Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 128

31

جَنَّٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ

Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allah reward the righteous -

صفحة ١٤١

﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾

لَمّا افْتُتِحَتْ صِفَةُ سَيِّئاتِ الكافِرِينَ وعَواقِبِها بِأنَّهم إذا قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، جاءَتْ هُنا مُقابَلَةُ حالِهِمْ بِحالِ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وحُسْنِ عَواقِبِها، فافْتُتِحَ ذَلِكَ بِمُقابِلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ قِصَّةُ الكافِرِينَ، فَجاءَ النَّظِيرُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ في أبْدَعِ نَظْمٍ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وهي مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ اسْتِطْرادًا، ولَمْ تَقْتَرِنْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأداةِ الشَّرْطِ كَما قُرِنَتْ مُقابِلَتُها بِها ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤]؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] لَمّا كانَ كَذِبًا اخْتَلَقُوهُ كانَ مَظِنَّةَ أنْ يُقْلِعَ عَنْهُ قائِلُهُ وأنْ يَرْعَوِيَ إلى الحَقِّ، وأنْ لا يُجْمِعَ عَلَيْهِ القائِلُونَ، قُرِنَ بِأداةِ الشَّرْطِ المُقْتَضِيَةِ تَكَرُّرَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، بِخِلافِ ما هُنا فَإنَّ الصِّدْقَ مَظَنَّةُ اسْتِمْرارِ قائِلِهِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحاجَةٍ إلى التَّنْبِيهِ عَلى تَكْرارٍ مِنهُ.

والَّذِينَ اتَّقَوْا: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ تَقْوى اللَّهِ وخَشْيَةُ غَضَبِهِ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المَعْهُودُونَ في مَكَّةَ، فالمَوْصُولُ لِلْعَهْدِ.

والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ سُئِلُوا عَنِ القُرْآنِ، ومَن جاءَ بِهِ، فَأرْشَدُوا السّائِلِينَ، ولَمْ يَتَرَدَّدُوا في الكَشْفِ عَنْ حَقِيقَةِ القُرْآنِ بِأوْجَزِ بَيانٍ وأجْمَعِهِ، وهو كَلِمَةُ (خَيْرًا) المَنصُوبَةُ، فَإنَّ لَفْظَها شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا، وكُلِّ خَيْرٍ في الآخِرَةِ، ونَصْبُها دالٌّ عَلى أنَّهم جَعَلُوها مَعْمُولَةً لِـ (أنْزَلَ) الواقِعُ في سُؤالِ السّائِلِينَ، فَدَلَّ النَّصْبُ عَلى أنَّهم مُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الرَّفْعِ في جَوابِ المُشْرِكِينَ حِينَ قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] بِالرَّفْعِ وبَيْنَ النَّصْبِ في كَلامِ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ بِالنَّصْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] .

* * *

صفحة ١٤٢

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾

مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي كَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ نَظِيرِها في آيَةِ ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] في سُورَةِ الزُّمَرِ، ولَيْسَتْ مِن حِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا.

والَّذِينَ أحْسَنُوا: هُمُ المُتَّقُونَ، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ تَوْصِيلًا بِالإتْيانِ بِالمَوْصُولِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ جَزاؤُهم حَسَنَةٌ؛ لِأنَّهم أحْسَنُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ١٥٦] يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (أحْسَنُوا)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن (حَسَنَةٌ)، وانْظُرْ ما يَأْتِي في نَظَرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الزُّمَرِ مِن نُكْتَةِ التَّوَسُّطِ.

ومَعْنى ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ أنَّها خَيْرٌ …

32

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."

صفحة ١٤٤

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

مُقابِلُ قَوْلِهِ في أضْدادِهِمْ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، فَما قِيلَ في مُقابِلِهِ يُقالُ فِيهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَتَوَفّاهُمُ بِفَوْقِيَّتَيْنِ، مِثْلُ نَظِيرِهِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ أُولى كَذَلِكَ.

والطَّيِّبُ: بِزِنَةِ فَيْعِلَ، مِثْلُ قَيِّمٍ ومَيِّتٍ، وهو مُبالَغَةٌ في الِاتِّصافِ بِالطِّيبِ، وهو حُسْنُ الرّائِحَةِ، ويُطْلَقُ عَلى مَحاسِنِ الأخْلاقِ وكَمالِ النَّفْسِ عَلى وجْهِ المَجازِ المَشْهُورِ فَتُوصَفُ بِهِ المَحْسُوساتُ كَقَوْلِهِ تَعالى حَلالًا طَيِّبًا والمَعانِي والنَّفْسِيّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلِهِمْ: طِبْتَ نَفْسًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، وفي الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا» أيْ مالًا طَيِّبًا حَلالًا.

فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا طَيِّبِينَ يَجْمَعُ كُلَّ هَذِهِ المَعانِي، أيْ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ مُنَزَّهِينَ مِنَ الشِّرْكِ مُطْمَئِنِّي النُّفُوسِ، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في أضْدادِهِمُ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] .

وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ وهي حالُ مُقارَنَةٍ لِـ (تَتَوَفّاهم)، أيْ يَتَوَفَّوْنَهم مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِمْ، وهو سَلامُ تَأْنِيسٍ وإكْرامٍ حِينَ مَجِيئِهِمْ لِيَتَوَفَّوْهم،؛ لِأنَّ فِعْلَ (تَتَوَفّاهم) يَبْتَدِئُ مِن وقْتِ حُلُولِ المَلائِكَةِ إلى أنْ تُنْتَزَعَ الأرْواحُ، وهي حِصَّةٌ قَصِيرَةٌ.

وقَوْلُهُمُ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهو مُقابِلُ قَوْلِهِمْ لِأضْدادِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ [النحل: ٢٩] . والقَوْلُ في الأمْرِ بِالدُّخُولِ لِلْجَنَّةِ حِينَ التَّوَفِّي كالقَوْلِ في ضِدِّهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وهو هُنا نَعِيمُ المُكاشَفَةِ.

33

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Do the disbelievers await [anything] except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allah wronged them not, but they had been wronging themselves.

صفحة ١٤٥

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]؛ لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ إبّانِ حُلُولِ العَذابِ عَلى هَؤُلاءِ كَما حَلَّ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَقِيلَ: ما يَنْظُرُونَ إلّا أحَدَ أمْرَيْنِ هُما مَجِيءُ المَلائِكَةِ لَقَبْضِ أرْواحِهِمْ فَيَحِقُّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ المُتَقَدِّمُ، أوْ أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِئْصالُ المُعَرَّضُ بِالتَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] .

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ.

و(يَنْظُرُونَ) هُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ وهو النِّظَرَةُ، والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ تَذْكِيرًا بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ وعَدَمِ اسْتِبْطائِهِ، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ اغْتِرارِهِمْ بِتَأخُّرِ الوَعِيدِ، وحَثًّا لَهم عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ.

وإسْنادُ الِانْتِظارِ المَذْكُورِ إلَيْهِمْ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُ أحَدَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ الوَعِيدِ وعَدَمِ التَّفَكُّرِ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ ظُهُورِ تِلْكَ الدَّلائِلِ وإفادَتِها التَّحَقُّقَ كَحالِ مَن أيْقَنَ حُلُولَ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِهِ فَهو يَتَرَقَّبُ أحَدَهُما، كَما تَقُولُ لِمَن لا يَأْخُذُ حَذَرَهُ مِنَ العَدُوِّ: ما تَتَرَقَّبُ إلّا أنْ تَقَعَ أسِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩]، وهَذا قَرِيبٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ وما هو بِذَلِكَ.

صفحة ١٤٦

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] تَنْظِيرٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ تَحْقِيقًا لِلْغَرَضَيْنِ.

والإشارَةُ إلى الِانْتِظارِ المَأْخُوذِ مِن (يَنْظُرُونَ) المُرادُ مِنهُ الإعْراضُ والإبْطاءُ، أيْ كَإبْطائِهِمْ فِعْلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أنْ يَأْخُذَهُمُ العَذابُ بَغْتَةً كَما أخَذَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وهَذا التَّحْذِيرُ لَهم وقَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِبَرَكَتِهِ ولِإرادَتِهِ انْتِشارَ دِينِهِ.

و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] هُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] .

وجُمْلَةُ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] وجُمْلَةِ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ .

ووَجْهُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ التَّعَرُّضَ إلى ما فَعَلَهُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يُشِيرُ إلى ما كانَ مِن عاقِبَتِهِمْ، وهو اسْتِئْصالُهم، فَعُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾، أيْ فِيما أصابَهم.

