Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 128

51

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ

And Allah has said, "Do not take for yourselves two deities. He is but one God, so fear only Me."

﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾

لَمّا أُشْبِعَ القَوْلُ في إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ الشّائِعِ في جَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ، وأُتْبِعَ بِإبْطالِ الِاخْتِلاقِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ، نُقِلَ الكَلامُ إلى إبْطالِ نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الشِّرْكِ مُتَّبَعٍ عِنْدَ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ، وهو الإشْراكُ بِإلَهِيَّةِ أصْلَيْنِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، تَقَلَّدَتْهُ قَبائِلُ العَرَبِ المُجاوِرَةُ بِلادُ فارِسَ، والسّارِي فِيهِمْ سُلْطانُ كِسْرى وعَوائِدُهم، مِثْلُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وبَنِي تَمِيمٍ، فَقَدْ دانَ مِنهم كَثِيرٌ بِالمَجُوسِيَّةِ، أيِ المَزْدَكِيَّةِ والمانَوِيَّةِ في زَمَنِ كِسْرى أبْرُويِشَ وفي زَمَنِ كِسْرى أنُوشُرْوانَ، والمَجُوسِيَّةُ تُثْبِتُ عَقِيدَةً بِإلَهَيْنِ:

صفحة ١٧٢

إلَهٍ لِلْخَيْرِ: وهو النُّورُ، وإلَهٍ لِلشَّرِّ: وهو الظُّلْمَةُ، فَإلَهُ الخَيْرِ لا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الخَيْرَ والإنْعامَ، وإلَهُ الشَّرِّ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا الشَّرُّ والآلامُ، وسَمُّوا إلَهَ الخَيْرِ (يَزْدانُ)، وسَمُّوا إلَهَ الشَّرِّ (آهْرُمُنُ)، وزَعَمُوا أنَّ (يَزْدانَ) كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ، وكانَ لا يَخْلُقُ إلّا الخَيْرَ فَلَمْ يَكُنْ في العالَمِ إلّا الخَيْرُ، فَخَطَرَ في نَفْسِهِ مَرَّةً خاطِرُ شَرٍّ فَتَوَلَّدَ عَنْهُ إلَهٌ آخَرُ شَرِيكٌ لَهُ هو إلَهُ الشَّرِّ، وقَدْ حَكى هَذا المَعَرِّي في لُزُومِيّاتِهِ بِقَوْلِهِ:

فَكَّرَ يَزْدانُ عَلَـى غِـرَّةٍ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ

.

ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ لِهَذَيْنِ الأصْلَيْنِ صُوَرًا مُجَسَّمَةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دِينُهم مِن عِدادِ عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِاخْتِصاصِ اسْمِ الطّاغُوتِ بِالصُّوَرِ والأجْسامِ المَعْبُودَةِ، وهَذا الدِّينُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ يُشْبِهُ الأدْيانَ الَّتِي لا تَعْبُدُ صُوَرًا مَحْسُوسَةً، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى المَجُوسِيَّةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [الحج: ١٧] إلى قَوْلِهِ (والمَجُوسَ) في سُورَةِ الحَجِّ.

ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدِّينَ هو المُرادُ التَّعْقِيبُ بِآيَةِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] كَما سَيَأْتِي.

فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، وهو مُرْتَبِطٌ بِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .

ومَعْنى ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ أنَّهُ دَعا النّاسَ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى بُطْلانِ اعْتِقادِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] .

وصِيغَةُ التَّثْنِيَةِ مِن قَوْلِهِ إلَهَيْنِ أُكِّدَتْ بِلَفْظِ اثْنَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِاثْنِينِيَّةَ مَقْصُودَةٌ بِالنَّهْيِ إبْطالًا لِشِرْكٍ مَخْصُوصٍ مِن إشْراكِ المُشْرِكِينَ، وأنَّ لا

صفحة ١٧٣

اكْتِفاءَ بِالنَّهْيِ عَنْ تَعَدُّدِ الإلَهِ بَلِ المَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَدُّدِ الخاصِّ، وهو قَوْلُ المَجُوسِ بِإلَهَيْنِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ تَوْجِيهُ ذِكْرِ اثْنَيْنِ بِأنَّهُ لِدَفْعِ احْتِمالِ إرادَةِ الجِنْسِ حَقِيقَةً لا مَجازًا.

وإذْ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ إلَهَيْنِ، فَقَدْ دَلَّ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ عَلى إبْطالِ اتِّخاذِ آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿لا تَتَّخِذُوا …

52

وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا ۚ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allah that you fear?

﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِّينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾

مُناسَبَةُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] أنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا إلَهَيْنِ جَعَلُوهُما النُّورَ والظُّلْمَةَ، وإذْ كانَ النُّورُ والظُّلْمَةُ مَظْهَرَيْنِ مِن مَظاهِرِ السَّماءِ والأرْضِ كانَ المَعْنى: أنَّ ما تَزْعُمُونَهُ إلَهًا لِلْخَيْرِ وإلَها لِلشَّرِّ هُما مِن مَخْلُوقاتِهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ يُفِيدُ الحَصْرَ فَدَخَلَ جَمِيعُ ما في السَّماءِ والأرْضِ في مُفادِ لامِ المِلْكِ، فَأفادَ أنَّ لَيْسَ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ خَيْرِها وشَرِّها، فانْتَفى أنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَكانَ لَهُ بَعْضُ المَخْلُوقاتِ إذْ لا يُعْقَلُ إلَهٌ بِدُونِ مَخْلُوقاتٍ.

وضَمِيرُ (لَهُ) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] .

فَعَطْفُهُ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]؛ لِأنَّ عَظَمَةَ الإلَهِيَّةِ اقْتَضَتِ الرَّهْبَةَ مِنهُ وقَصْرَها عَلَيْهِ، فَناسَبَ أنْ يُشارَ إلى أنَّ صِفَةَ المالِكِيَّةِ تَقْتَضِي إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ فالدِّينُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الطّاعَةَ، مِن قَوْلِهِمْ: دانَتِ القَبِيلَةُ لِلْمَلِكِ، أيْ أطاعَتْهُ، فَهو مِن مُتَمِّماتِ جُمْلَةِ ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ لِأنَّهُ لَمّا قَصَرَ المَوْجُوداتِ عَلى الكَوْنِ في مِلْكِهِ كانَ حَقِيقًا بِقَصْرِ الطّاعَةِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ المَجْرُورَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى فِعْلِهِ كَما وقَعَ في الَّتِي قَبْلَها.

صفحة ١٧٦

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ بِمَعْنى الدِّيانَةِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]؛ لِأنَّ إبْطالَ دِينِ الشِّرْكِ يُناسِبُهُ أنْ لا يَدِينَ النّاسُ إلّا بِما يُشَرِّعُهُ اللَّهُ لَهم، أيْ هو الَّذِي يُشَرِّعُ لَكُمُ الدِّينَ لا غَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ الضَّلالِ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، وزَرادَشْتَ، ومَزْدَكَ، ومانِي، قالَ تَعالى ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، فَيَكُونُ إدْماجًا لِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي يُنْكِرُهُ أُولَئِكَ أيْضًا، والمَعْنى: لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يَرْجِعُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، لا يَرْجِعُونَ إلى غَيْرِهِ، ولا يَنْفَعُهم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ.

والواصِبُ: الثّابِتُ الدّائِمُ، وهو صالِحٌ لِلِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ، ويَزِيدُ عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ؛ لِأنَّهُ تَأْكِيدٌ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.

وتَفَرَّعَ عَلى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ التَّوْبِيخُ عَلى تَقْواهم غَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَّقُونَ إلَهَ الشَّرِّ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ لِيَأْمَنُوا شَرَّهُ.

53

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ

And whatever you have of favor - it is from Allah. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.

﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ عَطْفُ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ، وهو انْتِقالٌ مِن الِاسْتِدْلالِ بِمَصْنُوعاتِ اللَّهِ الكائِنَةِ في ذاتِ الإنْسانِ وفِيما يُحِيطُ بِهِ مِنَ المَوْجُوداتِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما ساقَ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، فَمِنَ النّاسِ مُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيها، وعَنْ شُكْرِها وهُمُ الكافِرُونَ، فَكانَ في الأدِلَّةِ الماضِيَةِ القَصْدُ إلى الِاسْتِدْلالِ ابْتِداءً مَتْبُوعًا بِالِامْتِنانِ.

صفحة ١٧٧

وتَغَيَّرَ الأُسْلُوبُ هُنا فَصارَ المَقْصُودُ الأوَّلُ هو الِامْتِنانُ بِالنِّعَمِ مُدْمَجًا فِيهِ الِاعْتِبارُ بِالخَلْقِ، فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى الأُمَّةِ كُلِّها، ولِذَلِكَ جاءَ عَقِبَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ .

وابْتُدِئَ بِالنِّعَمِ عَلى وجْهِ العُمُومِ إجْمالًا، ثُمَّ ذُكِرَتْ مُهِمّاتٌ مِنها.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ؛ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ هو المُنْعِمُ.

ومَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هُنا أنَّهُ لَمّا أبْطَلَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وُجُودَ إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ أحَدُهُما فِعْلُهُ الخَيْرُ والآخَرُ فِعْلُهُ الشَّرُّ أعْقَبَهُ هُنا بِأنَّ الخَيْرَ والضُّرَّ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى، وهو يُعْطِي النِّعْمَةَ وهو كاشِفُ الضُّرِّ.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ ما لابَسَكم واسْتَقَرَّ عِنْدَكم، و﴿مِن نِعْمَةٍ﴾ لِبَيانِ إبْهامِ (ما) المَوْصُولَةِ.

