Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 61–70 of 128

61

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍۢ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

And if Allah were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon the earth any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿النّاسَ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْحِكْمَةِ؛ وكانَ الظُّلْمُ - الَّذِي هو إيقاعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ - شَدِيدَ المُنافاةِ لَها؛ وكانَ الشِّرْكُ - الَّذِي هَذا سِياقُهُ - أظْلَمَ الظُّلْمِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ الشّامِلِ لِما وقَعَ مِنهم مِنهُ بِالفِعْلِ؛ ولِما هم مُنْطَوُونَ عَلَيْهِ؛ وهو وصْفٌ لَهُمْ؛ ولَمْ يُباشِرُوهُ إلى الآنَ بِالفِعْلِ؛ قالَ -: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أيْ: يُعامِلُهم مُعامَلَةَ النّاظِرِ لِخَصْمِهِ؛ المَعامِلِ لَهُ بِمَحْضِ العَدْلِ؛ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الفَضْلِ؛ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى المُناقَشَةِ أبْلَغُ؛ ﴿ما تَرَكَ﴾؛ ولَمّا اقْتَضى الحالُ ذِكْرَ الظُّلْمِ؛ وكانَ سِياقُ هَذِهِ الآيَةِ أغْلَظَ مِن سِياقِ ”فاطِرٍ“؛ عَبَّرَ بِما يَشْمَلُ كُلَّ مَحْمُولِ الأرْضِ؛ سَواءٌ كانَ عَلى الظَّهْرِ؛ أوْ في البَطْنِ؛ مَغْمُورًا بِالماءِ؛ أوْ لا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿عَلَيْها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ المَعْلُومِ أنَّها مُسْتَقَرُّهُمُ؛ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالتُّرابِ؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن دابَّةٍ﴾؛ أيْ: نَفْسٍ تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّ الكُلَّ إمّا ظالِمٌ يُعاقَبُ بِظُلْمِهِ؛ وإمّا مِن مَصالِحِ الظّالِمِ؛ فَيُهْلِكُهُ عُقُوبَةً لِلظّالِمِ؛ أوْ لِأنَّهُ ما خَلَقَهم إلّا لِلْبَشَرِ؛ فَإذا أهْلَكَهُمْ؛ أهْلَكَهُمْ؛ كَما وقَعَ قَرِيبٌ مِنهُ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لا يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؛ فَهو ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ إمْهالًا بِحِكْمَتِهِ؛ وحِلْمِهِ؛ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ ضَرَبَهُ لَهم في الأزَلِ. ولَمّا قَطَعَ العِلْمَ بِالغايَةِ عَمّا يَكُونُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإعْلامِ بِما يَكُونُ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾؛ الَّذِي حَكَمَ بِأخْذِهِمْ عِنْدَهُ؛ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أيْ: عَنْهُ؛ ﴿ساعَةً﴾؛ أيْ: وقْتًا هو عامُّ التَّعارُفِ بَيْنَكُمْ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ مِن أوَّلِها قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الأجَلِ شَيْئًا.

