Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 128

41

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And those who emigrated for [the cause of] Allah after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

لَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَةُ البَعْثِ بِأنَّها تَبْيِينُ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ مِن هُدًى وضَلالَةٍ، ومِن ذَلِكَ أنْ يَتَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ بِتَبْيِينٍ بِالبَعْثِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا صادِقِينَ بِدَلالَةِ المُضادَّةِ، وأنَّهم مُثابُونَ ومُكَرَّمُونَ، فَلَمّا عُلِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ، وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وأُدْمِجَ مَعَ ذَلِكَ وعْدُهم بِحُسْنِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا مُقابَلَةَ وعِيدِ الكافِرِينَ بِسُوءِ العاقِبَةِ فِيها الواقِعِ بِالتَّعْرِيضِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] .

والمُهاجَرَةُ: مُتارَكَةُ الدِّيارِ لِغَرَضٍ ما. و(في) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ، تَقْدِيرُهُ: هاجَرُوا لِأجْلِ مَرْضاةِ اللَّهِ.

وإسْنادُ فِعْلِ ظَلَمُوا إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ الفاعِلِ مِنَ السِّياقِ، وهو المُشْرِكُونَ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ أصْنافَ الِاعْتِداءِ مِنَ الأذى والتَّعْذِيبِ.

صفحة ١٥٨

والتَّبْوِئَةُ: الإسْكانُ، وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الجَزاءِ بِالحُسْنى عَلى المُهاجَرَةِ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ لِلْمُهاجَرَةِ؛ لِأنَّ المُهاجَرَةَ الخُرُوجُ مِنَ الدِّيارِ فَيُضادُّها الإسْكانُ.

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (هاجَرُوا) و(لَنُبَوِّئَنَّهم) مُحَسِّنُ الطِّباقِ، والمَعْنى: لَنُجازِيَنَّهم جَزاءً حَسَنًا، فَعَبَّرَ عَنِ الجَزاءِ بِالتَّبْوِئَةِ؛ لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَرْكِ المُباءَةِ.

و(حَسَنَةً) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ جارٍ عَلى (نُبَوِّئَنَّهم)، أيْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً.

وهَذا الجَزاءُ يَجْبُرُ كُلَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ المُهاجَرَةُ مِنَ الأضْرارِ الَّتِي لَقِيَها المُهاجِرُونَ مِن مُفارَقَةِ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وما لاقَوْهُ مِنَ الأذى الَّذِي ألْجَأهم إلى المُهاجَرَةِ مِن تَعْذِيبٍ واسْتِهْزاءٍ ومَذَلَّةٍ وفِتْنَةٍ، فالحَسَنَةُ تَشْتَمِلُ عَلى تَعْوِيضِهِمْ دِيارًا خَيْرًا مِن دِيارِهِمْ، ووَطَنًا خَيْرًا مِن وطَنِهِمْ، وهو المَدِينَةُ، وأمْوالًا خَيْرًا مِن أمْوالِهِمْ، وهي ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ ومِنَ الخَراجِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ: هَذا ما وعَدَكَ رَبُّكَ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ، وغَلَبَةً لِأعْدائِهِمْ في الفُتُوحِ، وأهَمُّها فَتْحُ مَكَّةَ، وأمْنًا في حَياتِهِمْ بِما نالُوهُ مِنَ السُّلْطانِ، قالَ تَعالى ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وسَبَبُ النُّزُولِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، أوِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ الهِجْرَةَ الأُولى قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ، وبَقِيَّةُ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ مِثْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وأصْحابِهِ إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى إلى المَدِينَةِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يُنافِي كَوْنَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ولا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ أُولَئِكَ بِهَذا الوَعْدِ.

ثُمَّ أعْقَبَ هَذا الوَعْدَ بِالوَعْدِ العَظِيمِ المَقْصُودِ وهو …

42

ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

لَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَةُ البَعْثِ بِأنَّها تَبْيِينُ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ مِن هُدًى وضَلالَةٍ، ومِن ذَلِكَ أنْ يَتَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ بِتَبْيِينٍ بِالبَعْثِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا صادِقِينَ بِدَلالَةِ المُضادَّةِ، وأنَّهم مُثابُونَ ومُكَرَّمُونَ، فَلَمّا عُلِمَ ذَلِكَ مِنَ السِّياقِ، وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وأُدْمِجَ مَعَ ذَلِكَ وعْدُهم بِحُسْنِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا مُقابَلَةَ وعِيدِ الكافِرِينَ بِسُوءِ العاقِبَةِ فِيها الواقِعِ بِالتَّعْرِيضِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] .