ولَمّا كانَ هَذا الِاعْتِراضُ مُشْتَمِلًا عَلى أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم صارَ تَفْرِيعُ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ عَلَيْهِ أوْ عَلى ما قَبْلَهُ، وهو أُسْلُوبٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ عَزِيزٌ، …

34

فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.

صفحة ١٤٥

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]؛ لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ إبّانِ حُلُولِ العَذابِ عَلى هَؤُلاءِ كَما حَلَّ بِالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَقِيلَ: ما يَنْظُرُونَ إلّا أحَدَ أمْرَيْنِ هُما مَجِيءُ المَلائِكَةِ لَقَبْضِ أرْواحِهِمْ فَيَحِقُّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ المُتَقَدِّمُ، أوْ أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِئْصالُ المُعَرَّضُ بِالتَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] .

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ.

و(يَنْظُرُونَ) هُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ وهو النِّظَرَةُ، والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ تَذْكِيرًا بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ وعَدَمِ اسْتِبْطائِهِ، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ اغْتِرارِهِمْ بِتَأخُّرِ الوَعِيدِ، وحَثًّا لَهم عَلى المُبادَرَةِ بِالإيمانِ.

وإسْنادُ الِانْتِظارِ المَذْكُورِ إلَيْهِمْ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُ أحَدَ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّ حالَهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ الوَعِيدِ وعَدَمِ التَّفَكُّرِ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ ظُهُورِ تِلْكَ الدَّلائِلِ وإفادَتِها التَّحَقُّقَ كَحالِ مَن أيْقَنَ حُلُولَ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِهِ فَهو يَتَرَقَّبُ أحَدَهُما، كَما تَقُولُ لِمَن لا يَأْخُذُ حَذَرَهُ مِنَ العَدُوِّ: ما تَتَرَقَّبُ إلّا أنْ تَقَعَ أسِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩]، وهَذا قَرِيبٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ وما هو بِذَلِكَ.

صفحة ١٤٦

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] تَنْظِيرٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ تَحْقِيقًا لِلْغَرَضَيْنِ.

والإشارَةُ إلى الِانْتِظارِ المَأْخُوذِ مِن (يَنْظُرُونَ) المُرادُ مِنهُ الإعْراضُ والإبْطاءُ، أيْ كَإبْطائِهِمْ فِعْلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أنْ يَأْخُذَهُمُ العَذابُ بَغْتَةً كَما أخَذَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وهَذا التَّحْذِيرُ لَهم وقَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِبَرَكَتِهِ ولِإرادَتِهِ انْتِشارَ دِينِهِ.

و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] هُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] .

وجُمْلَةُ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٥] وجُمْلَةِ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ .

ووَجْهُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ التَّعَرُّضَ إلى ما فَعَلَهُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يُشِيرُ إلى ما كانَ مِن عاقِبَتِهِمْ، وهو اسْتِئْصالُهم، فَعُقِّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾، أيْ فِيما أصابَهم.

ولَمّا كانَ هَذا الِاعْتِراضُ مُشْتَمِلًا عَلى أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم صارَ تَفْرِيعُ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ عَلَيْهِ أوْ عَلى ما قَبْلَهُ، وهو أُسْلُوبٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ عَزِيزٌ، …

35

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And those who associate others with Allah say, "If Allah had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?

﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ؛ لِحِكايَةِ حالٍ مِن أحْوالِ شُبُهاتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ، وبابٌ مِن أبْوابِ تَكْذِيبِهِمْ.

وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُحاوِلُونَ إفْحامَ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، وإنَّهُ القادِرُ عَلَيْهِمْ وعَلى آلِهَتِهِمْ، وإنَّهُ لا يَرْضى بِأنْ يُعْبَدَ ما سِواهُ، وإنَّهُ يَنْهاهم عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِما، فَحَسِبُوا أنَّهم خَصَمُوا النَّبِيءَ ﷺ وحاجُّوهُ فَقالُوا لَهُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا نَعْبُدَ أصْنامًا لَما أقْدَرَنا عَلى عِبادَتِها، ولَوْ شاءَ أنْ لا نُحَرِّمَ ما حَرَّمْنا مِن نَحْوِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ لَما أقَرَّنا عَلى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وذَلِكَ قَصْدُ إفْحامٍ وتَكْذِيبٍ.