62

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ

And they attribute to Allah that which they dislike, and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ أمارَةً عَلى كَراهَتِهِمْ لِما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بَعْدَ التَّلْوِيحِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾؛ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ؛ مِنَ البَناتِ؛ والأمْوالِ؛ والشُّرَكاءِ في الرِّئاسَةِ؛ ومِنَ الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِمْ؛ وجُنُودِهِمْ؛ والتَّهاوُنِ بِرِسالاتِهِمْ؛ ثُمَّ وصَفَ جَراءَتَهم مَعَ ذَلِكَ؛ الكائِنَةَ في مَحَلِّ الخَوْفِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِعَدَمِ التَّأمُّلِ اللّازِمِ لِعَدَمِ العَقْلِ؛ فَقالَ: ﴿وتَصِفُ﴾؛ أيْ: تَقُولُ مُعْتَقِدَةً مَعَ القَوْلِ الصَّفاءَ؛ ولَمّا كانَ قَوْلًا لا حَقِيقَةَ لَهُ بِوَجْهٍ؛ أسْنَدَهُ إلى اللِّسانِ؛ فَقالَ: ﴿ألْسِنَتُهُمُ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَيَّلَهُ عاقِلٌ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾؛ أيْ: عِنْدَهُ؛ ولا جَهْلَ أعْظَمُ؛ ولا حُكْمَ أسْوَأُ مِن أنْ تَقْطَعَ بِأنَّ مَن تَجْعَلُ لَهُ ما تَكْرَهُ يَجْعَلُ لَكَ ما تُحِبُّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم عِنْدَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا ظَنَّ؛ ولا تَرَدُّدَ في ﴿أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾؛ الَّتِي هي جَزاءُ الظّالِمِينَ؛ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾؛ أيْ: مُقَدَّمُونَ؛ مُعَجَّلُونَ إلَيْها؛ بِتَقْدِيمِ مَن يَسُوقُهم وإعْجالِهِ لَهُمْ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: مَتْرُوكُونَ فِيها؛ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ”ما أفْرَطْتُ ورائِي أحَدًا“؛ أيْ: ما خَلَّفْتُ؛ ولا تَرَكْتُ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ والكَسْرِ؛ أيْ: مُبالِغُونَ في الإسْرافِ؛ والجَراءَةِ عَلى اللَّهِ.

63

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

By Allah, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is the disbelievers' ally today [as well], and they will have a painful punishment.

ولَمّا بَيَّنَ مَآلَهُمْ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ لَهم مَن يُشَفَّعُ فِيهِمْ؛ بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ مِن حالِهِمْ؛ بِالقِياسِ عَلى أشْكالِهِمْ؛ تَهْدِيدًا؛ وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ رُسُلًا مِنَ الماضِينَ؛ ﴿إلى أُمَمٍ﴾؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ كَما أرْسَلْناكَ إلى هَؤُلاءِ؛ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقُ بِالغَضَبِ؛ المَطْرُودُ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿أعْمالَهُمْ﴾؛ كَما زَيَّنَ لِهَؤُلاءِ؛ فَضَلُّوا كَما ضَلُّوا؛ فَأهْلَكْناهُمْ؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾؛ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ في النّارِ؛ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى نَصْرِهِمْ؛ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ فَلا ولِيَّ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى نَصْرِهِمْ لَما أسْلَمَهم لِلْهَلاكِ؛ وقَدْ أطاعُوهُ؛ بَلْ لَوْ عُدِمُوا وِلايَتَهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى لَهُمْ؛ فَهو نَفْيٌ لَأنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ؛ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.

64

وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۙ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We have not revealed to you the Book, [O Muhammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

ولَمّا كانَ حاصِلُ ما مَضى الخِلافَ؛ والضَّلالَ؛ والنِّقْمَةَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيِّنْ لَهُمْ؛ وخَوِّفْهُمْ؛ لِيَرْجِعُوا؛ فَإنّا ما أرْسَلْناكَ إلّا لِذَلِكَ؛ ﴿وما أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِن جِهَةِ العُلُوِّ؛ ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ هُدًى؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ الدُّعاءِ؛ والبَيانِ؛ عَبَّرَ بِما يَقْتَضِي الإيجابَ؛ فَقالَ: ﴿إلا لِتُبَيِّنَ﴾؛ أيْ: غايَةَ البَيانِ؛ ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لِمَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ؛ وهُمُ الخَلْقُ كافَّةً؛ ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ مِن جَمِيعِ الأُمُورِ؛ دِينًا ودُنْيا؛ لِكَوْنِكَ أغْزَرَهم عِلْمًا؛ وأثْقَبَهم فَهْمًا؛ وعَطَفَ عَلى مَوْضِعِ ”لِتُبَيِّنَ“؛ ما هو فِعْلُ المُنْزِلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وهُدًى﴾؛ أيْ: بَيانًا شافِيًا؛ ﴿ورَحْمَةً﴾؛ أيْ: وإكْرامًا بِمَحَبَّةٍ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما شَمِلَهُمْ؛ وهم عَلى ضَلالِهِمْ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ والتَّبْيِينُ: مَعْنًى يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِالشَّيْءِ؛ مُنْفَصِلًا عَنْ غَيْرِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ عَنِ المَعْنى نَفْسِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ عَنْ صِحَّتِهِ؛ والبُرْهانُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ صِحَّتِهِ؛ فَهو أخَصُّ؛ والِاخْتِلافُ: ذَهابُ كُلٍّ إلى غَيْرِ جِهَةِ صاحِبِهِ؛ والهُدى: بَيانُ طَرِيقِ العِلْمِ المُؤَدِّي إلى الحَقِّ.