والمُهاجَرَةُ: مُتارَكَةُ الدِّيارِ لِغَرَضٍ ما. و(في) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ، تَقْدِيرُهُ: هاجَرُوا لِأجْلِ مَرْضاةِ اللَّهِ.

وإسْنادُ فِعْلِ ظَلَمُوا إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ الفاعِلِ مِنَ السِّياقِ، وهو المُشْرِكُونَ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ أصْنافَ الِاعْتِداءِ مِنَ الأذى والتَّعْذِيبِ.

صفحة ١٥٨

والتَّبْوِئَةُ: الإسْكانُ، وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الجَزاءِ بِالحُسْنى عَلى المُهاجَرَةِ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ لِلْمُهاجَرَةِ؛ لِأنَّ المُهاجَرَةَ الخُرُوجُ مِنَ الدِّيارِ فَيُضادُّها الإسْكانُ.

وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (هاجَرُوا) و(لَنُبَوِّئَنَّهم) مُحَسِّنُ الطِّباقِ، والمَعْنى: لَنُجازِيَنَّهم جَزاءً حَسَنًا، فَعَبَّرَ عَنِ الجَزاءِ بِالتَّبْوِئَةِ؛ لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى تَرْكِ المُباءَةِ.

و(حَسَنَةً) صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ جارٍ عَلى (نُبَوِّئَنَّهم)، أيْ تَبْوِئَةً حَسَنَةً.

وهَذا الجَزاءُ يَجْبُرُ كُلَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ المُهاجَرَةُ مِنَ الأضْرارِ الَّتِي لَقِيَها المُهاجِرُونَ مِن مُفارَقَةِ دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وما لاقَوْهُ مِنَ الأذى الَّذِي ألْجَأهم إلى المُهاجَرَةِ مِن تَعْذِيبٍ واسْتِهْزاءٍ ومَذَلَّةٍ وفِتْنَةٍ، فالحَسَنَةُ تَشْتَمِلُ عَلى تَعْوِيضِهِمْ دِيارًا خَيْرًا مِن دِيارِهِمْ، ووَطَنًا خَيْرًا مِن وطَنِهِمْ، وهو المَدِينَةُ، وأمْوالًا خَيْرًا مِن أمْوالِهِمْ، وهي ما نالُوهُ مِنَ المَغانِمِ ومِنَ الخَراجِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ لَهُ: هَذا ما وعَدَكَ رَبُّكَ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ، وغَلَبَةً لِأعْدائِهِمْ في الفُتُوحِ، وأهَمُّها فَتْحُ مَكَّةَ، وأمْنًا في حَياتِهِمْ بِما نالُوهُ مِنَ السُّلْطانِ، قالَ تَعالى ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وسَبَبُ النُّزُولِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، أوِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ الهِجْرَةَ الأُولى قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ، وبَقِيَّةُ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ مِثْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وأصْحابِهِ إنْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نازِلَةً بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى إلى المَدِينَةِ، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يُنافِي كَوْنَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ولا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ أُولَئِكَ بِهَذا الوَعْدِ.

ثُمَّ أعْقَبَ هَذا الوَعْدَ بِالوَعْدِ العَظِيمِ المَقْصُودِ وهو …

43

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message if you do not know.

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ فَسَألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] .

كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ جارِيَةً عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْكارِهِمْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ القُرْآنَ وحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، ورَدِّ مَزاعِمِهِمُ الباطِلَةِ بِالأدِلَّةِ القارِعَةِ لَهم مُتَخَلِّلًا بِما أُدْمِجَ في أثْنائِهِ مِن مَعانٍ أُخْرى تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، فَعادَ هُنا إلى إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ في إنْكارِ نُبُوءَتِهِ مِن أنَّهُ بَشَرٌ لا يَلِيقُ بِأنْ يَكُونَ سَفِيرًا بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ، إبْطالًا بِقِياسِ التَّمْثِيلِ بِالرُّسُلِ الأسْبَقِينَ الَّذِينَ لا تُنْكِرُ قُرَيْشٌ رِسالَتَهم مِثْلُ نُوحٍ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [النحل: ٢] .

وقَدْ غُيِّرَ أُسْلُوبُ نَظْمِ الكَلامِ هُنا بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ أنْ كانَ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [النحل: ٣٥] الآيَةَ، تَأْنِيسًا لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ فِيما مَضى مِنَ

صفحة ١٦١

الكَلامِ آنِفًا حِكايَةُ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا، فَأقْبَلَ اللَّهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِالخِطابِ؛ لِما في هَذا الكَلامِ مِن تَنْوِيهِ مَنزِلَتِهِ بِأنَّهُ في مَنزِلَةِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

وفِي هَذا الخِطابِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ التَفَتَ إلى خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ .

