Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 128

61

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

And if Allah were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon the earth any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جا أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

هَذا اعْتِراضٌ في أثْناءِ التَّوْبِيخِ عَلى كُفْرِهِمُ الَّذِي مِن شَرائِعِهِ وأْدُ البَناتِ، فَأمّا وصْفُ جَعْلِهِمْ لِلَّهِ البَناتِ اللّاتِي يَأْنَفُونَ مِنها لِأنْفُسِهِمْ، ووَصَفَ ذَلِكَ بِأنَّهُ حُكْمُ سُوءٍ، ووَصَفَ حالَهم بِأنَّها مَثَلُ سَوْءٍ، وعَرَّفَهم بِأخَصِّ عَقائِدِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، وأعْظَمُهُ الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الخالِقِ عَلى مَخْلُوقاتِهِ، وهو حَقُّ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، ولِذَلِكَ كانَ الظُّلْمُ في القُرْآنِ إذا لَمْ يُعَدَّ إلى مَفْعُولٍ نَحْوَ (ظَلَمُوا أنْفُسَهم) مُرادًا مِنهُ أعْظَمُ الظُّلْمِ، وهو الشِّرْكُ حَتّى صارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ، وهو المُرادُ هُنا مِن هَذا الإنْذارِ، وأمّا الظُّلْمُ الَّذِي هو دُونَ الإشْراكِ بِاللَّهِ فَغَيْرُ مُرادٍ هُنا؛ لِأنَّهُ مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ كَما يَأْتِي قَرِيبًا فَلا يَقْتَضِي عِقابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى عُمُومِهِ.

صفحة ١٨٨

والتَّعْرِيفُ في النّاسِ يُحْمَلُ عَلى تَعْرِيفِ الجِنْسِ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ النّاسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِمَقامِ الزَّجْرِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى (النّاسَ) مُرادًا بِهِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ عادَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ المُتَقَدِّمَةُ في قَوْلِهِ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم وما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ، وبِذَلِكَ لا يَكُونُ لَفْظُ (النّاسِ) إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.

وضَمِيرُ (عَلَيْها) صادِقٌ عَلى الأرْضِ، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ في الكَلامِ، فَإنَّ المَقامَ دالٌّ عَلَيْها، وذَلِكَ اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] يَعْنِي الشَّمْسَ، ويَقُولُونَ: أصْبَحَتْ بارِدَةً، يُرِيدُونَ الغَداةَ، ويَقُولُ أهْلُ المَدِينَةِ: ما بَيْنَ لابَتَيْها أحَدٌ يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ لابَتَيِ المَدِينَةِ.

والدّابَّةُ: اسْمٌ لِما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، أيْ يَمْشِي، وتَأْنِيثُهُ بِتَأْوِيلِ ذاتٍ، وخُصَّ اسْمُ (دابَّةٍ) في الِاسْتِعْمالِ بِالإطْلاقِ عَلى ما عَدا الإنْسانِ مِمّا يَمْشِي عَلى الأرْضِ.

وحَرْفُ (لَوْ) حَرْفُ امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ وُقُوعِ جَوابِهِ؛ لِأجْلِ امْتِناعِ وُقُوعِ شَرْطِهِ، وشَرْطُ (لَوْ) مُلازِمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي فَإذا وقَعَ بَعْدَ (لَوْ) مُضارِعٌ انْصَرَفَ إلى الماضِي غالِبًا.

فالمَعْنى: لَوْ كانَ اللَّهُ مُؤاخِذًا الخَلْقَ عَلى شِرْكِهِمْ لَأفْناهم مِنَ الأرْضِ، وأفْنى الدَّوابَّ مَعَهم، أيْ ولَكِنَّهُ لَمْ يُؤاخِذْهم.

ودَلِيلُ انْتِفاءِ شَرْطِ (لَوْ) هو انْتِفاءُ جَوابِها، ودَلِيلُ انْتِفاءِ جَوابِها هو المُشاهَدَةُ، فَإنَّ النّاسَ والدَّوابَّ ما زالُوا مَوْجُودِينَ عَلى الأرْضِ.

ووَجْهُ المُلازَمَةِ بَيْنَ مُؤاخَذَةِ الظّالِمِينَ بِذُنُوبِهِمْ، وبَيْنَ إفْناءِ النّاسِ غَيْرِ الظّالِمِينَ، وإفْناءِ الدَّوابِّ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ النّاسَ لِيَعْبُدُوهُ، أيْ لِيَعْتَرِفُوا لَهُ بِالإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ فِيها، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وأنَّ ذَلِكَ مُودَعٌ في الفِطْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّياتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى …

62

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ

And they attribute to Allah that which they dislike, and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.

﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ وأنَّهم مُفْرِطُونَ﴾

هَذا ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ مِن أحْوالِهِمْ في إشْراكِهِمْ تُخالِفُ قِصَّةَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧] بِاعْتِبارِ ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ القِصَّةِ مِن إضافَتِهِمُ الأشْياءَ المَكْرُوهَةَ عِنْدَهم إلى اللَّهِ مِمّا اقْتَضَتْهُ كَراهَتُهُمُ البَناتَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]، فَكانَ ذَلِكَ الجَعْلُ يَنْطَوِي عَلى خَصْلَتَيْنِ مِن دِينِ الشِّرْكِ، وهُما: نِسْبَةُ البُنُوَّةِ إلى اللَّهِ، ونِسْبَةُ أخَسِّ أصْنافِ الأبْناءِ في نَظَرِهِمْ إلَيْهِ، فَخَصَّتِ الأُولى بِالذِّكْرِ بِقَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧] مَعَ الإيماءِ إلى كَراهَتِهِمُ البَناتِ كَما تَقَدَّمَ، وخَصَّتْ هَذِهِ بِذِكْرِ الكَراهِيَةِ تَصْرِيحًا، ولِذَلِكَ كانَ الإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ ما يَكْرَهُونَ هو مُقْتَضى المَقامِ الَّذِي هو تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ، وتَشْنِيعُ اسْتِئْثارِهِمْ، وقَدْ يَكُونُ المَوْصُولُ لِلْعُمُومِ فَيُشِيرُ إلى أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ أشْياءَ يَكْرَهُونَها لِأنْفُسِهِمْ مِثْلَ الشَّرِيكِ في التَّصَرُّفِ، وأشْياءَ لا يَرْضَوْنَها لِآلِهَتِهِمْ، ونَسَبُوها لِلَّهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] .