و (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ واصِلَةٌ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عَطاءِ اللَّهِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا تَصْدُرُ عَنْ ذاتِ اللَّهِ، ولَكِنْ عَنْ صِفَةِ قُدْرَتِهِ أوْ عَنْ صِفَةِ فِعْلِهِ عِنْدَ مُثْبِتِي صِفاتِ الأفْعالِ، ولَمّا كانَ ما ﴿بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ كانَ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُغْنِيًا عَنِ الإتْيانِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ.

و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ لِلتَّراخِي الرُّتَبِي كَما هو شَأْنُها الغالِبُ في عَطْفِها الجُمَلَ؛ لِأنَّ اللَّجَأ إلى اللَّهِ عِنْدَ حُصُولِ الضُّرِّ أعْجَبُ إخْبارًا مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أبْعَدُ في النَّظَرِ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها.

والمَقْصُودُ: تَقْرِيرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو مُدَبِّرُ أسْبابِ ما بِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وأنَّهُ لا إلَهَ يَخْلُقُ إلّا هو، وإنَّهم لا يَلْتَجِئُونَ إلّا إلَيْهِ إذا أصابَهم ضُرٌّ، وهو ضِدُّ النِّعْمَةِ.

صفحة ١٧٨

ومَسُّ الضُّرِّ: حُلُولُهُ، اسْتُعِيرَ المَسُّ لِلْحُصُولِ الخَفِيفِ؛ لِلْإشارَةِ إلى ضِيقِ صَبْرِ الإنْسانِ بِحَيْثُ إنَّهُ يَجْأرُ إلى اللَّهِ بِحُصُولِ أدْنى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ لَهُ، وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ المَسِّ في الإصابَةِ الخَفِيفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(تَجْأرُونَ) تَصْرُخُونَ بِالتَّضَرُّعِ، والمَصْدَرُ: الجُؤارُ، بِصِيغَةِ أسْماءِ الأصْواتِ.

وأتْبَعَ هَذِهِ بِنِعْمَةٍ أُخْرى، وهي نِعْمَةُ كاشِفِ الضُّرِّ عَنِ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، وجِيءَ بِحَرْفِ (ثُمَّ)؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أبْعَدُ في النَّظَرِ مِن …

54

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ

Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord

﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ عَطْفُ خَبَرٍ عَلى خَبَرٍ، وهو انْتِقالٌ مِن الِاسْتِدْلالِ بِمَصْنُوعاتِ اللَّهِ الكائِنَةِ في ذاتِ الإنْسانِ وفِيما يُحِيطُ بِهِ مِنَ المَوْجُوداتِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما ساقَ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، فَمِنَ النّاسِ مُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيها، وعَنْ شُكْرِها وهُمُ الكافِرُونَ، فَكانَ في الأدِلَّةِ الماضِيَةِ القَصْدُ إلى الِاسْتِدْلالِ ابْتِداءً مَتْبُوعًا بِالِامْتِنانِ.

صفحة ١٧٧

وتَغَيَّرَ الأُسْلُوبُ هُنا فَصارَ المَقْصُودُ الأوَّلُ هو الِامْتِنانُ بِالنِّعَمِ مُدْمَجًا فِيهِ الِاعْتِبارُ بِالخَلْقِ، فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى الأُمَّةِ كُلِّها، ولِذَلِكَ جاءَ عَقِبَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ .

وابْتُدِئَ بِالنِّعَمِ عَلى وجْهِ العُمُومِ إجْمالًا، ثُمَّ ذُكِرَتْ مُهِمّاتٌ مِنها.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ؛ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا غَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ هو المُنْعِمُ.

ومَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هُنا أنَّهُ لَمّا أبْطَلَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وُجُودَ إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ أحَدُهُما فِعْلُهُ الخَيْرُ والآخَرُ فِعْلُهُ الشَّرُّ أعْقَبَهُ هُنا بِأنَّ الخَيْرَ والضُّرَّ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى، وهو يُعْطِي النِّعْمَةَ وهو كاشِفُ الضُّرِّ.

والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ ما لابَسَكم واسْتَقَرَّ عِنْدَكم، و﴿مِن نِعْمَةٍ﴾ لِبَيانِ إبْهامِ (ما) المَوْصُولَةِ.

و (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ واصِلَةٌ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عَطاءِ اللَّهِ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا تَصْدُرُ عَنْ ذاتِ اللَّهِ، ولَكِنْ عَنْ صِفَةِ قُدْرَتِهِ أوْ عَنْ صِفَةِ فِعْلِهِ عِنْدَ مُثْبِتِي صِفاتِ الأفْعالِ، ولَمّا كانَ ما ﴿بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ كانَ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُغْنِيًا عَنِ الإتْيانِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ.

و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ لِلتَّراخِي الرُّتَبِي كَما هو شَأْنُها الغالِبُ في عَطْفِها الجُمَلَ؛ لِأنَّ اللَّجَأ إلى اللَّهِ عِنْدَ حُصُولِ الضُّرِّ أعْجَبُ إخْبارًا مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ، ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أبْعَدُ في النَّظَرِ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها.