وصِيغَةُ القَصْرِ لِقَلْبِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ وقَوْلِهِمْ ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، فَقُصِرَ الإرْسالُ عَلى التَّعَلُّقِ بِرِجالٍ مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم يُوحى إلَيْهِمْ.

ثُمَّ أشْهَدَ عَلى المُشْرِكِينَ بِشَواهِدِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ تَوْبِيخًا لَهم؛ لِأنَّ التَّوْبِيخَ يُناسِبُهُ الخِطابُ؛ لِكَوْنِهِ أوْقَعَ في نَفْسِ المُوَبَّخِ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ، فَهَذا احْتِجاجٌ بِأهْلِ الأدْيانِ السّابِقِينَ أهْلِ الكُتُبِ اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئَةِ.

والذِّكْرُ: كِتابُ الشَّرِيعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في أوَّلِ الحِجْرِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ إيماءً إلى أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم قَصَدُوا المُكابَرَةَ والتَّمْوِيهَ؛ لِتَضْلِيلِ الدَّهْماءِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ في الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي تَرِدُ في الشَّرْطِ المَظْنُونِ عَدَمَ وُجُودِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وما أرْسَلْنا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٤] .

والجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ إذا كانَ مَعْنى الجُمْلَةِ مُفَرَّعًا عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ جَعَلَها في الكَشّافِ مُعْتَرِضَةً عَلى اعْتِبارِ وُجُوهٍ ذَكَرَها في مُتَعَلِّقِ قَوْلِهِ تَعالى بِالبَيِّناتِ.

ونُقِلَ عَنْهُ في سُورَةِ الإنْسانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى …

44

بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

لَمّا اتَّضَحَتِ الحُجَّةُ بِشَواهِدِ التّارِيخِ الَّذِي لا يُنْكَرُ ذُكِرَتِ النَّتِيجَةُ المَقْصُودَةُ، وهو أنَّ ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ إنَّما هو ذِكْرٌ، ولَيْسَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.

صفحة ١٦٣

والذِّكْرُ: الكَلامُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُذْكَرَ، أيْ يُتْلى ويُكَرَّرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ، أيْ ما كُنْتَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ أوْحَيْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ، والذِّكْرُ: ما أُنْزِلَ لِيَقْرَأهُ النّاسُ، ويَتْلُوَهُ تَكْرارًا؛ لِيَتَذَكَّرُوا ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ.

وفِي الِاقْتِصارِ عَلى إنْزالِ الذِّكْرِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ هو بَيِّنَةٌ وزَبُورٌ مَعًا، أيْ هو مُعْجِزَةٌ وكِتابُ شَرْعٍ، وذَلِكَ مِن مَزايا القُرْآنِ الَّتِي لَمْ يُشارِكْهُ فِيها كِتابٌ آخَرُ، ولا مُعْجِزَةٌ أُخْرى، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] .

وفِي الحَدِيثِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» .

والتَّبْيِينُ: إيضاحُ المَعْنى.

والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلْعُمُومِ.

والإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ ماصَدَقَ المَوْصُولَ غَيْرُ الذِّكْرِ المُتَقَدِّمِ، إذْ لَوْ كانَ إيّاهُ لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لِتُبَيِّنَهُ: لِلنّاسِ، ولِذا فالأحْسَنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِما نَزَّلَ إلَيْهِمُ الشَّرائِعَ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ بِها مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَجَعَلَ القُرْآنَ جامِعًا لَها، ومُبَيِّنًا لَها بِبَلِيغِ نَظْمِهِ ووَفْرَةِ مَعانِيهِ؛ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .

وإسْنادُ التَّبْيِينِ إلى النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُبَلِّغُ لِلنّاسِ هَذا البَيانَ والأُمَمِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِذِكْرِ العِلَّةِ الأصْلِيَّةِ في إنْزالِ القُرْآنِ.

صفحة ١٦٤

وفُسِّرَ ﴿ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ بِأنَّهُ عَيْنُ الذِّكْرِ المُنَزَّلِ، أيْ أنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَهُ لِلنّاسِ فَيَكُونُ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ أنَّ إنْزالَ الذِّكْرِ إلى النَّبِيءِ ﷺ هو إنْزالُهُ إلى النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] .

وإنَّما أُتِيَ بِلَفْظِهِ مَرَّتَيْنِ لِلْإيماءِ إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْزالَيْنِ: فَإنْزالُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُباشَرَةً، وإنْزالُهُ إلى إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ.