وهَذا رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَنْظِيرِ أعْمالِهِمْ بِأعْمالِ الأُمَمِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَلَوْ كانَ اللَّهُ يَرْضى بِما عَمِلُوهُ لَما عاقَبَهم بِالِاسْتِئْصالِ، فَكانَتْ عاقِبَتُهم نُزُولُ العَذابِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، ثُمَّ بِقَطْعِ المُحاجَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، أيْ ولَيْسَ مِن شَأْنِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُناظَرَةُ مَعَ الأُمَّةِ.

صفحة ١٤٨

وقالَ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فَسَمّى قَوْلَهم هَذا تَكْذِيبًا كَتَكْذِيبِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّكْذِيبُ، وتَعْضِيدُ تَكْذِيبِهِمْ بِحُجَّةٍ أساءُوا الفَهْمَ فِيها، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يَتَوَلّى تَحْرِيكَ النّاسِ لِأعْمالِهِمْ كَما يُحَرِّكُ صاحِبُ خَيالِ الظِّلِّ ومُحَرِّكُ اللُّعَبِ أشْباحَهُ وتَماثِيلَهُ، وذَلِكَ جَهْلٌ مِنهم بِالفَرْقِ بَيْنَ تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ ما يَكْسِبُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ، وبِالفَرْقِ بَيْنَ أمْرِ التَّكْذِيبِ وأمْرِ التَّكْلِيفِ، وتَخْلِيطٌ بَيْنَ الرِّضى والإرادَةِ، ولَوْلا هَذا التَّخْلِيطُ لَكانَ قَوْلُهم إيمانًا.

والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الإشْراكِ وتَحْرِيمِ أشْياءَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، أيْ كَفِعْلِ هَؤُلاءِ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ فِيما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] وبِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٣] . والمَقْصُودُ: أنَّهم فَعَلُوا كَفِعْلِهِمْ فَكانَتْ عاقِبَتُهم ما عَلِمْتُمْ، فَلَوْ كانَ فِعْلُهم مُرْضِيًا لِلَّهِ لَما أهْلَكَهم، فَهَلّا اسْتَدَلُّوا بِهَلاكِهِمْ عَلى أنَّ اللَّهَ غَيْرُ راضٍ بِفِعْلِهِمْ، فَإنَّ دَلالَةَ الِانْتِقامِ أظْهَرُ مِن دَلالَةِ الإمْلاءِ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الِانْتِقامِ وُجُودِيَّةٌ ودَلالَةُ الإمْهالِ عَدَمِيَّةٌ.

وضَمِيرُ (نَحْنُ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في (عَبَدْنا)، وحَصَلَ بِهِ تَصْحِيحُ العَطْفِ عَلى ضَمِيرِ الرَّفْعِ المُتَّصِلِ، وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ تَعالى (ولا آباؤُنا) لِتَأْكِيدِ (ما) النّافِيَةِ.

وقَدْ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ قَطْعُ المُحاجَّةِ مَعَهم، وإعْلامُهم أنَّ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما عَلَيْهِمْ إلّا …

36

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allah and avoid Taghut." And among them were those whom Allah guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed through the earth and observe how was the end of the deniers.

﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ؛ لِحِكايَةِ حالٍ مِن أحْوالِ شُبُهاتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ، وبابٌ مِن أبْوابِ تَكْذِيبِهِمْ.

وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُحاوِلُونَ إفْحامَ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، وإنَّهُ القادِرُ عَلَيْهِمْ وعَلى آلِهَتِهِمْ، وإنَّهُ لا يَرْضى بِأنْ يُعْبَدَ ما سِواهُ، وإنَّهُ يَنْهاهم عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِما، فَحَسِبُوا أنَّهم خَصَمُوا النَّبِيءَ ﷺ وحاجُّوهُ فَقالُوا لَهُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا نَعْبُدَ أصْنامًا لَما أقْدَرَنا عَلى عِبادَتِها، ولَوْ شاءَ أنْ لا نُحَرِّمَ ما حَرَّمْنا مِن نَحْوِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ لَما أقَرَّنا عَلى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وذَلِكَ قَصْدُ إفْحامٍ وتَكْذِيبٍ.

وهَذا رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَنْظِيرِ أعْمالِهِمْ بِأعْمالِ الأُمَمِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَلَوْ كانَ اللَّهُ يَرْضى بِما عَمِلُوهُ لَما عاقَبَهم بِالِاسْتِئْصالِ، فَكانَتْ عاقِبَتُهم نُزُولُ العَذابِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، ثُمَّ بِقَطْعِ المُحاجَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾، أيْ ولَيْسَ مِن شَأْنِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُناظَرَةُ مَعَ الأُمَّةِ.

