Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 128

41

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَلَأَجْرُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

And those who emigrated for [the cause of] Allah after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - تَفْصِيلًا لِفَرِيقَيِ المُبَيَّنِ لَهُمْ؛ وتَرْغِيبًا في الهِجْرَةِ؛ لِأنَّها بَعْدَ الإيمانِ أوْثَقُ عُرى الإسْلامِ -: ”فالَّذِينَ كَفَرُوا واغْتَرُّوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ العَرَضِ الفانِي؛ لَنُخْزِيَنَّهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولَنُجازِيَنَّهم بِجَمِيعِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا المُهاجَرَةَ؛ فِرارًا بِدِينِهِمْ؛ فَهَجَرُوا آباءَهُمْ؛ وأبْناءَهُمْ؛ وأقارِبَهُمْ؛ مِنَ الكُفّارِ؛ ودِيارَهُمْ؛ وجَمِيعَ ما نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ بَعْدَما تَمادى المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ عَلى إيذائِهِمْ؛ فَتَرَكُوا لَهم بِلادَهم.

ولَمّا كانَتْ هِجْرَتُهم لَمْ تَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ؛ لِمَوْتِ بَعْضِ مَن هَجَرُوهُ؛ وإسْلامِ آخَرِينَ؛ بَعْدَ احْتِمالِهِمْ لِظُلْمِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾؛ أيْ: وقَعَ ظُلْمُهم مِنَ الكُفّارِ؛ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَحْذُورَ وُقُوعُ الظُّلْمِ؛ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: نُوجِدُ لَهم مُنْزَلًا؛ هو أهْلٌ لِأنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ؛ بِما لَنا مِنَ المَلائِكَةِ؛ وغَيْرِهِمْ مِنَ الجُنُودِ؛ وجَمِيعِ العَظَمَةِ؛ ﴿فِي الدُّنْيا﴾؛ مَباءَةً؛ ﴿حَسَنَةً﴾؛ كَبِيرَةً؛ عَظِيمَةً؛ جَزاءً لَهم عَلى خِدْمَتِنا؛ بِأنْ نُعْلِيَ أمْرَهُمْ؛ وإنْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ؛ كَما يَراهُ مَن يَتَدَبَّرُ؛ بِمَنعِي لِأوْلِيائِي؛ عَلى قِلَّتِهِمْ؛ وسَيَنْكَشِفُ الأمْرُ عَمّا قَرِيبٍ؛ انْكِشافًا لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ؛ فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى ما قَبْلَها.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولَنُبَوِّئَنَّهم في الآخِرَةِ أجْرًا كَبِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ﴾؛ المُعَدُّ لَهُمْ؛ ﴿أكْبَرُ﴾؛ مِمّا جَعَلْتُهُ لَهم في الدُّنْيا؛ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفّارُ لَهم - بِجِبِلّاتِهِمْ - عِلْمٌ؛ بِأنْ يَكُونَ لَهم عَقْلٌ يَتَدَبَّرُونَ بِهِ؛ لَعَلِمُوا - بِإحْسانِي إلى أوْلِيائِي في الدُّنْيا؛ مِن مَنعِي لَهم مِنهُمْ؛ في عِنادِهِمْ؛ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؛ وقِلَّتِهِمْ؛ وإسْباغِي لِنِعَمِي عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما في الأماكِنِ الَّتِي هاجَرُوا إلَيْها مِنَ الحَبَشَةِ؛ والمَدِينَةِ؛ وغَيْرِهِما؛ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في مَنعِها عَنْهم - أنِّي أجْمَعُ لِأوْلِيائِي الدّارَيْنِ؛ وأنَّ إحْسانِي إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ أعْظَمُ؛ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ: ”خُذْ؛ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ؛ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا؛ وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرُ وأفْضَلُ“؛ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