فالمُرادُ بِالتَّبْيِينِ عَلى هَذا تَبْيِينُ ما في القُرْآنِ مِنَ المَعانِي، وتَكُونُ اللّامُ لِتَعْلِيلِ بَعْضِ الحِكَمِ الحافَّةِ بِإنْزالِ القُرْآنِ، فَإنَّها كَثِيرَةٌ، فَمِنها أنْ يُبَيِّنَهُ النَّبِيءُ ﷺ فَتَحْصُلُ فَوائِدُ العِلْمِ والبَيانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ …

45

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allah will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بَعْدَ أنْ ذُكِرَتْ مَساوِيهِمْ ومَكائِدُهم وبَعْدَ تَهْدِيدِهِمْ بِعَذابِ يَوْمِ البَعْثِ تَصْرِيحًا، وبِعَذابِ الدُّنْيا تَعْرِيضًا فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ تَهْدِيدَهُمُ الصَّرِيحَ بِعَذابِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ اسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِ مِنَ اسْتِرْسالِهِمْ في المُعانَدَةِ غَيْرُ مُقَدِّرِينَ أنْ

صفحة ١٦٥

يَقَعَ ما يُهَدِّدُهم بِهِ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَلا يُقْلِعُونَ عَنْ تَدْبِيرِ المَكْرِ بِالنَّبِيءِ ﷺ، فَكانَتْ حالُهم في اسْتِرْسالِهِمْ كَحالِ مَن هم آمِنُونَ بَأْسَ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ المَشُوبِ بِالتَّوْبِيخِ.

والَّذِينَ مَكَرُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ.

والمَكْرُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى (السَّيِّئاتِ) صِفَةٌ لِمَصْدَرِ (مَكَرُوا) مَحْذُوفًا يُقَدَّرُ مُناسِبًا لِتَأْنِيثِ صِفَتِهِ، فالتَّقْدِيرُ: مَكَرُوا المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، كَما وُصِفَ المَكْرُ بِالسَّيِّئِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، والتَّأْنِيثُ في مِثْلِ هَذا يُقْصَدُ مِنهُ الدَّلالَةُ عَلى مَعْنى الخَصْلَةِ أوِ الفِعْلَةِ، كالغَدْرَةِ لِلْغَدْرِ.

ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ (مَكَرُوا) مَعْنى (اقْتَرَفُوا) فانْتَصَبَ (السَّيِّئاتِ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ الجَرِّ الَّتِي مَعْناها الآلَةُ.

والخَسْفُ: زِلْزالٌ شَدِيدٌ تَنْشَقُّ بِهِ الأرْضُ فَتَحْدُثُ بِانْشِقاقِها هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ تَسْقُطُ فِيها الدِّيارُ والنّاسُ، ثُمَّ تَنْغَلِقُ الأرْضُ عَلى ما دَخَلَ فِيها، وقَدْ أصابَ ذَلِكَ أهْلَ بابِلَ، ومَكانُهم يُسَمّى خَسْفُ بابِلَ. وأصابَ قَوْمَ لُوطٍ إذْ جَعَلَ اللَّهُ عالِيَها سافِلَها، وبِلادُهم مَخْسُوفَةٌ اليَوْمَ في بُحَيْرَةِ لُوطٍ مِن فِلَسْطِينَ.

وخَسَفَ مِن بابِ ضَرَبَ، ويُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، يُقالُ: خَسَفَتِ الأرْضُ، ويُقالُ: خَسَفَ اللَّهُ الأرْضَ، قالَ تَعالى ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، ولا يَتَعَدّى إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ إلّا بِحَرْفِ التَّعْدِيَةِ، والأكْثَرُ أنْ يُعَدّى بِالباءِ كَما هُنا وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، أيْ جَعَلْناها خاسِفَةً بِهِ، فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، كَما يُقالُ: ذَهَبَ بِهِ.

والعَذابُ يَعُمُّ كُلَّ ما فِيهِ تَأْلِيمٌ يَسْتَمِرُّ زَمَنًا؛ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلى الخَسْفِ، وإتْيانُ العَذابِ إلَيْهِمْ: إصابَتُهُ إيّاهم، شُبِّهَ ذَلِكَ بِالإتْيانِ.

صفحة ١٦٦

و﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ مِن مَكانٍ لا يَتَرَقَّبُونَ أنْ يَأْتِيَهم مِنهُ ضُرٌّ، فَمَعْنى ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ؛ لِأنَّهم لِبَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ لا يَبْغَتُهم ما يَحْذَرُونَهُ إذْ قَدْ أعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَكانَ الآتِي مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ عَذابًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَوَقَعَ قَوْلُهُ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ كِنايَةً عَنْ عَذابٍ لا يُطِيقُونَ دَفْعَهُ بِحَسَبِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ، وإلّا فَقَدَ جاءَ العَذابُ عادًا مِن مَكانٍ يَشْعُرُونَ بِهِ، قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وحَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ عَذابُ الطُّوفانِ وهم يَنْظُرُونَ، وكَذَلِكَ عَذابُ الغَرَقِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

46

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure?

﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلْإهْلاكِ قالَ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والتَّقَلُّبُ: السَّعْيُ في شُئُونِ الحَياةِ مِن مُتاجَرَةٍ ومُعامَلَةٍ وسَفَرٍ ومُحادَثَةٍ ومُزاحَمَةٍ، وأصْلُهُ: الحَرَكَةُ إقْبالًا وإدْبارًا، والمَعْنى: أنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ وهم شاعِرُونَ بِمَجِيءِ العَذابِ.

وهَذا قَسِيمُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥]، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] .

وتَفْرِيعُ ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ اعْتِراضٌ، أيْ لا يَمْنَعُهم مِن أخْذِهِ إيّاهم تَقَلُّبُهم شَيْءٌ إذْ لا يُعْجِزُهُ اجْتِماعُهم وتَعاوُنُهم.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيِ المُلابَسَةِ، وهي حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (يَأْخُذَهم) .

صفحة ١٦٧

والتَّخَوُّفُ في اللُّغَةِ يَأْتِي مَصْدَرُ تَخَوَّفَ القاصِرُ بِمَعْنى خافَ ومَصْدَرُ تَخَوَّفَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى (تَنَقَّصَ)، وهَذا الثّانِي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وهي مِنَ اللُّغاتِ الفَصِيحَةِ الَّتِي جاءَ بِها القُرْآنُ.

فَلِلْآيَةِ مَعْنَيانِ: إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى يَأْخُذُهم، وهم في حالَةِ تَوَقُّعِ نُزُولِ العَذابِ بِأنْ يُرِيَهم مُقَدَّماتِهِ؛ مِثْلَ الرَّعْدِ قَبْلَ الصَّواعِقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى يَأْخُذُهم وهم في حالَةِ تَنَقُّصٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَنَقَّصَهم قَبْلَ الأخْذِ بِأنْ يُكْثِرَ فِيهِمُ المَوَتانَ والفَقْرَ والقَحْطَ.

وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ، ومَحَلُّ المَجْرُورِ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (يَأْخُذَهم) وهو كَقَوْلِهِمْ: أخَذَهُ عَلى غِرَّةٍ.

رَوى الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنى التَّخَوُّفِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأرادَ أنْ يَكْتُبَ إلى الأمْصارِ، وأنَّهُ سَألَ النّاسَ، وهو عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ فِيها ؟ فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا، التَّخَوُّفُ: التَّنَقُّصُ، قالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ شاعِرُنا:

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا يَضِلُّ، قالُوا: وما دِيوانُنا ؟ قالَ: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكم.

وتَفَرَّعَ ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ عَلى الجُمَلِ الماضِيَةِ تَفْرِيعَ العِلَّةِ عَلى المُعَلَّلِ، وحَرْفُ (إنَّ) هُنا مُفِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ، ومُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما

صفحة ١٦٨

بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ، فَهي مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَتْهُ الفاءُ، والتَّعْلِيلُ هُنا لِما فُهِمَ مِن مَجْمُوعِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ مِن أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ هَلاكِهِمْ، وأنَّهُ أمْهَلَهم حَتّى نَسُوا بَأْسَ اللَّهِ فَصارُوا كالآمَنِينَ مِنهُ بِحَيْثُ يَسْتَفْهِمُ عَنْهم: أهم آمِنُونَ مِن ذَلِكَ أمْ لا.

47

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]? But indeed, your Lord is Kind and Merciful.

﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلْإهْلاكِ قالَ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والتَّقَلُّبُ: السَّعْيُ في شُئُونِ الحَياةِ مِن مُتاجَرَةٍ ومُعامَلَةٍ وسَفَرٍ ومُحادَثَةٍ ومُزاحَمَةٍ، وأصْلُهُ: الحَرَكَةُ إقْبالًا وإدْبارًا، والمَعْنى: أنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ وهم شاعِرُونَ بِمَجِيءِ العَذابِ.

وهَذا قَسِيمُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥]، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] .

وتَفْرِيعُ ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ اعْتِراضٌ، أيْ لا يَمْنَعُهم مِن أخْذِهِ إيّاهم تَقَلُّبُهم شَيْءٌ إذْ لا يُعْجِزُهُ اجْتِماعُهم وتَعاوُنُهم.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيِ المُلابَسَةِ، وهي حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (يَأْخُذَهم) .

صفحة ١٦٧

والتَّخَوُّفُ في اللُّغَةِ يَأْتِي مَصْدَرُ تَخَوَّفَ القاصِرُ بِمَعْنى خافَ ومَصْدَرُ تَخَوَّفَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى (تَنَقَّصَ)، وهَذا الثّانِي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وهي مِنَ اللُّغاتِ الفَصِيحَةِ الَّتِي جاءَ بِها القُرْآنُ.

