Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 21–30 of 128

21

أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ

They are, [in fact], dead, not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.

ولَمّا كانَ مِنَ المَخْلُوقاتِ المَيِّتُ والحَيُّ؛ وكانَ المَيِّتُ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْ صِفَةِ الإلَهِ؛ قالَ - نافِيًا عَنْها الحَياةَ؛ بَعْدَ أنْ نَفى القُدْرَةَ؛ والعِلْمَ؛ المُسْتَلْزِمَ لِأنْ يَكُونَ عَبَدَتُها أشْرَفَ مِنها؛ المُسْتَلْزِمَ لِأنَّهم بِخُضُوعِهِمْ لَها في غايَةِ السَّفَهِ -: ﴿أمْواتٌ﴾؛ ولَمّا كانَ الوَصْفُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ المُلْتَبِسِ بِهِ؛ مَجازًا عَنْ عَدَمِ نَفْعِهِ بِضِدِّهِ؛ وإنْ كانَ قائِمًا بِهِ؛ عَرِيقًا فِيهِ؛ قالَ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾؛ مُبَيِّنًا أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ حَقِيقَةُ سَلْبِ الحَياةِ؛ عَلى ضِدِّ ما عَلَيْهِ اللَّهُ - ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ﴾ [الأعراف: ٥٤] - مِن كَوْنِهِ حَيًّا لا يَمُوتُ؛ ولَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِمْ - مَعَ أنَّهم مَواتٌ - بِأنَّهم أمْواتٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كافِيًا في المَقْصُودِ مِنَ السِّياقِ - وهو إبْعادُهم عَنِ الإلَهِيَّةِ - يَكُونُ صالِحًا لِكُلِّ مَخْلُوقٍ ادُّعِيَ فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ وإنِ اتَّصَفَ بِالحَياةِ؛ لِأنَّ حَياتَهُ زائِلَةٌ يَعْقُبُها المَوْتُ؛ ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ بَعِيدًا عَنْ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ.

ولَمّا كانُوا - مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الأصْنامَ حِجارَةٌ لا حَياةَ لَها - يُخاطَبُونَ مِن أجْوافِها بِألْسِنَةِ الشَّياطِينِ - كَما هو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ؛ وغَيْرِها مِنَ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ في هَواتِفِ الجانِّ؛ فَصارُوا يَظُنُّونَ أنَّ لَها عِلْمًا بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ ولِذَلِكَ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّها تَضُرُّ؛ وتَنْفَعُ؛ احْتِيجَ إلى نَفْيِ العِلْمِ عَنْها؛ ولَمّا كانُوا يُخْبَرُونَ عَلى ألْسِنَتِها بِبَعْضِ ما يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ؛ فَيَكُونُ كَما أخْبَرُوا؛ لَمْ يَنْفِ عَنْها مُطْلَقَ العِلْمِ؛ بَلْ نَفى ما لا عِلْمَ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ بِهِ؛ لِأنَّهم لا يُخْبِرُونَ عَنْهُ بِخَبَرٍ إلّا بانَ كَذِبُهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - عادًّا لِلْبَعْثِ عِدادَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ -: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾؛ أيْ: في هَذا الحالِ؛ كَما هو مَدْلُولُ ”ما“؛ ﴿أيّانَ﴾؛ أيْ: أيَّ حِينٍ؛ ﴿يُبْعَثُونَ﴾؛ فَنَفى عَنْهم مُطْلَقَ الشُّعُورِ؛ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ العِلْمِ؛ فَيَنْتَفِي كُلُّ ما هو أخَصُّ مِنهُ.

22

إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌۭ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ

Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.

ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ البَعْثِ قَدْ ثَبَتَ قِيامُها؛ واتَّضَحَتْ أعْلامُها؛ وعَلا مَنارُها؛ وانْتَشَرَتْ أنْوارُها؛ ساقَ الكَلامَ فِيها مَساقَ ما لا خِلافَ إلّا في العِلْمِ بِوَقْتِهِ؛ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أصْلِهِ؛ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ؛ ولَمّا اتَّضَحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَجْزُ شُرَكائِهِمْ؛ أشارَ إلى أنَّ مَنشَأ العَجْزِ قَبُولُ التَّعَدُّدِ؛ إرْشادًا إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ ما مَضى قَطْعًا -: ﴿إلَهُكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها الخَلْقُ؛ كُلِّكُمُ؛ المَعْبُودُ بِحَقٍّ؛ ﴿إلَهٌ﴾؛ أيْ: مُتَّصِفٌ بِالإلَهِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ؛ وكُلِّ زَمانٍ؛ وكُلِّ مَكانٍ؛ ﴿واحِدٌ﴾؛ لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ - الَّذِي هو مَثارُ النَّقْصِ - بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ التَّمانُعِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعَجْزِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِلْبُعْدِ عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ ﴿فالَّذِينَ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا أنَّ الَّذِينَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾؛ أيْ: دارِ الجَزاءِ؛ ومَحَلِّ إظْهارِ الحُكْمِ؛ الَّذِي هو ثَمَرَةُ المُلْكِ؛ والعَدْلِ؛ الَّذِي هو مَدارُ العَظْمَةِ؛ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾؛ أيْ: جاهِلَةٌ بِأنَّهُ واحِدٌ؛ لِما لَها مِنَ القَسْوَةِ؛ لا لِاشْتِباهِ الأمْرِ - لِما تَقَدَّمَ في ”هُودٍ“؛ مِن أنَّ مادَّةَ ”نَكَرَ“ تَدُورُ عَلى القُوَّةِ؛ وهي تَسْتَلْزِمُ الصَّلابَةَ؛ فَتَأْتِي القَسْوَةُ -؛ ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم بِسَبَبِ إنْكارِ الآخِرَةِ؛ ﴿مُسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أيْ: صِفَتُهم الِاسْتِكْبارُ عَنْ كُلِّ ما لا يُوافِقُ أهْواءَهُمْ؛ وهو طَلَبُ التَّرَفُّعِ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الحَقِّ أنَفَةً مِن أهْلِهِ؛ فَصارُوا بِذَلِكَ إلى حَدٍّ يَخْفى عَلَيْهِمْ مَعَهُ الشَّمْسُ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]؛ ورُبَّما دَلَّ ”مُسْتَكْبِرُونَ“؛ عَلى أنَّ ”مُنْكِرَةٌ“؛ بِمَعْنى: جاحِدَةٌ ما هي بِهِ عارِفَةٌ.

23

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ

Assuredly, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.

ولَمّا كانُوا - لِكَوْنِ الإنْسانِ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا - رُبَّما أنْكَرُوا الِاسْتِكْبارَ؛ وادَّعَوْا أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ لَأنابُوا؛ قالَ - عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: إنَّهم لا يَأْبَوْنَ اسْتِكْبارًا ما لا يَشُكُّونَ مَعَهُ في أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ -: ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا ظَنَّ في ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ عِلْمًا غَيْبِيًّا؛ وشَهادِيًّا؛ ﴿ما يُسِرُّونَ﴾؛ أيْ: يُخْفُونَ مُطْلَقًا أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ النّاسِ؛ ولَمّا كانَ عِلْمُ السِّرِّ لا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الجَهْرِ - كَما مَضى غَيْرَ مَرَّةٍ - قالَ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾؛ فَهو ما أخْبَرَ بِذَلِكَ إلّا عَنْ أمْرٍ قَطْعِيٍّ لا يَقْبَلُ المِراءَ.

ولَمّا كانَ في ذَلِكَ مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ المُرادَ: فَلَيُجازِيَنَّهم عَلى دِقِّ ذَلِكَ وجِلِّهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَغْفِرَ مِنهُ شَيْئًا - كَما يَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً﴾ [النحل: ٢٥] -؛ عَلَّلَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: العالِمَ بِالسِّرِّ؛ والعَلَنِ؛ ﴿لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾؛ أيْ: عَلى الحَقِّ؛ كائِنًا ما كانَ.

