وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
And Allah has favored some of you over others in provision. But those who were favored would not hand over their provision to those whom their right hands possess so they would be equal to them therein. Then is it the favor of Allah they reject?
﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
هَذا مِن الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ التَّصَرُّفَ القاهِرَ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّهُ أعْقَبَ الِاسْتِدْلالَ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وما بَيْنَهُما مِن هَرَمٍ بِالِاسْتِدْلالِ بِالرِّزْقِ.
ولَمّا كانَ الرِّزْقُ حاصِلًا لِكُلِّ مَوْجُودٍ بُنِيَ الِاسْتِدْلالُ عَلى التَّفاوُتِ فِيهِ بِخِلافِ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ [النحل: ٧٠] .
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى التَّصَرُّفِ القاهِرِ أنَّ الرِّزْقَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وأنَّ تَفاضُلَ النّاسِ فِيهِ غَيْرُ جارٍ عَلى رَغَباتِهِمْ، ولا عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ، فَقَدْ تَجِدُ أكْيَسَ النّاسِ وأجْوَدَهم عَقْلًا وفَهْمًا مُقَتَّرًا عَلَيْهِ في الرِّزْقِ، وبِضِدِّهِ تَرى أجْهَلَ النّاسِ وأقَلَّهم تَدْبِيرًا مُوَسَّعًا عَلَيْهِ في الرِّزْقِ، وكِلا الرَّجُلَيْنِ قَدْ حَصَلَ بِهِ ما حَصَلَ قَهْرًا عَلَيْهِ، فالمُقَتَّرُ عَلَيْهِ لا يَدْرِي أسْبابَ التَّقْتِيرِ، والمُوَسَّعُ عَلَيْهِ لا يَدْرِي أسْبابَ تَيْسِيرِ رِزْقِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأسْبابَ كَثِيرَةٌ مُتَوالِدَةٌ ومُتَسَلْسِلَةٌ ومُتَوَغِّلَةٌ في الخَفاءِ حَتّى يَظُنَّ أنَّ أسْبابَ الأمْرَيْنِ مَفْقُودَةٌ، وما هي بِمَفْقُودَةٍ، ولَكِنَّها غَيْرُ مُحاطٍ بِها، ومِمّا يُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِـهِ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ
صفحة ٢١٤
ولِذَلِكَ أُسْنِدَ التَّفْضِيلُ في الرِّزْقِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أسْبابَهُ خارِجَةٌ عَنْ إحاطَةِ عُقُولِ البَشَرِ، والحَكِيمُ لا يَسْتَفِزُّهُ ذَلِكَ بِعَكْسِ قَوْلِ ابْنِ الرّاوِنْدِيِّ:
كَمْ عاقِلٍ عاقِلٍ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ ∗∗∗ وجاهِلٍ جاهِلٍ تَلْقاهُ مَرْزُوقا
هَذا الَّذِي تَرَكَ الأوْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقا
وهَذا الحُكْمُ دَلَّ عَلى ضَعْفِ قائِلِهِ في حَقِيقَةِ العِلْمِ، فَكَيْفَ بِالنِّحْرِيرِيَّةِ، وتُفِيدُ وراءَ الِاسْتِدْلالِ مَعْنى الِامْتِنانِ لِاقْتِضائِها حُصُولَ الرِّزْقِ لِلْجَمِيعِ.
فَجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ مُقَدَّمَةٌ لِلدَّلِيلِ، ومِنَّةٌ مِنَ المِنَنِ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ في الرِّزْقِ يَقْتَضِي الإنْعامَ بِأصْلِ الرِّزْقِ.
ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ، إنَّما الِاسْتِدْلالُ في التَّمْثِيلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾ الآيَةَ.
والقَوْلُ في جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ الجَلالَةِ وبِناءَ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ عَلَيْهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ [النحل: ٧٠]، والمَعْنى: اللَّهُ - لا غَيْرُهُ - رَزَقَكم جَمِيعًا، وفَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ، ولا يَسَعُكم إلّا الإقْرارُ بِذَلِكَ لَهُ.
وقَدْ تَمَّ الِاسْتِدْلالُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ، كَما قِيلَ: لَمْحَةٌ دالَّةٌ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْرِيعٌ بِالفاءِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾، وهو إدْماجٌ جاءَ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ لِتِبْيانِ ضَلالِ أهْلِ الشِّرْكِ حِينَ سَوَّوْا بَعْضَ المَخْلُوقاتِ بِالخالِقِ فَأشْرَكُوها في الإلَهِيَّةِ؛ فَسادًا في تَفْكِيرِهِمْ، وذَلِكَ مِثْلُ ما كانُوا يَقُولُونَ في …