فَلِلْآيَةِ مَعْنَيانِ: إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى يَأْخُذُهم، وهم في حالَةِ تَوَقُّعِ نُزُولِ العَذابِ بِأنْ يُرِيَهم مُقَدَّماتِهِ؛ مِثْلَ الرَّعْدِ قَبْلَ الصَّواعِقِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى يَأْخُذُهم وهم في حالَةِ تَنَقُّصٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَنَقَّصَهم قَبْلَ الأخْذِ بِأنْ يُكْثِرَ فِيهِمُ المَوَتانَ والفَقْرَ والقَحْطَ.

وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ، ومَحَلُّ المَجْرُورِ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في (يَأْخُذَهم) وهو كَقَوْلِهِمْ: أخَذَهُ عَلى غِرَّةٍ.

رَوى الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنى التَّخَوُّفِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأرادَ أنْ يَكْتُبَ إلى الأمْصارِ، وأنَّهُ سَألَ النّاسَ، وهو عَلى المِنبَرِ: ما تَقُولُونَ فِيها ؟ فَقامَ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ فَقالَ: هَذِهِ لُغَتُنا، التَّخَوُّفُ: التَّنَقُّصُ، قالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ شاعِرُنا:

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا يَضِلُّ، قالُوا: وما دِيوانُنا ؟ قالَ: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكم.

وتَفَرَّعَ ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ عَلى الجُمَلِ الماضِيَةِ تَفْرِيعَ العِلَّةِ عَلى المُعَلَّلِ، وحَرْفُ (إنَّ) هُنا مُفِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ، ومُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما

صفحة ١٦٨

بَيَّنَهُ عَبْدُ القاهِرِ، فَهي مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَتْهُ الفاءُ، والتَّعْلِيلُ هُنا لِما فُهِمَ مِن مَجْمُوعِ المَذْكُوراتِ في الآيَةِ مِن أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَعْجِيلِ هَلاكِهِمْ، وأنَّهُ أمْهَلَهم حَتّى نَسُوا بَأْسَ اللَّهِ فَصارُوا كالآمَنِينَ مِنهُ بِحَيْثُ يَسْتَفْهِمُ عَنْهم: أهم آمِنُونَ مِن ذَلِكَ أمْ لا.

48

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ

Have they not considered what things Allah has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allah, while they are humble.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ بَعْدَ أنْ نَهَضَتْ بَراهِينُ انْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ بِما ذَكَرَ مِن تَعْدادِ مَخْلُوقاتِهِ العَظِيمَةِ جاءَ الِانْتِقالُ إلى دَلالَةٍ مِن حالِ الأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ كُلِّها مُشْعِرَةً بِخُضُوعِها لِلَّهِ تَعالى خُضُوعًا مُقارِنًا لِوُجُودِها، وتَقَلُّبِها آنًا فَآنًا عَلِمَ بِذَلِكَ مَن عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، وأنْبَأ عَنْهُ لِسانُ الحالِ بِالنِّسْبَةِ لِما لا عِلْمَ لَهُ، وهو ما خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ النِّظامَ الأرْضِيَّ خَلْقًا يَنْطِقُ لِسانُ حالِهِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ في أشَدِّ الأعْراضِ مُلازَمَةً لِلذَّواتِ، ومُطابَقَةً لِأشْكالِها وهو الظِّلُّ.

وقَدْ مَضى تَفْصِيلُ هَذا الِاسْتِدْلالِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ قَدْ رَأوْا، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ بِتَحْتِيَّةٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (أوَلَمْ تَرَوْا) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

و﴿مِن شَيْءٍ﴾ بَيانٌ لِلْإبْهامِ الَّذِي في (ما) المَوْصُولَةِ، وإنَّما كانَ بَيانًا بِاعْتِبارِ ما جَرى عَلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ بِجُمْلَةِ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ الآيَةَ.

صفحة ١٦٩

والتَّفَيُّؤُ: تَفَعُّلُ مِن فاءَ الظِّلُّ فَيْئًا، أيْ عادَ بَعْدَ أنْ أزالَهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ، لَعَلَّ أصْلَهُ مِن (فاءَ) إذا رَجَعَ بَعْدَ مُغادَرَةِ المَكانِ، وتَفَيُّؤُ الظِّلالِ تَنَقُّلُها مِن جِهاتٍ بَعْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وبَعْدَ زَوالِها.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الظِّلالِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

وقَوْلُهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾، أيْ عَنْ جِهاتِ اليَمِينِ وجِهاتِ الشَّمائِلِ مَقْصُودٌ بِهِ إيضاحُ الحالَةِ العَجِيبَةِ لِلظِّلِّ إذْ يَكُونُ عَنْ يَمِينِ الشَّخْصِ مَرَّةً وعَنْ شِمالِهِ أُخْرى، أيْ إذا اسْتَقْبَلَ جِهَةً ما ثُمَّ اسْتَدْبَرَها.