والمَقْصُودُ: تَقْرِيرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو مُدَبِّرُ أسْبابِ ما بِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وأنَّهُ لا إلَهَ يَخْلُقُ إلّا هو، وإنَّهم لا يَلْتَجِئُونَ إلّا إلَيْهِ إذا أصابَهم ضُرٌّ، وهو ضِدُّ النِّعْمَةِ.

صفحة ١٧٨

ومَسُّ الضُّرِّ: حُلُولُهُ، اسْتُعِيرَ المَسُّ لِلْحُصُولِ الخَفِيفِ؛ لِلْإشارَةِ إلى ضِيقِ صَبْرِ الإنْسانِ بِحَيْثُ إنَّهُ يَجْأرُ إلى اللَّهِ بِحُصُولِ أدْنى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ لَهُ، وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ المَسِّ في الإصابَةِ الخَفِيفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(تَجْأرُونَ) تَصْرُخُونَ بِالتَّضَرُّعِ، والمَصْدَرُ: الجُؤارُ، بِصِيغَةِ أسْماءِ الأصْواتِ.

وأتْبَعَ هَذِهِ بِنِعْمَةٍ أُخْرى، وهي نِعْمَةُ كاشِفِ الضُّرِّ عَنِ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ.

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، وجِيءَ بِحَرْفِ (ثُمَّ)؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أبْعَدُ في النَّظَرِ مِن …

55

لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ ۚ فَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.

﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

لامُ التَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (يُشْرِكُونَ) الَّذِي هو مِن جَوابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ [النحل: ٥٤]، والكُفْرُ هُنا كُفْرُ النِّعْمَةِ، ولِذَلِكَ عَلَّقَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى

صفحة ١٧٩

﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ أيْ مِنَ النِّعَمِ، وكُفْرُ النِّعْمَةِ لَيْسَ هو الباعِثُ عَلى الإشْراكِ فَإنَّ إشْراكَهم سابِقٌ عَلى ذَلِكَ وقَدِ اسْتَصْحَبُوهُ عَقِبَ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم، ولَكِنْ شُبِّهَتْ مُقارَنَةُ عَوْدِهِمْ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهم بِمُقارَنَةِ العِلَّةِ الباعِثَةِ عَلى عَمَلٍ لِذَلِكَ العَمَلِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ مُبادَرَتُهم لِكُفْرِ النِّعْمَةِ دُونَ تَرَيُّثٍ.

فاسْتُعِيرَ لِهَذِهِ المُقارَنَةِ لامُ التَّعْلِيلِ، وهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَمْلِيحِيَّةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، ومِثْلُها كَثِيرُ الوُقُوعِ في القُرْآنِ، وقَدْ سَمّى كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ هَذِهِ اللّامَ لامَ العاقِبَةِ، ومِثالُها عِنْدَهم قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقَدْ بَيَّنّاها في مَواضِعَ، آخِرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ٢٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وضَمِيرُ (لِيَكْفُرُوا) عائِدٌ إلى فَرِيقٍ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى جَمْعٍ مِنَ النّاسِ.

والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْإنْعامِ بِالحالَةِ النّافِعَةِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الإعْطاءِ أنْ يَكُونَ تَمْكِينًا بِالمَأْخُوذِ المَحْبُوبِ.

وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن كَوْنِهِ نِعْمَةً؛ تَفْظِيعًا لِكُفْرانِهِمْ بِها؛ لِأنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ قَبِيحٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ.

وفَرَّعَ عَلَيْهِ مُخاطَبَتَهم بِأمْرِهِمْ بِالتَّمَتُّعِ أمْرَ إمْهالٍ، وقِلَّةَ اكْتِراثٍ بِهِمْ، وهو في مَعْنى التَّخْلِيَةِ.

والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمَتاعِ، والمَتاعُ الشَّيْءُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا مَحْبُوبًا ويُسَرُّ بِهِ، ويُقالُ: تَمَتَّعَ بِكَذا واسْتَمْتَعَ، وتَقَدَّمَ المَتاعُ في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةٍ.

والخِطابُ لِلْفَرِيقِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ جاءَ مُفَرَّعًا عَلى كَلامٍ خُوطِبَ بِهِ النّاسُ كُلُّهم كَما تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ المُفَرَّعُ مِن تَمامِ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يُنافِي الِالتِفاتَ الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ إلى مَرْجِعِ ما قَبْلَهُ.

والمَعْنى: فَتَقُولُ تَمَتَّعُوا بِالنِّعَمِ الَّتِي أنْتُمْ فِيها إلى أمَدٍ.

صفحة ١٨٠

وفُرِّعَ عَلَيْهِ التَّهْدِيدُ بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ عاقِبَةَ كُفْرانِ النِّعْمَةِ بَعْدَ زَوالِ التَّمَتُّعِ، وحَذْفُ مَفْعُولِ (تَعْلَمُونَ)؛ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾، أيْ تَعْلَمُونَ جَزاءَ كُفْرِكم.

