Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 128

71

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلرِّزْقِ ۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ

And Allah has favored some of you over others in provision. But those who were favored would not hand over their provision to those whom their right hands possess so they would be equal to them therein. Then is it the favor of Allah they reject?

﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

هَذا مِن الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ التَّصَرُّفَ القاهِرَ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنَّهُ أعْقَبَ الِاسْتِدْلالَ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وما بَيْنَهُما مِن هَرَمٍ بِالِاسْتِدْلالِ بِالرِّزْقِ.

ولَمّا كانَ الرِّزْقُ حاصِلًا لِكُلِّ مَوْجُودٍ بُنِيَ الِاسْتِدْلالُ عَلى التَّفاوُتِ فِيهِ بِخِلافِ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ [النحل: ٧٠] .

ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى التَّصَرُّفِ القاهِرِ أنَّ الرِّزْقَ حاصِلٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وأنَّ تَفاضُلَ النّاسِ فِيهِ غَيْرُ جارٍ عَلى رَغَباتِهِمْ، ولا عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ، فَقَدْ تَجِدُ أكْيَسَ النّاسِ وأجْوَدَهم عَقْلًا وفَهْمًا مُقَتَّرًا عَلَيْهِ في الرِّزْقِ، وبِضِدِّهِ تَرى أجْهَلَ النّاسِ وأقَلَّهم تَدْبِيرًا مُوَسَّعًا عَلَيْهِ في الرِّزْقِ، وكِلا الرَّجُلَيْنِ قَدْ حَصَلَ بِهِ ما حَصَلَ قَهْرًا عَلَيْهِ، فالمُقَتَّرُ عَلَيْهِ لا يَدْرِي أسْبابَ التَّقْتِيرِ، والمُوَسَّعُ عَلَيْهِ لا يَدْرِي أسْبابَ تَيْسِيرِ رِزْقِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأسْبابَ كَثِيرَةٌ مُتَوالِدَةٌ ومُتَسَلْسِلَةٌ ومُتَوَغِّلَةٌ في الخَفاءِ حَتّى يَظُنَّ أنَّ أسْبابَ الأمْرَيْنِ مَفْقُودَةٌ، وما هي بِمَفْقُودَةٍ، ولَكِنَّها غَيْرُ مُحاطٍ بِها، ومِمّا يُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:

ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى القَضاءِ وكَوْنِـهِ بُؤْسُ اللَّبِيبِ وطِيبُ عَيْشِ الأحْمَقِ

صفحة ٢١٤

ولِذَلِكَ أُسْنِدَ التَّفْضِيلُ في الرِّزْقِ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أسْبابَهُ خارِجَةٌ عَنْ إحاطَةِ عُقُولِ البَشَرِ، والحَكِيمُ لا يَسْتَفِزُّهُ ذَلِكَ بِعَكْسِ قَوْلِ ابْنِ الرّاوِنْدِيِّ:

كَمْ عاقِلٍ عاقِلٍ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ ∗∗∗ وجاهِلٍ جاهِلٍ تَلْقاهُ مَرْزُوقا

هَذا الَّذِي تَرَكَ الأوْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقا

وهَذا الحُكْمُ دَلَّ عَلى ضَعْفِ قائِلِهِ في حَقِيقَةِ العِلْمِ، فَكَيْفَ بِالنِّحْرِيرِيَّةِ، وتُفِيدُ وراءَ الِاسْتِدْلالِ مَعْنى الِامْتِنانِ لِاقْتِضائِها حُصُولَ الرِّزْقِ لِلْجَمِيعِ.

فَجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ مُقَدَّمَةٌ لِلدَّلِيلِ، ومِنَّةٌ مِنَ المِنَنِ؛ لِأنَّ التَّفْضِيلَ في الرِّزْقِ يَقْتَضِي الإنْعامَ بِأصْلِ الرِّزْقِ.

ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ، إنَّما الِاسْتِدْلالُ في التَّمْثِيلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾ الآيَةَ.

والقَوْلُ في جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ اسْمَ الجَلالَةِ وبِناءَ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ عَلَيْهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾ [النحل: ٧٠]، والمَعْنى: اللَّهُ - لا غَيْرُهُ - رَزَقَكم جَمِيعًا، وفَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ، ولا يَسَعُكم إلّا الإقْرارُ بِذَلِكَ لَهُ.

وقَدْ تَمَّ الِاسْتِدْلالُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ﴾ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ، كَما قِيلَ: لَمْحَةٌ دالَّةٌ.

وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْرِيعٌ بِالفاءِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾، وهو إدْماجٌ جاءَ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ لِتِبْيانِ ضَلالِ أهْلِ الشِّرْكِ حِينَ سَوَّوْا بَعْضَ المَخْلُوقاتِ بِالخالِقِ فَأشْرَكُوها في الإلَهِيَّةِ؛ فَسادًا في تَفْكِيرِهِمْ، وذَلِكَ مِثْلُ ما كانُوا يَقُولُونَ في …

72

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ۚ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ

And Allah has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allah they disbelieve?

