Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 31–40 of 128

31

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ

Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allah reward the righteous -

ولَمّا كانَ هَذا المَدْحُ مُشَوِّفًا لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ؛ قِيلَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أيْ: إقامَةٍ؛ لا ظَعْنَ فِيها؛ ﴿يَدْخُلُونَها﴾؛ حالَ كَوْنِها؛ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾؛ أيْ: مِن تَحْتِ غُرَفِها؛ ﴿الأنْهارُ﴾؛ ثُمَّ أُجِيبَ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَمّا فِيها مِنَ الثِّمارِ وغَيْرِها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَهم فِيها﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ لا في شَيْءٍ سِواها؛ مِن غَيْرِ أنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها؛ ﴿ما يَشاءُونَ﴾؛ ثُمَّ زادَ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿يَجْزِي اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في صِفَةِ التَّقْوى؛

32

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."

ثُمَّ حَثَّ عَلى مُلازَمَةِ التَّقْوى بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِحالِ المَوْتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾؛ أيْ: تَقْبِضُ أرْواحَهم وافِيَةً مِن نَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الرُّوحِ؛ أوِ المَعانِي - بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءَيْنِ؛ والإظْهارُ -؛ ﴿المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾؛ أيْ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ؛ مُتَحَلِّينَ بِحِلْيَةِ الإيمانِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ؟ فَقِيلَ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مُكَرِّرِينَ؛ لِلتَّأْكِيدِ؛ تَسْكِينًا لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ جَلالِ اللَّهِ بِالتَّقْوى؛ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾؛ ويُقالُ لَهم لِتَحَقُّقِ فَوْزِهِمْ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: دارَ التَّفَكُّهِ؛ الَّتِي لا مِثْلَ لَها؛ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ تَرْغِيبًا لَهم في الأعْمالِ الَّتِي لا يَسْتَطِيعُونَها إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ؛ بِتَوْفِيقِهِمْ لَها.

33

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Do the disbelievers await [anything] except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allah wronged them not, but they had been wronging themselves.

ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ؛ السّائِلِينَ في نُزُولِ المَلائِكَةِ؛ بَعْدَ أنْ وهّى شُبَهَهُمْ؛ وأخْبَرَ عَنْ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهُمْ؛ ولِأضْدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ؛ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى أنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ بِأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِإنْزالِ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ؛ عَلى مَن يَخْتَصُّهُ لِذَلِكَ؛ أوْ لِأمْرٍ فَيْصَلٍ؛ لا مُهْلَةَ فِيهِ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ -: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ؛ في تَقاعُسِهِمْ عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ في الإخْبارِ بِما أنْزَلَ رَبُّهُمْ؛ وجَرَّدَ الفِعْلَ إشارَةً إلى قُرْبِ ما يَنْتَظِرُونَهُ؛ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ﴾؛ أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ وهم لا يَأْتُونَهم إلّا بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ مَن قَبْلَهُمْ؛ مِمَّنْ قَصَصْنا أمْرَهم مِنَ الظّالِمِينَ إنْ لَمْ يَتُوبُوا؛ ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ؛ بِأمْرٍ يَفْصِلُ النِّزاعَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ؛ أوْ غَيْرِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُفْزِعًا؛ كانَ مُوجِبًا لِمَن لَهُ فَهُمٌ أنْ يَقُولَ: هَلْ فَعَلَ هَذا أحَدٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الفِعْلِ البَعِيدِ - لِبَشاعَتِهِ - عَنْ مَناهِجِ العُقَلاءِ؛ مَكْرًا في تَدْبِيرِ الأذى؛ واعْتِقادًا؛ وقَوْلًا؛ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الفاعِلُونَ مِثْلَ أفْعالِهِمْ؛ في التَّكْذِيبِ؛ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمانَ؛ أُدْخِلَ الجارُّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِهِمْ وما﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ في تَقْدِيرِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ التَّصَرُّفِ؛ والمَلِكُ الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ فاسْتَحَقُّوا العِقابَ؛ لِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ عَلى السَّنَنِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ عَوائِدُكُمْ؛ فِيمَن باشَرَ سُوءًا مِن غَيْرِ أنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ إكْراهًا ظاهِرًا؛ وهَذا بِعَيْنِهِ هو العِلَّةُ في إرْسالِ الرُّسُلِ؛ ونَصْبِ الشَّرائِعِ؛ والمِلَلِ؛

34

فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.