65

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

And Allah has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

ولَمّا انْقَضى الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قُلُوبَهم مُنْكِرَةٌ اسْتِكْبارًا؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وخَتَمَهُ بِما أحْيا بِهِ القُلُوبَ بِالإيمانِ؛ والعِلْمِ؛ بَعْدَ مَوْتِها بِالكُفْرِ؛ والجَهْلِ؛ وكانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ القُرْآنِ تَقْرِيرَ أُصُولٍ أرْبَعَةٍ: الإلَهِيّاتِ؛ والنُّبُوّاتِ؛ والمَعادِ؛ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وكانَ أجَلُّ هَذِهِ المَقاصِدِ الإلَهِيّاتِ؛ شَرَعَ في أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والقُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ عَلى وجْهٍ غَيْرِ المُتَقَدِّمِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ أدِلَّةَ ذَلِكَ أكْثَرُ مِن أوْراقِ الأشْجارِ؛ وأجْلى مِن ضِياءِ النَّهارِ؛ فَعَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩]؛ قَوْلَهُ - جامِعًا في الدَّلِيلِ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ؛ والعالَمِ السُّفْلِيِّ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ؛ ﴿ماءً﴾؛ بِالمَطَرِ؛ والثَّلْجِ؛ والبَرَدِ؛ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾؛ الغَبْراءَ؛ ولَمّا كانَتْ عادَتُهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرَّةً؛ وكانَ السِّياقُ لِإثْباتِ دَعائِمِ الدِّينِ؛ وكانَ الإحْياءُ بِالماءِ لا يَزالُ أثَرُهُ قائِمًا في زَرْعٍ؛ أوْ شَجَرٍ؛ في بَعْضِ الأراضِي؛ أعْرى الظَّرْفَ مِنَ الجارِّ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ أبْلَغُ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ بِاليُبُوسَةِ؛ والجُدْبِ؛ وتَفَتُّتِ النَّباتِ أصْلًا؛ ورَأْسًا.

ولَمّا كانَ ما أقامَهُ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأدِلَّةِ قَدْ صارَ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ مَعَهُ السّامِعُ العاقِلُ إلى أكْثَرَ مِنَ السَّماعِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ الماءِ المُؤَثِّرِ؛ بِتَدْبِيرِهِ؛ هَذا الأثَرَ العَظِيمَ؛ ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ هَذا التَّنْبِيهُ في هَذا الأُسْلُوبِ المُتَضَمِّنِ لِما مَضى مِنَ التَّشْبِيهِ؛ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ يُنَزِّلُ مِن أمْرِهِ ما يُرِيدُهُ؛ فَيُحْيِي بِهِ أجْسادَ العِبادِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ كَما أحْيا أجْسادَ النَّباتِ بِالماءِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ وأرْواحَ الأشْباحِ بِالعِلْمِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ لا تَحْتاجُ مَعَ الحِسِّ إلى كَبِيرِ عَمَلٍ بِالقَلْبِ؛ غَيْرِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ؛ وتَرْكِ العِنادِ والجَهْلِ؛ فَهو مِن سَماعِ الأُذُنِ؛ وما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الإجابَةِ؛ اسْتِعْمالًا لِلشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ؛ ولَعَلَّهُ لَمْ يَخْتِمْها بِـ ”يُبْصِرُونَ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ البَصِيرَةِ؛ فَيُظَنَّ أنَّهُ يَحْتاجُ فِيها إلى كَبِيرِ فِكْرٍ؛ فَيَفُوتَ ما أُرِيدَ مِنَ الإشارَةِ إلى شِدَّةِ الوُضُوحِ.