صفحة ١٤٨

وقالَ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فَسَمّى قَوْلَهم هَذا تَكْذِيبًا كَتَكْذِيبِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّكْذِيبُ، وتَعْضِيدُ تَكْذِيبِهِمْ بِحُجَّةٍ أساءُوا الفَهْمَ فِيها، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يَتَوَلّى تَحْرِيكَ النّاسِ لِأعْمالِهِمْ كَما يُحَرِّكُ صاحِبُ خَيالِ الظِّلِّ ومُحَرِّكُ اللُّعَبِ أشْباحَهُ وتَماثِيلَهُ، وذَلِكَ جَهْلٌ مِنهم بِالفَرْقِ بَيْنَ تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ وبَيْنَ ما يَكْسِبُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ، وبِالفَرْقِ بَيْنَ أمْرِ التَّكْذِيبِ وأمْرِ التَّكْلِيفِ، وتَخْلِيطٌ بَيْنَ الرِّضى والإرادَةِ، ولَوْلا هَذا التَّخْلِيطُ لَكانَ قَوْلُهم إيمانًا.

والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الإشْراكِ وتَحْرِيمِ أشْياءَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، أيْ كَفِعْلِ هَؤُلاءِ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ فِيما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] وبِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٣] . والمَقْصُودُ: أنَّهم فَعَلُوا كَفِعْلِهِمْ فَكانَتْ عاقِبَتُهم ما عَلِمْتُمْ، فَلَوْ كانَ فِعْلُهم مُرْضِيًا لِلَّهِ لَما أهْلَكَهم، فَهَلّا اسْتَدَلُّوا بِهَلاكِهِمْ عَلى أنَّ اللَّهَ غَيْرُ راضٍ بِفِعْلِهِمْ، فَإنَّ دَلالَةَ الِانْتِقامِ أظْهَرُ مِن دَلالَةِ الإمْلاءِ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الِانْتِقامِ وُجُودِيَّةٌ ودَلالَةُ الإمْهالِ عَدَمِيَّةٌ.

وضَمِيرُ (نَحْنُ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في (عَبَدْنا)، وحَصَلَ بِهِ تَصْحِيحُ العَطْفِ عَلى ضَمِيرِ الرَّفْعِ المُتَّصِلِ، وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ تَعالى (ولا آباؤُنا) لِتَأْكِيدِ (ما) النّافِيَةِ.

وقَدْ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ قَطْعُ المُحاجَّةِ مَعَهم، وإعْلامُهم أنَّ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ما عَلَيْهِمْ إلّا …

37

إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

[Even] if you should strive for their guidance, [O Muhammad], indeed, Allah does not guide those He sends astray, and they will have no helpers.

﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يُهْدى مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ تَقْسِيمَ كُلِّ أُمَّةٍ ضالَّةٍ إلى مُهْتَدٍ مِنها وباقٍ عَلى الضَّلالِ يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ حالِ هَذِهِ الأُمَّةِ: أهُوَ جارٍ عَلى حالِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ أنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ جَمِيعًا، وذَلِكَ مِن حِرْصِهِ عَلى خَيْرِهِمْ ورَأْفَتِهِ بِهِمْ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ مَعَ حِرْصِهِ عَلى هُداهم فَإنَّهم سَيَبْقى مِنهم فَرِيقٌ عَلى ضَلالَةٍ.

وفِي الآيَةِ لَطِيفَتانِ:

الأُولى: التَّعْرِيضُ بِالثَّناءِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في حِرْصِهِ عَلى خَيْرِهِمْ مَعَ ما لَقِيَهُ مِنهم مِنَ الأذى الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُثِيرَ الحَنَقَ في نَفْسِ مَن يَلْحَقُهُ الأذى، ولَكِنَّ نَفْسَ مُحَمَّدٍ ﷺ مُطَهَّرَةٌ مِن كُلِّ نَقْصٍ يَنْشَأُ عَنِ الأخْلاقِ الحَيَوانِيَّةِ.

واللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: الإيماءُ إلى أنَّ غالِبَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ سَيَكُونُونَ مُهْتَدِينَ، وأنَّ الضَّلالَ مِنهم فِئَةٌ قَلِيلَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ هَدْيَهم في سابِقِ عِلْمِهِ بِما نَشَأ عَنْ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي هَيَّأتْ لَهُمُ البَقاءَ في الضَّلالِ.

