Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 51–60 of 128

51

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

And Allah has said, "Do not take for yourselves two deities. He is but one God, so fear only Me."

ولَمّا كانَ التَّوْحِيدُ أعْظَمَ المَأْمُوراتِ؛ وكانَ العِصْيانُ فِيهِ أعْظَمَ العِصْيانِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أكْثَرَ التَّخْوِيفَ مِن عِصْيانِهِ؛ أبْلَغَ الأمْرَ إلى نِهايَتِهِ؛ بِالإخْبارِ بِأنَّ المَلائِكَةَ تَخافُهُ؛ وكانَ المَلائِكَةُ مِن أعْظَمِ المُوَحِّدِينَ؛ كَما كانُوا مِن أعْظَمِ السّاجِدِينَ؛ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِينَ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن أعْظَمِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ؛ أتْبَعَها - عَطْفًا عَلى ”وأنْزَلَ إلَيْكَ الذِّكْرَ“؛ لِيَتَضافَرَ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةُ العَقْلِ؛ والنَّقْلِ؛ وتَسْلِيكًا بِأحْوالِ المَلائِكَةِ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وقالَ اللَّهُ﴾؛ فَعَبَّرَ لِأجْلِ تَعْظِيمِ المَقامِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الخاصِّ؛ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: لا تُكَلِّفُوا فِطَرَكُمُ الأُولى السَّلِيمَةَ المَجْبُولَةَ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ؛ إلى أنْ تَأْخُذَ في اعْتِقادِها ﴿إلَهَيْنِ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما عُلِمَ مِنَ المُقَدِّماتِ المَذْكُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]؛ مِنَ النَّتِيجَةِ؛ وهِيَ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَقُولَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْنا بِذَلِكَ؛ وإنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ؛ ويَجُوزُ - وهو أقْرَبُ - أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [النحل: ٣٥]؛ تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ بِأنَّهُمُ احْتَجُّوا بِحُكْمِهِ؛ ولَمْ يُبادِرُوا إلى امْتِثالِ أمْرِهِ.

ولَمّا كانَ قَدْ فُهِمَ المُرادُ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ وكانَ رُبَّما قالَ المُتَعَنِّتُ: إنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ تَكْثِيرُ الأسْماءِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ ومُحَقِّقًا -: ﴿اثْنَيْنِ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُلُوهِيَّةَ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ لِإمْكانِ التَّنازُعِ المَلْزُومِ لِلْعَجْزِ؛ المُنافِي لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ؛ مُطْلَقُ العَدَدِ يُنافِي المَنِيفَةَ الشَّمّاءَ؛ وفي ذَلِكَ أيْضًا - مَعَ كَوْنِ مَعْبُوداتِهِمْ كانَتْ كَثِيرَةً - إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُسَمّى آلِهَةً - وإنْ زادَ عَدَدُهُ - يَرْجِعُ بِالحَقِيقَةِ إلى اثْنَيْنِ: خالِقٍ ومَخْلُوقٍ؛ ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ المَخْلُوقَ غَيْرُ صالِحٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ؛ فانْحَصَرَ الأمْرُ في الخالِقِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الخالِقُ كانَ مُنْقَسِمًا؛ لا مَحالَةَ؛ وأقَلُّ ما يَنْقَسِمُ إلى اثْنَيْنِ؛ وبابُ الِاتِّخاذِ إذا كانَ مَفْعُولُهُ نَكِرَةً؛ اكْتُفِيَ بِواحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: ”اتَّخَذْتُ بَيْتًا“؛ و”اتَّخَذْتُ زَوْجَةً“؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ النَّهْيَ بِما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما هُوَ﴾؛ أيْ: الإلَهُ المَفْهُومُ مِن لَفْظِ ”إلَهَيْنِ“؛ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ هَذا الضَّمِيرُ إلّا مَجازًا؛ لِأنَّهُ لا يُطْلَقُ إطْلاقًا حَقِيقِيًّا إلّا عَلى ما وجَدُوهُ مِن ذاتِهِ؛ ﴿إلَهٌ﴾؛ أيْ: يَسْتَحِقُّ هَذا الوَصْفَ عَلى الإطْلاقِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ مُفْهِمًا لِلْوَحْدانِيَّةِ؛ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّثْنِيَةِ؛ وكانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ بِأنَّ المُرادَ إثْباتُ الإلَهِ؛ الدّالُّ عَلى الجِنْسِ؛ قالَ - رافِعًا لِكُلِّ شُبْهَةٍ -: ﴿واحِدٌ﴾؛ أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُثَنّى بِوَجْهٍ؛ ولا أنْ يُجَزَّأ؛ لِغِناهُ المُطْلَقِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ واحْتِياجِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ؛ فَكُونُوا مِمَّنْ يَسْجُدُ لَهُ طَوْعًا؛ ولا تَكُونُوا مِمَّنْ لا يَسْجُدُ لَهُ إلّا كَرْهًا.