﴿فَأصابَهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ أنْ أصابَهُمْ؛ ﴿سَيِّئاتُ﴾؛ أيْ: عُقُوباتُ - أوْ جَزاءُ - سَيِّئاتِ ﴿ما عَمِلُوا وحاقَ﴾؛ أيْ: أحاطَ إحاطَةً ضابِطَةً؛ ﴿بِهِمْ﴾؛ مِنَ العَذابِ؛ والمُرْسَلِ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ ﴿ما كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ تَكَبُّرًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.

ومادَّةُ ”حاقَ“ - واوِيَّةً؛ ويائِيَّةً؛ بِتَراكِيبِها السِّتِّ: ”حَوَقَ“؛ ”حَقَوَ“؛ ”قَحَوَ“؛ ”قَوَحَ“؛ ”وقَحَ“؛ ”حَيَقَ“ - تَدُورُ عَلى الإحاطَةِ؛ ويَلْزَمُها صَلابَةُ المُحِيطِ؛ ولِينُ المُحاطِ بِهِ: ”حاقَ بِهِ الشَّيْءُ“؛ إذا نَزَلَ بِهِ فَأحاطَ؛ و”الحَيْقُ“: ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ؛ و”حاقَ فِيهِ السَّيْفُ“: حاكَ؛ أيْ: ”عَمِلَ“؛ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ الجُزْءِ؛ ولِأنَّهُ في الأغْلَبِ يَكُونُ في عَمَلِهِ المَوْتُ؛ المُحِيطُ بِالأجَلِ؛ و”حاقَ بِهِمُ الأمْرُ“: لَزِمَهُمْ؛ ووَجَبَ عَلَيْهِمْ؛ ونَزَلَ بِهِمْ؛ و”الحَيْقَةُ“: شَجَرَةٌ كالشِّيحِ؛ يُؤْكَلُ بِها التَّمْرُ؛ كَأنَّهُ يُحِيطُ بِالتَّمْرَةِ؛ و”حايَقَهُ“: حَسَدَهُ؛ وأبْغَضَهُ؛ لِإحاطَةِ ذَلِكَ.

و”الحُوقُ“؛ بِالضَّمِّ: ما أحاطَ بِالكَمَرَةِ مِن حُرُوفِها؛ وبِالضَّمِّ والفَتْحِ مَعًا: اسْتِدارَةٌ في الذَّكَرِ؛ و”الحَوْقُ“؛ بِالفَتْحِ فَقَطْ: الإحاطَةُ؛ و”الأحْوَقُ“؛ و”المُحَوَّقُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: الكَمَرَةُ؛ كَأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ لِكِبَرِها؛ ومِنهُ ”فَيْشَلَةٌ حَوْقاءُ“: عَظِيمَةٌ؛ كَأنَّها لِعِظَمِها هي الَّتِي ظَهَرَ حَرْفُها دُونَ غَيْرِها؛ و”أرْضٌ مَحُوقَةٌ“؛ بِضَمِّ الحاءِ: قَلِيلَةُ النَّبْتِ لِقِلَّةِ المَطَرِ؛ كَأنَّهُ تَشَبَّهَ بِالكَمَرَةِ في مَلاسَتِها؛ و”تُرِكَتِ النَّخْلَةُ حَوْقاءَ“؛ إذا أُشْعِلَ في الكَرانِيفِ؛ لِاسْتِدارَةِ النّارِ بِها؛ أوْ لِشَبَهِها بَعْدَ حَرِيقِ السَّعَفِ بِالذَّكَرِ؛ أوْ رَأْسِهِ؛ و”الحَوْقَةُ“؛ بِالفَتْحِ: الجَماعَةُ المُمَخْرَقَةُ؛ لِأنَّ الجَماعَةَ لَها قُوَّةُ الِاسْتِدارَةِ؛ والمُمَخْرَقُ إنْ كانَ مِنَ الكَذِبِ فَمَن لازَمَهُ العِوَجُ؛ وإنْ كانَ مِنَ المِخْراقِ - وهو المَندِيلُ الَّذِي يُلَفُّ لِلَّعِبِ بِهِ - فاللَّعِبُ بِهِ عَلى هَيْئَةِ الِاسْتِدارَةِ؛ و”حَوَقَ عَلَيْهِ؛ تَحْوِيقًا“: عَوَّجَ عَلَيْهِ الكَلامَ؛ و”الحَوْقُ“؛ بِالفَتْحِ أيْضًا: الكَنْسُ؛ والدَّلْكُ؛ والتَّمْلِيسُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها تَرُدُّ فِيهِ اليَدِ إلى قَرِيبٍ مِن مَكانِها؛ فَيُشْبِهُ الإحاطَةَ؛ ولَوْ بِالتَّعْوِيجِ.