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وهو اسْتِدْلالٌ بِبَدِيعِ الصُّنْعِ في خَلْقِ النَّسْلِ إذْ جُعِلَ مُقارَنًا لِلتَّأنُّسِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، إذْ جَعَلَ النَّسْلَ مِنهُما، ولَمْ يَجْعَلْهُ مُفارِقًا لِأحَدِ الأبَوَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.

وجَعَلَ النَّسْلَ مَعْرُوفًا مُتَّصِلًا بِأُصُولِهِ بِما أُلْهِمَهُ الإنْسانُ مِن داعِيَةِ حِفْظِ النَّسَبِ، فَهي مِنَ الآياتِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]، فَجَعَلَها آيَةً تَنْطَوِي عَلى آياتٍ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الصُّنْعُ نِعَمًا كَثِيرَةً، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ هم يَكْفُرُونَ﴾ .

والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرَتَيْها المُتَقَدِّمَتَيْنِ، واللّامُ في ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (جَعَلَ) إلى ثانٍ.

ومَعْنى ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ مِن نَوْعِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ عَلى النّاسِ الَّذِينَ بِالبُيُوتِ، وقَوْلِهِ ﴿رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] .

صفحة ٢١٨

والخِطابُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ المُخاطَبِينَ مُوَجَّهٌ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وغَلَبَ ضَمِيرُ التَّذْكِيرِ.

وهَذِهِ نِعْمَةٌ إذْ جَعَلَ قَرِينَ الإنْسانِ مُتَكَوِّنًا مِن نَوْعِهِ، ولَوْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ لاضْطُرَّ الإنْسانُ إلى طَلَبِ التَّأنُّسِ بِنَوْعٍ آخَرَ فَلَمْ يَحْصُلِ التَّأنُّسُ بِذَلِكَ لِلزَّوْجَيْنِ، وهَذِهِ الحالَةُ - وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً في أغْلَبِ أنْواعِ الحَيَوانِ - فَهي نِعْمَةٌ يُدْرِكُها الإنْسانُ، ولا يُدْرِكُها غَيْرُهُ مِنَ الأنْواعِ، ولَيْسَ مِن قِوامِ ماهِيَّةِ النِّعْمَةِ أنْ يَنْفَرِدَ بِها المُنْعَمُ عَلَيْهِ.

والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَصِيرُ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ اثْنَيْنِ، فَلِذا وُصِفَ بِزَوْجٍ المُرادِفُ لِثانٍ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والوَصْفُ بِالزَّوْجِ يُؤْذِنُ بِمُلازَمَتِهِ لِآخَرَ، فَلِذا سُمِّيَ بِالزَّوْجِ قَرِينُ المَرْأةِ وقَرِينَةُ الرَّجُلِ، وهَذِهِ نِعْمَةٌ اخْتُصَّ بِها الإنْسانُ إذْ ألْهَمَهُ اللَّهُ جَعْلَ قَرِينٍ لَهُ، وجَبَلَهُ عَلى نِظامِ مَحَبَّةٍ وغَيْرِهِ، لا يَسْمَحانِ لَهُ بِإهْمالِ زَوْجِهِ كَما تُهْمِلُ العَجْماواتُ إناثَها، وتَنْصَرِفُ إناثُها عَنْ ذُكُورِها.

و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى (أنْفُسِكم) لِلتَّبْعِيضِ.

وجَعَلَ البَنِينَ لِلْإنْسانِ نِعْمَةً، وجَعَلَ كَوْنَهم مِن زَوْجَةٍ نِعْمَةً أُخْرى؛ لِأنَّ بِها تَحَقُّقَ كَوْنِهِمْ أبْناءَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلذَّكَرِ، ودَوامَ اتِّصالِهِمْ بِهِ بِالنِّسْبَةِ، ووُجُودَ المُشارِكِ لَهُ في القِيامِ بِتَدْبِيرِ أمْرِهِمْ في حالَةِ ضَعْفِهِمْ.

و(مِن) الدّاخِلَةُ عَلى (أزْواجِكم) لِلِابْتِداءِ، أيْ جَعَلَ لَكم بَنِينَ مُنْحَدِرِينَ مِن أزْواجِكم.

والحَفَدَةُ: جَمْعُ حافِدٍ، مِثْلُ كَمَلَةٍ جَمْعُ كامِلٍ، والحافِدُ أصْلُهُ المُسْرِعُ في الخِدْمَةِ، وأُطْلِقَ عَلى ابْنِ الِابْنِ؛ لِأنَّهُ يَكْثُرُ أنْ يَخْدِمَ …

73

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًۭا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًۭٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ

And they worship besides Allah that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَتَيِ التَّوْبِيخِ، وهو مَزِيدٌ مِنَ التَّوْبِيخِ، فَإنَّ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْها أفادَتْها تَوْبِيخًا عَلى إيمانِهِمْ بِالآلِهَةِ الباطِلِ، وكُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ المَعْبُودِ الحَقِّ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ أفادَتْ التَّوْبِيخَ عَلى شُكْرِ ما لا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ، فَإنَّ العِبادَةَ شُكْرٌ، فَهم عَبَدُوا ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ولا بِيَدِهِ نِعْمَةٌ، وهو الأصْنامُ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ ما يَأْتِيهِمْ مِنَ الرِّزْقِ لِاحْتِياجِها، ولا تَسْتَطِيعُ رِزْقَهم لِعَجْزِها، فَمُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدٌ لِمُفادِ ما قَبْلَها مَعَ اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ بِمُوجِبِ التَّوْبِيخِ في كِلْتَيْهِما.