42

ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

ولَمّا نَبَّهَ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ وكانَ فِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ نَوْعُ غُمُوضٍ؛ لِظُهُورِ الكَفَرَةِ في بادِي الرَّأْيِ؛ وصَفَهم بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الِاسْتِجْلابِ لِتَمامِهِ؛ حَثًّا؛ وإلْهابًا؛ فَقالَ (تَعالى) - واصِفًا لِلْمُهاجِرِينَ؛ بَيانًا لِأصْلِ ما حَمَلَهم عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ هَذا الأجْرَ الجَزِيلَ -: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾؛ أيْ: اسْتَعْمَلُوا الصَّبْرَ عَلى ما نابَهم مِنَ المَكارِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في الإقامَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مُدَّةً؛ ثُمَّ في الهِجْرَةِ؛ بِمُفارَقَةِ الوَطَنِ؛ الَّذِي هو حَرَمُ اللَّهِ؛ المُشْرَبُ حُبُّهُ لِكُلِّ قَلْبٍ؛ فَكَيْفَ بِقُلُوبِ مَن هو مَسْقَطُ رُؤُوسِهِمْ؛ ومَأْلَفُ أبْدانِهِمْ؛ ونُفُوسِهِمْ؛ وفي بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَفَتَ الكَلامَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى ما يَحْمِلُ عَلى التَّوَكُّلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وعَلى رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ بِإيجادِهِمْ؛ وهِدايَتِهِمْ؛ وحْدَهُ؛ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ في كُلِّ حالَةٍ يُرِيدُونَها؛ رِضًا بِقَضاءِ اللَّهِ (تَعالى).

43

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۚ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message if you do not know.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ؛ وكانَ عاقِبَةُ مَن كَذَّبَهُمُ الهَلاكَ؛ بِدَلالَةِ آثارِهِمْ؛ وكانُوا قَدْ قَدَحُوا في الرِّسالَةِ؛ بِكَوْنِ الرَّسُولِ بَشَرًا؛ ثُمَّ بِكَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَلَكٌ يُؤَيِّدُهُ؛ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ خَلْقِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ لِكَوْنِهِ أفْهَمَهم عَنْهُ؛ مَعَ أنَّهُ أجَلُّ مَن تَوَكَّلَ وصَبَرَ؛ عائِدًا إلى مَظْهَرِ الجَلالِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ يُظْهِرُ مَن يَشاءُ عَلى مَن يَشاءُ -: ﴿وما أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ إنَّما كانَ في بَعْضِ الأزْمِنَةِ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ إلى الأُمَمِ مِن طَوائِفِ البَشَرِ؛ ﴿إلا رِجالا﴾؛ لا مَلائِكَةً؛ بَلْ آدَمِيِّينَ؛ هم في غايَةِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّوَكُّلِ؛ والصَّبْرِ؛ الَّذِي هو مَحَطُّ الرِّجْلَةِ؛ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾؛ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ؛ وما أحْسَنَ تَعْقِيبَ ذَلِكَ لِلصّابِرِينَ! لِأنَّ الرُّسُلَ أصْبَرُ النّاسِ.

ولَمّا كانُوا قَدْ فَزِعُوا إلى سُؤالِ أهْلِ الكِتابِ في بَعْضِ الأُمُورِ؛ وكانُوا قَدْ أُوتُوا عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ سَبَّبَ عَنْ هَذا الإخْبارِ الأمْرَ بِسُؤالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لَهُمْ؛ ولِكُلٍّ مَن أرادَ الِاسْتِثْباتَ مِن غَيْرِهِمْ -: ﴿فاسْألُوا﴾؛ أيْ: أيُّها المُكَذِّبُونَ؛ ومَن أرادَ؛ مِن سِواهُمْ؛ ﴿أهْلَ الذِّكْرِ﴾؛ أيْ: العِلْمِ بِالكِتابِ؛ سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّ الذِّكْرَ - الَّذِي هو ضِدُّ السَّهْوِ - بِمَنزِلَةِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْهِ؛ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ؛ كَأنَّ الجاهِلَ ساهٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ ساهِيًا؛ وكَذا الذِّكْرُ - الَّذِي هو الكَلامُ المَذْكُورُ - سَبَبٌ لِلْعِلْمِ.