66

وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّٰرِبِينَ

And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَذا الأمْرَ العامَّ؛ ونَبَّهَ عَلى ما فِيهِ مِن غَرِيبِ الصُّنْعِ؛ الَّذِي غُفِلَ عَنْهُ لِشِدَّةِ الإلْفِ بِهِ؛ أتْبَعَهُ بَعْضَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِن تَفاصِيلِ الأُمُورِ؛ المُحْتَوِيَةِ عَلى عَجائِبِ المَقْدُورِ؛ وبَدَأ بِأعَمِّها؛ وأشَدِّها مُلابَسَةً لَهُمْ؛ وأكْثَرِها في نَفْسِهِ؛ وأعْظَمِها مَنفَعَةً ودَخَلًا في قِوامِ عَيْشِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُخاطَبُونَ المَغْمُورُونَ في النِّعَمِ؛ ﴿فِي الأنْعامِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الأدِلَّةُ يُعْبَرُ بِها مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ؛ قالَ: ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما هِيَ؟ فَقِيلَ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ بِضَمِّ النُّونِ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ مِن ”أسْقاهُ“؛ إذا أعَدَّ لَهُ ما يَشْرَبُهُ دائِمًا؛ مِن نَهْرٍ؛ أوْ لَبَنٍ؛ وغَيْرِهِما؛ وبِالفَتْحِ؛ في قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ في رِوايَةِ شُعْبَةَ: مِن ”سَقاهُ“؛ إذا ناوَلَهُ شَيْئًا فَشَرِبَهُ.

ولَمّا كانَ ”الأنْعامُ“؛ اسْمَ جَمْعٍ؛ فَكانَ مُفْرَدًا؛ كَما نَقَلَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ؛ وذَكَرَ المَسْقِيَّ؛ وهو اللَّبَنُ؛ لِما اقْتَضاهُ سِياقُ السُّورَةِ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ؛ فَتَعَيَّنَتْ إرادَةُ الإناثِ لِذَلِكَ؛ فانْتَفى الِالتِباسُ مَعَ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِمّا﴾؛ أيْ: مِن بَعْضِ الَّذِي؛ ﴿فِي بُطُونِهِ﴾؛ فَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِأمْنِ اللَّبْسِ؛ والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ المَعْنى؛ لِكَوْنِها سُورَةُ النِّعَمِ؛ بِخِلافِ ما في ”المُؤْمِنُونَ“.

ولَمّا كانَ مَوْضِعُ العِبْرَةِ تَخْلِيصُ اللَّبَنِ مِن غَيْرِهِ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾؛ وهو الثُّفْلُ الَّذِي يَنْزِلُ إلى الكِرْشِ؛ فَإذا خَرَجَ مِنهُ لَمْ يُسَمَّ فَرْثًا؛ ﴿ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾؛ مِن مُخالِطٍ مِنهُما؛ أوْ مِن غَيْرِهِما؛ يَبْغِي عَلَيْهِ بِلَوْنٍ أوْ رائِحَةٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إذا أكَلَتِ البَهِيمَةُ العَلَفَ؛ واسْتَقَرَّ في كِرْشِها؛ طَبَخَتْهُ؛ فَكانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا؛ وأوْسَطُهُ لَبَنًا؛ وأعْلاهُ دَمًا؛ والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تُقَسِّمُها؛ فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ؛ واللَّبَنُ في الضَّرْعِ؛ ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ؛ ﴿سائِغًا﴾؛ أيْ: سَهْلَ المُرُورِ في الحَلْقِ؛ ﴿لِلشّارِبِينَ﴾؛

67

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision. Indeed in that is a sign for a people who reason.

ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أنْفَسُ مِنهُ عِنْدَهُمْ؛ وأقْرَبُ إلَيْهِ في المَعانِي المَذْكُورَةِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَلِّقًا بِـ ”نُسْقِيكُمْ“ -:﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾؛ ولَمّا كانَ لَهم مُدْخَلٌ في اتِّخاذٍ ما ذُكِرَ مِنهُ؛ بِخِلافِ اللَّبَنِ الَّذِي لا صُنْعَ لَهم بِهِ أصْلًا؛ أسْنَدَ الأمْرَ إلَيْهِمْ؛ ولِيَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى كَراهَةِ السُّكْرِ؛ وتَوْطِئَةً لِلنَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾؛ أيْ: بِاصْطِناعٍ مِنكُمْ؛ وعِلاجٍ؛ ولِأجْلِ اسْتِئْنافِ هَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ لا بُدَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: مِن مائِهِ؛ وعَبَّرَ عَنِ السُّكْرِ بِالمَصْدَرِ؛ إبْلاغًا في تَقْبِيحِهِ؛ وزادَ في الإبْلاغِ بِالتَّعْبِيرِ بِأثْقَلِ المَصْدَرَيْنِ؛ وهو المُحَرَّكُ؛ يُقالُ: ”سَكَرَ سُكْرًا؛ وسَكَرًا“؛ مِثْلَ ”رَشَدَ رُشْدًا؛ ورَشَدًا“؛ و”نَحَلَ نَحْلًا؛ ونَحَلًا“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿سَكَرًا﴾؛ أيْ: ذا سُكْرٍ؛ مُنَشِّيًا؛ مُطْرِبًا؛ سادًّا لِمَجارِي العَقْلِ؛ قَبِيحًا؛ غَيْرَ مُسْتَحْسَنٍ لِلرِّزْقِ؛ ﴿ورِزْقًا حَسَنًا﴾؛ لا يَنْشَأُ عَنْهُ ضَرَرٌ في بَدَنٍ؛ ولا عَقْلٍ؛ مِنَ الخَلِّ؛ والدِّبْسِ؛ وغَيْرِهِما؛ ولا يَسُدُّ شَيْئًا مِنَ المَجارِي؛ بَلْ رُبَّما فَتَحَها؛ كالحَلالِ الطَّيِّبِ؛ فَإنَّهُ يُنِيرُ القَلْبَ؛ ويُوَسِّعُ العَقْلَ؛ والأدْهانُ كُلُّها تَفْتَحُ سَدَدَ البَدَنِ؛ وهَذا كَما مَنَحَكم - سُبْحانَهُ - العَقْلَ الَّذِي لا أحْسَنَ مِنهُ؛ فاسْتَعْمَلَهُ قَوْمٌ عَلى صَوابِهِ في الوَحْدانِيَّةِ؛ وعَكَسَ آخَرُونَ فَدَنَّسُوهُ بِالإشْراكِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: قِيلَ: ”السَّكَرُ“: ما حُرِّمَ مِنَ الشَّرابِ؛ و”الرِّزْقُ الحَسَنُ“: ما أُحِلَّ مِنهُ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وأبِي رَزِينٍ؛ والحَسَنِ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ و”السَّكَرُ“؛ في اللُّغَةِ؛ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: ما أسْكَرَ؛ الثّانِي: ما أُطْعِمَ مِنَ الطَّعامِ؛ الثّالِثُ: السُّكُونُ؛ الرّابِعُ: المَصْدَرُ مِنَ السُّكْرِ؛ وأصْلُهُ انْسِدادُ المَجارِي مِمّا يُلْقى فِيها؛ ومِنهُ ”السِّكْرُ“؛ يَعْنِي بِكَسْرٍ؛ ثُمَّ سُكُونٍ؛ ومَن حَمَلَ السَّكَرَ عَلى السُّكْرِ؛ قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”المائِدَةِ“؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما يُفْهِمُ سَدَّ المَجارِي يُفْهِمُ كَراهَتَهُ عِنْدَما كانَ حَلالًا؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرَ السَّكَرِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الفَتْحِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الحَسَنِ دالٌّ عَلى القَبِيحِ أوَّلًا؛ فالآيَةُ أدَلُّ ما في القُرْآنِ عَلى المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الرِّزْقَ يُطْلَقُ عَلى الحَرامِ؛ ولِتَقارُبِ آيَتَيِ الأنْعامِ؛ والأشْجارِ جَمَعَهُما - سُبْحانَهُ - فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن هَذِهِ المَنافِعِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ ولِوُضُوحِ أمْرِهِما في كَمالِ قُدْرَةِ الخالِقِ؛ ووَحْدانِيَّتِهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

68

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًۭا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ

And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses, and among the trees and [in] that which they construct.