ولَيْسَ المُرادُ خُصُوصَ اليَمِينِ والشِّمالِ، بَلْ كَذَلِكَ الأمامُ والخَلْفُ، فاخْتُصِرَ الكَلامُ.

وأُفْرِدَ اليَمِينُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جِنْسُ الجِهَةِ كَما يُقالُ المَشْرِقُ، وجَمْعُ الشَّمائِلِ مُرادًا بِهِ تَعَدُّدُ جِنْسِ جِهَةِ الشَّمالِ بِتَعَدُّدِ أصْحابِها، كَما قالَ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ﴾ [المعارج: ٤٠]، فالمُخالَفَةُ بِالإفْرادِ والجَمْعِ تَفَنُّنٌ.

ومَجِيءُ فِعْلِ يَتَفَيَّأُ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ جَرى عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في الفِعْلِ: إذا كانَ فاعِلُهُ جَمْعًا غَيْرَ جَمْعِ تَصْحِيحٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (تَتَفَيَّأُ) بِفَوْقِيَّتَيْنِ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ.

وأُفْرِدَ الضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (ظِلالُ) مُراعاةً لِلَفْظِ (شَيْءٍ) وإنْ كانَ في المَعْنى مُتَعَدِّدًا، وبِاعْتِبارِ المَعْنى أُضِيفَ إلَيْهِ الجَمْعُ.

و(سُجَّدًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (ظِلالُهُ) العائِدِ إلى (مِن شَيْءٍ) فَهو قَيْدٌ لِلتَّفَيُّؤِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ التَّفَيُّؤَ يُقارِنُهُ السُّجُودُ مُقارَنَةَ الحُصُولِ ضِمْنَهُ، وقَدْ مَضى بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم داخِرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في …

49

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

And to Allah prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ لَمّا ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ السُّجُودُ القَسْرِيُّ ذُكِرَ بَعْدَهُ هُنا سُجُودٌ آخَرُ بَعْضُهُ اخْتِيارٌ، وفي بَعْضِهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى فِعْلِهِ مُؤْذِنٌ بِالحَصْرِ، أيْ يَسْجُدُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ.

وأُوثِرَتْ (ما) المَوْصُولَةُ دُونَ (مَن) تَغْلِيبًا لِكَثْرَةِ غَيْرِ العُقَلاءِ.

ومِن دابَّةٍ بَيانٌ لِـ ما في الأرْضِ، إذِ الدّابَّةُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ غَيْرُ الإنْسانِ.

ومَعْنى سُجُودِ الدَّوابِّ لِلَّهِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ في تَفْكِيرِها الإلْهامِيِّ التِذاذَها بِوُجُودِها، وبِما هي فِيهِ مِنَ المَرَحِ والأكْلِ والشُّرْبِ، وتَطْلُبُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِها مِنَ المُتَغَلِّبِ، ومِنَ العَوارِضِ بِالمُدافَعَةِ أوْ بِالتَّوَقِّي، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُلائِماتِ، فَحالُها بِذَلِكَ كَحالِ شاكِرٍ تَتَيَسَّرُ تِلْكَ المُلائِماتُ لَها، وإنَّما تَيْسِيرُها لَها مِمَّنْ فَطَرَها، وقَدْ تَصْحَبُ أحْوالَ تَنَعُّمِها حَرَكاتٌ تُشْبِهُ إيماءَ الشّاكِرِ المُقارِبِ لِلسُّجُودِ، ولَعَلَّ مِن حَرَكاتِها ما لا يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ؛ لِخَفائِهِ وجَهْلِهِمْ بِأوْقاتِهِ، وإطْلاقُ السُّجُودِ عَلى هَذا مَجازٌ.

ويَشْمَلُ ما في السَّماواتِ مَخْلُوقاتٍ غَيْرَ المَلائِكَةِ، مِثْلَ الأرْواحِ، أوْ يُرادُ بِـ (السَّماواتِ) الأجْواءُ فَيُرادُ بِما فِيها الطُّيُورُ والفَراشُ.

صفحة ١٧١

وفِي ذِكْرِ أشْرَفِ المَخْلُوقاتِ وأقَلِّها تَعْرِيضٌ بِذَمِّ مَن نَزَلَ مِنَ البَشَرِ عَنْ مَرْتَبَةِ الدَّوابِّ في كُفْرانِ الخالِقِ، وبِمَدْحِ مَن شابَهَ مِنَ البَشَرِ حالَ المَلائِكَةِ.