وفِي الكَشّافِ: (يَجْعَلُونَ لِلَّهِ أرْذَلَ أمْوالِهِمْ ولِأصْنامِهِمْ أكْرَمَها)، فَهو مُرادُ عُمُومِ المَوْصُولِ، فَتَكُونُ هَذِهِ القِصَّةُ أعَمَّ مِن قِصَّةِ قَوْلِهِ تَعالى

صفحة ١٩٢

﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ [النحل: ٥٧]، ويَكُونُ تَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن جِهَتَيْنِ: جِهَةِ اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وجِهَةِ زِيادَةِ أنْواعِ هَذا الجَعْلِ.

وجُمْلَةُ ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ.

ومَعْنى تَصِفُ تَذْكُرُ بِشَرْحٍ وبَيانٍ وتَفْصِيلٍ، حَتّى كَأنَّها تَذْكُرُ أوْصافَ الشَّيْءِ، وحَقِيقَةُ الوَصْفِ: ذِكْرُ الصِّفاتِ والحُلى، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَوْلِ المُبِينِ المُفَصِّلِ، قالَ في الكَشّافِ في الآيَةِ الآتِيَةِ في أواخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: هَذا مِن فَصِيحِ الكَلامِ وبَلِيغِهِ، جَعَلَ القَوْلَ كَأنَّهُ عَيْنُ الكَذِبِ فَإذا نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَتُهم فَقَدْ صَوَّرَتِ الكَذِبَ بِصُورَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ، وعَيْنُها تَصِفُ السِّحْرَ اهـ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، ومِنهُ قَوْلُ المَعَرِّي:

سَرى بَرَقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهْنٍ فَباتَ بِرامَةٍ يَصِفُ الكَلالا

أيْ يَشْكُو الإعْياءَ مِن قَطْعِ مَسافَةٍ طَوِيلَةٍ في زَمَنٍ قَلِيلٍ، وهو مِن بَدِيعِ اسْتِعاراتِهِ.

والمُرادُ مِن هَذا الكَذِبِ كُلُّ ما يَقُولُونَهُ مِن أقْوالِ خاصَّتِهِمْ ودَهْمائِهِمْ بِاعْتِقادٍ أوْ تَهَكُّمٍ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ العاصِي بْنِ وائِلٍ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]، ومِنَ الثّانِي قَوْلُهم في البَلِيَّةِ: أنَّ صاحِبَها يَرْكَبُها يَوْمَ القِيامَةِ لِكَيْلا يُعْيى.

وانْتَصَبَ (الكَذِبَ) عَلى أنَّهُ …

63

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

By Allah, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is the disbelievers' ally today [as well], and they will have a painful punishment.

﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَهْوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ داخِلٌ في الكَلامِ الِاعْتِراضِيِّ قُصِدَ مِنهُ تَنْظِيرُ حالِ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وكُفْرِهِمْ في سُوءِ أعْمالِهِمْ وأحْكامِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ الضّالَّةِ مِن قَبْلِهِمُ الَّذِينَ اسْتَهْواهُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ مِثْلُ عادٍ وثَمُودَ، والحاضِرَةِ كاليَهُودِ والنَّصارى.

صفحة ١٩٤

ووَجْهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى أسْماعِ النّاسِ، فَإنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ لِهَدْيِ النّاسِ، فَتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِالقَسَمِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى المَقْصُودِينَ بِالخَبَرِ لا إلى المُوَجَّهِ إلَيْهِ الخَبَرُ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَشُكُّ في ذَلِكَ.

ومَصَبُّ القَسَمِ هو التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ .

وأمّا الإرْسالُ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِهِمْ فَلا يَشُكُّ فِيهِ المُشْرِكُونَ، وشَأْنُ التّاءِ المُثَنّاةِ أنْ تَقَعَ في قَسَمٍ عَلى مُسْتَغْرَبٍ مَصَبُّ القَسَمِ هُنا هو المُفْرَدُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم بَعْدَما جاءَهم مِن إرْشادِ رُسُلِهِمْ أمْرٌ عَجِيبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَرْفِ تاءِ القَسَمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦] .

وجُمْلَةُ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: أرْسَلْنا فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم.

وتَزْيِينُ الشَّيْطانِ أعْمالَهم كِنايَةٌ عَنِ المَعاصِي، فَمِن ذَلِكَ عَدَمُ الإيمانِ بِالرُّسُلِ وهو كَمالُ التَّنْظِيرِ، ومِنها الِابْتِداعاتُ المُنافِيَةُ لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِثْلُ ابْتِداعِ المُشْرِكِينَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، والمَقْصُودُ: أنَّ المُشْرِكِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الَّتِي زَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم.

وجُمْلَةُ ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَرَّعَةً عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ بِتَمامِها، عَلى أنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ هو المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ الِاسْتِئْنافِ لِلتَّنْظِيرِ؛ فَيَكُونُ ضَمِيرُ (ولِيُّهُمُ) عائِدًا إلى المُنَظِّرِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. ولا مانِعَ مِنَ اخْتِلافٍ مُعادِي ضَمِيرَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ مَعَ القَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .

والمَعْنى: فالشَّيْطانُ ولِيُّ المُشْرِكِينَ اليَوْمَ، أيْ مُتَوَلِّي أمْرَهم كَما كانَ ولِيَّ الأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ إذْ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهم، أيْ لا ولِيَّ لَهُمُ اليَوْمَ غَيْرُهُ، رَدًّا

صفحة ١٩٥

عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى، ويَكُونُ في الكَلامِ شِبْهُ الِاحْتِباكِ، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَكانَ ولِيَّهم حِينَئِذٍ، وهو ولِيُّ المُشْرِكِينَ اليَوْمَ يُزَيِّنُ لَهم أعْمالَهم، كَما كانَ ولِيَّ مَن قَبْلَهم.

وقَوْلُهُ (اليَوْمَ) مُسْتَعْمَلٌ في زَمانٍ مَعْهُودٍ بِعَهْدِ الحُضُورِ، أيْ فَهو ولِيُّهُمُ الآنَ، و(هو) كِنايَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ وِلايَتِهِ لَهم إلى زَمَنِ المُتَكَلِّمِ مُطْلَقًا بِدُونِ قَصْدٍ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلزَّمانِ الحاضِرِ، وأصْلُهُ: اليَوْمُ الحاضِرُ، وهو …

64

وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We have not revealed to you the Book, [O Muhammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ، والمُناسَبَةُ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِإتْمامِ الهِدايَةِ، وكَشْفِ الشُّبْهاتِ الَّتِي عَرَضَتْ لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ والحاضِرَةِ فَتُرِكَتْ أمْثالُها في العَرَبِ وغَيْرِهِمْ.

فَلَمّا ذُكِرَتْ ضَلالاتُهم وشُبْهاتُهم عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ الحِكْمَةِ في إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْزالِ القُرْآنِ إلَيْهِ، فالقُرْآنُ جاءَ مُبَيِّنًا لِلْمُشْرِكِينَ ضَلالَهم بَيانًا لا يَتْرُكُ لِلْباطِلِ مَسْلَكًا إلى النُّفُوسِ، ومُفْصِحًا عَنِ الهُدى إفْصاحًا لا يَتْرُكُ لِلْحِيرَةِ مَجالًا في العُقُولِ، ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِما جازاهم عَنْ إيمانِهِمْ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

صفحة ١٩٦

وعَبَّرَ عَنِ الضَّلالِ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِيَّةِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ الضَّلالِ هو اخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ، فالعَرَبُ اخْتَلَفَتْ ضَلالَتُهم في عِبادَةِ الأصْنامِ، عَبَدَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ مِنهم صَنَمًا، وعَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّمْسَ والكَواكِبَ، واتَّخَذَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِنَفْسِها أعْمالًا يَزْعُمُونَها دِينًا صَحِيحًا، واخْتَلَفُوا مَعَ المُسْلِمِينَ في جَمِيعِ ذَلِكَ الدِّينِ.

والإتْيانُ بِصِيغَةِ القَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِتُبَيِّنَ﴾ لِقَصْدِ الإحاطَةِ بِالأهَمِّ مِن غايَةِ القُرْآنِ وفائِدَتِهِ الَّتِي أُنْزِلَ لِأجْلِها، فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِيَرْغَبَ السّامِعُونَ في تَلَقِّيهِ وتَدَبُّرِهِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ كُلٌّ بِما يَلِيقُ بِحالِهِ حَتّى يَسْتَوُوا في الِاهْتِداءِ.

ثُمَّ إنَّ القَصْرَ يُعَرِّضُ بِتَفْنِيدِ أقْوالِ مَن حَسِبُوا مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ لِذِكْرِ القَصَصِ لِتَعْلِيلِ الأنْفُسِ في الأسْمارِ ونَحْوِها حَتّى قالَ مُضِلُّهم: أنا آتِيكم بِأحْسَنِ مِمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، آتِيكم بِقِصَّةِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، فالقُرْآنُ أهَمُّ مَقاصِدِهِ هَذِهِ الفَوائِدُ الجامِعَةُ لِأُصُولِ الخَيْرِ، وهي كَشْفُ الجَهالاتِ والهُدى إلى المَعارِفِ الحَقِّ وحُصُولُ أثَرِ ذَيْنَكِ الأمْرَيْنِ، وهو الرَّحْمَةُ النّاشِئَةُ عَنْ مُجانَبَةِ الضَّلالِ، وإتْباعِ الهُدى.

وأُدْخِلَتْ لامُ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِ (تَبَيَّنَ) الواقِعِ مَوْقِعَ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ؛ لِأنَّهُ مِن فِعْلِ المُخاطَبِ لا مِن فِعْلِ فاعِلِ (أنْزَلْنا)، فالنَّبِيءُ هو المُباشِرُ لِلْبَيانِ بِالقُرْآنِ تَبْلِيغًا وتَفْسِيرًا، فَلا يَصِحُّ في العَرَبِيَّةِ الإتْيانُ بِالتَّبْيِينِ مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ، إذْ لَيْسَ مُتَّحِدًا مَعَ العامِلِ في الفاعِلِ، ولِذَلِكَ خُولِفَ في المَعْطُوفِ فَنُصِبَ (هُدًى ورَحْمَةً)؛ لِأنَّهُما مِن أفْعالِ مُنْزِلِ القُرْآنِ، فاللَّهُ هو الهادِي والرّاحِمُ بِالقُرْآنِ، وكُلٌّ مِنَ البَيانِ والهُدى والرَّحْمَةِ حاصِلٌ بِالقُرْآنِ، فَآلَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ إلى أنَّها صِفاتٌ لِلْقُرْآنِ أيْضًا.