ولَمّا كانَ أمْرُ النِّحَلِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ الحِكْمَةِ؛ أعْجَبَ مِمّا تَقَدَّمَ وأنْفَسَ؛ ثَلَّثَ بِهِ؛ وأخَّرَهُ؛ لِأنَّهُ أقَلُّ الثَّلاثَةِ عِنْدَهُمْ؛ وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ؛ وجَعَلَهُ مِن وحْيِهِ؛ إيماءً إلى ما فِيهِ مِن غَرِيبِ الأمْرِ؛ وبَدِيعِ الشَّأْنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأوْحى رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ بِجَعْلِ العَسَلِ في مَفاوِزِ البَرارِي المُقْفِرَةِ؛ المُفْرِطَةِ المَرارَةِ؛ وغَيْرِها مِنَ الأماكِنِ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ؛ الدّالِّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وتَمامِ الِاقْتِدارِ؛ ﴿إلى النَّحْلِ﴾؛ أيْ: بِالإلْهامِ؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في ”اللَّوامِعُ“: فاللَّهُ (تَعالى) أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى؛ فَبَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ المُجَرَّدِ؛ كالجَماداتِ؛ وبَعْضُها بِالإلْهامِ؛ والتَّسْخِيرِ؛ كالنَّحْلِ؛ والسُّرْفَةِ -؛ أيْ: بِضَمٍّ وسُكُونٍ؛ وهي دُوَيْبَةٌ تَتَّخِذُ بَيْتًا مِن دِقاقِ العِيدانِ؛ فَتَدْخُلُهُ؛ وتَمُوتُ - والعَنْكَبُوتِ؛ وبَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ؛ والإلْهامِ؛ والعَقْلِ المُتَّفِقِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ؛ كالمَلائِكَةِ؛ وبَعْضُها بِكُلِّ ذَلِكَ؛ والفِكْرِ؛ والتَّمْيِيزِ؛ والأعْمالِ المُخْتَلِفَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الفِكْرِ؛ كالإنْسانِ.

ولَمّا كانَ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ؛ أتى بِـ ”أنْ“؛ المُفَسِّرَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾؛ أيْ: افْعَلِي ما يَفْعَلُهُ المُتَكَلِّفُ؛ مِن أنْ يَأْخُذَ ﴿مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾؛ أيَّ بُيُوتٍ! ما أعْجَبَها! ﴿ومِنَ الشَّجَرِ﴾؛ أيْ: الصّالِحَةِ لِذَلِكَ؛ في الغِياضِ؛ والجِبالِ؛ والصَّحارِي؛ ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾؛ أيْ: يَرْفَعُ النّاسُ مِنَ السُّقُوفِ؛ والجُدْرانِ؛ وغَيْرِها؛ وبَدَأ بِالبُيُوتِ لِأنَّها مِن عَجَبِ الدَّهْرِ في حُسْنِ الصَّنْعَةِ؛ وبَداعَةِ الشَّكْلِ؛ وبَراعَةِ الإحْكامِ؛ وتَمامِ التَّناسُبِ.

69

ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًۭا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌۭ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

Then eat from all the fruits and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

ولَمّا كانَ أهَمُّ شَيْءٍ لِلْحَيَوانِ؛ بَعْدَ الرّاحَةِ مِن هَمِّ المَقِيلِ؛ الأكْلَ؛ ثَنّى بِهِ؛ ولَمّا كانَ عامًّا في كُلِّ ثَمَرٍ؛ ذَكَرَهُ بِحَرْفِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى عَجِيبِ الصُّنْعِ في ذَلِكَ؛ وتَيْسِيرِهِ لَها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ كُلِي﴾؛ وأشارَ إلى كَثْرَةِ الرِّزْقِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ قالُوا: مِن أجْزاءٍ لَطِيفَةٍ تَقَعُ عَلى أوْراقِ الأشْجارِ مِنَ الظِّلِّ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: مِن نَفْسِ الأزْهارِ والأوْراقِ.