ومِلْكُ الرِّزْقِ القُدْرَةُ عَلى إعْطائِهِ. والمِلْكُ يُطْلَقُ عَلى القُدْرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ، والرِّزْقُ هُنا مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَ.

و(مِن) في ﴿مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ رِزْقًا مَوْصُوفًا بِوُرُودِهِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ.

و(شَيْئًا) مُبالَغَةٌ في المَنفِيِّ، أيْ ولا يَمْلِكُونَ جَزاءً قَلِيلًا مِنَ الرِّزْقِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (رِزْقًا)، فَهو في مَعْنى المَفْعُولُ بِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَمْلِكُ لَهم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ.

صفحة ٢٢٢

﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَمْلِكُ، فَهو مِن جُمْلَةِ صِلَةِ (ما)، فَضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها عَلى جَماعَةِ الأصْنامِ المَعْبُودَةِ لَهم، وأُجْرِيَتْ عَلَيْها صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ؛ مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَعْقِلُ وتَشْفَعُ وتَسْتَجِيبُ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ يَسْتَطِيعُونَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ شَيْئًا؛ لِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ حِجارَةٌ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، والِاسْتِطاعَةُ: القُدْرَةُ.

74

فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

So do not assert similarities to Allah. Indeed, Allah knows and you do not know.

﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ والمِنَنِ؛ إذْ قَدِ اسْتَقامَ مِن جَمِيعِها انْفِرادُ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، ونَفْيُ الشَّرِيكِ فِيما خَلَقَ وأنْعَمَ، وبِالأوْلى نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وأنْ يُشَبَّهَ بِالحَوادِثِ، فَلا جَرَمَ اسْتَتَبَّ لِلْمَقامِ أنْ يُفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ زَجْرُ المُشْرِكِينَ عَنْ تَمْثِيلِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ بِاللَّهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وأنْ يُمَثِّلُوهُ بِالمَوْجُوداتِ.

وهَذا جاءَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، وقَوْلُهُ ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .

والأمْثالُ هُنا جَمْعُ مَثَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنى المُماثِلِ، كَقَوْلِهِمْ: شَبَهٌ بِمَعْنى مُشابِهٍ، وضَرْبُ الأمْثالِ شاعَ اسْتِعْمالُهُ في تَشْبِيهِ حالَةٍ بِحالَةٍ، وهَيْئَةٍ بِهَيْئَةٍ، وهو هُنا اسْتِعْمالٌ آخَرُ.

ومَعْنى الضَّرْبِ في قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ كَذا مَثَلًا، بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ في اللَّهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (الأمْثالِ) لا بِـ (تَضْرِبُوا)، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَضْرِبُونَ مَثَلَ الأصْنامِ بِاللَّهِ ضَرْبًا لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨] .

صفحة ٢٢٣

ووَجْهُ كَوْنِ الإشْراكِ ضَرْبَ مَثَلٍ لِلَّهِ أنَّهم أثْبَتُوا لِلْأصْنامِ صِفاتَ الإلَهِيَّةِ وشَبَّهُوها بِالخالِقِ، فَإطْلاقُ ضَرْبِ المَثَلِ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨]، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ عَنِ الأصْنامِ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ هُنَّ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، فَذَلِكَ ضَرْبُ مَثَلٍ وتَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِالحَوادِثِ في التَّأثُّرِ بِشَفاعَةِ الأكْفاءِ والأعْيانِ والِازْدِهاءِ بِالبَنِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَشْبِيهِ اللَّهِ تَعالى بِالحَوادِثِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَهْلَهم هو الَّذِي أوْقَعَهم في تِلْكَ السَّخافاتِ مِنَ العَقائِدِ، وأنَّ اللَّهَ إذْ نَهاهم وزَجَرَهم عَنْ أنْ يُشَبِّهُوهُ بِما شَبَّهُوهُ إنَّما نَهاهم لِعِلْمِهِ بِبُطْلانِ اعْتِقادِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْعاءٌ لِإعْمالِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ لِيَصِلُوا إلى العِلْمِ البَرِيءِ مِنَ الأوْهامِ.

75

۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًۭا مَّمْلُوكًۭا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًۭا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّۭا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُۥنَ ۚ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Allah presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allah! But most of them do not know.

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهْوَ يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾

أعْقَبَ زَجْرَهم عَنْ أنْ يُشَبِّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ، أوْ أنْ يُشَبِّهُوا الخَلْقَ بِرَبِّهِمْ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ في ذَلِكَ بِحالِ مَن مَثَّلَ عَبْدًا بِسَيِّدِهِ في الإنْفاقِ، فَجُمْلَةُ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] .