والحِرْصُ: فَرْطُ الإرادَةِ المُلِحَّةِ في تَحْصِيلِ المُرادِ بِالسَّعْيِ في أسْبابِهِ.

والشَّرْطُ هُنا لَيْسَ لِتَعْلِيقِ حُصُولِ مَضْمُونِ الجَوابِ عَلى حُصُولِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الشَّرْطِ مَعْلُومُ الحُصُولِ؛ لِأنَّ عَلاماتِهِ ظاهِرَةٌ بِحَيْثُ يَعْلَمُهُ

صفحة ١٥٢

النّاسُ، كَما قالَ تَعالى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وإنَّما هو لِتَعْلِيقِ العِلْمِ بِمَضْمُونِ الجَوابِ عَلى دَوامِ حُصُولِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ حَرِيصًا عَلى هُداهم حِرْصًا مُسْتَمِرًّا فاعْلَمْ أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا تَسْتَطِيعُ هَدْيَهُ، ولا تَجِدُ لِهَدْيهِ وسِيلَةً، ولا يَهْدِيهِ أحَدٌ، فالمُضارِعُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّجَدُّدِ لا غَيْرَ، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:

إنْ تُغْدِ في دُونِي القِناعِ فَإنَّنِي طَبٌّ بِأخْذِ الفارِسِ المُسْتَلْئِمِ

وأظْهَرُ مِنهُ في هَذا المَعْنى قَوْلُهُ أيْضًا:

إنْ كُنْتِ أزْمَعْتِ الفِراقَ فَإنَّما ∗∗∗ زُمَّتْ رِكابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْـلِـمِ

فَإنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ في البَيْتَيْنِ في مَعْنى: إنْ كانَ ذَلِكَ تَصْمِيمًا، وجَوابُ الشَّرْطِ فِيهِما في مَعْنى إفادَةِ العِلْمِ.

وجُعِلَ المُسْنَدُ إلَيْهِ في جُمْلَةِ الإخْبارِ عَنِ اسْتِمْرارِ ضَلالِهِمُ اسْمَ الجَلالَةِ لِلتَّهْوِيلِ المُشَوِّقِ إلى اسْتِطْلاعِ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو أنَّ هُداهم لا يَحْصُلُ إلّا إذا أرادَهُ اللَّهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ تَحْصِيلَهُ لا أنْتَ ولا غَيْرُكَ، فَمَن قَدَّرَ اللَّهُ دَوامَ ضَلالِهِ فَلا هادِيَ لَهُ، ولَوْلا هَذِهِ النُّكْتَةُ لَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ضَمِيرَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِأنْ يُقالَ: فَإنَّهم لا يَهْدِيهِمْ غَيْرُ اللَّهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وحُذِفَ الفاعِلُ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ لا يَهْدِيهِ هادٍ.

و(مَن) نائِبُ فاعِلٍ، وضَمِيرُ (يُضِلُّ) عائِدٌ إلى اللَّهِ، أيْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي المُضَلَّلَ بِفَتْحِ اللّامِ مِنهُ، فالمُسْنَدُ سَبَبِيٌّ وحُذِفَ الضَّمِيرُ السَّبَبِيُّ المَنصُوبُ لِظُهُورِهِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ …

38

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّۭا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

And they swear by Allah their strongest oaths [that] Allah will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

انْتِقالٌ لِحِكايَةِ مَقالَةٍ أُخْرى مِن شَنِيعِ مَقالاتِهِمْ في كُفْرِهِمْ، واسْتِدْلالٌ مِن أدِلَّةِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ فِيما يُخْبِرُ بِهِ إظْهارٌ لِدَعْوَتِهِ في مَظْهَرِ المُحالِ، وذَلِكَ إنْكارُهُمُ الحَياةَ الثّانِيَةَ والبَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ. وذَلِكَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ سِوى الِاسْتِطْرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النحل: ٢٢] . والقَسَمُ عَلى نَفْيِ البَعْثِ أرادُوا بِهِ الدَّلالَةَ عَلى يَقِينِهِمْ بِانْتِفائِهِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

وإنَّما أيْقَنُوا بِذَلِكَ وأقْسَمُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ سَلامَةَ الأجْسامِ وعَدَمَ انْخِرامِها شَرْطٌ لِقَبُولِها الحَياةَ، وقَدْ رَأوْا أجْسادَ المَوْتى مُعَرَّضَةً لِلِاضْمِحْلالِ فَكَيْفَ تُعادُ كَما كانَتْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِجُمْلَةِ (أقْسَمُوا) وهي ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ.