ولَمّا أذِنَ لَها في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ عادَةً أنَّ تَعاطِيَهُ لا يَكُونُ إلّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ في مُعاناةِ السَّيْرِ إلَيْهِ؛ نَبَّهَ عَلى خَرْقِهِ لِلْعادَةِ في تَيْسِيرِهِ لَها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فاسْلُكِي﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ الإذْنِ في الأكْلِ الإذْنُ في السَّيْرِ إلَيْهِ؛ ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكِ بِهَذِهِ التَّرْبِيَةِ العَظِيمَةِ؛ لِأجْلِ الأكْلِ؛ ذاهِبَةً إلَيْهِ وراجِعَةً إلى بُيُوتِكِ؛ حالَ كَوْنِ السُّبُلِ ﴿ذُلُلا﴾؛ أيْ: مُوَطَّأةً لِلسُّلُوكِ؛ مُسَهَّلَةً؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ [الملك: ١٥]؛ وأشارَ بِاسْمِ الرَّبِّ إلى أنَّهُ لَوْلا عَظِيمُ إحْسانِهِ في تَرْبِيَتِها لَما اهْتَدَتْ إلى ذَلِكَ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ نَتِيجَةَ ذَلِكَ؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا يَكُونُ عَنْ هَذا كُلِّهِ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾؛ بِلَفْتِ الكَلامِ؛ لِعَدَمِ قَصْدِها إلى هَذِهِ النَّتِيجَةِ؛ ﴿شَرابٌ﴾؛ أيُّ شَرابٍ! وهو العَسَلُ؛ لِأنَّهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مِن أجَلِّ المَآكِلِ؛ هو مِمّا يُشْرَبُ؛ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ مِن أبْيَضَ؛ وأحْمَرَ؛ وأصْفَرَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ اخْتِلافًا دالًّا عَلى أنَّ فاعِلَهُ - مَعَ تَمامِ قُدْرَتِهِ - مُخْتارٌ؛ ثُمَّ أوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الثِّمارِ النّافِعَةِ؛ والضّارَّةِ؛ ﴿شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾؛ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ؛ في ”اللَّوامِعُ“: إذِ المَعْجُوناتُ كُلُّها بِالعَسَلِ؛ وقالَ إمامُ الأوْلِياءِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّها ذَلَّتْ لِلَّهِ؛ مُطِيعَةً؛ وأكَلَتْ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ: حُلْوِها؛ ومُرِّها؛ مَحْبُوبِها؛ ومَكْرُوهِها؛ تارِكَةً لِشَهَواتِها؛ فَلَمّا ذَلَّتْ لِأمْرِ اللَّهِ؛ صارَ هَذا الأكْلُ لِلَّهِ؛ فَصارَ ذَلِكَ شِفاءً لِلْأسْقامِ؛ فَكَذَلِكَ إذا ذَلَّ العَبْدُ لِلَّهِ مُطِيعًا؛ وتَرَكَ هَواهُ؛ صارَ كَلامُهُ شِفاءً لِلْقُلُوبِ السَّقِيمَةِ؛ انْتَهى.

وكَوْنُهُ شِفاءً - مَعَ ما ذُكِرَ - أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ مِنَ اخْتِلافِ الألْوانِ؛ لا جَرَمَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن أمْرِها كُلِّهِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ وكَما أشارَ في ابْتِداءِ الآيَةِ إلى غَرِيبِ الصُّنْعِ في أمْرِها؛ أشارَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ في الخَتْمِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: في اخْتِصاصِ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ؛ واللَّطائِفِ الخَفِيَّةِ بِالبُيُوتِ المُسَدَّسَةِ؛ والِاهْتِداءِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ مِن أطْرافِ الأشْجارِ؛ والأوْراقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الغَرائِبِ؛ حَيْثُ ناطَهُ بِالفِكْرِ المُبالَغِ فِيهِ مِنَ الأقْوِياءِ؛ تَأْكِيدًا لِفَخامَتِهِ؛ وتَعْظِيمًا لِدِقَّتِهِ؛ وغَرابَتِهِ في دَلالَتِهِ عَلى تَمامِ العِلْمِ؛ وكَمالِ القُدْرَةِ؛ وقَدْ كَثُرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إضافَةُ الآياتِ إلى المُخاطَبِينَ؛ تارَةً بِالإفْرادِ؛ وتارَةً بِالجَمْعِ؛ ونَوْطُها تارَةً بِالعَقْلِ؛ وتارَةً بِالفِكْرِ؛ وتارَةً …

70

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ

And Allah created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allah is Knowing and Competent.

