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ -؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ وسِباقَهُ يَحْتَمِلُ المُقْبِلَ؛ والمُعْرِضَ؛ بِخِلافِ سِياقِ المُلْكِ؛ فَإنَّهُ لِلْمُعْرِضِ فَقَطْ؛ فَلِذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ هُنا؛ وأجْمَعُوا هُناكَ؛ ﴿إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ﴾؛ أيْ: مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ؛ بِما أقامَهُنَّ اللَّهُ فِيهِ مِنَ المَصالِحِ؛ والحِكَمِ؛ بِالطَّيَرانِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾؛ في الهَواءِ؛ بَيْنَ الخافِقَيْنِ؛ بِما لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ مَعَ مُشارَكَتِكم لَها في السَّمْعِ؛ والبَصَرِ؛ وزِيادَتِكم عَلَيْها بِالعُقُولِ؛ فَعُلِمَ قَطْعًا ما وصَلَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾؛ أيْ: في الجَوِّ عَنِ الوُقُوعِ. ولَمّا كانَ لِلسِّياقِ هُنا مُدْخَلٌ عَظِيمٌ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ؛ وهُمُ الفَلاسِفَةُ؛ ولَهم وقْعٌ عَظِيمٌ في قُلُوبِ النّاسِ؛ عَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَقْوى عَلى رَدِّ شُبَهِهِمْ إلّا مَن أحاطَ عِلْمًا بِمَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى؛ فَكانَ مُتَمَكِّنًا مِن عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ؛ فَقالَ: ﴿إلا اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ لِأنَّ نِسْبَتَكم وإيّاها إلى الطَّبِيعَةِ واحِدَةٌ؛ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ فِعْلَها لاسْتَوَيْتُمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن إخْراجِكم عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ؛ والإنْعامِ عَلَيْكم بِما لَيْسَ لَها؛ وتَقْدِيرِها عَلى ما لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ مَعَ نَقْصِها عَنْكُمْ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ ولَمّا كانَ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالشَّيْءِ كَأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: هَيَّأهُمُ الفاعِلُ المُخْتارُ لِلْإيمانِ.

80

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَٰثًۭا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ

And Allah has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment for a time.

ولَمّا ذَكَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِنِعْمَةِ الإدْراكِ؛ بَعْدَ ابْتِداءِ الخَلْقِ؛ وأتْبَعَهُ ما مَنَّ بِهِ عَلى الطَّيْرِ مِنَ الِارْتِفاعِ الحامِي لَها مِنَ الحَرِّ؛ أتْبَعَهُ ما يَسْكُنُونَ إلَيْهِ فَيُظِلُّهُمْ؛ ويَجْمَعُهُمْ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ الأشْياءِ لِلْحَيَوانِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ؛ والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها الغافِلُونَ؛ ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾؛ أصْلُ ”البَيْتُ“: المَأْوى لَيْلًا؛ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ؛ ﴿سَكَنًا﴾؛ هو مَصْدَرٌ؛ بِمَعْنى ”مَفْعُولٌ“؛ ولَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْكم فِيها الحَشَراتِ؛ والوُحُوشَ؛ كَما سَلَّطَكم عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ما يَخُصُّ الحَضَرَ ما يَصْلُحُ لَهُ؛ ولِلسَّفَرِ بِما مَيَّزَهم بِهِ عَنِ الطَّيْرِ؛ وغَيْرِها مِن سائِرِ الحَيَواناتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: إنْعامًا عَلَيْكُمْ؛ ﴿مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾؛ الَّتِي سَلَّطَكم عَلَيْها.

ولَمّا كانَتِ الخِيامُ؛ الَّتِي مِن جُلُودِ الأنْعامِ؛ في ظِلِّها الظَّلِيلِ؛ تُقارِبُ بُيُوتَ القُرى؛ جَمَعَها جَمْعًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿بُيُوتًا﴾؛ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الجَمْعَ بِالمَسْكَنِ أخَصُّ؛ والأبْياتُ بِالشَّعْرِ أخَصُّ؛ ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾؛ أيْ: تُطالِبُونَ بِالِاصْطِناعِ خِفَّها؛ فَتَجِدُونَها كَذَلِكَ؛ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾؛ أيْ: وقْتَ ارْتِحالِكُمْ؛ وعَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ في النَّهارِ أكْثَرُ؛ ﴿ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما بِهِ كَمالُ السَّكَنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومِن أصْوافِها﴾؛ أيْ: الضَّأْنِ مِنها؛ ﴿وأوْبارِها﴾؛ وهي لِلْإبِلِ كالصُّوفِ لِلْغَنَمِ؛ ﴿وأشْعارِها﴾؛ وهي ما كانَ مِنَ المَعِزِ؛ ونَحْوِهِ مِنَ المَساكِنِ؛ والمَلابِسِ؛ والمَفارِشِ؛ والأخْبِيَةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿أثاثًا﴾؛ أيْ: مَتاعًا مِن مَتاعِ البَيْتِ كَثِيرًا؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”شَعْرٌ أثِيثٌ“؛ أيْ: كَثِيرٌ؛ و”أثَّ النَّبْتُ“؛ إذا كَثُرَ؛ ﴿ومَتاعًا﴾؛ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ؛ ﴿إلى حِينٍ﴾؛ أيْ: وقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ بِحَسَبِ كُلِّ إنْسانٍ في فَقْدٍ ذَلِكَ؛ وأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الحَرِيرِ؛ والكَتّانِ؛ والقُطْنِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ مِن صِناعَتِهِمْ؛ وإشارَةً إلى الِاقْتِصادِ؛ وعَدَمِ الإسْرافِ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.