ولَمّا كانَ عِنْدَهم حِسٌّ مِن ذَلِكَ؛ بِسَماعِ أخْبارِ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أوْ هو التَّنْفِيرُ مِنَ الرِّضا بِالجَهْلِ.

44

بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

ولَمّا كانَتْ رُسُلُ المُلُوكِ تَقْتَرِنُ بِما يُعَرِّفُ بِصِدْقِهِمْ؛ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ دَلالَةٍ أُرْسِلُوا؟ -: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾؛ المُعَرِّفَةِ بِصِدْقِهِمْ؛ ﴿والزُّبُرِ﴾؛ أيْ: الكُتُبِ الهادِيَةِ إلى أوامِرِ مُرْسِلِهِمْ.

ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ الأدِلَّةِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِذِكْرِهِ؛ مَدْلُولًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ بِواوِ العَطْفِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”وكَذَلِكَ أرْسَلْناكَ بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ“ -: ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: وأنْتَ أشْرَفُ الخَلْقِ؛ ﴿الذِّكْرَ﴾؛ أيْ: الكِتابَ المُوجِبَ لِلذِّكْرِ؛ المُعْلِيَ لِلْقَدْرِ؛ المُوصِلَ إلى مَنازِلِ الشَّرَفِ؛ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ﴾؛ كافَّةً؛ بِما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الفَهْمِ؛ الَّذِي فُقْتَ فِيهِ جَمِيعَ الخَلْقِ؛ واللِّسانِ الَّذِي هو أعْظَمُ الألْسِنَةِ؛ وأفْصَحُها؛ وقَدْ أوْصَلَكَ اللَّهُ فِيهِ إلى رُتْبَةٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْها أحَدٌ؛ ﴿ما نُـزِّلَ﴾؛ أيْ: وقَعَ تَنْزِيلُهُ ﴿إلَيْهِمْ﴾؛ مِن هَذا الشَّرْعِ الحادِي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ بِتَبْيِينِ المُجْمَلِ؛ وشَرْحِ ما أُشْكِلَ؛ مِن عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ؛ الَّذِي رَأْسُهُ التَّوْحِيدُ؛ ومِنَ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وهو شامِلٌ لِبَيانِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ لِأهْلِها؛ لِيَدُلَّهم عَلى ما نُسِخَ؛ وعَلى ما بَدَّلُوهُ فَمُسِخَ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَعَلَّهم بِحُسْنِ بَيانِكَ يَعْمَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - بَيانًا لِشَرَفِ العِلْمِ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ إذا نَظَرُوا أسالِيبَهُ الفائِقَةَ؛ ومَعانِيَهُ العالِيَةَ الرّائِقَةَ؛ فَيَصِلُوا بِالفِكْرِ فِيهِ - بِسَبَبِ ما فَتَحْتُ لَهم مِن أبْوابِ البَيانِ - إلى حالاتِ المَلائِكَةِ؛ بِأنْ تَغْلِبَ أرْواحُهم عَلى أشْباحِهِمْ؛ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ (تَعالى) واحِدٌ؛ قادِرٌ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ وأنَّهُ يُقِيمُ النّاسَ لِلْجَزاءِ؛ فَيُطِيعُونَهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً؛ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ شَرَفَيِ الطّاعَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها الأرْواحُ؛ والِانْكِفافِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلَيْها النُّفُوسُ بِواسِطَةِ الأشْباحِ.