و”الحَقْوُ“: الكَشْحُ؛ وهو ما بَيْنَ عَظْمِ رَأْسِ الوِرْكِ؛ إلى الضِّلْعِ؛ الخَلْفُ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ إحاطَةِ الإزارِ؛ والإزارُ نَفْسُهُ ”حَقْوٌ“؛ لِأنَّهُ آلَتُهُ؛ أوْ ”الحَقْوُ“؛ مَعْقِدُ الإزارِ؛ و”الحَقْوُ“: مَوْضِعٌ غَلِيظٌ؛ مُرْتَفِعٌ عَنِ السَّيْلِ؛ مِنَ الصَّلابَةِ؛ والِاسْتِدارَةِ؛ لِأنَّ السَّيْلَ يُحِيطُ بِهِ؛ أوْ يَكادُ؛ و”مِنَ السَّهْمِ“: مَوْضِعُ الرِّيشِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الحَقْوَ في اسْتِدارَتِهِ؛ وغِلَظِ بَعْضٍ؛ ودِقَّةِ بَعْضٍ؛ وفي إحاطَةِ الرِّيشِ بِهِ؛ ومِنَ الثَّنِيَّةِ: جانِباها؛ مِنَ الإحاطَةِ؛ أوْ مُطْلَقِ العِوَجِ؛ و”الحَقْوَةُ“: وجَعٌ في البَطْنِ مِن أكْلِ اللَّحْمِ؛ لِلُحُوقِ وجَعِهِ الحَقْوَ؛ و”الأُقْحُوانُ“: نَبْتٌ يَسْتَدِيرُ بِهِ زَهْرُهُ؛ وأقاحِي الأمْرِ: تَباشِيرُهُ؛ لِأنَّها تُحِيطُ بِهِ غالِبًا؛ و”قَحا المالُ“: أخَذَهُ؛ لِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإحاطَةِ؛ و”المِقْحاةُ“: المِجْرَفَةُ؛ لِأنَّها تُحِيطُ بِالمَجْرُوفِ.

ومِنَ اللِّينِ: ”قاحَ الجُرْحُ؛ يَقُوحُ“: صارَتْ فِيهِ مِدَّةٌ خالِصَةٌ؛ لا يُخالِطُها دَمٌ؛ كَـ ”قاحَ؛ يَقِيحُ“ - واوِيَّةً ويائِيَّةً -؛ ولِما …

35

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And those who associate others with Allah say, "If Allah had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?