ولَمّا كانَ أُسْلُوبُ الغَيْبَةِ لا يُعَيِّنُ الإلَهَ في المُتَكَلِّمِ؛ التَفَتَ إلى …

52

وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allah that you fear?

ولَمّا كانَ أُسْلُوبُ الغَيْبَةِ مِنَ الحاضِرِ دالًّا عَلى التَّرَدِّي بِحِجابِ الكِبَرِ؛ المُؤْذِنِ بِشِدَّةِ البَطْشِ؛ وسُرْعَةِ الِانْتِقامِ؛ وبُعْدِ المَقامِ؛ رَجَعَ إلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَهُ﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى اللَّهِ؛ الِاسْمِ العَلَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ قَدْ تَأكَّدَ وتَأطَّدَ؛ وظَهَرَ المُرادُ مِنهُ غايَةَ الظُّهُورِ؛ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدِهِ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: مِمّا تَعْبُدُونَهُ؛ وغَيْرِهِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلَهًا؛ وهو مِلْكُهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى الزَّمانِ؛ والمَكانِ؛ وغَيْرِهِما؛ ﴿ولَهُ الدِّينُ﴾؛ أيْ: الخُضُوعُ؛ والتَّذَلُّلُ مِن كُلِّ ما فِيهِما؛ ومَن فِيهِما؛ بِالطَّوْعِ؛ والكَرْهِ؛ بِإنْفاذِ القَضاءِ والقَدَرِ؛ بِالصِّحَّةِ؛ والسُّقْمِ؛ والغِنى؛ والفَقْرِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ والإذْلالِ؛ والإعْزازِ؛ والإقْبالِ؛ والإعْراضِ - كَما بَيَّنَ آنِفًا -؛ ولَهُ الدَّيْنُونَةُ بِالمُجازاةِ؛ ﴿واصِبًا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ ثابِتًا؛ عامًّا؛ لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ تَنْقَطِعُ مَمالِكُهم مَعَ خُصُوصِها؛ والمَعْبُوداتِ الَّتِي تَنْقَطِعُ عِبادَتُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ فَتَصِيرُ كاسِدَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ رابِحَةً؛ وإنْ طالَ المَدى؛ مَعَ خُصُوصِها بِناسٍ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ ولا يَخْلُو يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ لِمَلِكٍ غَيْرِهِ مِن جَرْيِ أُمُورٍ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ؛ وإنْ عَظُمَ سُلْطانُهُ؛ وعَلا شَأْنُهُ؛ وكَثُرَتْ أعْوانُهُ؛ فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ مَن لَهُ أدْنى بَصَرٍ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إلَهًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ فِي: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]؛ في ”هُودٍ“؛ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.

ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا الدَّلِيلُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ وكانَ مِن مَفْهُوماتِ الدِّينِ الجَزاءُ؛ النّاظِرُ إلى الأفْعالِ الواقِيَةِ مِمّا يَضُرُّ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ الشَّدِيدَ عَلى مَن يَلْتَفِتُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إلى غَيْرِهِ؛ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ دائِمٌ لا يَزُولُ؛ وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ زائِلٌ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالتَّقْوى؛ الَّتِي هي نَتِيجَةُ الرَّهْبَةِ -: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿تَتَّقُونَ﴾؛

53

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ

And whatever you have of favor - it is from Allah. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.