45

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allah will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

ولَمّا نَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى التَّفَكُّرِ؛ وكانَ داعِيًا لِلْعاقِلِ إلى تَجْوِيزِ المُمْكِنِ؛ والبُعْدِ مِنَ الخَطَرِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ إنْكارَ الأمْنِ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أفَأمِنَ﴾؛ أيْ: أتَفَكَّرُوا؛ فَتابُوا؛ أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى عُتُوِّهِمْ؟ أفَأمِنَ ﴿الَّذِينَ مَكَرُوا﴾؛ بِالِاحْتِيالِ في قَتْلِ الأنْبِياءِ؛ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ؛ الَّذِي أرْسَلَهم بِهِ؛ المَكْراتِ ﴿السَّيِّئاتِ أنْ﴾؛ يُجازَوْا مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ؛ بِأنْ ﴿يَخْسِفَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿بِهِمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الأرْضَ﴾؛ فَإذا هم في بَطْنِها؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَوْعِ تَقَلُّبٍ بِمُدافَعَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ كَما فُعِلَ بِقارُونَ وأصْحابِهِ؛ وبِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِن قَبْلِهِمْ؛ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾؛ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ؛ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ بِهِ في حالَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ شُعُورًا ما؛ وهم في حالِ سُكُونٍ؛ ودَعَةٍ؛ بِنَوْمٍ؛ أوْ غَفْلَةٍ؛

46

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure?

﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾؛ ؛ أيْ: اللَّهُ؛ بِعَذابِهِ؛ ﴿فِي﴾؛ حالَ ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾؛ وتَصَرُّفُهُمْ؛ ومَشاعِرُهم حاضِرَةٌ وقُواهم مُسْتَجْمَعَةٌ.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ مَفْرُوضَةً في حالِ أمْنِهِمْ مِنَ العَذابِ؛ وكانَ الأمْنُ مِنَ العَدُوِّ يَكُونُ عَنْ ظَنِّ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أيْ: في حالَةٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ؛ سَواءٌ عَلَيْنا غَفْلَتُهُمْ؛ ويَقَظَتُهُمْ؛

47

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍۢ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]? But indeed, your Lord is Kind and Merciful.

ولَمْ يُعَلِّلْ ما بَعْدَهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُتَخَوَّفَ مُجَوِّزٌ لِلْعَجْزِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ أخْذَ غَضَبٍ؛ ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾؛ مِنهم مِنَ العَذابِ؛ وتَحَفُّظٍ مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ بِمَن قَبْلَهُمْ؛ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما مَضى عَذابُ الِاسْتِئْصالِ؛ وبِهَذا الأخْذُ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ فَإنَّ التَّخَوُّفَ التَّنَقُّصُ عِنْدَ هُذَيْلٍ؛ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَألَ النّاسَ عَنْها؛ فَسَكَتُوا؛ فَأجابَهُ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها؟“؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ شاعِرُنا؛ أبُو كَثِيرٍ الهُذَلِيُّ؛ يَصِفُ ناقَةً:

؎تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”أيُّها النّاسُ؛ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا يَضِلَّ“؛ قالُوا: وما دِيوانُنا؟ قالَ: ”شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكُمْ؛ ومَعانِيَ كَلامِكُمْ“.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَمْ يَأْمَنُوا ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ“؛ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِاللَّهِ - لِطُولِ أناتِهِ؛ وحِلْمِهِ – غَرَّهُمْ"؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ - التِفاتًا إلى الخِطابِ؛ اسْتِعْطافًا -: ﴿فَإنَّ رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكم بِإهْلاكِ مَن يُرِيدُ؛ وإبْقاءِ مَن يُرِيدُ؛ ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِنَوْعِ وسِيلَةٍ؛ وكَذا لِمَن قاطَعَهُ أتَمَّ مُقاطَعَةٍ؛ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إمْهالِهِ لَهم في كُفْرِهِمْ؛ وطُغْيانِهِمْ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمُ؛ العِلْمُ بِأنَّ تَرْكَهُ لِمُعاجَلَتِهِمْ ما هو إلّا لِرَأْفَتِهِ؛ ورَحْمَتِهِ.

48

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ

Have they not considered what things Allah has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allah, while they are humble.