فَشَبَّهَ حالَ أصْنامِهِمْ في العَجْزِ عَنْ رِزْقِهِمْ بِحالِ مَمْلُوكٍ لا يَقْدِرُ عَلى تَصَرُّفِ في نَفْسِهِ، ولا يَمْلِكُ مالًا، وشَبَّهَ شَأْنَ اللَّهِ تَعالى في رِزْقِهِ إيّاهم بِحالِ الغَنِيِّ المالِكِ أمْرَ نَفْسِهِ بِما شاءَ مِن إنْفاقٍ وغَيْرِهِ، ومَعْرِفَةُ الحالَيْنِ المُشَبَّهَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ، والمَقْصُودُ نَفْيُ المُماثَلَةِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ مُماثَلَةَ أصْنامِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ، ولِذَلِكَ أُعْقِبَ بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ .

صفحة ٢٢٤

وذَيَّلَ هَذا التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ كَما في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] الآيَةَ، فَإنَّ المَقْصُودَ في المَقامَيْنِ مُتَّحِدٌ، والِاخْتِلافُ في الأُسْلُوبِ إنَّما يُومِئُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَقْصُودِ أوَّلًا والمَقْصُودِ ثانِيًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ هُنالِكَ.

والعَبْدُ: الإنْسانُ الَّذِي يَمْلِكُهُ إنْسانٌ آخَرُ بِالأسْرِ أوْ بِالشِّراءِ أوْ بِالإرْثِ.

وقَدْ وُصِفَ (عَبْدًا) هُنا بِقَوْلِهِ (مَمْلُوكًا) تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، وإشْعارًا لِما في لَفْظِ (عَبْدٍ) مِن مَعْنى المَمْلُوكِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ في عَمَلِهِ تَصَرُّفَ الحُرِّيَّةِ.

وانْتَصَبَ (عَبْدًا) عَلى البَدَلِيَّةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (مَثَلًا) وهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حالُ عَبْدٍ؛ لِأنَّ المَثَلَ هو لِلْهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الصِّفاتِ، وجُمْلَةُ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ صِفَةُ عَبْدًا، أيْ عاجِزًا عَنْ كُلِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ النّاسُ، كَأنْ يَكُونُ أعْمى، وزَمِنًا، وأصَمَّ، بِحَيْثُ يَكُونُ أقَلَّ العَبِيدِ فائِدَةً.

فَهَذا مَثَلٌ لِأصْنامِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَدْعُون مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧] .

و(مِن) مَوْصُولَةُ ماصَدَقُها حُرٌّ بِقَرِينَةِ أنَّهُ وقَعَ في مُقابَلَةِ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ، وأنَّهُ وُصِفَ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ، فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا، أيْ كَيْفَ شاءَ، وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ الأحْرارِ؛ لِأنَّ العَبِيدَ لا يَمْلِكُونَ رِزْقًا في عُرْفِ العَرَبِ، وأمّا حُكْمُ تَمَلُّكِ العَبْدِ مالًا في الإسْلامِ فَذَلِكَ يَرْجِعُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِهِ.

والرِّزْقُ: هُنا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَرْزُوقِ بِهِ.

والحَسَنُ: الَّذِي لا يَشُوبُهُ قُبْحٌ في نَوْعِهِ مِثْلُ قِلَّةِ وِجْدانِ وقْتِ الحاجَةِ، أوْ إسْراعِ …

76

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?

﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهْوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهْوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

هَذا تَمْثِيلٌ ثانٍ لِلْحالَتَيْنِ بِحالَتَيْنِ بِاخْتِلافِ وجْهِ الشَّبَهِ، فاعْتُبِرَ هُنا المَعْنى الحاصِلُ مِن حالِ الأبْكَمِ، وهو العَجْزُ عَنِ الإدْراكِ، وعَنِ العَمَلِ، وتَعَذُّرُ الفائِدَةِ مِنهُ في سائِرِ أحْوالِهِ. والمَعْنى الحاصِلُ مِن حالِ الرَّجُلِ الكامِلِ العَقْلِ والنُّطْقِ في إدْراكِهِ الخَيْرَ وهَدْيِهِ إلَيْهِ وإتْقانِ عَمَلِهِ وعَمَلِ مَن يَهْدِيهِ ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِكَمالِهِ وإرْشادِهِ النّاسَ إلى الحَقِّ، ومَثَلًا لِلْأصْنامِ الجامِدَةَ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.

وقَدْ قَرَنَ في التَّمْثِيلِ هُنا حالَ الرَّجُلَيْنِ ابْتِداءً، ثُمَّ فَصَّلَ في آخِرِ الكَلامِ مَعَ ذِكْرِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما بِأُسْلُوبٍ مِن نَظْمِ الكَلامِ بَدِيعِ الإيجازِ، إذْ حَذَفَ مَن صَدْرِ التَّمْثِيلِ ذِكْرَ الرَّجُلِ الثّانِي لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ في اسْتِنْتاجِ عَدَمِ التَّسْوِيَةِ تَفَنُّنًا في المُخالَفَةِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذا التَّمْثِيلِ، وأُسْلُوبِ سابِقِهِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]، ومِثْلُ هَذا التَّفَنُّنِ مِن مَقاصِدِ البُلَغاءِ كَراهِيَةً لِلتَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ تَكْرِيرَ الأُسْلُوبِ بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ الألْفاظِ.

