Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 41–50 of 128

41

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And those who emigrated for [the cause of] Allah after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

(والذين هاجروا) قد تقدم معنى الهجرة في سورة النساء وهي ترك الأهل والأوطان أي انتقلوا من مكة إلى المدينة لإقامة دين الله تعالى ومعنى (في الله) في شأن الله سبحانه وفي رضاه، وقيل في دين الله، وقيل في بمعنى لام التعليل أي الله (من بعد ما ظُلموا) أي عُذبوا وأهينوا، وقد اختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار واعترض بأن السورة مكيّة وذلك يخالف قوله (والذين هاجروا) وأجيب بأنه يمكن أن تكون هذه الآية من جملة الآيات المدنية في هذه السورة كما قدمنا في عنوانها.

وقيل نزلت في أبي جندل بن سهيل، وقيل نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة ثم بوّأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين.

(لنبوّأنهم في الدنيا حسنة) قيل المراد نزولهم المدينة قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة، وقيل المراد الرزق الحسن قاله مجاهد، وقيل النصر على عدوّهم، قاله الضحاك، وقيل ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات، وقيل ما بقي لهم فيها من الثناء وصار لأولادهم من الشرف ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور والمعنى لنبوّأنهم مباءة حسنة أو تبوئة حسنة فحسنة صفة مصدر محذوف.

(ولأجر الآخرة) أي جزاء أعمالهم الكائن في الآخرة وهو النعيم الكائن في الجنة التي هي المراد بالآخرة (أكبر) وأعظم من أن يعلمه أحد من خلق الله قبل أن يشاهده ومنه قوله تعالى وإذا رأيت ثَمَّ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً (لو كانوا) أي هؤلاء الظلمة (يعلمون) ذلك، وقيل أن الضمير راجع إلى المؤمنين المهاجرين أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا وهو إسكانهم المدينة.

42

ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

(الذين صبروا) على أذى المشركين أو على مفارقة الوطن والهجرة أو على الجهاد وبذل الأنفس والأموال في سبيل الله واللفظ أعم من ذلك (وعلى ربهم) وحده خاصة (يتوكلون) في جميع أمورهم معرضين عما سواه والصبر مبدأ السلوك إلى الله تعالى والتوكل هو آخر الطريق ومنتهاه والظاهر والله أعلم أن المعنى على المضيّ والتعبير بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة، وفيه ترغيب لغيرهم في طاعة الله عز وجل وجواب الموصول محذوف أي فيرزقهم من حيث لا يحتسبون.

43

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message if you do not know.

(وما أرسلنا من قبلك) رد على قريش حيث زعموا أن الله سبحانه أجل من أن يرسل رسولاً من البشر فرد الله عليهم بأن هذه عادته وسنته أن لا يرسل (إلا رجالاً) من البشر (نوحي إليهم) وزعم أبو عليّ الجبائي إن معنى الآية أن الله سبحانه لم يرسل إلى الأنبياء بوحيه إلا من هو على صورة الرجال من الملائكة ويرد عليه أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صور مختلفة.

ولما كان كفار مكة مقرّين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل صرف الخطاب إليهم وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب فقال (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أي فاسألوا أيها المشركون إن شككتم فيما ذكر مؤمني أهل الكتاب فإنهم سيخبرونكم بأن جميع الأنبياء كانوا بشيراً أو اسألوا أهل الكتاب من غير تقييد بمؤمنيهم كما يفيده الظاهر فإنهم كانوا يعترفون بذلك ولا يكتمونه، وقيل المعنى فاسألوا أهل القرآن.

عن سعيد بن جبير قال: نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة، وقد استدل مجوز والتقليد بهذه الآية وقالوا أمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من له علم والجواب أن هذه الآية الشريفة واردة في سؤال خاص خارج عن محل النزاع كما يفيده السياق المذكور قبل هذا اللفظ الذي استدلوا به وبعده، وبه قال ابن جرير والبغوي وأكثر المفسرين، واستوفاه السيوطي في الدر المنثور، وهذا هو المعنى الذي يفيده السياق والسباق.