ولَمّا خَوَّفَهُمْ؛ دَلَّ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ؛ عَلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”أوَلَمْ يَرَوْا إلى عَجْزِهِمْ عَمّا يُرِيدُونَ؛ وقَسْرِهِ لَهم عَلى ما لا يُرِيدُونَ؛ فَيَعْلَمُوا بِذَلِكَ قُدْرَتَهُ وعَجْزَهُمْ؛ فَيَعْلَمُوا أنَّ عَفْوَهُ عَنْ جَرائِمِهِمْ إحْسانٌ مِنهُ إلَيْهِمْ؛ ولُطْفٌ بِهِمْ“ -: ﴿أوَلَمْ﴾؛ ولَمّا كانَ حَقُّهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ أعْرَضَ عَنْهُمْ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ تَخْوِيفًا فَقالَ (تَعالى): ﴿يَرَوْا﴾؛ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ؛ والكِسائِيُّ؛ بِالخِطابِ؛ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: يَنْظُرُوا بِعُيُونِ الإبْصارِ؛ مُتَفَكِّرِينَ بِالبَصائِرِ؛ وبَيَّنَ بُعْدَهم عَنِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: لَهُ ظِلٌّ؛ ﴿يَتَفَيَّأُ﴾؛ أيْ: تَتَرَجَّعُ إلى جِهَةِ الشّاخِصِ؛ ﴿ظِلالُهُ﴾؛ وهو ما سَتَرَهُ الشّاخِصُ عَنِ الشَّمْسِ؛ مُتَجاوِزَةً لَهُ؛ ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾؛ وهي ما عَلى يَمِينِ المُسْتَدِيرِ لِلشِّمالِ؛ المُسْتَقْبِلِ لِلْجَنُوبِ؛ الَّذِي هو ناحِيَةُ الكَعْبَةِ لِمَن في بِلادِ الشّامِ؛ الَّتِي هي مَسْكَنُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وأفْرَدَ لِأنَّ الظِّلَّ يَكُونُ أوَّلَ ما تُشْرِقُ الشَّمْسُ مُسْتَقِيمًا إلى تِلْكَ الجِهَةِ؛ عَلى اسْتِواءٍ؛ وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمائِلِ﴾؛ لِأنَّ الشَّمْسَ كُلَّما ارْتَفَعَتْ تَحَوَّلَ ذَلِكَ الظِّلُّ راجِعًا إلى جِهَةِ ما وراءَ الشّاخِصِ؛ ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَنْتَصِبَ عِنْدَ الغُرُوبِ إلى جِهَةِ يَسارِهِ؛ قَصْدًا عَلى ضِدِّ ما كانَ انْتَصَبَ إلَيْهِ عِنْدَ الشُّرُوقِ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ انْتِصابِهِ إلى جِهَةِ اليَمِينِ طالِبًا في تَفَيُّئِهِ جِهَةَ اليَسارِ؛ سُمِّيَتْ تِلْكَ الجِهاتُ الَّتِي تَفَيَّأ فِيها بِاسْمِ ما هو طالِبُهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ الجَيِّدِ المُسْتَقِيمِ؛ وكَثْرَةِ المُنْحَرِفِ الرَّدِيءِ.

ولَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الخاضِعِينَ أدَلَّ عَلى القَهْرِ؛ وأهْيَبَ؛ جَمَعَ؛ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى ”ما“؛ في قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ خُضَّعًا ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ بِما فِيهِمْ مِنَ الحاجَةِ إلى مُدَبِّرِهِمْ.

ولَمّا كانَ امْتِدادُ الظِّلِّ قَسْرِيًّا لا يُمْكِنُ أحَدًا الِانْفِصالُ عَنْهُ؛ قالَ - جامِعًا بِالواوِ والنُّونِ؛ تَغْلِيبًا -: ﴿وهم داخِرُونَ﴾؛ ذُلًّا وصَغارًا؛ لا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنهم عَلى تَصْرِيفِهِ؛ وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ؛ لِسُرْعَةِ تَغَيُّرِهِ؛ والتَّغَيُّرُ دالٌّ عَلى المُغَيِّرِ.