والأبْكَمُ: المَوْصُوفُ بِالبَكَمِ بِفَتْحِ الباءِ والكافِ، وهو الخَرَسُ في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن وقْتِ الوِلادَةِ، بِحَيْثُ لا يَفْهَمُ، ولا يُفْهِمُ. وزِيدَ في وصْفِهِ أنَّهُ زَمِنٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٢٨

والكَلُّ: بِفَتْحِ الكافِ العالَةُ عَلى النّاسِ، وفي الحَدِيثِ «مَن تَرَكَ كَلًّا فَعَلَيْنا» . أيْ مَن تَرَكَ عِيالًا فَنَحْنُ نَكْفُلُهم، وأصْلُ الكَلِّ: الثِّقَلُ، ونَشَأتْ عَنْهُ مَعانٍ مَجازِيَّةٌ اشْتُهِرَتْ فَساوَتِ الحَقِيقَةَ.

والمَوْلى: الَّذِي يَلِي أمْرَ غَيْرِهِ، والمَعْنى: هو عالَةٌ عَلى كافِلِهِ لا يُدَبِّرُ أمْرَ نَفْسِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ.

ثُمَّ زادَ وصْفُهُ بِقِلَّةِ الجَدْوى بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ . أيْ مَوْلاهُ في عَمَلٍ لِيَعْمَلَهُ أوْ يَأْتِيَ بِهِ ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾، أيْ لا يَهْتَدِي إلى ما وُجِّهَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الخَيْرَ هو ما فِيهِ تَحْصِيلُ الغَرَضِ مِنَ الفِعْلِ ونَفْعِهِ.

ودَلَّتْ صِلَةُ ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ عَلى أنَّهُ حَكِيمٌ عالِمٌ بِالحَقائِقِ ناصِحٌ لِلنّاسِ يَأْمُرُهم بِالعَدْلِ؛ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ إلّا وقَدْ عَلِمَهُ وتَبَصَّرَ فِيهِ.

والعَدْلُ: الحَقُّ والصَّوابُ المُوافِقُ لِلْواقِعِ.

والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: المَحَجَّةُ الَّتِي لا التِواءَ فِيها، وأُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ العَمَلَ يُشَبَّهُ بِالسِّيرَةِ والسُّلُوكِ، فَإذا كانَ صالِحًا كانَ كالسُّلُوكِ في طَرِيقٍ مُوصِلَةٍ لِلْمَقْصُودِ واضِحَةٍ فَهو لا يَسْتَوِي مَعَ مَن لا يَعْرِفُ هُدًى، ولا يَسْتَطِيعُ إرْشادًا، بَلْ هو مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُهُ.

فالأوَّلُ مِثْلُ الأصْنامِ الجامِدَةِ الَّتِي لا تَفْقَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلى مَن يَحْرُسُها ويَنْفُضُ عَنْها الغُبارَ والوَسَخَ، والثّانِي مَثَلٌ …

77

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And to Allah belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allah is over all things competent.

صفحة ٢٢٩

﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كانَ مِمّا حُكِيَ مِن مَقالاتِ كُفْرِهِمْ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ إفْناءَ هَذا العالَمِ العَظِيمِ، وإحْياءَ العِظامِ وهي رَمِيمٌ أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ، وأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ.

ثُمَّ انْتَقَلَ الكَلامُ عَقِبَ ذَلِكَ إلى بَسْطِ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، وتَسَلْسَلَ البَيانُ، وتَفَنَّنَتِ الأغْراضُ بِالمُناسَباتِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ تَهْدِيدُهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى الأرْضِ مِن دابَّةٍ، ولَكِنَّهُ يُمْهِلُهم ويُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ عَيَّنَهُ في عِلْمِهِ لِحِكْمَتِهِ وحَذَّرَهم مِن مُفاجَأتِهِ، فَثَنى عِنانَ الكَلامِ إلى الِاعْتِراضِ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْرِجُ مِن قُدْرَتِهِ أعْظَمَ فِعْلٍ مِمّا غابَ عَنْ إدْراكِهِمْ، وأنَّ أمْرَ السّاعَةِ الَّتِي أنْكَرُوا إمْكانَها، وغَرَّهم تَأْخِيرُ حُلُولِها هي مِمّا لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ مَتى شاءَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يُغادِرْ شَيْئًا مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِن كُفْرِهِمْ وجِدالِهِمْ إلّا وقَدْ بَيَّنَهُ لَهُمُ اسْتِقْصاءً لِلْأعْذارِ لَهم.

ومِن مُقْتَضَياتِ تَأْخِيرِ هَذا أنَّهُ يَشْتَمِلُ بِصَرِيحِهِ عَلى تَعْلِيمٍ، وبِإيمائِهِ إلى تَهْدِيدٍ وتَحْذِيرٍ.

فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لامُ المِلْكِ. والغَيْبُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الأشْياءُ الغائِبَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وهو الغائِبُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ مِنَ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ والعَوالِمِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مُشاهَدَتِها حَواسُّ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ.

والإخْبارُ بِأنَّها مِلْكٌ لِلَّهِ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الكِنايَةِ أيْضًا أنَّهُ عالِمٌ بِها.