56

وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًۭا مِّمَّا رَزَقْنَٰهُمْ ۗ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ

And they assign to what they do not know a portion of that which We have provided them. By Allah, you will surely be questioned about what you used to invent.

﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ عَطْفُ حالَةٍ مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ لَها مِساسٌ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعْمَةِ، فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ﴾ [النحل: ٥٣] عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (يُشْرِكُونَ) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] .

وما حُكِيَ هُنا هو تَفارِيعُ دِينِهِمُ النّاشِئَةُ عَنْ إشْراكِهِمْ، والَّتِي هي مِن تَفارِيعِ كُفْرانِ نِعْمَةِ رَبِّهِمْ، إذْ جَعَلُوا في أمْوالِهِمْ حَقًّا لِلْأصْنامِ الَّتِي لَمْ تَرْزُقْهم شَيْئًا، وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦] .

إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ هُنا عَلى ذِكْرِ ما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ دُونَ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا لِتَفْصِيلِ كُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ، بِخِلافِ ما في سُورَةِ الأنْعامِ فَهو مَقامُ تَعْدادِ أحْوالِ جاهِلِيَّتِهِمْ، وإنْ كانَ كُلُّ ذَلِكَ مُنْكَرًا عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّ بَعْضَ الكُفْرِ أشَدُّ مِن بَعْضٍ.

والجَعْلُ: التَّصْيِيرُ والوَضْعُ، تَقُولُ: جَعَلْتُ لَكَ في مالِي كَذا، وجِيءَ هُنا بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ مِنهم واسْتِمْرارِهِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٣٨] بِأنَّهُ حِكايَةُ قَضِيَّةٍ مَضَتْ مِن عِنادِهِمْ، وجِدالِهِمْ في أمْرِ البَعْثِ.

صفحة ١٨١

ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، وهو ضَمِيرُ (ما)، أيْ لا يَعْلَمُونَهُ، ومِثْلُ حَذْفِ هَذا الضَّمِيرِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.

وماصَدَقُ صِلَةِ ما لا يَعْلَمُونَ وهو الأصْنامُ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْها بِهَذِهِ الصِّلَةِ زِيادَةً في تَفْظِيعِ سَخافَةِ آرائِهِمْ، إذْ يَفْرِضُونَ في أمْوالِهِمْ عَطاءً يُعْطُونَهُ لِأشْياءَ لا يَعْلَمُونَ حَقائِقَها بَلْهَ مَبْلَغِ ما يَنالُهم مِنها، وتَخَيُّلاتٍ يَتَخَيَّلُونَها لَيْسَتْ في الوُجُودِ، ولا في الإدْراكِ، ولا مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِلِانْتِفاعِ في شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣]، وضَمِيرُ تَعْلَمُونَ عائِدٌ إلى مَعادِ ضَمِيرِ (يَجْعَلُونَ) .

ووَصْفُ النَّصِيبِ بِأنَّهُ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ لِتَشْنِيعِ ظُلْمِهِمْ؛ إذْ تَرَكُوا المُنْعِمَ فَلَمْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ بِما يُرْضِيهِ في أمْوالِهِمْ مِمّا أمَرَهم بِالإنْفاقِ فِيهِ كَإعْطاءِ المُحْتاجِ، وأنْفَقُوا ذَلِكَ في التَّقَرُّبِ إلى أشْياءَ مَوْهُومَةٍ لَمْ تَرْزُقْهم شَيْئًا.

ثُمَّ وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِقَصْدِ التَّهْدِيدِ، ولا مانِعَ مِن الِالتِفاتِ هُنا؛ لِعَدَمِ وُجُودِ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى فَتَمَتَّعُوا.

وتَصْدِيرُ جُمْلَةِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالقَسَمِ لِتَحْقِيقِهِ، إذِ السُّؤالُ المَوْعُودُ بِهِ يَكُونُ يَوْمَ البَعْثِ، وهم يُنْكِرُونَهُ فَناسَبَ أنْ يُؤَكَّدَ.

والقَسَمُ بِالتّاءِ يَخْتَصُّ بِما يَكُونُ المُقْسَمُ عَلَيْهِ أمْرًا عَجِيبًا ومُسْتَغْرَبًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في …

57

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَٰتِ سُبْحَٰنَهُۥ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ

And they attribute to Allah daughters - exalted is He - and for them is what they desire.

﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٦] .

هَذا اسْتِدْلالٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالبَنِينَ والبَناتِ، وهي نِعْمَةُ النَّسْلِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾، أيْ ما يَشْتَهُونَ مِمّا رَزَقْناهم مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ وهَذا الِامْتِنانِ ذِكْرُ ضَرْبٍ شَنِيعٍ مِن ضُرُوبِ كُفْرِهِمْ، وهو افْتِراؤُهم: أنْ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، وهو اعْتِقادُ قَبائِلِ كِنانَةَ وخُزاعَةَ.

والجَعْلُ: هُنا النِّسْبَةُ بِالقَوْلِ.