ولَمّا تَمَّ ما هو عَجَبٌ مِن مَقالِهِمْ؛ ومَآلِهِمْ؛ في سُوءِ أحْوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِتَهْدِيدِهِمْ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ“؛ مُوجِبًا آخَرَ لِلتَّهْدِيدِ؛ مُعَجِّبًا مِن حالِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: الرّاسِخُ مِنهم في هَذا الوَصْفِ؛ والتّابِعُ لَهُ؛ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ عَلى مَن يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ؛ مِن نَبِيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ مُحْتَجِّينَ بِالقَدَرِ؛ عِنادًا مِنهُمْ؛ ومُعْتَرِضِينَ عَلى مَن لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ بِأنَّهُ - لِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ - غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى بَعْثِ الرُّسُلِ؛ فَإرْسالُهم عَبَثٌ - تَعالى اللَّهُ الحَكِيمُ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ فَهو قَوْلُ مَن يَطْلُبُ العِلَّةَ في أحْكامِهِ (تَعالى)؛ وفي أفْعالِهِ -؛ وهو قَوْلٌ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - الفَعّالُ لِما يُرِيدُ؛ سَواءٌ أطَلَعَ العِبادَ عَلى حِكْمَتِهِ؛ أمْ لا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ عَدَمَ عِبادَتِنا لِغَيْرِهِ؛ ﴿ما عَبَدْنا﴾؛ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ كُلُّها مُتَقاصِرَةً عَنْ رُتْبَتِهِ؛ وكانَتْ مُتَفاوِتَةً؛ وكانَ ما يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ في أدْناها رُتْبَةً؛ أدْخَلُوا الجارَّ؛ فَقالُوا: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ؛ فَقالُوا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾؛ مِن قَبْلِنا؛ ولَمّا ذَكَرُوا الأصْلَ؛ أتْبَعُوهُ الفَرْعَ فَقالُوا: ﴿ولا حَرَّمْنا﴾؛ أيْ: عَلى أنْفُسِنا؛ ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: دُونَ أمْرِهِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ لِأنَّ ما يَشاءُ لا يَتَخَلَّفُ؛ عَلى زَعْمِكُمْ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَإ العَدَمَ؛ فَقَدْ شاءَ وُجُودَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ؛ فَنَحْنُ نَتَّبِعُ ما شاءَهُ؛ لا نَتَغَيَّرُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما هو حَقٌّ؛ وضَلَّ عَنِ الأشْقِياءِ - بِكَلِمَتِهِمْ هَذِهِ؛ الحَقِّ الَّتِي أرادُوا بِها الباطِلَ - أنَّ مَدارَ السَّعادَةِ؛ والشَّقاوَةِ؛ إنَّما هو مُوافَقَةُ الأمْرِ؛ لا مُوافَقَةُ الإرادَةِ؛ فَما كانَ مِنَ الفِعْلِ؛ والكَفِّ؛ عَلى وفْقِ الأمْرِ؛ سُعِدَ فاعِلُهُ؛ وما خالَفَهُ قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى فاعِلِهِ؛ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُ النّاسِ؛ فَشُقِيَ.

فَلَمّا انْتَهَكَ سِتْرُ هَذِهِ المَقالَةِ المُمَوَّهَةِ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ - اسْتِبْعادًا لَها -: هَلْ قالَها غَيْرُهُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا البَعِيدِ مِنَ السَّدادِ؛ والقَوْلِ الخارِجِ عَنِ الهِدايَةِ؛ والرَّشادِ؛ وهو الِاعْتِراضُ عَلى رَبِّهِمْ في إرْسالِ الرُّسُلِ؛ مانِعِينَ لِجَوازِ الإرْسالِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الضَّعِيفَةِ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) يُرِيدُ إظْهارَ ثَمَرَةِ المُلْكِ بِالحُكْمِ؛ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ؛ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ؛ وإنْ كانَتْ بِقَضائِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَسْتُورٌ عَنِ العِبادِ؛ ﴿فَعَلَ﴾؛ أيْ: كَذَّبَ بِدَلِيلِ الإنْعامِ؛ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ودَلَّ عَلى عَدَمِ الِاسْتِغْراقِ لِلزَّمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ وكانَ تَكْذِيبًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُمُ اقْتَضى أنْ يَكُونَ ما هم عَلَيْهِ مِمّا يَرْضاهُ اللَّهُ؛ والرُّسُلُ يَقُولُونَ: لا يَرْضاهُ؛ ولا يَرْضى إلّا ما أُخْبِرُوا بِأنَّ صاحِبَهُ مُثابٌ عَلَيْهِ؛ أوْ غَيْرُ مُعاقَبٍ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ﴾؛ أيْ: فَما؛ ﴿عَلى الرُّسُلِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا رُسُلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُمْ؛ وهُمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِدُعاءِ العِبادِ؛ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ - كَما تَقَدَّمَ -؛ إلّا أنَّهُ …

36

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allah and avoid Taghut." And among them were those whom Allah guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed through the earth and observe how was the end of the deniers.