وأتْبَعَ ذَلِكَ ما يُوجِبُ تَعْظِيمَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعَلَّقَ خَوْفٌ؛ ولا رَجاءٌ؛ إلّا بِهِ -: ﴿وما بِكُمْ﴾؛ أيْ: التَبَسَ بِكم أيُّها النّاسُ عامَّةً؛ مُؤْمِنِكُمْ؛ وكافِرِكُمْ؛ ﴿مِن نِعْمَةٍ﴾؛ أيْ: جَلِيلَةٍ؛ أوْ حَقِيرَةٍ؛ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وحْدَهُ؛ لا مِن غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ إخْلاصُهم لَهُ - مَعَ ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ غَيْرِهِ - أمْرًا مُسْتَبْعَدًا؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ والبُعْدِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ﴾؛ أيْ: أدْنى مَسٍّ؛ ﴿الضُّرُّ﴾؛ بِزَوالِ نِعْمَةٍ مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ؛ ﴿فَإلَيْهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿تَجْأرُونَ﴾؛ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِعانَةِ؛ لِما رَكَزَ في فِطَرِكُمُ الأوَّلِيَّةِ السَّلِيمَةِ مِن أنَّهُ لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنهُ إلّا إلَيْهِ.

54

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ

Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord

ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ إلى الإشْراكِ بَعْدَ الإخْلاصِ مُسْتَبْعَدًا أيْضًا؛ لِاسْتِهْجانِهِمْ سُرْعَةَ الِاسْتِحالَةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ﴾؛ سُبْحانَهُ عَمّا تُشْرِكُونَ؛ ﴿الضُّرَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي مَسَّكُمْ؛ ﴿عَنْكُمْ﴾؛ ونَبَّهَ عَلى مُسارَعَةِ الإنْسانِ في الكُفْرانِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إذا فَرِيقٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ هم أهْلُ فُرْقَةٍ وضَلالٍ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيُّها العِبادُ؛ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾؛ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿يُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الإشْراكَ بِهِ؛ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ؛ تَغَيُّرًا مِنهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِغاثَةِ بِهِ في الشِّدَّةِ؛ فَكانَ مُنْطَبِقًا عَلَيْهِمْ ما ضَرَبُوا المَثَلَ بِكَراهَتِهِ بِقَوْلِهِمْ:

؎وإذا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعى لَها ∗∗∗ وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعى جُنْدُبُ

وهَذا أجْهَلُ الجَهْلِ.

55

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.

ولَمّا كانَ هَذا مَلْزُومًا بِجَحْدِ النِّعْمَةِ؛ وكانَ مِن شَأْنِ العاقِلِ البَصِيرِ بِالأُمُورِ - كَما يَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ - أنْ يَغْفُلَ عَنْ شَيْءٍ مِن لَوازِمِ ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا التَّغْطِيَةَ لِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ؛ الَّتِي دَلَّتْهم عَلَيْها غَرائِزُ عُقُولِهِمْ؛ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ النِّعْمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الشِّرْكِ إلّا لِهَذا الغَرَضِ؛ إحْلالًا لَهم مَحَلَّ العُقَلاءِ البُصَراءِ؛ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أعْلاهُمْ؛ ورَفْعًا لَهم عَنْ أحْوالِ مَن يُقْدِمُ عَلى ما لا يَعْلَمُ عاقِبَتَهُ؛ ولا خِزْيَ أعْظَمُ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ أنْتَجَ أنَّ الجُنُونَ خَيْرٌ مِن عَقْلٍ يَكُونُ هَذا مَآلُهُ؛ فَهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ؛ ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا أنْ يُقْبِلَ عَلى هَذا الفَرِيقِ إقْبالَ عالِمٍ قادِرٍ عَلَيْهِ؛ قائِلًا: تَمَتَّعُوا؛ ﴿فَسَوْفَ﴾؛ أيْ: فَإنَّ تَمَتُّعَكم عَلى هَذا الحالِ سَبَبٌ لِأنْ يُقالُ لَكم - تَهْدِيدًا -: سَوْفَ ﴿تَعْلَمُونَ﴾؛ غَبَّ تَمَتُّعِكُمْ؛ فَهو إقْبالُ الغَضَبِ؛ والتَّهْدِيدِ بِسُوءِ المُنْقَلَبِ؛ وحَذْفُ المُتَهَدَّدِ بِهِ أبْلَغُ؛ وأهْوَلُ لِذَهابِ النَّفْسِ في تَعْيِينِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.