صفحة ٢٣٠

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، ولامُ المِلْكِ أفادَتِ الحَصْرَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ مُفِيدًا تَأْكِيدَ الحَصْرِ أوْ هو لِلِاهْتِمامِ.

وأمْرُ السّاعَةِ: شَأْنُها العَظِيمُ، فالأمْرُ: الشَّأْنُ المُهِمُّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ، أيْ شَأْنٌ وخَطْبٌ.

والسّاعَةُ: عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى وقْتِ فَناءِ العالَمِ، وهي مِن جُمْلَةِ غَيْبِ الأرْضِ.

ولَمْحُ البَصَرِ: تَوَجُّهُهُ إلى المَرْئِيِّ؛ لِأنَّ اللَّمْحَ هو النَّظَرُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِدُونِ كُلْفَةٍ؛ لِأنَّ لَمْحَ البَصَرِ هو أمْكَنُ وأسْرَعُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ، فَهو أيْسَرُ وأسْرَعُ مِن نَقْلِ الأرْجُلِ في المَشْيِ، ومِنَ الإشارَةِ بِاليَدِ.

وهَذا التَّشْبِيهُ أفْصَحُ مِنَ الَّذِي في قَوْلِ زُهَيْرٍ

فَهُنَّ ووادِيِ الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ

ووَجْهُ الشَّبَهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ الوُقُوعِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ، ولا إنْظارٍ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى ووُقُوعِهِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ الكَلامُ إثْباتًا لِإمْكانِ الوُقُوعِ وتَحْذِيرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِتَأْخِيرِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ السُّرْعَةَ، أيْ سُرْعَةُ الحُصُولِ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ أيْ يَحْصُلُ فَجْأةً بِدُونِ أماراتٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ …

78

وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And Allah has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and intellect that perhaps you would be grateful.

﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَوْدٌ إلى إكْثارِ الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ، وإلى تَعْدادِ النِّعَمِ عَلى البَشَرِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] بَعْدَما فَصَلَ بَيْنَ تَعْدادِ النِّعَمِ بِما اقْتَضاهُ الحالُ مِنَ التَّذْكِيرِ والإنْذارِ.

وقَدِ اعْتَبَرَ في هَذِهِ النِّعَمِ ما فِيها مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِالنّاسِ؛ لِيَكُونَ مِن ذَلِكَ التَّخَلُّصُ إلى الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وبَيانُ أُصُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] إلى آخِرِهِ.

والمَعْنى: أنَّهُ كَما أخْرَجَكم مِن عَدَمٍ، وجَعَلَ فِيكُمُ الإدْراكَ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الإدْراكُ مِنَ الحَياةِ، فَكَذَلِكَ يُنْشِئُكم يَوْمَ البَعْثِ بَعْدَ العَدَمِ.

وإذْ كانَ هَذا الصُّنْعُ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ، فَهو أيْضًا باعِثٌ عَلى شُكْرِ اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ، ونَبْذِ الإشْراكِ، فَإنَّ الإنْعامَ يَبْعَثُ العاقِلَ عَلى الشُّكْرِ.

صفحة ٢٣٢

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِاسْمِ الجَلالَةِ، وجَعْلُ الخَبَرِ عَنْهُ فِعْلًا تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥] والآياتِ بَعْدَهُ.

والإخْراجُ: الإبْرازُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.

والأُمَّهاتُ: جَمْعُ أُمٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ النِّساءِ.

والبَطْنُ: ما بَيْنَ ضُلُوعِ الصَّدْرِ إلى العانَةِ، وفِيهِ الأمْعاءُ والمَعِدَةُ والكَبِدُ والرَّحِمُ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أخْرَجَكم، وذَلِكَ أنَّ الطِّفْلَ حِينَ يُولَدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَأْخُذُ حَواسُّهُ تَنْقُلُ الأشْياءَ تَدْرِيجًا، فَجَعَلَ اللَّهُ في الطِّفْلِ آلاتِ الإدْراكِ وأُصُولَ التَّفَكُّرِ.

فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ تَفْسِيرُهُ أنَّهُ أوْجَدَ فِيكم إدْراكَ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ، أيْ كَوْنُها في النّاسِ حَتّى بَلَغَتْ مَبْلَغَ كَمالِها الَّذِي يَنْتَهِي بِها إلى عِلْمِ أشْياءَ كَثِيرَةٍ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، أيْ فَعَلِمْتُمْ أشْياءَ.

ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأفْئِدَةُ: جَمَعَ الفُؤادِ، وأصْلُهُ القَلْبُ، ويُطْلَقُ كَثِيرًا عَلى العَقْلِ وهو المُرادُ هُنا، فالسَّمْعُ والبَصَرُ أعْظَمُ آلاتِ الإدْراكِ إذْ بِهِما إدْراكُ أهَمِّ الجُزْئِيّاتِ، وهُما أقْوى الوَسائِلِ لِإدْراكِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ.