صفحة ١٩٧

والتَّعْبِيرُ بِـ (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) دُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلَّذِينَ آمَنُوا، لِلْإيماءِ إلى أنَّهُمُ الَّذِينَ الإيمانُ كالسَّجِيَّةِ لَهم والعادَةُ الرّاسِخَةُ الَّتِي تَتَقَوَّمُ بِها قَوْمِيَّتُهم، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهاتِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْعِبَرِ والحُجَجِ النّاشِئَةِ عَنْ وصْفِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، ونِعَمِ الخالِقِ عَلى النّاسِ المُبْتَدِئَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن …

65

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

And Allah has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾

انْتَهى الكَلامُ المُعْتَرَضُ بِهِ، وعادَ الكَلامُ إلى دَلائِلِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ مَعَ ما أُدْمِجَ فِيهِ ذَلِكَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، فَهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ المِنَنِ وعِبْرَةٌ مِنَ العِبَرِ وحُجَّةٌ مِنَ الحُجَجِ المُتَفَرِّعَةِ عَنِ التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ والِاعْتِبارِ بِعَجِيبِ صُنْعِهِ.

عادَ الكَلامُ إلى تَعْدادِ نِعَمٍ جَمَّةٍ، ومَعَها ما فِيها مِنَ العِبَرِ أيْضًا جَمْعًا عَجِيبًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ، ووَصْلًا لِلْكَلامِ المُفارِقِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، كَما عَلِمْتَهُ فِيما تَقَدَّمَ، فَكانَ ذِكْرُ إنْزالِ الماءِ في الآيَةِ السّابِقَةِ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِدْلالِ، وهو هُنا مَسُوقٌ مَساقَ الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بِالماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ.

وبِهَذا الِاعْتِبارِ خالَفَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ النِّعْمَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ سابِقًا ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ﴾ [النحل: ١٠] بِاخْتِلافِ الغَرَضِ الأوَّلِيِّ، فَهو هُنالِكَ الِاسْتِدْلالُ بِتَكْوِينِ الماءِ، وهُنا الِامْتِنانُ.

وبِناءُ الجُمْلَةِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، وذَلِكَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم

صفحة ١٩٨

مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ الإضْمارِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِالخَبَرِ إذِ افْتُتِحَ بِهَذا الِاسْمِ، ولِأنَّ دَلالَةَ الِاسْمِ العَلَمِ أوْضَحُ وأصْرَحُ، فَهو مُقْتَضى مَقامِ تَحْقِيقِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ والإنْعامِ دُونَ غَيْرِهِ مِن شُرَكائِهِمْ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو فاعِلُ هَذِهِ الأشْياءِ.

وإحْياءُ الأرْضِ: إخْراجُ ما فِيهِ الحَياةُ، وهو الكَلَأُ والشَّجَرُ، ومَوْتُها ضِدُّ ذَلِكَ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ (أحْيا) إلى الأرْضِ تَعْدِيَةٌ مَجازِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ وجْهُ العِبْرَةِ في آيَةِ نُزُولِ المَطَرِ هُنالِكَ.

وجُمْلَةُ (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) مُسْتَأْنَفَةٌ، والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَهْتَدِ بِذَلِكَ إلى الوَحْدانِيَّةِ يُنْكِرُونَ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمُوا دَلالَتَهُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، أيْ يُنْكِرُونَ صَلاحِيَةَ ذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ؛ لِيَكُونَ مَحَلُّ الآيَةِ جَمِيعَ المَذْكُوراتِ مِن إنْزالِ المَطَرِ، وإحْياءِ الأرْضِ بِهِ، ومَوْتِها مِن قَبْلِ الإحْياءِ.

والكَلامُ في (قَوْمٍ يَسْمَعُونَ) كالكَلامِ في قَوْلِهِ آنِفًا (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

والسَّمْعُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، وهو سَماعُ التَّدَبُّرِ والإنْصافِ لِما تَدَبَّرُوا بِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا دَلالَةَ ذَلِكَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ وصْفُ السَّمْعِ هُنا المُرادُ مِنهُ الإنْصافُ والِامْتِثالُ؛ لِأنَّ دَلالَةَ المَطَرِ وحَياةَ الأرْضِ بِهِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةٌ لا يَصُدُّ عَنْها إلّا المُكابَرَةُ.

66

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّٰرِبِينَ

And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.

صفحة ١٩٩

﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نَسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى، ومِنَّةٌ مِنَ المِنَنِ النّاشِئَةِ عَنْ مَنافِعِ خَلْقِ الأنْعامِ، أُدْمِجَ في مِنَّتِها العِبْرَةُ بِما في دَلالَتِها عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] إلى قَوْلِهِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ هُنا أنَّ بِألْبانِ الأنْعامِ حَياةَ الإنْسانِ، كَما تَحْيا الأرْضُ بِماءِ السَّماءِ، وأنَّ لِآثارِ ماءِ السَّماءِ أثَرًا في تَكْوِينِ ألْبانِ الحَيَوانِ بِالمَرْعى.

واخْتَصَّتْ هَذِهِ العِبْرَةُ بِما تُنَبِّهُ إلَيْهِ مِن بَدِيعِ الصُّنْعِ والحِكْمَةِ في خَلْقِ الألْبانِ بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا﴾، ثُمَّ بِالتَّذْكِيرِ بِما في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلى النّاسِ إدْماجًا لِلْعِبْرَةِ بِالمِنَّةِ.

فَجُمْلَةُ (وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، أيْ كَما كانَ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ عِبْرَةٌ في إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ لَكم في الأنْعامِ عِبْرَةٌ أيْضًا، إذْ قَدْ كانَ المُخاطَبُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ القَوْمَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ.

وضَمِيرُ الخِطابِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ. وتَوْكِيدُها بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ كَتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ قَبْلَها.

والأنْعامُ: اسْمُ جَمْعٍ لِكُلِّ جَماعَةٍ مِن أحَدِ أصْنافِ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ.

والعِبْرَةُ: ما يُتَّعَظُ بِهِ ويُعْتَبَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في نِهايَةِ سُورَةِ يُوسُفَ، وجُمْلَةُ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ .

والبُطُونُ: جَمْعُ بَطْنٍ، وهو اسْمٌ لِلْجَوْفِ الحاوِيَةِ لِلْجِهازِ الهَضْمِيِّ كُلِّهِ؛ مِن مَعِدَةٍ وكَبِدٍ وأمْعاءَ.

صفحة ٢٠٠

و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِمّا في بُطُونِهِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ؛ لِأنَّ اللَّبَنَ يُفْرَزُ عَنِ العَلَفِ الَّذِي في البُطُونِ، وماصَدَقُ ما في بُطُونِهِ العَلَفُ، ويَجُوزُ جَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً، ويَكُونُ ماصَدَقُ ما في بُطُونِهِ هو اللَّبَنُ اعْتِدادًا بِحالَةِ مُرُورِهِ في داخِلِ الأجْهِزَةِ الهَضْمِيَّةِ قَبْلَ انْحِدارِهِ في الضَّرْعِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾ زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ التَّوَسُّطِ، أيْ يُفْرَزُ في حالَةٍ بَيْنَ حالَتَيِ الفَرْثِ والدَّمِ.

ووَقَعَ البَيانُ بِـ نَسْقِيكم دُونَ أنْ يُقالَ: تَشْرَبُونَ أوْ نَحْوُهُ؛ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ مَعَ العِبْرَةِ.

ووَجْهُ العِبْرَةِ في ذَلِكَ أنَّ ما تَحْتَوِيهِ بُطُونُ الأنْعامِ مِنَ العَلَفِ والمَرْعى يَنْقَلِبُ بِالهَضْمِ في المَعِدَةِ، ثُمَّ الكَبِدِ، ثُمَّ غُدَدِ الضَّرْعِ، مائِعًا يُسْقى، وهو مُفْرَزٌ مِن بَيْنِ إفْرازِ فَرْثٍ ودَمٍ.

والفَرْثُ: الفَضَلاتُ الَّتِي تَرَكَها الهَضْمُ المُعْدِي فَتَنْحَدِرُ إلى الأمْعاءِ فَتَصِيرُ فَرْثًا، والدَّمُ: إفْرازٌ تَفْرِزُهُ الكَبِدُ مِنَ الغِذاءِ المُنْحَدِرِ إلَيْها، ويَصْعَدُ إلى القَلْبِ فَتَدْفَعُهُ حَرَكَةُ القَلْبِ المِيكانِيئِيَّةِ إلى الشَّرايِينِ والعُرُوقِ، ويَبْقى يَدُورُ كَذَلِكَ بِواسِطَةِ القَلْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

ومَعْنى كَونِ اللَّبَنِ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ أنَّهُ إفْرازٌ حاصِلٌ في حِينِ إفْرازِ الدَّمِ وإفْرازِ الفَرْثِ، …

67

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision. Indeed in that is a sign for a people who reason.

﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦] .

ووُجُودُ (مِن) في صَدْرِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها وهو (نَسْقِيكم)، فالتَّقْدِيرُ: ونَسْقِيكم مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَتَّخِذُونَ)، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ وُجُودُ (مِن) الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ (تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا) المانِعُ مِنَ اعْتِبارِ تَعَلُّقِ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ بِـ (تَتَّخِذُونَ)، فَإنَّ نُظُمَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى قَصْدِ المُتَكَلِّمِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا بِـ (تَتَّخِذُونَ) مُقَدَّمًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ المَعْنى عَنْ الِامْتِنانِ بِلُطْفِ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَ نَفْسَهُ السّاقِي لِلنّاسِ، وهَذا عَطْفٌ مِنهُ عَلى مِنَّةٍ؛ لِأنَّ نَسْقِيكم وقَعَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦] ومُفادُ فِعْلِ نَسْقِيكم مُفادُ الِامْتِنانِ؛ لِأنَّ السَّقْيَ مَزِيَّةٌ، وكِلْتا العِبْرَتَيْنِ في السَّقْيِ، والمُناسَبَةُ أنَّ كِلْتَيْهِما ماءٌ، وأنَّ كِلْتَيْهِما يُضْغَطُ بِاليَدِ، وقَدْ أطْلَقَ

صفحة ٢٠٣

العَرَبُ الحَلْبَ عَلى عَصِيرِ الخَمْرِ والنَّبِيذِ، قالَ حَسّانٌ يَذْكُرُ الخَمْرَ المَمْزُوجَةَ والخالِصَةَ:

كِلْتاهُما حَلَبَ العَصِيرَ فَعاطِنِي بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمَفْصِـلِ

ويُشِيرُ إلى كَوْنِهِما عِبْرَتَيْنِ مِن نَوْعٍ مُتَقارِبٍ جَعْلُ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى (إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً) عَقِبَ ذِكْرِ السَّقْيَيْنِ دُونَ أنْ يُذَيِّلَ سَقْيَ الألْبانِ بِكَوْنِهِ آيَةً، فالعِبْرَةُ في خَلْقِ الثِّمارِ صالِحَةً لِلْعَصْرِ والِاخْتِمارِ، ومُشْتَمِلَةً عَلى مَنافِعَ لِلنّاسِ ولَذّاتٍ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فَهَذا مُرْتَبِطٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ العِبْرَةِ بِخَلْقِ النَّباتِ والثَّمَراتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ﴾ [النحل: ١١] الآيَةَ.

وجُمْلَةُ (تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا) إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ.

و(مِن) في المَوْضِعَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ، فالأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (نَسْقِيكم) المُقَدَّرِ، والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (تَتَّخِذُونَ)، ولَيْسَتِ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةً؛ لِأنَّ السَّكَرَ لَيْسَ بَعْضَ الثَّمَراتِ، فَمَعْنى الِابْتِداءِ يَنْتَظِمُ كِلا الحَرْفَيْنِ.

والسَّكَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: الشَّرابُ المُسْكِرُ.

وهَذا امْتِنانٌ بِما فِيهِ لَذَّتُهُمُ المَرْغُوبَةُ لَدَيْهِمْ، والمُتَفَشِّيَةُ فِيهِمْ وذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وتَحْرِيمُ الخَمْرِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ فالِامْتِنانُ حِينَئِذٍ بِمُباحٍ.

والرِّزْقُ: الطَّعامُ، ووُصِفَ بِـ (حَسَنًا) لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، وذَلِكَ التَّمْرُ والعِنَبُ؛ لِأنَّهُما حُلْوانِ لَذِيذانِ يُؤْكَلانِ رَطْبَيْنِ ويابِسَيْنِ قابِلانِ لِلِادِّخارِ، ومِن أحْوالِ عَصِيرِ العِنَبِ أنْ يَصِيرَ خَلًّا ورُبًّا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَعْدادِ الآيَةِ؛ لِأنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

صفحة ٢٠٤

والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، والإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن نِعْمَةِ سَقْيِ الألْبانِ، وسَقْيِ السَّكَرِ …

68

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ

And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses, and among the trees and [in] that which they construct.

﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

عَطْفُ عِبْرَةٍ عَلى عِبْرَةٍ ومِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ، وغَيَّرَ أُسْلُوبَ الِاعْتِبارِ لِما في هَذِهِ العِبْرَةِ مِن تَنْبِيهٍ عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، إذْ أوْدَعَ في خِلْقَةِ الحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ هَذِهِ الصَّنْعَةَ العَظِيمَةَ، وجَعَلَ فِيها هَذِهِ المَنفَعَةَ كَما أوْدَعَ في الأنْعامِ ألْبانَها وأوْدَعَ في ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ شَرابًا، وكانَ ما في بُطُونِ النَّحْلِ وسَطًا بَيْنَ ما في بُطُونِ الأنْعامِ، وما في قَلْبِ الثِّمارِ فَإنَّ النَّحْلَ يَمْتَصُّ ما في الثَّمَراتِ والأنْوارِ مِنَ المَوادِّ السُّكَّرِيَّةِ العَسَلِيَّةِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَسَلًا كَما يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِن خُلاصَةِ المَرْعى.

وفِيهِ عِبْرَةٌ أُخْرى، وهي أنْ أوْدَعَ اللَّهُ في ذُبابَةِ النَّحْلِ إدْراكًا لِصُنْعٍ مُحْكَمٍ مَضْبُوطٍ مُنْتِجٍ شَرابًا نافِعًا لا يَحْتاجُ إلى حَلْبِ الحالِبِ.

فافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِفِعْلِ (أوْحى) دُونَ أنْ تُفْتَتَحَ بِاسْمِ الجَلالَةِ مِثْلُ جُمْلَةِ ( واللَّهُ أنْزَلَ، لِما في أوْحى مِنَ الإيماءِ إلى إلْهامِ تِلْكَ الحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ تَدْبِيرًا عَجِيبًا وعَمَلًا مُتْقَنًا وهَنْدَسَةً في الجِبِلَّةِ.

صفحة ٢٠٥

فَكانَ ذَلِكَ الإلْهامُ في ذاتِهِ دَلِيلًا عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَلى ما بَعْدَهُ مِن دَلالَةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومِنَّةً مِنهُ.

والوَحْيُ: الكَلامُ الخَفِيُّ والإشارَةُ الدّالَّةُ عَلى مَعْنًى كَلامِيٍّ، ومِنهُ سُمِّيَ ما يُلْقِيهِ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ وحْيًا؛ لِأنَّهُ خَفِيٌّ عَنْ أسْماعِ النّاسِ.

وأُطْلِقَ الوَحْيُ هُنا عَلى التَّكْوِينِ الخَفِيِّ الَّذِي أوْدَعَهُ اللَّهُ في طَبِيعَةِ النَّحْلِ، بِحَيْثُ تَنْساقُ إلى عَمَلٍ مُنَظَّمٍ مُرَتَّبٍ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ آحادُها، تَشْبِيهًا لِلْإلْهامِ بِكَلامٍ خَفِيٍّ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الشَّبِيهَ بِعَمَلِ المُتَعَلِّمِ بِتَعْلِيمِ المُعَلِّمِ، أوِ المُؤْتَمَرِ بِإرْشادِ الآمِرِ، الَّذِي تَلَقّاهُ سِرًّا، فَإطْلاقُ الوَحْيِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.

والنَّحْلُ: اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، واحِدُهُ نَحْلَةٌ، وهو ذُبابٌ لَهُ جِرْمٌ بِقَدْرِ ضِعْفَيْ جِرْمِ الذُّبابِ المُتَعارَفِ، وأرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ، ولَوْنُ بَطْنِهِ أسْمَرُ إلى الحُمْرَةِ، وفي خُرْطُومِهِ شَوْكَةٌ دَقِيقَةٌ كالشَّوْكَةِ الَّتِي في ثَمَرَةِ التِّينِ البَرْبَرِيِّ (المُسَمّى بِالهِنْدِيِّ) مُخْتَفِيَةٌ تَحْتَ خُرْطُومِهِ يَلْسَعُ بِها ما يَخافُهُ مِنَ الحَيَوانِ، فَتَسُمَّ المَوْضِعَ سُمًّا غَيْرَ قَوِيٍّ، ولَكِنَّ الذُّبابَةَ إذا انْفَصَلَتْ شَوْكَتُها تَمُوتُ، وهو ثَلاثَةُ أصْنافٍ ذَكَرٌ وأُنْثى وخُنْثى، فالذُّكُورُ هي الَّتِي تَحْرُسُ بُيُوتَها، ولِذَلِكَ تَكُونُ مُحَوِّمَةً بِالطَّيَرانِ والدَّوِيِّ أمامَ البَيْتِ، وهي تُلَقِّحُ الإناثَ لَقاحًا بِهِ تَلِدُ الإناثُ إناثًا.