56

وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ

And they assign to what they do not know a portion of that which We have provided them. By Allah, you will surely be questioned about what you used to invent.

ولَمّا هَدَّدَهم بِإشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِكُفْرِ النِّعْمَةِ؛ أتْبَعَهُ عَجَبًا آخَرَ مِن أمْرِهِمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] -: ﴿ويَجْعَلُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ؛ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾؛ مِمّا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ العَدَمِ في نَفْسِهِ؛ وعَدَمًا مَحْضًا بِما وصَفُوهُ بِهِ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ٣٣] -؛ ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِنَ الحَرْثِ؛ والأنْعامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ تَقَرُّبًا إلَيْها؛ كَما مَضى شَرْحُهُ في ”الأنْعامِ“؛ ولَكَ أنْ تَعْطِفَهُ - وهو أقْرَبُ - عَلى ”يُشْرِكُونَ“؛ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ ”إذا“؛ أيْ: فاجَؤُوا مُقابَلَةَ نِعْمَتِهِ في الإنْجاءِ بِالإشْراكِ؛ والتَّقَرُّبِ بِرِزْقِهِ إلى ما الجَهْلُ بِهِ خَيْرٌ مِنَ العِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ عَدَمٌ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا نَفْعَ في المَقامِ الَّذِي أقامُوهُ فِيهِ؛ ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِمُ التِفاتًا مُؤْذِنًا بِما يُسْتَحَقُّ عَلى هَذا الفِعْلِ مِنَ الغَضَبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿لَتُسْألُنَّ﴾؛ يَوْمَ الجَمْعِ؛ ﴿عَمّا كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو في جِبِلّاتِكُمْ؛ ﴿تَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: تَتَعَمَّدُونَ في الدُّنْيا مِن هَذا الكَذِبِ؛ سُؤالَ تَوْبِيخٍ؛ وهو الَّذِي لا جَوابَ لِصاحِبِهِ إلّا بِما فِيهِ فَضِيحَتُهُ.

57

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَٰتِ سُبْحَٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ

And they attribute to Allah daughters - exalted is He - and for them is what they desire.

ولَمّا بَيَّنَ سَفَهَهم في صَرْفِهِمْ مِمّا آتاهم إلى ما هو في عِدادِ العَدَمِ؛ الَّذِي لا يُعْلَمُ؛ بَيَّنَ لَهم سَفَهًا هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؛ بِجَعْلِهِمْ لِمالِكِ المُلْكِ؛ ومَلِكِهِ؛ أحْقَرَ ما يُعِدُّونَهُ مِمّا أوْجَدَهُ لَهُمْ؛ لِافْتِقارِهِمْ إلَيْهِ؛ وغِناهُ عَنْهُ؛ عَلى وجْهِ التَّوالُدِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ؛ مَعَ كَراهَتِهِ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَصارَ ذَلِكَ أعْجَبَ العَجَبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مَعْلُومَ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ؛ لِاسْتِجْماعِهِ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ تَقْرِيعَهُمْ؛ وكانَتِ الأُنُوثَةُ رُبَّما أُطْلِقَتْ عَلى كَرائِمِ الأشْجارِ؛ نَصَّ عَلى المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿البَناتِ﴾؛ فَلا أعْجَبَ مِنهُمْ؛ حَيْثُ يَجْعَلُونَ الوُجُودَ لِلْمَعْدُومِ المَجْهُولِ؛ ويَجْعَلُونَ العَدَمَ لِلْمَوْجُودِ المَعْلُومِ؛ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ مُعَجِّبًا مِن وُقُوعِهِ مِن عاقِلٍ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سُبْحانَهُ﴾