وعلى فرض أن المراد السؤال العام فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذكر، والذكر هو كتاب الله وسنة رسوله لا غيرهما، ولا أظن مخالفاً يخالف في هذا لأن هذه الشريعة المطهرة هي إما من الله عز وجل وذلك هو القرآن الكريم أو من رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك هو السنة المطهرة ولا ثالث لذلك.

وإذا كان المأمور بسؤالهم هم أهل القرآن والحديث فالآية الكريمة حجة على المقلدة لا لهم، لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر فيخبرونهم به، فالجواب من المسؤولين أن يقولوا قال الله كذا وقال رسوله صلى الله عليه وسلم كذا فيعمل السائلون بذلك، وهذا هو غير ما يريده المقلد المستدل بها فإنه إنما استدل بها على جواز ما هو فيه من الأخذ بأقوال الرجال من دون سؤال عن الدليل فإن هذا هو التقليد ولهذا رسموه بأنه قبول قول الغير من دون مطالبة بحجه.

فحاصل التقليد أن المقلد لا يسأل عن كتاب الله ولا عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل يسأل عن مذهب إمامه فقط فإذا جاوز ذلك إلى السؤال عن الكتاب والسنة فليس بمقلد، وهذا يسلمه كل مقلد ولا ينكره.

بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)

وإذا تقرر أن المقلد إذا سأل أهل الذكر عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يكن مقلداً علمت أن هذه الآية الشريفة على تسليم أن السؤال ليس عن الشيء الخاص الذي يدل عليه السياق، بل عن كل شيء من الشريعة كما يزعمه المقلد تدفع في وجهه وترغم أنفه وتكسر ظهره، فإن معنى هذا السؤال الذي شرعه الله تعالى هو السؤال عن الحجة الشرعية وطلبها من العالم فيكون هو راوياً وهذا السائل مُستَروياً، والمقلد يقر على نفسه بأنه يقبل قول العالم ولا يطالبه بالحجة، فالآية هي دليل الاتباع لا دليل التقليد.

وبهذا ظهر لك أن هذه الحجة التي احتج بها المقلد هي حجة داحضة على …

44

بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

(بالبينات والزبر) فيه ستة أوجه:

أحدها: ما تقديره أي رجالاً متلبسين بالبينات وهو وجه حسن. ذكره الزمخشري ولا محذور فيه.

الثاني: ما أرسلناهم بهما ذكره الحوفي والزمخشري وغيرهما وبه بدأ في الكشاف.

الثالث: تقديره ما أرسلنا بهما إلا رجالاً حكاه ابن عطية.

الرابع: أنه متعلق بنوحي كما تقول أوحي إليه بحق. ذكره الزمخشري وأبو البقاء.

الخامس: أنه منصوب بتقدير أعني والباء زائدة.

السادس: أنه متعلق بمحذوف كأنه قيل بم أرسلوا، فقيل أرسلوا بهما، كذا قدّره الزمخشري.

قال السمين: وهو أحسن من تقدير أبي البقاء يعني لموافقته للدال عليه لفظاً ومعنى، والبينات الحجج الواضحة والبراهين الساطعة، والزبر الكتب والصحف وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران.

(وأنزلنا إليك) يا محمد صلى الله عليه وسلم (الذكر) أي القرآن، وسماه ذكراً لأن فيه مواعظ وتنبيها للغافلين، ثم بيَّن الغاية المطلوبة من الإنزال فقال (لتبين للناس) جميعاً (ما نزل إليهم) في هذا الذكر من الأحكام الشرعية والوعد والوعيد وبيان الكتاب يطلب من السنة والمبين لذلك المجمل هو الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولهذا قيل متى وقع تعارض بين القرآن والحديث وجب تقديم الحديث لأن القرآن مجمل والحديث مبين بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل، وقيل المحكم مبين والمتشابه مجمل بطلب بيانه من السنة، فهذه الآية محمولة على ما أجمل فيه دون المحكم المبين المفسر (ولعلهم يتفكرون) أي إرادة أن يتأملوا ويعملوا أفكارهم فيتعظوا ويعملوا به.