والإناثُ: هي المُسَمّاةُ اليَعاسِيبَ، وهي أضْخَمُ جِرْمًا مِنَ الذُّكُورِ، ولا تَكُونُ الَّتِي تَلِدُ في البُيُوتِ إلّا أُنْثى واحِدَةٌ، وهي قَدْ تَلِدُ بِدُونِ لِقاحِ ذَكَرٍ، ولَكِنَّها في هَذِهِ الحالَةِ لا تَلِدُ إلّا ذُكُورًا فَلَيْسَ في أفْراخِها فائِدَةٌ لِإنْتاجِ الوالِداتِ.

وأمّا الخُنْثى: فَهي الَّتِي تُفْرِزُ العَسَلَ، وهي العَواسِلُ، وهي أصْغَرُ …

69

ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

Then eat from all the fruits and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

عَطْفُ عِبْرَةٍ عَلى عِبْرَةٍ ومِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ، وغَيَّرَ أُسْلُوبَ الِاعْتِبارِ لِما في هَذِهِ العِبْرَةِ مِن تَنْبِيهٍ عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، إذْ أوْدَعَ في خِلْقَةِ الحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ هَذِهِ الصَّنْعَةَ العَظِيمَةَ، وجَعَلَ فِيها هَذِهِ المَنفَعَةَ كَما أوْدَعَ في الأنْعامِ ألْبانَها وأوْدَعَ في ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ شَرابًا، وكانَ ما في بُطُونِ النَّحْلِ وسَطًا بَيْنَ ما في بُطُونِ الأنْعامِ، وما في قَلْبِ الثِّمارِ فَإنَّ النَّحْلَ يَمْتَصُّ ما في الثَّمَراتِ والأنْوارِ مِنَ المَوادِّ السُّكَّرِيَّةِ العَسَلِيَّةِ ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَسَلًا كَما يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِن خُلاصَةِ المَرْعى.

وفِيهِ عِبْرَةٌ أُخْرى، وهي أنْ أوْدَعَ اللَّهُ في ذُبابَةِ النَّحْلِ إدْراكًا لِصُنْعٍ مُحْكَمٍ مَضْبُوطٍ مُنْتِجٍ شَرابًا نافِعًا لا يَحْتاجُ إلى حَلْبِ الحالِبِ.

فافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِفِعْلِ (أوْحى) دُونَ أنْ تُفْتَتَحَ بِاسْمِ الجَلالَةِ مِثْلُ جُمْلَةِ ( واللَّهُ أنْزَلَ، لِما في أوْحى مِنَ الإيماءِ إلى إلْهامِ تِلْكَ الحَشَرَةِ الضَّعِيفَةِ تَدْبِيرًا عَجِيبًا وعَمَلًا مُتْقَنًا وهَنْدَسَةً في الجِبِلَّةِ.

صفحة ٢٠٥

فَكانَ ذَلِكَ الإلْهامُ في ذاتِهِ دَلِيلًا عَلى عَظِيمِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَلى ما بَعْدَهُ مِن دَلالَةٍ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومِنَّةً مِنهُ.

والوَحْيُ: الكَلامُ الخَفِيُّ والإشارَةُ الدّالَّةُ عَلى مَعْنًى كَلامِيٍّ، ومِنهُ سُمِّيَ ما يُلْقِيهِ المَلَكُ إلى الرَّسُولِ وحْيًا؛ لِأنَّهُ خَفِيٌّ عَنْ أسْماعِ النّاسِ.

وأُطْلِقَ الوَحْيُ هُنا عَلى التَّكْوِينِ الخَفِيِّ الَّذِي أوْدَعَهُ اللَّهُ في طَبِيعَةِ النَّحْلِ، بِحَيْثُ تَنْساقُ إلى عَمَلٍ مُنَظَّمٍ مُرَتَّبٍ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ آحادُها، تَشْبِيهًا لِلْإلْهامِ بِكَلامٍ خَفِيٍّ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الشَّبِيهَ بِعَمَلِ المُتَعَلِّمِ بِتَعْلِيمِ المُعَلِّمِ، أوِ المُؤْتَمَرِ بِإرْشادِ الآمِرِ، الَّذِي تَلَقّاهُ سِرًّا، فَإطْلاقُ الوَحْيِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.

والنَّحْلُ: اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، واحِدُهُ نَحْلَةٌ، وهو ذُبابٌ لَهُ جِرْمٌ بِقَدْرِ ضِعْفَيْ جِرْمِ الذُّبابِ المُتَعارَفِ، وأرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ، ولَوْنُ بَطْنِهِ أسْمَرُ إلى الحُمْرَةِ، وفي خُرْطُومِهِ شَوْكَةٌ دَقِيقَةٌ كالشَّوْكَةِ الَّتِي في ثَمَرَةِ التِّينِ البَرْبَرِيِّ (المُسَمّى بِالهِنْدِيِّ) مُخْتَفِيَةٌ تَحْتَ خُرْطُومِهِ يَلْسَعُ بِها ما يَخافُهُ مِنَ الحَيَوانِ، فَتَسُمَّ المَوْضِعَ سُمًّا غَيْرَ قَوِيٍّ، ولَكِنَّ الذُّبابَةَ إذا انْفَصَلَتْ شَوْكَتُها تَمُوتُ، وهو ثَلاثَةُ أصْنافٍ ذَكَرٌ وأُنْثى وخُنْثى، فالذُّكُورُ هي الَّتِي تَحْرُسُ بُيُوتَها، ولِذَلِكَ تَكُونُ مُحَوِّمَةً بِالطَّيَرانِ والدَّوِيِّ أمامَ البَيْتِ، وهي تُلَقِّحُ الإناثَ لَقاحًا بِهِ تَلِدُ الإناثُ إناثًا.