24

وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" They say, "Legends of the former peoples,"

ولَمّا كانَ الطَّعْنُ في القُرْآنِ - بِما ثَبَتَ مِن عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ - دَلِيلَ الِاسْتِكْبارِ؛ قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ“ -: ﴿وإذا قِيلَ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ ولَوْ تَكَرَّرَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِمُنْكِرِي الآخِرَةِ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ﴿أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكُمُ؛ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكُمْ؛ ﴿قالُوا﴾؛ مُكابِرِينَ في إنْزالِهِ؛ عادِّينَ ”ذا“ مَوْصُولَةً؛ لا مُؤَكِّدَةً لِلِاسْتِفْهامِ: الَّذِي تَعْنُونَ أنَّهُ مُنْزَلٌ لَيْسَ مُنْزَلًا؛ بَلْ هو ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾؛ مَعَ عَجْزِهِمْ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنهُ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ أفْصَحُ النّاسِ؛ وأنَّهُ لا يَكُونُ مِن أحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ مُتَقَدِّمٍ؛ أوْ مُتَأخِّرٍ؛ قَوْلٌ إلّا قالُوا أبْلَغَ مِنهُ.

25

لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

That they may bear their own burdens in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.

ولَمّا كانَ الكِتابُ هو الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ المُنْقِذَ مِنَ الهَلاكِ؛ وكانَ قَوْلُهم هَذا صَدًّا عَنْهُ؛ فَكانَ - مَعَ كَوْنِهِ ضَلالًا - إضْلالًا؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن ضَلَّ كانَ عَلَيْهِ إثْمُ ضَلالِهِ؛ ومَن أضَلَّ كانَ عَلَيْهِ وِزْرُ إضْلالِهِ؛ هَذا ما لا يَخْفى عَلى ذِي عَقْلٍ صَحِيحٍ؛ فَلَمّا كانَ هَذا بَيِّنًا؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ بِالخَفِيّاتِ؛ فَكَيْفَ بِالجَلِيّاتِ؛ حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾؛ فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا لازِمٌ لَهم قَطْعًا؛ وإنْ قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ غَيْرَهُ؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّ الجَهْلَ أوْلى لَهم مِنهُ - أخَفُّ أحْوالِهِمْ؛ لِأنَّهم إمّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّهم فَعَلُوا بِهَذا الطَّعْنِ ما لَيْسَ لَهُمْ؛ أوْ لا؛ فَعَلى الثّانِي هم أجْهَلُ النّاسِ؛ وعَلى الأوَّلِ فَإمّا أنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أنَّهم يُؤْخَذُونَ بِهِ؛ أوْ لا؛ فَعَلى الثّانِي يَكُونُ الخَلْقُ سُدًى؛ ولَيْسَ هو مِنَ الحِكْمَةِ في شَيْءٍ؛ فَمُعْتَقِدُ هَذا مِنَ الجَهْلِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ؛ وعَلى الأوَّلِ فَهم يُشاهِدُونَ كَثِيرًا مِنَ الظَّلَمَةِ لا يُجازَوْنَ في الدُّنْيا؛ فَيُلْزِمُهم في الحِكْمَةِ اعْتِقادَ الآخِرَةِ؛ لِيُجازى بِها المُحْسِنُ والمُسِيءُ؛ وهَذا أخَفُّ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ ولا يَخْفى ما في الإقْدامِ عَلى مِثْلِهِ مِنَ الغَباوَةِ المُناقِضَةِ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ؛ فَقَدْ آلَ الأمْرُ إلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم نُسِبُوا إلى عِلْمٍ؛ الجَهْلُ خَيْرٌ مِنهُ؛ ﴿أوْزارَهُمْ﴾؛ الَّتِي باشَرُوها؛ لِنُكُوبِهِمْ عَنِ الحَقِّ تَكَبُّرًا؛ لا عَنْ شُبْهَةٍ.