و(سُبْحانَهُ) مَصْدَرٌ نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وهو في مَحَلِّ جُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ مَقالَتِهِمُ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها حِكايَةُ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ إذِ الجَعْلُ فِيهِ جَعْلُ القَوْلِ، فَقَوْلُهُ (سُبْحانَهُ) مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حاشَ لِلَّهِ، ومَعاذَ اللَّهِ، أيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ.

وإنَّما قُدِّمَ (سُبْحانَهُ) عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ لِيَكُونَ نَصًّا في أنَّ التَّنْزِيهَ عَنْ هَذا الجَعْلِ لِذاتِهِ، وهو نِسْبَةُ البُنُوَّةِ لِلَّهِ، لا عَنْ جَعْلِهِمْ لَهُ خُصُوصَ البَناتِ دُونَ الذُّكُورِ الَّذِي هو أشَدُّ فَظاعَةً، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَهم

صفحة ١٨٣

ما يَشْتَهُونَ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّفْظِيعِ، فَقَوْلُهُ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ؛ لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ في ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

وماصَدَقُ ﴿ما يَشْتَهُونَ﴾ الأبْناءُ الذُّكُورُ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالبَناتِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ [النحل: ٥٨]، أيْ والحالُ أنَّ لَهم ذُكُورًا مِن أبْنائِهِمْ فَهَلّا جَعَلُوا لِلَّهِ بَنِينَ وبَناتٍ، وهَذا ارْتِقاءٌ في إفْسادِ مُعْتَقَداتِهِمْ بِحَسَبِ عُرْفِهِمْ، وإلّا فَإنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سَواءٌ لِلِاسْتِواءِ في التَّوَلُّدِ الَّذِي هو مِن مُقْتَضى الحُدُوثِ المُنَزَّهِ عَنْهُ واجِبُ الوُجُودِ.

وسَيُخَصُّ هَذا بِالإبْطالِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، ولِهَذا اقْتُصِرَ هُنا عَلى لَفْظِ البَناتِ الدّالِّ عَلى الذَّواتِ، واقْتُصِرَ عَلى أنَّهم يَشْتَهُونَ الأبْناءَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ إلى كَراهَتِهِمُ البَناتِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا بِالمَفْهُومِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ دَرَجَةٌ أُخْرى مِن كُفْرِهِمْ سَتُخَصُّ بِالذِّكْرِ.

58

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ

And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.

﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ اقْتَضى الإطالَةَ بِها أنَّها مِن تَفارِيعِ شِرْكِهِمْ، وهَذا أوْلى مِن أنْ تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيتُ قَصْدَها بِالعَدِّ، وهَذا القَصْدُ مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ، وإنْ كانَ مَآلُ الِاعْتِبارَيْنِ واحِدًا في حاصِلِ المَعْنى.

صفحة ١٨٤

والتَّعْبِيرُ عَنِ الإعْلامِ بِازْدِيادِ الأُنْثى بِفِعْلِ (بُشِّرَ) في مَوْضِعَيْنِ؛ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ إذِ ازْدِيادُ المَوْلُودِ نِعْمَةٌ عَلى الوالِدِ لِما يَتَرَقَّبُهُ مِنَ التَّأنُّسِ بِهِ، ومِزاحِهِ، والِانْتِفاعِ بِخِدْمَتِهِ، وإعانَتِهِ عِنْدَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ، ولِما فِيهِ مِن تَكْثِيرِ نَسْلِ القَبِيلَةِ المُوجِبِ عِزَّتَها، وآصِرَةِ الصِّهْرِ، ثُمَّ إنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ بِشارَةً في نَفْسِ الأمْرِ فالتَّعْبِيرُ بِهِ يُفِيدُ تَعْرِيضًا بِالتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ يَعُدُّونَ البِشارَةَ مُصِيبَةً، وذَلِكَ مِن تَحْرِيفِهِمُ الحَقائِقَ، والتَّعْرِيضُ مِن أقْسامِ الكِنايَةِ، والكِنايَةُ تُجامِعُ الحَقِيقَةَ.

والباءُ في بِالأُنْثى لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ البِشارَةِ، وعُلِّقَتْ بِذاتِ الأُنْثى، والمُرادُ: بِوِلادَتِها، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْلُومٍ.

وفِعْلُ (ظَلَّ) مِن أفْعالِ الكَوْنِ أخَواتِ (كانَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلى اتِّصافِ فاعِلِها بِحالَةٍ لازِمَةٍ، فَلِذَلِكَ تَقْتَضِي فاعِلًا مَرْفُوعًا يُدْعى اسْمًا وحالًا لازِمًا لَهُ مَنصُوبًا يُدْعى خَبَرًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ، وسَمّاها النُّحاةُ لِذَلِكَ نَواسِخَ؛ لِأنَّها تَعْمَلُ فِيما لَوْلاها لَكانَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا فَلَمّا تَغَيَّرَ مَعَها حُكْمُ الخَبَرِ سُمِّيَتْ ناسِخَةً لِرَفْعِهِ، كَما سُمِّيَتْ (إنَّ) وأخَواتُها و(ظَنَّ) وأخَواتُها كَذَلِكَ، وهو اصْطِلاحٌ تَقْرِيبِيٌّ، ولَيْسَ بِرَشِيقٍ.