فالمُرادُ بِالسَّمْعِ: الإحْساسُ الَّذِي بِهِ إدْراكُ الأصْواتِ الَّذِي آلَتُهُ الصِّماخُ، وبِالإبْصارِ: الإحْساسُ المُدْرِكُ لِلذَّواتِ الَّذِي آلَتُهُ الحَدَقَةُ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِما مِن بَيْنِ الحَواسِّ؛ لِأنَّهُما أهَمُّ؛ ولِأنَّ بِهِما إدْراكَ دَلائِلِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ.

صفحة ٢٣٣

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُما الأفْئِدَةَ، أيِ العَقْلَ مَقَرَّ الإدْراكِ كُلِّهِ، فَهو الَّذِي تَنْقُلُ إلَيْهِ الحَواسُّ مُدْرَكاتِها، وهي العِلْمُ بِالتَّصَوُّراتِ المُفْرَدَةِ.

ولِلْعَقْلِ إدْراكٌ آخَرُ، وهو إدْراكُ اقْتِرانِ …

79

أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍۢ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allah. Indeed in that are signs for a people who believe.

صفحة ٢٣٤

﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ والتَّدْلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وعَلى لُطْفِهِ بِالمَخْلُوقاتِ، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مَوْهِبَةَ العَقْلِ والحَواسِّ الَّتِي بِها تَحْصِيلُ المَنافِعِ، ودَفْعُ الأضْرارِ نَبَّهَ النّاسَ إلى لُطْفٍ يُشاهِدُونَهُ أجْلى مُشاهَدَةً لِأضْعَفِ الحَيَوانِ، بِأنَّ تَسْخِيرَ الجَوِّ لِلطَّيْرِ وخَلْقِها صالِحَةً لِأنْ تُرَفْرِفَ فِيهِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ هو لُطْفٌ بِها اقْتَضاهُ ضَعْفُ بِنْياتِها؛ إذْ كانَتْ عادِمَةً وسائِلَ الدِّفاعِ عَنْ حَياتِها، فَجَعَلَ اللَّهُ لَها سُرْعَةَ الِانْتِقالِ مَعَ الِابْتِعادِ عَنْ تَناوُلِ ما يَعْدُو عَلَيْها مِنَ البَشَرِ والدَّوابِّ.

فَلِأجْلِ هَذا المَوْقِعِ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّها لَيْسَ في مَضْمُونِها نِعْمَةٌ عَلى البَشَرِ، ولَكِنَّها آيَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ، بِخِلافِ نَظِيرَتِها في سُورَةِ المُلْكِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ [الملك: ١٩] فَإنَّها عُطِفَتْ عَلى آياتٍ دالَّةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ثُمَّ قالَ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] ثُمَّ قالَ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثُمَّ قالَ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ [الملك: ١٩] الآيَةَ، ولِذَلِكَ المَعْنى عُقِّبَتْ هَذِهِ وحْدَها بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ لِلْعَمَلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والجَوُّ: الفَضاءُ الَّذِي بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، وإضافَتُهُ إلى السَّماءِ؛ لِأنَّهُ يَبْدُو مُتَّصِلًا بِالقُبَّةِ الزَّرْقاءِ في ما يَخالُ النّاظِرُ.

والإمْساكُ: الشَّدُّ عَنِ التَّفَلُّتِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٣٥

والمُرادُ هُنا: ما يُمْسِكُهُنَّ عَنِ السُّقُوطِ إلى الأرْضِ مِن دُونِ إرادَتِها، وإمْساكُ اللَّهِ إيّاها خَلْقُهُ الأجْنِحَةَ لَها والأذْنابَ، وجَعْلُهُ الأجْنِحَةَ والأذْنابَ قابِلَةً لِلْبَسْطِ، وخَلْقُ عِظامِها أخَفَّ مِن عِظامِ الدَّوابِّ بِحَيْثُ إذا بَسَطَتْ أجْنِحَتَها وأذْنابَها ونَهَضَتْ بِأعْصابِها خَفَّتْ خِفَّةً شَدِيدَةً؛ فَسَبَحَتْ في الهَواءِ فَلا يَصْلُحُ ثِقَلُها لِأنْ يَخْرِقَ ما تَحْتَها مِنَ الهَواءِ، إلّا إذا قَبَضَتْ مِن أجْنِحَتِها وأذْنابِها وقَوَّسَتْ أعْصابَ أصْلابِها عِنْدَ إرادَتِها النُّزُولَ إلى الأرْضِ أوِ الِانْخِفاضَ في الهَواءِ، فَهي تَحُومُ في الهَواءِ كَيْفَ شاءَتْ ثُمَّ تَقَعُ مَتى شاءَتْ أوْ عَيِيَتْ، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ خَلَقَها عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَما اسْتَمْسَكَتْ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ إمْساكًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وهو لُطْفٌ بِها.

والرُّؤْيَةُ: بَصَرِيَّةٌ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى (يَنْظُرُوا) .

و(مُسَخَّراتٍ) حالٌ، وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ بِياءِ الغائِبِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ عَنْ خِطابِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ …

80

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَٰثًۭا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ

And Allah has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment for a time.