وفِي جَعْلِ الدَّوابِّ والمَلائِكَةِ مَعْمُولَيْنِ لِـ (يَسْجُدُ) اسْتِعْمالٌ لِلَفْظٍ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِأنَّهم ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَعْرِيضٌ بِبُعْدِ المُشْرِكِينَ عَنْ أوْجِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .

والفَوْقِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَوْقِيَّةُ تَصَرُّفٍ ومِلْكٍ وشَرَفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أيْ يُطِيعُونَ، ولا تَصْدُرُ مِنهم مُخالَفَةٌ.

وهُنا مَوْضِعُ سُجُودٍ لِلْقارِئِ بِالِاتِّفاقِ، وحِكْمَتُهُ هُنا: إظْهارُ المُؤْمِنِ أنَّهُ مِنَ الفَرِيقِ المَمْدُوحِ بِأنَّهُ مُشابِهٌ لِلْمَلائِكَةِ في السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى.

50

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ لَمّا ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ السُّجُودُ القَسْرِيُّ ذُكِرَ بَعْدَهُ هُنا سُجُودٌ آخَرُ بَعْضُهُ اخْتِيارٌ، وفي بَعْضِهِ شِبْهُ اخْتِيارٍ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى فِعْلِهِ مُؤْذِنٌ بِالحَصْرِ، أيْ يَسْجُدُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ.

وأُوثِرَتْ (ما) المَوْصُولَةُ دُونَ (مَن) تَغْلِيبًا لِكَثْرَةِ غَيْرِ العُقَلاءِ.

ومِن دابَّةٍ بَيانٌ لِـ ما في الأرْضِ، إذِ الدّابَّةُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ غَيْرُ الإنْسانِ.

ومَعْنى سُجُودِ الدَّوابِّ لِلَّهِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ في تَفْكِيرِها الإلْهامِيِّ التِذاذَها بِوُجُودِها، وبِما هي فِيهِ مِنَ المَرَحِ والأكْلِ والشُّرْبِ، وتَطْلُبُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِها مِنَ المُتَغَلِّبِ، ومِنَ العَوارِضِ بِالمُدافَعَةِ أوْ بِالتَّوَقِّي، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُلائِماتِ، فَحالُها بِذَلِكَ كَحالِ شاكِرٍ تَتَيَسَّرُ تِلْكَ المُلائِماتُ لَها، وإنَّما تَيْسِيرُها لَها مِمَّنْ فَطَرَها، وقَدْ تَصْحَبُ أحْوالَ تَنَعُّمِها حَرَكاتٌ تُشْبِهُ إيماءَ الشّاكِرِ المُقارِبِ لِلسُّجُودِ، ولَعَلَّ مِن حَرَكاتِها ما لا يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ؛ لِخَفائِهِ وجَهْلِهِمْ بِأوْقاتِهِ، وإطْلاقُ السُّجُودِ عَلى هَذا مَجازٌ.

ويَشْمَلُ ما في السَّماواتِ مَخْلُوقاتٍ غَيْرَ المَلائِكَةِ، مِثْلَ الأرْواحِ، أوْ يُرادُ بِـ (السَّماواتِ) الأجْواءُ فَيُرادُ بِما فِيها الطُّيُورُ والفَراشُ.

صفحة ١٧١

وفِي ذِكْرِ أشْرَفِ المَخْلُوقاتِ وأقَلِّها تَعْرِيضٌ بِذَمِّ مَن نَزَلَ مِنَ البَشَرِ عَنْ مَرْتَبَةِ الدَّوابِّ في كُفْرانِ الخالِقِ، وبِمَدْحِ مَن شابَهَ مِنَ البَشَرِ حالَ المَلائِكَةِ.

وفِي جَعْلِ الدَّوابِّ والمَلائِكَةِ مَعْمُولَيْنِ لِـ (يَسْجُدُ) اسْتِعْمالٌ لِلَفْظٍ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِأنَّهم ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تَعْرِيضٌ بِبُعْدِ المُشْرِكِينَ عَنْ أوْجِ تِلْكَ المَرْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .

والفَوْقِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَوْقِيَّةُ تَصَرُّفٍ ومِلْكٍ وشَرَفٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أيْ يُطِيعُونَ، ولا تَصْدُرُ مِنهم مُخالَفَةٌ.

وهُنا مَوْضِعُ سُجُودٍ لِلْقارِئِ بِالِاتِّفاقِ، وحِكْمَتُهُ هُنا: إظْهارُ المُؤْمِنِ أنَّهُ مِنَ الفَرِيقِ المَمْدُوحِ بِأنَّهُ مُشابِهٌ لِلْمَلائِكَةِ في السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.