ويُسْتَعْمَلُ ظَلَّ بِمَعْنى صارَ، وهو المُرادُ هُنا.

واسْوِدادُ الوَجْهِ: مُسْتَعْمَلٌ في لَوْنِ وجْهِ الكَئِيبِ إذْ تَرْهَقُهُ غَبَرَةٌ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً.

والكَظِيمُ: الغَضْبانُ المَمْلُوءُ حَنَقًا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (فَهو كَظِيمٌ) في سُورَةِ يُوسُفَ، أيْ أصْبَحَ حَنِقًا عَلى امْرَأتِهِ، وهَذا مِن جاهِلِيَّتِهِمُ الجَهْلاءِ وظُلْمِهِمْ، إذْ يُعامِلُونَ المَرْأةَ مُعامَلَةَ مَن لَوْ كانَتْ وِلادَةُ الذُّكُورِ بِاخْتِيارِها، ولِماذا لا يَحْنَقُ عَلى نَفْسِهِ إذْ يُلَقِّحُ امْرَأتَهُ بِأُنْثى، قالَتْ إحْدى نِسائِهِمْ، أنْشَدَهُ الأصْمَعِيُّ تَذْكُرُ بَعْلَها، وقَدْ هَجَرَها؛ لِأنَّها تَلِدُ البَناتِ:

صفحة ١٨٥

يَغْضَبُ إنْ لَمْ نَلِدِ البَنِينَـا وإنَّما نُعْطِي الَّذِي أُعْطِينا

والتَّوارِي: الِاخْتِفاءُ، مُضارِعُ واراهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوَراءِ، وهو جِهَةُ الخَلْفِ، و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ المُفِيدِ مَعْنى التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا مِن أجْلِ كَذا، قالَ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، أيْ يَتَوارى مِن أجْلِ تِلْكَ البِشارَةِ.

وجُمْلَةُ (أيُمْسِكُهُ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَتَوارى؛ لِأنَّهُ يَتَوارى حَياءً مِنَ النّاسِ، فَيَبْقى …

59

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.

﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ اقْتَضى الإطالَةَ بِها أنَّها مِن تَفارِيعِ شِرْكِهِمْ، وهَذا أوْلى مِن أنْ تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] الَّتِي هي في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيتُ قَصْدَها بِالعَدِّ، وهَذا القَصْدُ مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ، وإنْ كانَ مَآلُ الِاعْتِبارَيْنِ واحِدًا في حاصِلِ المَعْنى.

صفحة ١٨٤

والتَّعْبِيرُ عَنِ الإعْلامِ بِازْدِيادِ الأُنْثى بِفِعْلِ (بُشِّرَ) في مَوْضِعَيْنِ؛ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ إذِ ازْدِيادُ المَوْلُودِ نِعْمَةٌ عَلى الوالِدِ لِما يَتَرَقَّبُهُ مِنَ التَّأنُّسِ بِهِ، ومِزاحِهِ، والِانْتِفاعِ بِخِدْمَتِهِ، وإعانَتِهِ عِنْدَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ، ولِما فِيهِ مِن تَكْثِيرِ نَسْلِ القَبِيلَةِ المُوجِبِ عِزَّتَها، وآصِرَةِ الصِّهْرِ، ثُمَّ إنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ بِشارَةً في نَفْسِ الأمْرِ فالتَّعْبِيرُ بِهِ يُفِيدُ تَعْرِيضًا بِالتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ يَعُدُّونَ البِشارَةَ مُصِيبَةً، وذَلِكَ مِن تَحْرِيفِهِمُ الحَقائِقَ، والتَّعْرِيضُ مِن أقْسامِ الكِنايَةِ، والكِنايَةُ تُجامِعُ الحَقِيقَةَ.

والباءُ في بِالأُنْثى لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ البِشارَةِ، وعُلِّقَتْ بِذاتِ الأُنْثى، والمُرادُ: بِوِلادَتِها، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْلُومٍ.

وفِعْلُ (ظَلَّ) مِن أفْعالِ الكَوْنِ أخَواتِ (كانَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلى اتِّصافِ فاعِلِها بِحالَةٍ لازِمَةٍ، فَلِذَلِكَ تَقْتَضِي فاعِلًا مَرْفُوعًا يُدْعى اسْمًا وحالًا لازِمًا لَهُ مَنصُوبًا يُدْعى خَبَرًا؛ لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ، وسَمّاها النُّحاةُ لِذَلِكَ نَواسِخَ؛ لِأنَّها تَعْمَلُ فِيما لَوْلاها لَكانَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا فَلَمّا تَغَيَّرَ مَعَها حُكْمُ الخَبَرِ سُمِّيَتْ ناسِخَةً لِرَفْعِهِ، كَما سُمِّيَتْ (إنَّ) وأخَواتُها و(ظَنَّ) وأخَواتُها كَذَلِكَ، وهو اصْطِلاحٌ تَقْرِيبِيٌّ، ولَيْسَ بِرَشِيقٍ.