49

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍۢ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

And to Allah prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

ولَمّا حَكَمَ عَلى الظِّلالِ بِما عَمَّ أصْحابَها مِن جَمادٍ؛ وحَيَوانٍ؛ وكانَ الحَيَوانُ أشْرَفَ مِنَ الجَمادِ؛ رَقّى الحُكْمَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أيْ: يَخْضَعُ بِالِانْقِيادِ لِلْمَقادِيرِ؛ والجَرْيِ تَحْتَ الأقْضِيَةِ؛ وعَبَّرَ بِما هو ظاهِرٌ في غَيْرِ العُقَلاءِ؛ مَعَ شُمُولِهِ لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْمُبالَغَةِ في إثْباتِ الحُكْمِ عَلى الطّائِعِ؛ والعاصِي؛ أعادَ المَوْصُولَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن دابَّةٍ﴾؛ أيْ: عاقِلَةٍ؛ وغَيْرِ عاقِلَةٍ.

ولَمّا كانَ المُقَرَّبُ قَدْ يَسْتَهِينُ بِمَن يُقَرِّبُهُ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِخُضُوعِ المُقَرَّبِينَ؛ تَخْصِيصًا لَهُمْ؛ وإنْ كانَ الكَلامُ قَدْ شَمِلَهم -: ﴿والمَلائِكَةُ﴾

ولَمّا كانَ الخاضِعُ قَدْ يُحْكَمُ بِخُضُوعِهِ؛ وإنْ كانَ باطِنُهُ مُخالِفًا لِظاهِرِهِ؛ قالَ - دالًّا عَلى أنَّ في غَيْرِهِمْ مَن يَسْتَكْبِرُ؛ فَيَكُونُ انْقِيادُهُ لِلْإرادَةِ كَرْهًا؛ وعَبَّرَ عَنِ السُّجُودَيْنِ: المُوافِقِ لِلْأمْرِ والإرادَةِ طَوْعًا؛ والمُوافِقِ لِلْإرادَةِ؛ المُخالِفِ لِلْأمْرِ كَرْهًا؛ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ مَفْهُومَيِ المُشْتَرَكِ؛ والحَقِيقَةِ والمَجازِ بِلَفْظٍ -: ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ؛ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛

50

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۩

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

ثُمَّ عَلَّلَ خُضُوعَهم بِقَوْلِهِ - دَلالَةً عَلى أنَّهم كَغَيْرِهِمْ في الوُقُوفِ بَيْنَ الخَوْفِ؛ والرَّجاءِ -: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: المُوجِدَ لَهُمْ؛ المُدَبِّرَ لِأُمُورِهِمْ؛ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ؛ خَوْفًا مُبْتَدِئًا ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ إشارَةً إلى عُلُوِّ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ؛ وغَلَبَتِهِ لَهُمْ؛ أوْ حالَ كَوْنِ رَبِّهِمْ؛ مَعَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ لَهُ العُلُوُّ والجَبَرُوتُ؛ فَهو المَخُوفُ المَرْهُوبُ؛ فَهم عَمّا نُهُوا عَنْهُ يَنْتَهُونَ؛ ﴿ويَفْعَلُونَ﴾؛ أيْ: بِداعِيَةٍ عَظِيمَةٍ؛ عِلْمًا مِنهم بِما عَلَيْهِمْ لِرَبِّهِمْ مِنَ الحَقِّ؛ مَعَ عَدَمِ مُنازِعٍ مِن حَظٍّ؛ أوْ شَهْوَةٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ ودَلَّ عَلى أنَّهم مُكَلَّفُونَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ما يُؤْمَرُونَ﴾؛ فَهم لِرَحْمَتِهِ لَهم يَرْجُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرُ الخَوْفِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الرَّجاءِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الفِعْلِ ثانِيًا دالٌّ عَلى الِانْتِهاءِ أوَّلًا.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.