ولَمّا كانَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ يُكَفِّرُ عَنْ أهْلِ الإيمانِ صَغائِرَهم بِالطّاعاتِ؛ وبِاجْتِنابِ الكَبائِرِ؛ فَكانَ التَّكْفِيرُ مَشْرُوطًا بِالإيمانِ؛ وكانَ هَؤُلاءِ قَدْ كَفَرُوا بِالتَّكْذِيبِ بِالكِتابِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿كامِلَةً﴾؛ لا يَنْقُصُ مِنها وِزْرُ شَيْءٍ مِمّا أسَرُّوا؛ ولا مِمّا أعْلَنُوا؛ لِخَفاءٍ؛ ولا ذُهُولٍ بِتَكْفِيرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ مِن دُونِ خَلَلٍ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ؛ فَهو أبْلَغُ مِن ”تامَّةً“؛ لِأنَّ التَّمامَ قَدْ يَكُونُ في العِدَّةِ مَعَ خَلَلٍ في بَعْضِ الوَصْفِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ؛ ولا مَحِيصَ عَنْ إتْيانِهِ؛ ”و“؛ لِيَحْمِلُوا؛ ”مِن“؛ مِثْلِ؛ ﴿أوْزارِ﴾؛ الجَهَلَةِ الضُّعَفاءِ؛ ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾؛ فَيَضِلُّونَ بِهِمْ؛ كَما بَيَّنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا؛ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ يَحْمِلُونَ مِن أوْزارِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُباشِرُوها؛ لِما لَهم فِيها مِنَ التَّسَبُّبِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِ الضّالِّينَ بِهِمْ شَيْءٌ؛ وإنْ كانُوا جَهَلَةً؛ لِأنَّ لَهم عُقُولًا هي بِحَيْثُ تَهْدِي إلى سُؤالِ أهْلِ الذِّكْرِ؛ وفِطَرًا أُولى تَنْفِرُ مِنَ الباطِلِ؛ أوَّلَ ما يُعْرَضُ عَلَيْها؛ فَضَيَّعُوها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ التَّنْبِيهَ عَلى عَظِيمِ ما يَحْصُلُ لَهم مِن مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ الضَّرَرِ؛ وعِيدًا لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾؛ فَأدْخَلَ هَمْزَةَ الإنْكارِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ؛ فَصارَ إثْباتًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.

26

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Those before them had already plotted, but Allah came at their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them, and the punishment came to them from where they did not perceive.

ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِكْبارِ مَحْوَ الحَقِّ؛ وإخْفاءَ أمْرِهِ؛ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالعِنادِ - بَلْ مَعَ إقامَةِ شَبَهٍ رُبَّما راجَتْ - وإنِ اشْتَدَّ ضَعْفُها - عَلى عُقُولٍ هي أضْعَفُ مِنها؛ وكَأنَّ هَذا حَقِيقَةُ المَكْرِ؛ الَّتِي هي التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ؛ كَما بَيَّنَ في ”الرَّعْدِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ شَرَعَ يُهَدِّدُ الماكِرِينَ؛ ويُحَذِّرُهم وُقُوعَ ما وقَعَ بِمَن كانُوا أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا؛ وأقْوى يَدًا؛ ويُرَجِّي المُؤْمِنِينَ في نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ القُوَّةِ؛ وشَدِيدِ السَّطْوَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ ناسًا مَخْصُوصِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ مِمَّنْ رَأوْا آثارَهُمْ؛ ودَخَلُوا دِيارَهُمْ؛ ﴿فَأتى اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن مَجامِعِ العَظَمَةِ؛ ﴿بُنْيانَهُمْ﴾؛ أيْ: إتْيانَ بَأْسٍ وانْتِقامٍ؛ ﴿مِنَ القَواعِدِ﴾؛ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها مَكْرَهُمْ؛ ﴿فَخَرَّ﴾؛ أيْ: سَقَطَ مَعَ صَوْتٍ عَظِيمٍ لِهَدَّتِهِ؛ ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: ”خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ؛ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ“؛ إذا كانَ يَمْلِكُهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ؛ كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ؛ قالَ (تَعالى) - صَرْفًا عَنْ هَذا إلى حَقِيقَةِ السُّقُوطِ المُقَيَّدِ بِالجارِّ -: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ وكانُوا تَحْتَهُ؛ فَهَلَكُوا؛ كَما هو شَأْنُ البُنْيانِ إذا زالَتْ قَواعِدُهُ.

ولَمّا كانَ المَكْرُ هو الضُّرُّ في خُفْيَةٍ؛ لِأنَّهُ القَتْلُ بِالحِيلَةِ إلى جِهَةٍ مُنْكَرَةٍ؛ بَيَّنَ أنَّ ما حَصَلَ لَهم مِنَ العَذابِ هو مِن بابِ ما فَعَلُوا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الرُّسُلِ عَلى الوَعِيدِ بِهِ لِمَن أبى؛ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي أعَدُّوهُ لِنَصْرِهِمْ كانَ بِعَيْنِهِ سَبَبَ قَهْرِهِمْ؛ وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ فِيما بَناهُ نَمْرُودُ مِنَ الصَّرْحِ.