ولَمّا كانَ جَمْعُ الرُّسُلِ مُفْهِمًا لِتَوْزِيعِهِمْ عَلى الأُمَمِ؛ كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ؛ فَقالَ - دافِعًا لِكَرْبِ هَذا الِاسْتِشْرافِ؛ نافِيًا لِطُرُوقِ احْتِمالٍ؛ دالًّا عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ السّابِقَ مُنْصَبٌّ إنْكارُهُ بِالذّاتِ إلى اعْتِراضِهِمْ عَلى الإرْسالِ؛ ومُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ وحاثًّا لَهم عَلى الِاعْتِبارِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلَقَدْ بَعَثْناكَ في أُمَّتِكَ هَذِهِ؛ لِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ؛ ويَجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ؛ فَمِنهم مَن هَدَيْنا؛ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ؛ فَكانَ - مِن غَيْرِ شَكٍّ - بَعْضُهم مُرْضِيًا لِلَّهِ؛ وبَعْضُهم مُغْضِبًا لَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ حُكْمُ المُتَنافِيَيْنِ واحِدًا أبَدًا“ -: ﴿ولَقَدْ﴾؛ أيْ: واللَّهِ؛ لَقَدْ ﴿بَعَثْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْها أُخِذَ؛ ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ؛ ﴿رَسُولا﴾؛ فَما بَقِيَ في الأرْضِ أحَدٌ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ؛ ولِأجْلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ كَلُوطٍ؛ وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ في أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ مِن سائِرِ مَن وصَلَ إلَيْهِ حُكْمُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ؛ لَمْ يُقَيِّدْ بِـ ”مِنهُمْ“؛ ولَمّا كانَ البَعْثُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ؛ كانَ المَعْنى: فَذَهَبُوا إلَيْهِمْ قائِلِينَ: ﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ وحْدَهُ؛ ﴿واجْتَنِبُوا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ جُهْدِكُمْ؛ ﴿الطّاغُوتَ﴾؛ كَما أمَرَكم رَسُولُنا؛ ﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ أنْ كانَتِ الأُمَمُ قِسْمَيْنِ: مِنهم ﴿مَن هَدى اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ لِلْحَقِّ؛ فَحَقَّتْ لَهُ الهِدايَةُ؛ فَأبْصَرَ الحَقَّ؛ وعَمِلَ بِهِ بِاتِّباعِ الدُّعاةِ الهُداةِ؛ فِيما أمَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ فَحَقَّتْ لَهُ الجَنَّةُ؛ ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ﴾؛ أيْ: ثَبَتَتْ غايَةَ الثَّباتِ؛ ﴿عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾؛ بِأنْ أضَلَّهُ اللَّهُ؛ فَنابَذَ الأمْرَ؛ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ؛ وعَمِلَ بِمُقْتَضى الإرادَةِ؛ فَإنَّ الأمْرَ قَدْ لا يَكُونُ ما تَعَلَّقَ بِهِ؛ والإرادَةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ مُوافِقُها عامِلًا بِالضَّلالَةِ؛ فَحَقَّ عَلَيْهِ عَذابُها؛ فَحَقَّتْ لَهُ النّارُ؛ فَهَلَكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ؛ فَلَوْ كانَ كُلُّ ما شاءَهُ حَقًّا كانَ الفَرِيقانِ مُحِقَّيْنِ؛ فَلَمْ يُعَذَّبْ أحَدُهُما؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ عَذَّبَ العاصِيَ؛ ونَجّى الطّائِعَ في كُلِّ أُمَّةٍ؛ عَلى حَسَبِ ما قالَ الرُّسُلُ؛ وهَذا هو مَعْنى رِضا اللَّهِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ؛ وكَذِبِ مُخالِفِيهِمْ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ فِعْلَ الهِدايَةِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى فِعْلِ الضَّلالِ ثانِيًا؛ وحُقُوقَ الضَّلالَةِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حُقُوقِ الهِدايَةِ أوَّلًا.