ولَمّا ذَكَرَ ما جَعَلُوا لَهُ؛ مَعَ الغِنى المُطْلَقِ؛ بَيَّنَ ما نَسَبُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ مَعَ لُزُومِ الحاجَةِ؛ والضَّعْفِ؛ فَقالَ: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾؛ مِنَ البَنِينَ؛ وذَلِكَ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ؛ مَدْلُولُها الثَّباتُ؛ لِيَكُونَ مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِالفَضِيحَةِ؛ لِأنَّهم لا يَبْقَوْنَ لِأبْنائِهِمْ؛ ولا يَبْقى أبْناؤُهم لَهُمْ؛ وقَدْ يَكُونُونَ أعْدى أعْدائِهِمْ؛

58

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ

And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.

ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم إذا حَصَلَ لَهم نَوْعُ ما جَعَلُوهُ لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا﴾؛ أيْ: جَعَلُوا كَذا؛ والحالُ أنَّهُ إذا ﴿بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾؛ ولَمّا تَعَيَّنَ وزالَ المَحْذُورُ؛ جَمَعَ بَيْنَ الخَساسَتَيْنِ؛ كَما بَيَّنَ آخِرَ ”الصّافّاتِ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿بِالأُنْثى﴾؛ أيْ: قابَلَ هَذِهِ البُشْرى الَّتِي تَسْتَحِقُّ السُّرُورَ بِحُصُولِ نَسَمَةٍ تَكُونُ سَبَبًا لِزِيادَةِ هَذا النَّوْعِ؛ وقَدْ تَكُونُ سَبَبَ سَعادَتِهِ؛ دالَّةٍ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ؛ بِضِدِّ ما تَسْتَحِقُّ؛ مِمّا لا يُفِيدُهُ شَيْئًا؛ بِأنْ ﴿ظَلَّ وجْهُهُ﴾؛ وكَنّى عَنِ العُبُوسِ؛ والتَّكَدُّرِ؛ والغَبَرَةِ؛ بِما يَفُورُ فِيهِ مِنَ الغَيْظِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مُسْوَدًّا﴾؛ أيْ: مِنَ الغَمِّ؛ والكَراهَةِ؛ ولَعَلَّهُ اخْتِيرَ لَفْظُ ”ظَلَّ“؛ الَّذِي مَعْناهُ العَمَلُ نَهارًا؛ وإنْ كانَ المُرادُ العُمُومَ في النَّهارِ وغَيْرِهِ؛ دَلالَةً عَلى شُهْرَةِ هَذا الوَصْفِ شُهْرَةَ ما يُشاهَدُ نَهارًا؛ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ مُمْتَلِئٌ غَيْظًا عَلى المَرْأةِ؛ ولا ذَنْبَ لَها بِوَجْهٍ؛ و”البِشارَةُ“؛ في أصْلِ اللُّغَةِ: الخَبَرُ الَّذِي يُغَيِّرُ البَشَرَةَ مِن حُزْنٍ؛ أوْ سُرُورٍ؛ ثُمَّ خُصَّ في عُرْفِ اللُّغَةِ بِالسُّرُورِ؛ ولا تَكُونُ إلّا بِالخَبَرِ الأوَّلِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا اللَّفْظِ تَنْبِيهًا عَلى تَعْكِيسِهِمْ لِلْأُمُورِ؛ في جَعْلِهِمْ؛ وسُرُورِهِمْ؛ وحُزْنِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِمْ.

59

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.