45

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allah will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

(أفأمن الذين مكروا) الاستفهام للتوبيخ والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم (السيئات) أي المكرات السيئات ولم يذكر الزمخشري غيره، أو المعنى عملوا أو فعلوا السيئات أو أمن الماكرون للعقوبات السيئات أو مكروا بالسيئات.

قال مجاهد: يعني نمروذ بن كنعان وقومه وعن قتادة قال: مكرهم الشرك. وقال الضحاك: تكذيبهم الرسل وعملهم بالمعاصي، أو هو سعيهم في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى أصحابه على وجه الخفية واحتيالهم في إبطال الإسلام وكيد أهله في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه كما ذكر في الأنفال.

(أن) أي أفأمنوا من أن (يخسف الله بهم الأرض) كما خسف بقارون وقرون من قبلهم، يقال خسف المكان يخسف خسوفاً ذهب في الأرض وخسف الله به الأرض خسوفاً أي غاب به فيها، ومنه قوله فخسفنا به وبداره الأرض وخسف هو في الأرض وخسف به.

(أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) به أي حال غفلتهم عنه ومن جهة لا تخطر ببالهم كما فعل بقوم لوط وغيرهم؛ وقيل يريد يوم بدر فإنهم أهلكوا في ذلك اليوم ولم يكن في حسبانهم.

46

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure?

(أو يأخذهم في تقلبهم) ذكر المفسرون فيه وجوهاً، فقيل المراد في أسفارهم ومتاجرهم، فإنه سبحانه قادر على أن يهلكهم في السفر كما يهلكهم في الحضر، وهم لا يفوتونه بسبب ضربهم في الأرض وبعدهم عن الأوطان، والتقلب الحركة إقبالاً وإدباراً.

وقيل المراد في حال تقلبهم في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم، وقيل في حال تقلبهم في الليل على فرشهم، وقيل في اختلافهم، وقيل في حال إقبالهم وإدبارهم، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار والتقلب بالمعنى الأول مأخوذ من قوله لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد وبالمعنى الثاني مأخوذ من قوله وقلبوا لك الأمور.

(فما هم بمعجزين) أي بفائتين ولا ممتنعين ولا سابقين

47

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]? But indeed, your Lord is Kind and Merciful.

(أو يأخذهم على) حال (تخوّف) وتوقع للبلايا بأن يكونوا متوقعين للعذاب حذرين منه غير غافلين عنه فهو خلاف ما تقدم من قوله، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون.

وقال ابن الأعرابي: على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى يهلكهم كلهم. قال الواحدي قال عامة المفسرين، معنى على تخوف على تنقص إما بقتل أو بموت يعني بنقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذهم الأول فالأول حتى يأتي الأخذ على جميعهم قال والتخوف التنقص، يقال هو يتخوف المال أي ينتقصه ويأخذ من أطرافه. انتهى.

يقال تخوفه الدهر وتخونه بالفاء والنون تنقصه، قال الهيثم بن عدي: التخوف بالفاء التنقص لغة لأزد شنوءه. وقال ابن قتيبة: هذه لغة هذيل وقيل على تخوف على عجل، قاله الليث بن سعد، وقيل على تقريع بما قدموه من ذنوبهم، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل على تخوف أن يعاقب ويتجاوز. قاله قتادة.

وعن ابن عباس على أثر موت صاحبه: وعنه أيضاً وتنقص من أعمالهم. وعن عمر أنه سألهم عن هذه الآية فقالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما يردوه من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما يتنقصون من معاصي الله، فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقى أعرابياً فقال: يا فلان ما فعل ربك؟ قال قد تخيفته يعني تنقصته، فرجع إلى عمر فأخبره فقال قد رأيته ذلك.