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بِيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بِيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعَنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْوَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ هَذا مِن تَعْدادِ النِّعَمِ الَّتِي ألْهَمَ اللَّهُ إلَيْها الإنْسانَ، وهي نِعْمَةُ الفِكْرِ بِصُنْعِ المَنازِلِ الواقِيَةِ والمُرَفَّهَةِ، وما يُشْبِهُها مِنَ الثِّيابِ والأثاثِ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] . وكُلُّها مِنَ الألْطافِ الَّتِي أعَدَّ اللَّهُ لَها عَقْلَ الإنْسانِ، وهَيَّأ لَهُ وسائِلَها.

صفحة ٢٣٧

وهَذِهِ نِعْمَةُ الإلْهامِ إلى اتِّخاذِ المَساكِنِ، وذَلِكَ أصْلُ حِفْظِ النَّوْعِ مِن غَوائِلِ حَوادِثِ الجَوِّ مِن شِدَّةِ بَرْدٍ أوْ حَرٍّ، ومِن غَوائِلِ السِّباعِ والهَوامِ، وهي أيْضًا أصْلُ الحَضارَةِ والتَّمَدُّنِ؛ لِأنَّ البُلْدانَ ومَنازِلَ القَبائِلِ تَتَقَوَّمُ مِنِ اجْتِماعِ البُيُوتِ، وأيْضًا تَتَقَوَّمُ مِن مُجْتَمَعِ الحُلَلِ والخِيامِ.

والقَوْلُ في نَظْمِ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ [النحل: ٧٢] كالقَوْلِ في الَّتِي قَبْلَها.

وبُيُوتٌ: يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ المُوَحَّدَةِ وكَسْرُها، وهو جَمْعُ بَيْتٍ، وضَمُّ المُوَحَّدَةِ هو القِياسُ؛ لِأنَّهُ عَلى وزْنِ فُعُولٌ، وهو مُطَّرِدٌ في جَمْعِ فَعْلٍ بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، وأمّا لُغَةُ كَسْرِ الباءِ فَلِمُناسَبَةِ وُقُوعِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ المَضْمُومَةِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِن حَرَكَةِ الضَّمِّ إلى النُّطْقِ بِالياءِ ثَقِيلٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ لا يَعْرِفُونَ الكَسْرَ (أيْ لا يَعْرِفُونَهُ لُغَةً) وبَيَّنَ أبُو عَلِيٍّ جَوازَهُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وبِالكَسْرِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأها بِالضَّمِّ أبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.

والبَيْتُ: مَكانٌ يُجْعَلُ لَهُ بِناءٌ وفُسْطاطٌ يُحِيطُ بِهِ يُعَيِّنُ مَكانَهُ لِيَتَّخِذَهُ جاعِلُهُ مَقَرًّا يَأْوِي إلَيْهِ، ويَسْتَكِنُّ بِهِ مِنَ الحَرِّ والقَرِّ، وقَدْ يَكُونُ مُحِيطُهُ مِن حَجَرٍ وطِينٍ ويُسَمّى جِدارًا، أوْ مِن أخْشابٍ أوْ قَصَبٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وتُسَمّى أيْضًا الأخْصاصُ، ويُوضَعُ فَوْقَ مُحِيطِهِ غِطاءٌ ساتِرٌ مِن أعْلاهُ يُسَمّى السَّقْفُ، يُتَّخَذُ مِن أعْوادٍ ويُطَيَّنُ عَلَيْها، وهَذِهِ بُيُوتُ أهْلِ المُدُنِ والقُرى.

وقَدْ يَكُونُ المُحِيطُ بِالبَيْتِ مُتَّخَذًا مِن أدِيمٍ مَدْبُوغٍ ويُسَمّى القُبَّةَ، أوْ مِن أثْوابٍ تُنْسَجُ مِن وبَرٍ أوْ شَعْرٍ أوْ صُوفٍ، ويُسَمّى الخَيْمَةَ أوِ الخِباءَ، وكُلُّها يَكُونُ بِشَكْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الهَرَمِيِّ تَلْتَقِي شُقَّتاهُ أوْ شُقَقُهُ مِن أعْلاهُ مُعْتَمِدَةً عَلى عَمُودٍ، وتَنْحَدِرُ مِنهُ مُتَّسِعَةً عَلى شَكْلٍ مَخْرُوطٍ، وهَذِهِ بُيُوتُ الأعْرابِ في البَوادِي أهْلِ الإبِلِ والغَنَمِ يَتَّخِذُونَها؛ لِأنَّها أسْعَدُ لَهم في انْتِجاعِهِمْ، فَيَنْقُلُونَها مَعَهم إذا انْتَقَلُوا

صفحة ٢٣٨

يَتَتَبَّعُونَ مَواقِعَ الكَلَأِ لِأنْعامِهِمْ والكَمْأةِ لِعَيْشِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ البَيْتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(جَعَلَ) هُنا بِمَعْنى أوْجَدَ، فَتَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

والسَّكَنُ: اسْمٌ بِمَعْنى المَسْكُونِ، والسُّكْنى: مَصْدَرُ سَكَنَ فُلانٌ البَيْتَ، إذا جَعَلَهُ مَقَرًّا لَهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ، أيِ القَرارِ.

وانْتَصَبَ قَوْلُهُ تَعالى سَكَنًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ (جَعَلَ) . …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.