ذِكْرُ قِصَّتِهِ مِنَ التَّوْراةِ:

قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها؛ في تَعْدادِ أوْلادِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: وكُوشٌ - يَعْنِي ابْنَ حامِ بْنِ نُوحٍ - ولَدَ نَمْرُودَ؛ وكانَ أوَّلَ جَبّارٍ في الأرْضِ؛ وهو كانَ مَخُوفًا؛ ذا صَيْدٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ: ”هَذا مِثْلُ نَمْرُودَ الجَبّارِ القَنّاصِ“؛ فَكانَ مَبْدَأُ مُلْكِهِ بابِلَ؛ والكُوشَ؛ والأهْوازَ؛ والكُوفَةَ؛ الَّتِي بِأرْضِ شِنْعارَ؛ ومِن تِلْكَ الأرْضِ خَرَجَ المَوْصِلِيُّ؛ فابْتَنى نِينَوى؛ ورَحُبُوتَ القَرْيَةَ - وفي نُسْخَةٍ: قَرْيَةَ الرَّحُبَةَ - والإيَّلَةَ؛ والمَدائِنَ؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ أنْ عَدَّ أحْفادَ نُوحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ومَمالِكَهم -: هَؤُلاءِ قَبائِلُ بَنِي نُوحٍ؛ وأوْلادُهُمْ؛ وخُلُوفُهُمْ؛ وشُعُوبُهُمْ؛ ومِن هَؤُلاءِ تَفَرَّقَتِ الشُّعُوبُ في الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ وإنَّ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم كانَتْ لُغَتُهم واحِدَةً؛ ومَنطِقُهم واحِدًا؛ فَلَمّا ظَعَنُوا في المَشْرِقِ انْتَهَوْا إلى قاعٍ في أرْضِ شِنْعارَ - وفي نُسْخَةٍ: العِراقِ - فَسَكَنُوهُ؛ فَقالَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم لِصاحِبِهِ: هَلُمَّ بِنا نُلَبِّنِ اللَّبِنَ ونَحْرِقْهُ بِالنّارِ؛ فَيَصِيرَ اللَّبِنُ مِثْلَ الحِجارَةِ؛ ويَصِيرَ الجَصُّ بَدَلَ الطِّينِ لِلْمِلاطِ؛ ثُمَّ قالَ: هَلُمُّوا نَبْنِ لَنا قَرْيَةً نَتَّخِذْها؛ وصَرْحًا مَشِيدًا لاحِقًا بِالسَّماءِ؛ …

27

ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حالَ المَكَرَةِ المُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ أخَذَ يَذْكُرُ حالَهم في الآخِرَةِ؛ تَقْرِيرًا لِلْآخِرَةِ؛ وبَيانًا لِأنَّ عَذابَهم غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الدُّنْيَوِيِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾؛ أيْ: اللَّهُ (تَعالى)؛ الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا ما تَقَدَّمَ؛ خِزْيًا يَشْهَدُهُ جَمِيعُ الخَلائِقِ الوُقُوفِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَيَحْصُلُ لَهم مِنَ الذُّلِّ - جَزاءً عَلى تَكَبُّرِهِمْ - ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وعَطْفُهُ بِـ ”ثُمَّ“؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ لَهُ؛ ولِما لَهُ مِنَ الهَوْلِ والعَظَمَةِ؛ الَّتِي يُسْتَصْغَرُ لَها كُلُّ هَوْلٍ؛ ﴿ويَقُولُ﴾؛ أيْ: لَهم في ذَلِكَ الجَمْعِ؛ تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾؛ عَلى ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؛ وأضافَ - سُبْحانَهُ - إلى نَفْسِهِ المُقَدَّسِ؛ لِأنَّهُ أقْطَعُ في تَوْبِيخِهِمْ؛ وأدَلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ؛ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا تَنْفَكُّونَ عَنْهُ؛ ﴿تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾؛ أوْلِيائِي؛ فَتَكُونُونَ بِمُخالَفَتِهِمْ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِمْ؛ فَتَخْضَعُونَ لِما لا يَنْبَغِي الخُضُوعُ لَهُ؛ وتَتَكَبَّرُونَ عَلى مَن لا يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنْهُ؛ ما لَهم لا يَحْضُرُونَكُمْ؛ ويَدْفَعُونَ عَنْكم في هَذا اليَوْمِ؟ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ؛ لِأنَّ مُشاقَقَةَ المَأْمُورِ مُشاقَقَةُ الآمِرِ.