ثُمَّ التَفَتَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ؛ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ؛ في نَظَرِ البَصِيرَةِ؛ إلّا الدَّلِيلُ المَحْسُوسُ لِلْبَصَرِ؛ فَقالَ: ﴿فَسِيرُوا﴾؛ أيْ: فَإنْ كُنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ في شَكٍّ مِن إخْبارِ الرُّسُلِ؛ فَسِيرُوا ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ ﴿فانْظُرُوا﴾؛ أيْ: إذا سِرْتُمْ؛ ومَرَرْتُمْ بِدِيارِ المُكَذِّبِينَ؛ وآثارِهِمْ؛ وعَبَّرَ …

37

إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

[Even] if you should strive for their guidance, [O Muhammad], indeed, Allah does not guide those He sends astray, and they will have no helpers.

ولَمّا كانَ المُحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإيصالِ في الِاسْتِدْلالِ إلى الأمْرِ المَحْسُوسِ؛ إلّا العِنادُ؛ أعْرَضَ عَنْهُمْ؛ مُلْتَفِتًا إلى الرَّؤُوفِ بِهِمُ؛ الشَّفِيقِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - مُسَلِّيًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾؛ فَتَطْلُبْهُ بِغايَةِ جِدِّكَ؛ واجْتِهادِكَ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿لا يَهْدِي﴾؛ أيْ: هُوَ؛ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في القَلْبِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وكَسْرِ الدّالِ -؛ و”مِن هادٍ ما؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ“؛ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ ﴿مَن يُضِلُّ﴾؛ أيْ: مَن يَحْكُمُ بِضَلالِهِ؛ وهو الَّذِي أضَلَّهُمْ؛ فَلا يُمْكِنُ غَيْرَهُ أنْ يَهْدِيَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا غالِبَ لِأمْرِهِ؛ وقُرِئَ شاذًّا بِفَتْحِ الياءِ؛ مِن ”ضَلَّ“؛ بِمَعْنى نَسِيَ؛؛ أيْ: فَلا تُمْكِنُ هِدايَةُ مَن نَسِيَهُ؛ أيْ تَرَكَهُ مِنَ الهِدايَةِ؛ تَرْكَ المَنسِيِّ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ في يَدِ غَيْرِهِ شَيْءٌ؛ ونَقَلَ الصَّغانِيُّ في ”مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ“؛ أنَّهُ يُقالُ: ”ضَلَّ فَلانٌ البَعِيرَ“؛ أيْ: أضَلَّهُ؛ و”الضَّلالُ“؛ عِنْدَ العَرَبِ: سُلُوكُ غَيْرِ سَبِيلِ القَصْدِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِسُلُوكِ البَعِيرِ غَيْرَ المَقْصُودِ؛ فَمَعْنى الآيَةِ: لا يَهْدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ؛ - بِفَتْحِ الياءِ -؛ أيْ: يَكُونُ سَبَبًا لِسُلُوكِهِ غَيْرَ سَبِيلِ القَصْدِ؛ فَلا تَحْزَنْ؛ ولا يَضِقْ صَدْرُكَ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِنُصْحِكَ؛ وإخْلاصِكَ في الدُّعاءِ؛ ولا يَقَعْ في فِكْرِكَ أنَّ في دُعائِكَ نَقْصًا؛ إنَّما النَّقْصُ في مَرائِيهِمُ العَمْياءِ؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما لَهُمْ﴾؛ - أيْ: هَؤُلاءِ؛ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللَّهُ؛ وجَمِيعِ مَن يُضِلُّهُ؛ ﴿مِن ناصِرِينَ﴾؛ أيْ: يَنْصُرُونَهم عِنْدَ مُجازاتِهِمْ عَلى الضَّلالِ؛ لِيُنْقِذُوهم مِمّا لَحِقَهم عَلَيْهِ مِنَ الوَبالِ؛ كَما فُعِلَ بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِهِمْ - عَطْفٌ عَلى نَتِيجَةِ ما قَبْلَهُ؛ وهُوَ: فَلا هادِيَ لَهُمْ؛ ما أرادَ اللَّهُ ضَلالَهُمْ؛ وتَبْكِيتٌ لَهُمْ؛ وتَقْرِيعٌ؛ وحَثٌّ؛ وتَهْيِيجٌ عَلى أنْ يَقُومُوا بِأنْفُسِهِمْ؛ ويَسْتَعِينُوا بِمَن شاؤُوا عَلى نَصْبِ دَلِيلِ ما يَدَّعُونَهُ مِن أنَّهم أتْبَعُ النّاسِ لِلْحَقِّ؛ إمّا بِأنْ يُبَرْهِنُوا عَلى صِحَّةِ مُعْتَقَدِهِمْ؛ أوْ يُعِينُوهم عَلى الرُّجُوعِ عَنْهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ ذَلِكَ؛ أوْ يَكُفُّوا عَنْهُمُ العَذابَ إذا حاقَ بِهِمْ.