والبَعْثُ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .

صفحة ١٥٤

والعُدُولُ عَنِ (المَوْتى) إلى (مَن يَمُوتُ) لِقَصْدِ إيذانِ الصِّلَةِ بِتَعْلِيلِ نَفْيِ البَعْثِ، فَإنَّ الصِّلَةَ أقْوى دَلالَةً عَلى التَّعْلِيلِ مِن دَلالَةِ المُشْتَقِّ عَلى عِلِّيَّةِ الِاشْتِقاقِ، فَهم جَعَلُوا الِاضْمِحْلالَ مُنافِيًا لِإعادَةِ الحَياةِ، كَما حُكِيَ عَنْهم ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] .

و(بَلى) حَرْفٌ لِإبْطالِ النَّفْيِ في الخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، وانْتَصَبَ (وعْدًا) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الإبْطالِ مِن حُصُولِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويُسَمّى هَذا النَّوْعُ مِنَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ، أيْ مُؤَكِّدًا لِمَعْنى فِعْلٍ هو عَيْنُ مَعْنى المَفْعُولِ المُطْلَقِ.

و(عَلَيْهِ) صِفَةٌ لِـ (وعْدًا)، أيْ وعْدًا كالواجِبِ عَلَيْهِ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ الخُلْفَ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شُبِّهَ الوَعْدُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِمَحْضِ إرادَتِهِ واخْتِيارِهِ بِالحَقِّ الواجِبِ عَلَيْهِ ورَمَزَ إلَيْهِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ.

و(حَقًّا) صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (وعْدًا)، والحَقُّ هُنا بِمَعْنى الصِّدْقِ الَّذِي لا يُتَخَلَّفُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١] في سُورَةِ بَراءَةٍ.

والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ (المُشْرِكُونَ)، وهم يَوْمَئِذٍ أكْثَرُ النّاسِ، ومَعْنى لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ فَيُقِيمُونَ مِن الِاسْتِبْعادِ دَلِيلَ اسْتِحالَةِ حُصُولِ البَعْثِ بَعْدَ الفَناءِ.

والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَنْ جَعْلِهِ وعْدًا عَلى اللَّهِ حَقًّا، إذْ يَتَوَهَّمُ السّامِعُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ فَجاءَ الِاسْتِدْراكُ لِرَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ؛ ولِأنَّ جُمْلَةَ ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ تَقْتَضِي إمْكانَ وُقُوعِهِ، والنّاسُ يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ.

39

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰذِبِينَ

[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.

صفحة ١٥٥

﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾

(لِيُبَيِّنَ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨] لِقَصْدِ بَيانِ حِكْمَةِ جَعْلِهِ وعْدًا لازِمًا لا يَتَخَلَّفُ؛ لِأنَّهُ مَنُوطٌ بِحِكْمَةٍ، واللَّهُ تَعالى حَكِيمٌ لا تَجْرِي أفْعالُهُ عَلى خِلافِ الحِكْمَةِ التّامَّةِ، أيْ جَعَلَ البَعْثَ لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ الشَّيْءَ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ؛ فَيَظْهَرُ حَقُّ المُحِقِّ، ويَظْهَرُ باطِلُ المُبْطِلِ في العَقائِدِ ونَحْوِها مِن أُصُولِ الدِّينِ، وما أُلْحِقَ بِها.

وشَمَلَ قَوْلُهُ (يَخْتَلِفُونَ) كُلَّ مَعانِي المُحاسَبَةِ عَلى الحُقُوقِ؛ لِأنَّ تَمْيِيزَ الحُقُوقِ مِنَ المَظالِمِ كُلَّهُ مَحَلُّ اخْتِلافِ النّاسِ وتَنازُعِهِمْ.

وعَطَفَ عَلى هَذِهِ الحِكْمَةِ العامَّةِ حِكْمَةً فَرْعِيَّةً خاصَّةً بِالمَرْدُودِ عَلَيْهِمْ هُنا، وهي حُصُولُ العِلْمِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما اخْتَرَعُوهُ مِنَ الشِّرْكِ، وتَحْرِيمِ الأشْياءِ، وإنْكارِ البَعْثِ.