وعبارة البيضاوي روي أن عمر قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فقال: نعم، قال شاعرنا أبو بكر يصف ناقته:

تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن

فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا. قال شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم أهـ.

قال الشهاب: الرحل رحل الناقة والتامك السنام المشرف والقرد هو المرتفع أو المتراكم، والنبع شجر يتخذ منه القسيّ، والسفن هنا المبرد والقدوم يصف ناقته بأنها أثر الرحل في سنامها، فأكله وانتقصه كما ينتقص المبرد العود. انتهى.

وعن مجاهد قال: على تخوف يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً وقال الضحاك والكلبي: هو من الخوف يعني يهلك طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم ما أصابهم؛ والحاصل أنه سبحانه خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء، أو بآفات تحدث دفعة، أو بآفات تحدث قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم.

ثم إنه سبحانه ختم الآية بقوله (فإن ربكم لرؤوف رحيم) لا يعاجل بالعذاب بل يمهل رأفة بكم ورحمة لكم مع استحقاقكم للعقوبة.

ثم لما خوف سبحانه الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير العالم العلوي والسفلي ومكانهما مصدراً بالاستفهام الإنكاري فقال:

48

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ

Have they not considered what things Allah has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allah, while they are humble.

(أو لم يروا) بالتحتية بإرجاع الضمير إلى ماكري السيئات وقرئ بالفوقية على أنه خطاب لجميع الناس وهذه الرؤية لما كانت بمعنى النظر وصلت بإلى لأن المراد منها الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا بنفس الرؤية التي يكون معها النظر إلى الشيء ليتأمل أحواله ويتفكر فيه ويعتبر به.

(إلى ما خلق الله) ما مبهمة مفسرة بقوله (من شيء) له ظل وهي الأجسام فهو عام أريد به الخاص وخرج به الملك والجن (يتفيأ ظلاله) أي تميل وتدور وتنتقل من جانب إلى جانب وتكون أول النهار على حال وتتقلص ثم تعود في آخر النهار على حالة أخرى قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي وما انصرفت عنه الشمس والقمر، والذي يكون بالغداة هو الظل وهو ما لم تنله.

وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، وفي السمين التفيؤ تفعل من فاء يفيء إذا رجع وفاء قاصر فإذا أريد تعديته عدَّى بالهمزة كقوله ما أفاء الله على رسوله أو بالتضعيف نحو فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ فهو لازم.

واختلف في الفيء فقيل هو مطلق الظل سواء كان قبل الزوال أو بعده وهو الموافق لمعنى الآية هاهنا، وقيل ما كان قبل الزوال فهو ظل فقط وما كان بعده فهو ظل وفيء فالظل أعم، وقيل بل يختص الظل بما قبل الزوال والفيء بما بعده والظلال جمع ظل وهو مضاف إلى مفرد لأنه واحد يراد به الكثرة.

(عن اليمين والشمائل) أي عن جهة أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها استعارة أو مجاز من إطلاق المقيد على المطلق، قال أبو السعود: استعير لهما ذلك من يمين الإنسان وشماله، وقيل المراد باليمين يمين الفلك وهو جهة. المشرق لأن الكواكب منه تظهر آخذة في الارتفاع والسطوع ومن الشمائل شماله وهي جهات المغرب المقابل له فإن الظلال في أول النهار تبتدئ من الشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدئ من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها. قال الفراء: وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الإظلال وجمع الشمال لأنه أراد كلها لأن ما خلق الله لفظ مفرد ومعناه جمع.

وقال الواحدي: وحد اليمين والمراد به الجمع ايجازاً في اللفظ كقوله ويولون الدبر، وبه قال الزمخشري ودلت الشمائل على أن المراد بها الجمع، وقيل أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله وجعل الظلمات والنور، وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم.

وقيل المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وأنها واحدة والشمائل عبارة عن الانحراف في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة، قيل إذا طلعت الشمس من المشرق وأنت متوجه إلى القبلة كان ظلك عن يمينك فإذا استوت الشمس في وسط السماء كان ظلك في خلفك فإذا مالت إلى الغروب كان ظلك عن يسارك.