ويُسْتَعْمَلُ ظَلَّ بِمَعْنى صارَ، وهو المُرادُ هُنا.

واسْوِدادُ الوَجْهِ: مُسْتَعْمَلٌ في لَوْنِ وجْهِ الكَئِيبِ إذْ تَرْهَقُهُ غَبَرَةٌ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّوادِ مُبالَغَةً.

والكَظِيمُ: الغَضْبانُ المَمْلُوءُ حَنَقًا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (فَهو كَظِيمٌ) في سُورَةِ يُوسُفَ، أيْ أصْبَحَ حَنِقًا عَلى امْرَأتِهِ، وهَذا مِن جاهِلِيَّتِهِمُ الجَهْلاءِ وظُلْمِهِمْ، إذْ يُعامِلُونَ المَرْأةَ مُعامَلَةَ مَن لَوْ كانَتْ وِلادَةُ الذُّكُورِ بِاخْتِيارِها، ولِماذا لا يَحْنَقُ عَلى نَفْسِهِ إذْ يُلَقِّحُ امْرَأتَهُ بِأُنْثى، قالَتْ إحْدى نِسائِهِمْ، أنْشَدَهُ الأصْمَعِيُّ تَذْكُرُ بَعْلَها، وقَدْ هَجَرَها؛ لِأنَّها تَلِدُ البَناتِ:

صفحة ١٨٥

يَغْضَبُ إنْ لَمْ نَلِدِ البَنِينَـا وإنَّما نُعْطِي الَّذِي أُعْطِينا

والتَّوارِي: الِاخْتِفاءُ، مُضارِعُ واراهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوَراءِ، وهو جِهَةُ الخَلْفِ، و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ المُفِيدِ مَعْنى التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا مِن أجْلِ كَذا، قالَ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، أيْ يَتَوارى مِن أجْلِ تِلْكَ البِشارَةِ.

وجُمْلَةُ (أيُمْسِكُهُ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَتَوارى؛ لِأنَّهُ يَتَوارى حَياءً مِنَ النّاسِ، فَيَبْقى …

60

لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

For those who do not believe in the Hereafter is the description of evil; and for Allah is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.

صفحة ١٨٦

﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ جَوابًا عَنْ مَقالَتِهِمُ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى﴾ [النحل: ٥٨] فَإنَّ ارْتِباطَها بِجُمْلَةِ ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] كَما تَقَدَّمَ، فَهي بِمَنزِلَةِ جُمْلَةِ (سُبْحانَهُ)، غَيْرَ أنَّ جُمْلَةَ (سُبْحانَهُ) جَوابٌ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، وهَذِهِ جَوابٌ بِتَحْقِيرِهِمْ عَلى ما يُعامِلُونَ بِهِ البَناتِ مَعَ نِسْبَتِهِمْ إلى اللَّهِ هَذا الصِّنْفَ المُحَقَّرَ عِنْدَهم.

وقَدْ جَرى الجَوابُ عَلى اسْتِعْمالِ العَرَبِ عِنْدَما يَسْمَعُونَ كَلامًا مَكْرُوهًا أوْ مُنْكَرًا أنْ يَقُولُوا لِلنّاطِقِ بِهِ: بِفِيكَ الكَثْكَثُ، ويَقُولُونَ: تَرِبَتْ يَداكَ، وتَرِبَتْ يَمِينُكَ، واخْسَأْ.

وكَذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ شَتْمًا لَهم.

والمَثَلُ: الحالُ العَجِيبَةُ في الحُسْنِ والقُبْحِ، وإضافَتُهُ إلى السُّوءِ لِلْبَيانِ.

وعُرِّفُوا بِـ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، وقَوْلِهِ ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] .

وجُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾؛ لِأنَّ بِها تَكْمِلَةَ إفْسادِ قَوْلِهِمْ وذَمِّ رَأْيِهِمْ، إذْ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، وهو مِن لَوازِمِ الِاحْتِياجِ والعَجْزِ. ولَمّا نَسَبُوا إلَيْهِ ذَلِكَ خَصُّوهُ بِأخَسِّ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم، كَما قالَ تَعالى ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في الواقِعِ، ولَكِنَّ هَذا جَرى عَلى اعْتِقادِهِمْ ومُؤاخَذَةً لَهم بِرَأْيِهِمْ.

صفحة ١٨٧

و(الأعْلى) تَفْضِيلٌ، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ أعْلى مِن كُلِّ مَثَلٍ في العُلُوِّ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

والسَّوْءُ: بِفَتْحِ السِّينِ مَصْدَرُ ساءَهُ، إذا عَمِلَ مَعَهُ ما يَكْرَهُ، والسُّوءُ بِضَمِّ السِّينِ الِاسْمُ، تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ [البقرة: ٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَثَلُ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعانِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في البَقَرَةِ.

والعَزِيزُ الحَكِيمُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.