والإناثُ: هي المُسَمّاةُ اليَعاسِيبَ، وهي أضْخَمُ جِرْمًا مِنَ الذُّكُورِ، ولا تَكُونُ الَّتِي تَلِدُ في البُيُوتِ إلّا أُنْثى واحِدَةٌ، وهي قَدْ تَلِدُ بِدُونِ لِقاحِ ذَكَرٍ، ولَكِنَّها في هَذِهِ الحالَةِ لا تَلِدُ إلّا ذُكُورًا فَلَيْسَ في أفْراخِها فائِدَةٌ لِإنْتاجِ الوالِداتِ.

وأمّا الخُنْثى: فَهي الَّتِي تُفْرِزُ العَسَلَ، وهي العَواسِلُ، وهي أصْغَرُ …

70

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ

And Allah created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allah is Knowing and Competent.

صفحة ٢١١

﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ انْتِقالٌ مِن الِاسْتِدْلالِ بِدَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِتَصَرُّفِهِ في الخَلْقِ التَّصَرُّفَ الغالِبَ لَهُمُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ، عَلى انْفِرادِهِ بِرُبُوبِيَّتِهِمْ، وعَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَذْيِيلُها بِجُمْلَةِ (إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) فَهو خَلَقَهم بِدُونِ اخْتِيارٍ مِنهم ثُمَّ يَتَوَفّاهم كَرْهًا عَلَيْهِمْ، أوْ يَرُدُّهم إلى حالَةٍ يَكْرَهُونَها، فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدًّا لِذَلِكَ، ولا خَلاصًا مِنهُ، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مَعْنى العُبُودِيَّةِ بِأوْضَحِ مَظْهَرٍ.

وابْتُدِئَتِ الجُمْلَةُ بِاسْمِ الجَلالَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي شَرَحْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥]، وأمّا إعادَةُ اسْمِ الجَلالَةِ هُنا دُونَ الإضْمارِ؛ فَلِأنَّ مَقامَ الِاسْتِدْلالِ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ اسْمِ المُسْتَدَلِّ بِفَتْحِ الدّالِ عَلى إثْباتِ صِفاتِهِ تَصْرِيحًا واضِحًا.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلِيًّا لِإفادَةِ تَخْصِيصِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في الإثْباتِ، نَحْوَ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [النحل: ٦٥]، فَهَذِهِ عِبْرَةٌ، وهي أيْضًا مِنَّةٌ؛ لِأنَّ الخَلْقَ وهو الإيجادُ نِعْمَةٌ لِشَرَفِ الوُجُودِ والإنْسانِيَّةِ، وفي التَّوَفِّي أيْضًا نِعَمٌ عَلى المُتَوَفِّي؛ لِأنَّ بِهِ تَنْدَفِعُ آلامُ الهَرَمِ، ونِعَمٌ عَلى نَوْعِهِ إذْ بِهِ يَنْتَظِمُ حالُ أفْرادِ النَّوْعِ الباقِينَ بَعْدَ ذَهابِ مَن قَبْلَهم، وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ الغالِبِ فَرْدًا ونَوْعًا، واللَّهُ يَخُصُّ بِنِعْمَتِهِ وبِمِقْدارِها مَن يَشاءُ.

ولَمّا قُوبِلَ (ثُمَّ يَتَوَفّاكم) بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ عُلِمَ أنَّ المَعْنى (ثُمَّ يَتَوَفّاكم) في إبّانِ الوَفاةِ، وهو السِّنُّ المُعْتادَةُ الغالِبَةُ؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلى أرْذَلِ العُمُرِ نادِرٌ.

والأرْذَلُ: تَفْضِيلٌ في الرَّذالَةِ، وهي الرَّداءَةُ في صِفاتِ الِاسْتِياءِ.

صفحة ٢١٢

والعُمُرُ: مُدَّةُ البَقاءِ في الحَياةِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العُمُرِ، وهو شَغْلُ المَكانِ، أيْ عُمُرَ الأرْضِ، قالَ تَعالى ﴿وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها﴾ [الروم: ٩]، فَإضافَةُ (أرْذَلِ) إلى العُمُرِ الَّتِي هي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِالأرْذَلِ حَقِيقَةً هو حالُ الإنْسانِ في عُمُرِهِ لا نَفْسَ العُمُرِ، فَأرْذَلُ العُمُرِ هو حالُ هَرَمِ البَدَنِ، وضَعْفِ العَقْلِ، وهو حالٌ في مُدَّةِ العُمُرِ، وأمّا نَفْسُ مُدَّةِ العُمُرِ فَهي هي، لا تُوصَفُ بِرَذالَةٍ ولا شَرَفٍ.

والهَرَمُ لا يَنْضَبِطُ حُصُولُهُ بِعَدَدٍ مِنَ السِّنِينَ؛ لِأنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأبْدانِ والبُلْدانِ والصِّحَّةِ والِاعْتِلالِ عَلى تَفاوُتِ الأمْزِجَةِ المُعْتَدِلَةِ، وهَذِهِ الرَّذالَةُ رَذالَةٌ في الصِّحَّةِ لا تَعَلُّقَ لَها بِحالَةِ النَّفْسِ، فَهي مِمّا يَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِ والكافِرِ فَتُسَمّى أرْذَلَ العُمُرِ فِيهِما، وقَدِ «اسْتَعاذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أنْ يُرَدَّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ» .

ولامُ التَّعْلِيلِ الدّاخِلَةُ عَلى (كَيْ) المَصْدَرِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الصَّيْرُورَةِ والعاقِبَةِ؛ تَشْبِيهًا لِلصَّيْرُورَةِ بِالعِلَّةِ اسْتِعارَةً تُشِيرُ إلى أنَّهُ لا غايَةَ لِلْمَرْءِ في …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.