وفِي حُصُولِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَوْمَ البَعْثِ مَثارٌ لِلنَّدامَةِ والتَّحَسُّرِ عَلى ما فَرَطَ مِنهم مَن إنْكارِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ حِكْمَةِ الجَزاءِ في يَوْمِ البَعْثِ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.

وكانُوا كاذِبِينَ أقْوى في الوَصْفِ بِالكَذِبِ مِن (كَذَّبُوا أوْ كاذِبُونَ)، لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ (كانَ) مِنَ الوُجُودِ زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ اسْمُ الفاعِلِ مِن الِاتِّصافِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وُجِدَ كَذِبُهم ووُصِفُوا بِهِ، وكَذِبُهم يَسْتَلْزِمُ أنَّهم مُعَذَّبُونَ عُقُوبَةً عَلى كَذِبِهِمْ، فَفِيهِ شَتْمٌ صَرِيحٌ وتَعْرِيضٌ بِالعِقابِ.

40

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.

﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]؛ لِبَيانِ أنَّ جَهْلَهم بِمَدى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ واسْتِحالَتِهِ

صفحة ١٥٦

عِنْدَهم، فَهي بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النحل: ٣٩] إلى آخِرِها اعْتِراضًا بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ.

والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ تَكْوِينُ شَيْءٍ إذا أرادَهُ اللَّهُ إلّا عَلى أنْ تَتَعَلَّقَ قُدْرَتُهُ بِتَكْوِينِهِ، ولَيْسَ إحْياءُ الأمْواتِ إلّا مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ، وما البَعْثُ إلّا تَكْوِينٌ، فَما بَعْثُ الأمْواتِ إلّا مِن جُمْلَةِ تَكْوِينِ المَوْجُوداتِ، فَلا يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ.

وأفادَتْ (إنَّما) قَصْرًا هو قَصْرُ وُقُوعِ التَّكْوِينِ عَلى صُدُورِ الأمْرِ بِهِ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ لِإبْطالِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ تَعَذُّرَ إحْياءِ المَوْتى ظَنًّا مِنهم أنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا إذا سَلِمَتِ الأجْسادُ مِنَ الفَسادِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَأُرِيدَ بِـ ﴿قَوْلُنا لِشَيْءٍ﴾ تَكْوِينُنا شَيْئًا، أيْ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِخَلْقِ شَيْءٍ، وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﴿إذا أرَدْناهُ﴾ إذا تَعَلَّقَتْ بِهِ الإرادَةُ الإلَهِيَّةُ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًا، فَإذا كانَ سَبَبُ التَّكْوِينِ لَيْسَ زائِدًا عَلى قَوْلِ كُنْ فَقَدْ بَطَلَ تَعَذُّرُ إحْياءِ المَوْتى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا قَصْرَ قَلْبٍ لِإبْطالِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ.

والشَّيْءُ: أُطْلِقَ هُنا عَلى المَعْدُومِ بِاعْتِبارِ إرادَةِ وجُودِهِ، فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ، أوِ المُرادُ بِالشَّيْءِ مُطْلَقُ الحَقِيقَةِ المَعْلُومَةِ، وإنْ كانَتْ مَعْدُومَةً، وإطْلاقُ الشَّيْءِ عَلى المَعْدُومِ مُسْتَعْمَلٌ.

و﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِنا.

والمُرادُ بِقَوْلِ (كُنْ) تَوَجُّهُ القُدْرَةِ إلى إيجادِ المَقْدُورِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ التَّوَجُّهِ بِالقَوْلِ بِالكَلامِ كَما عَبَّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وشُبِّهَ الشَّيْءُ المُمْكِنُ حُصُولُهُ بِشَخْصٍ مَأْمُورٍ، وشُبِّهَ انْفِعالُ المُمْكِنِ لِأمْرِ التَّكْوِينِ بِامْتِثالِ المَأْمُورِ لِأمْرِ الآمِرِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَعْقِلُونَ، ولَيْسَ هو خِطابًا لِلْمَعْدُومِ، ولا أنَّ لِلْمَعْدُومِ سَمْعًا يَعْقِلُ بِهِ الكَلامَ فَيَمْتَثِلُ لِلْآمِرِ.

صفحة ١٥٧

و(كانَ) تامَّةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَيَكُونُ) بِالرَّفْعِ أيْ (فَهو يَكُونُ)، عَطْفًا عَلى الخَبَرِ وهو جُمْلَةُ (أنْ نَقُولَ)، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (نَقُولَ)، أيْ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ وأنْ يَكُونَ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.