ولَمّا أيْقَظَهم مِن رَقْدَتِهِمْ؛ ونَبَّهَهم عَلى عَظِيمِ غَفْلَتِهِمْ؛ عَنْ عُمُومِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ المُقْتَضِي لِلْفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ المُحَقِّقِ لِلْبَعْثِ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُهُ - سُبْحانَهُ - بِبَعْضِ آياتِهِ المَبْثُوثَةِ في الآفاقِ؛ مِن جَمادٍ؛ ثُمَّ حَيَوانٍ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِما هو شِفاءٌ؛ ثَنّى بِبَعْضِ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ؛ مُذَكِّرًا بِمَراتِبِ عُمْرِ الإنْسانِ الأرْبَعِ؛ وهي سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ والنُّمُوِّ؛ ثُمَّ سِنُّ الشَّبابِ؛ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ انْتِهائِهِ الوُقُوفُ؛ ثُمَّ سِنُّ الكُهُولَةِ؛ وفِيهِ يَكُونُ الِانْحِطاطُ؛ مَعَ بَقاءِ القُوَّةِ؛ ثُمَّ سِنُّ الِانْحِطاطِ مَعَ ظُهُورِ الضَّعْفِ؛ وهو الشَّيْخُوخَةُ؛ مُضَمَّنًا ما لا يُغْنِي عَنْهُ دَواءٌ؛ حَثًّا عَلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ؛ والتَّعَقُّلِ لَها قَبْلَ حُلُولِ ذَلِكَ الحادِثِ؛ فَيَفُوتَ الفَوْتُ؛ ويَنْدَمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ فَجَعَلَكم بَعْدَ العَدَمِ أحْياءً؛ فُهَّمًا؛ خِصَّمًا؛ ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾؛ عَلى اخْتِلافِ الأسْنانِ؛ فَلا يَقْدِرُ الصَّغِيرُ عَلى أنْ يُؤَخِّرَ؛ ولا الكَبِيرُ عَلى أنْ يُقَدِّمَ؛ فَمِنكم مَن يَمُوتُ حالَ قُوَّتِهِ؛﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ﴾؛ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ مِنّا؛ لا يَقْدِرُ عَلى مُخالَفَتِهِ بِوَجْهٍ؛ ﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾؛ لِأنَّهُ يَهْرَمُ؛ فَيَصِيرُ إلى مِثْلِ حالِ الطُّفُولِيَّةِ فِي الضَّعْفِ؛ مَعَ اسْتِقْذارِ غَيْرِهِ لَهُ؛ ولا يُرْجى بَعْدَهُ؛ ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ﴾؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الدَّلالَةَ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ وكانَ السِّياقُ هُنا لِذَلِكَ أيْضًا؛ بِدَلِيلِ خَتْمِ الآيَةِ؛ نَزَعَ الخافِضَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِغْراقِ الجَهْلِ لِزَمَنِ ما بَعْدَ العِلْمِ؛ فَيَتَّصِلُ بِالمَوْتِ؛ ولا يَنْفَعُ فِيهِ دَواءٌ؛ ولا تُجْدِي مَعَهُ حِيلَةٌ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾؛ لا يُوجَدُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عِنْدَ إحْلالِهِ شِفاءٌ؛ ولا يَمْنَعُهُ دَواءٌ: فَبادِرُوا إلى التَّفَكُّرِ؛ والِاعْتِبارِ؛ قَبْلَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ شامِلُ القُدْرَةِ؛ فَمَهْما أرادَ؛ كانَ؛ ومَهْما أرادَ غَيْرُهُ ولَمْ يُرِدْهُ هُوَ؛ أحاطَ بِهِ عِلْمُهُ؛ فَسَبَّبَ لَهُ بِقُدْرَتِهِ ما يَمْنَعُهُ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.