وقال قتادة والضحاك: أما اليمين فأول النهار وأما الشمال فآخر النهار دائماً وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه؛ ومنه تظهر الحركة القوية والشمائل جمع شمال على غير قياس والقياس أشمل كذراع وأذرع.

(سجداً) جمع ساجد كشاهد وشهد وراكع وركع أي حال كون الظلال ساجدة (لله) قال الزجاج يعني أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة وقال أيضاً سجود الجسم انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة.

قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله، وقيل أن الظلال ملتصقة بالأرض كالساجد عليها فلما كانت يشبه شكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ (وهم) أي والحال أن الظلال (داخرون) أي خاضعون صاغرون والدخور الصغار والذي يقال دخر الرجل فهو داخر وادخره الله ولما وصفها بالطاعة والانقياد لأمره وذلك صفة من يعقل عبر عنها بلفظ من يعقل.

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ …

49

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

And to Allah prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

(ولله) وحده لا لغيره (يسجد) أي يخضع وينقاد والسجود على نوعين: سجود طاعة وعبادة وسجود إنقياد وخضوع كسجود الإنسان وسجود الظلال والآية تحتمل النوعين (ما في السماوات) جميعاً (وما في الأرض من دابة) أي حيوان جسماني ونسمة تدب وتتحرك على الأرض والمراد به كل دابة: قال الأخفش هو كقولك ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.

وقد دخل في عموم ما فيهما جميع الأشياء الموجودة فيهما، قال قتادة: لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً، وعن الحسن قال: يسجد من في السماوات طوعاً ومن في الأرض طوعاً وكرهاً وإنما خص الدابة بالذكر لأنه قد علم من قوله أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء انقياد الجمادات ومن بيانية بياناً لما في الشقين أو بيانا لما الثانية فقط.

(و) عطف (الملائكة) على ما قبلهم عطف خاص على عام تشريفاً لهم وتعظيماً لدخولهم في المعطوف عليه، وقيل أفرد الملائكة لأنهم أولو أجنحة يطيرون بها أو تكون في السماء خلق يدبون (وهم) أي والحال أنهم (لا يستكبرون) عن عبادة ربهم، والمراد الملائكة ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة وفي هذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله، والمعنى يسجد لله ما في السماوات وما في الأرض والملائكة وهم جميعاً لا يستكبرون عن السجود.

50

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

(يخافون) أي حال كونهم خائفين (ربهم من فوقهم) أو جملة مستأنفة لبيان نفي استكبارهم ومن آثار الخوف عدم الاستكبار أي يخافون عذاب ربهم كائناً من فوقهم أو يخافون ربهم حال كونه من فوقهم عالياً عليهم علو الرتبة والمكانة والقدرة بائناً عنهم بالاستواء على العرش، وقيل معناه يخافون الملائكة فيكون على حذف المضاف أي يخافون ملائكة ربهم كائنين من فوقهم وهو تكلف لا حاجة إليه.

وإنما اقتضى مثل هذه التأويلات البعيدة المحاماة على مذاهب قد رسخت في الأذهان وتقررت في القلوب قيل وهذه المخافة هي مخافة الإجلال واختاره الزجاج فقال: يخافون ربهم خوف مجلين ويدل على صحة هذا المعنى قوله وهو القاهر فوق عباده وقوله إخباراً عن فرعون وإنا فوقهم قاهرون.

(ويفعلون ما يؤمرون) به من طاعة الله يعني الملائكة أو جميع من تقدم ذكره وحمل هذه الجملة على الملائكة أولى لأن في مخلوقات الله من يستكبر عن عبادته ولا يخافه ولا يفعل ما يؤمر به كالكفار والعصاة الذين لا يتصفون بهذه الصفات وإبليس وجنوده، وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءتها وسماعها.

ولما بيَّن سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضيّة منقادة له خاضعة لجلاله أتبع ذلك بالنهي عن الشرك بقوله

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.