38

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And they swear by Allah their strongest oaths [that] Allah will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.

ولَمّا كانَ مِن حَقِّهِمْ - بَعْدَ قِيامِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ؛ وشُمُولِ عِلْمِهِ؛ وبُلُوغِ حِكْمَتِهِ في إبْداعِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ مِمّا نَعْلَمُ؛ وما لا نَعْلَمُ؛ عَلى أبْدَعِ تَرْتِيبٍ؛ وأحْسَنِ نِظامٍ - تَصْدِيقُ الهُداةِ في إعْلامِهِمْ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُعِيدُهم لِلْبَعْثِ؛ وأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا؛ ولا طَرَقُوا لِذَلِكَ احْتِمالًا؛ بَلْ حَلَفُوا عَلى نَفْيِهِ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُمْ؛ ولا إخْبارٍ عَنْ عِلْمٍ وصَلَ إلَيْهِمْ؛ فِعْلَ الجِلْفِ الجافِي الغَبِيِّ العاسِيِّ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَعْجِيبًا آخَرَ مِن حالِهِمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا“؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الجُمْلَتَيْنِ لِبَيانِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهم في ذَلِكَ؛ دالًّا عَلى أنَّ اعْتِقادَهم مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى قَوْلِ الأُولى؛ وما تَفَرَّعَ مِنها -: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾؛ جُعِلَتِ الأيْمانُ جاهِدَةً؛ لِكَثْرَةِ ما بالَغُوا فِيها؛ ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿مَن يَمُوتُ﴾؛ أيْ: لا يُحْيِي أحَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ اسْتِنادًا مِنهم إلى مُجَرَّدِ اسْتِبْعادِ ما لَمْ تَجْرِ بِهِ – نَفْسِهِ - عِنْدَهم عادَةٌ؛ جُمُودًا مِنهم عَنْ حَلِّها بِأنَّ النَّشْأةَ الأُولى كانَتْ مِن غَيْرِ عادَةٍ؛ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ وأحَدُّهم أذْهانًا؛ وأثْقَبُهم أفْهامًا.

ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلى﴾؛ أيْ: لَيَبْعَثَنَّهُمْ؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِن ذَلِكَ؛ وقَدْ وعَدَ بِهِ ﴿وعْدًا﴾؛ وبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ﴾؛ وزادَهُ تَأْكِيدًا؛ في مُقابَلَةِ اجْتِهادِهِمْ في أيْمانِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ؛ وهو لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ فَصارَ واجِبًا في الحِكْمَةِ كَوْنُهُ؛ وأمْرُ البَعْثِ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ سَمِعَ أقْوالَ الهُداةِ؛ تارِكًا لِهَواهُ؛ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾؛ أيْ: بِما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا عِلْمَ لَهم يُوصِلُهم إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن عالِمِ الغَيْبِ؛ لا يُمْكِنُ عُقُولَهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ إرْشادٍ مِنَ اللَّهِ؛ ولا هم يَقْبَلُونَ أقْوالَ الدُّعاةِ إلَيْهِ؛ الَّذِينَ أيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ؛ لِتَقَيُّدِهِمْ بِما تُوَصِّلُهم إلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ وهي مَقْصُورَةٌ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ لا يُمْكِنُها التَّرَقِّي مِنهُ إلى عالَمِ الغَيْبِ بِغَيْرِ وساطَةٍ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَلِذَلِكَ تَرى الإنْسانَ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ؛ اسْتِبْعادًا لِأنْ يَكُونَ شَيْءٌ مَعْقُولٌ لا يَصِلُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ؛ وهو خَصِيمٌ مُبِينٌ.

39

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰذِبِينَ

[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ؛ لِسَبْقِ الوَعْدِ بِهِ مِنَ القادِرِ؛ بَيَّنَ حِكْمَتَهُ بِأمْرٍ مُبِينٍ؛ أنَّهُ لا يُسَوِّغُ تَرْكَهُ بِوَجْهٍ؛ وهو أنَّهُ لا يَجُوزُ في عَقْلِ عاقِلٍ أنَّ أحَدًا - مَلِكًا؛ فَما دُونَهُ - يَأْمُرُ عَبِيدَهُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يُهْمِلُهم فَلا يَسْألُهُمْ؛ ولا سِيَّما إنِ اخْتَلَفُوا؛ ولا سِيَّما إنْ أدّى اخْتِلافُهم إلى المُقاطَعَةِ؛ والمُقاتَلَةِ؛ فَكَيْفَ إنْ كانَ حاكِمًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ حَكِيمًا؟! فَكَيْفَ وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ؟! فَقالَ - مُعَلِّقًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”بَلى“ -: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾؛ أيْ: فَعَلَهُ؛ ووَعَدَ بِهِ؛ فَهو يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لِلنّاسِ؛ ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ اخْتِلافُهم ﴿فِيهِ﴾؛ مِنَ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ ويَجْزِي كُلًّا بِما عَمِلَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ العَدْلِ؛ الَّذِي هو فِعْلُهُ؛ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: جَهِلُوا الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهم سَتَرُوها؛ لِأنَّها لِظُهُورِها لا تُجْهَلُ؛ ﴿أنَّهم كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿كاذِبِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الكَذِبِ؛ في إنْكارِهِمْ لِلْمَعادِ؛ وزَعْمِهِمْ أنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالمَفازِ؛ عِلْمَ اليَقِينِ؛ وعَيْنَ اليَقِينِ؛ وحَقَّ اليَقِينِ.

40

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.

ولَمّا بَيَّنَ تَحَتُّمَهُ وحِكْمَتَهُ؛ بَيَّنَ إمْكانَهُ؛ ويُسْرَهُ عَلَيْهِ؛ وخِفَّتَهُ لَدَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما قَوْلُنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لِشَيْءٍ﴾؛ إبْداءً؛ وإعادَةً؛ ﴿إذا أرَدْناهُ﴾؛ أيْ: أرَدْنا كَوْنَهُ؛ ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَحْكِيَّ القَوْلِ النَّفْسِيِّ؛ فَقالَ - بانِيًا مِن ”كانَ“؛ التّامَّةِ؛ ما دَلَّ عَلى مُوافَقَةِ الأشْياءِ المُرادَةِ مُوافَقَةَ المَأْمُورِ لِلْآمِرِ المُطاعِ -: ﴿كُنْ﴾؛ أيْ: احْدُثْ؛ ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ أنَّهُ يَكُونُ؛ حِينَ تُعَلَّقُ القُدْرَةُ بِهِ؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أصْلًا؛ فَنَحْنُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِنَأْمُرَهُمْ؛ ونَنْهاهم.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.