ولَمّا كانَ سَوادُ الوَجْهِ؛ والكَظْمُ؛ قَدْ لا يَصْحَبُهُ الخِزْيُ؛ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿يَتَوارى﴾؛ أيْ: يَسْتَخْفِي؛ بِما يَجْعَلُهُ في مَوْضِعٍ كَأنَّهُ الوَراءُ؛ لا اطِّلاعَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ ﴿مِنَ القَوْمِ﴾؛ أيْ: الرِّجالِ؛ الَّذِينَ هو فِيهِمْ؛ ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾؛ لِعَدِّهِ لَهُ خِزْيًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحَيْرَةِ في الفِكْرِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾؛ أيْ: ذُلٍّ؛ وسُفُولِ أمْرٍ؛ ولَمّا كانُوا يُغَيِّبُونَ المَوْءُودَةَ في الأرْضِ؛ عَلى غَيْرِ هَيْئَةِ الدَّفْنِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّسِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾؛ قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا أدْرَكَها المَخاضُ احْتَفَرَتْ حُفَيْرَةً؛ وجَلَسَتْ عَلى شَفِيرِها؛ فَإنْ وضَعَتْ ذَكَرًا أظْهَرَتْهُ؛ وظَهَرَ السُّرُورُ عَلى أهْلِهِ؛ وإنْ وضَعَتْ أُنْثى اسْتَأْذَنَتْ مُسْتَوْلِدَها؛ فَإنْ شاءَ أمْسَكَها عَلى هُونٍ؛ وإنْ شاءَ أمَرَ بِإلْقائِها في الحُفَيْرَةِ؛ ورَدَّ التُّرابَ عَلَيْها وهي حَيَّةٌ؛ لِتَمُوتَ؛ انْتَهى؛ قالُوا: وكانَ الوَأْدُ في مُضَرَ؛ وخُزاعَةَ؛ وتَمِيمٍ.

ولَمّا كانَ حُكْمُهم هَذا بالِغًا في القَباحَةِ؛ وصَفَهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِقُبْحِهِ -: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾؛ أيْ: بِجَعْلِ ما يَكْرَهُونَهُ لِمَوْلاهُمُ الَّذِي لا نِعْمَةَ عِنْدَهم إلّا مِنهُ؛ وجَعْلِ ما يَخْتارُونَهُ لَهم خاصًّا بِهِمْ.

60

لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

For those who do not believe in the Hereafter is the description of evil; and for Allah is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا كانَ شَرْحُ هَذا أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ في جانِبِهِ (تَعالى)؛ وجانِبِهِمْ؛ بَيَّنَ ما هو الحَقُّ في هَذا المَقامِ؛ فَقالَ (تَعالى) - عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما يُقالُ في ذَلِكَ؟ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ الإقْدامَ عَلى الأباطِيلِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ -: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يُوجِدُونَ الإيمانَ أصْلًا؛ ﴿بِالآخِرَةِ مَثَلُ﴾؛ أيْ: حَدِيثُ ﴿السَّوْءِ﴾؛ مِنَ الضَّعْفِ؛ والحاجَةِ؛ والذُّلِّ؛ والرُّعُونَةِ؛ ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿المَثَلُ﴾؛ أيْ: الحَدِيثُ؛ أوِ المِقْدارُ؛ أوِ الوَصْفُ؛ أوِ القِياسُ؛ ﴿الأعْلى﴾؛ مِنَ الغِنى؛ والقُوَّةِ؛ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ بِحَيْثُ لا يَلْحَقُهُ حاجَةٌ؛ ولا ضَعْفٌ؛ ولا شائِبَةُ نَقْصٍ أصْلًا؛ وأعْدَلُ العِباراتِ عَنْ ذَلِكَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“؛ ويَتَأتّى تَنْزِيلُ المَثَلِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) في سُورَةِ ”الرُّومِ“.

ولَمّا كانَ أمْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أجَلَّ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ؛ وتَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وهُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فَلا نَظِيرَ لَهُ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ الَّذِي لا يُوقِعُ شَيْئًا إلّا في مَحَلِّهِ؛ فَلَوْ عامَلَهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن هَذِهِ العَظائِمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْهُمْ؛ لَأخْلى الأرْضَ مِنهُمْ؛

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.