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْجَلالِ والعَظَمَةِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِزِيادَةِ الهَيْبَةِ؛ الَّتِي يَلْزَمُ عَنْها غالِبًا خَرَسُ المُخْزى عَنْ جَوابِهِ؛ لَوْ كانَ لَهُ جَوابٌ؛ وكانَ مِن أجَلِّ المَقاصِدِ في تَعْذِيبِهِمُ العَدْلُ بِتَفْرِيحِ الأوْلِياءِ؛ وإشْماتِهِمْ بِهِمْ؛ جَزاءً لِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِمْ في الدُّنْيا؛ وكانَتِ الشَّماتَةُ أعْلى مَحْبُوبٍ لِلشّامِتِ؛ وأعْظَمَ مَرْهُوبٍ لِلْمَشْمُوتِ فِيهِ؛ وأعْظَمَ مُسَلٍّ لِلْمَظْلُومِ؛ دَلَّ عَلى سُكُوتِهِمْ رَغَبًا عَنِ المُبادَرَةِ بِالجَوابِ بِتَأْخِيرِ الخَبَرِ عَنْهُ؛ وتَقْدِيمِ الخَبَرِ عَنْ شَماتَةِ أعْدائِهِمْ فِيهِمْ؛ في سِياقِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ مَن قالَ: هَلْ عَلِمَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ العِلْمُ شَرَفًا لِلْعالِمِ مُطْلَقًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾؛ أيْ: انْتَفَعُوا بِهِ في سُلُوكِ سَبِيلِ النَّجاةِ؛ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ومَن أطاعَهم مِن أُمَمِهِمْ؛ إشارَةً إلى أنَّ الهالِكَ يَصِحُّ سَلْبُ العِلْمِ عَنْهُ؛ وإنْ كانَ أعْلَمَ النّاسِ؛ وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”أعْداؤُهُمْ“؛ أوْ ”المُؤْمِنُونَ“؛ ونَحْوَهُ؛ إجْلالًا لَهم بِوَصْفِهِمْ بِالعِلْمِ؛ الَّذِي هو أشْرَفُ الصِّفاتِ؛ لِكَوْنِهِ مَنشَأ كُلِّ فَضِيلَةٍ؛ وتَعْرِيضًا بِأنَّ الحامِلِ لِلْكُفّارِ عَلى الِاسْتِكْبارِ الجَهْلُ؛ الَّذِي هو سَبَبُ كُلِّ رَذِيلَةٍ؛ ﴿إنَّ الخِزْيَ﴾؛ أيْ: البَلاءَ المُذِلَّ؛ ﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: يَوْمَ الفَصْلِ؛ الَّذِي يَكُونُ لِلْفائِزِ فِيهِ العاقِبَةُ المَأْمُونَةُ؛ ﴿والسُّوءَ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما يَسُوءُ؛ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ التَّكَبُّرِ؛ لا عَلى غَيْرِهِمْ؛

28

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves, and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allah is Knowing of what you used to do.

ثُمَّ رَغَّبَهم في التَّوْبَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾؛ بِالفَوْقِيَّةِ؛ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ مُؤَنَّثٌ؛ وبِالتَّحْتِيَّةِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ لِأنَّ المَجْمُوعَ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ؛ وكانَ وفاتُهم عَلى وجْهَيْنِ: وجْهٍ خَفِيفٍ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّأْنِيثُ؛ لِخِفَّةِ كُفْرِ صاحِبِهِ؛ وآخَرَ ثَقِيلٍ شَدِيدٍ؛ لِشِدَّةِ كُفْرِ صاحِبِهِ؛ ولَمْ يُحْذَفْ شَيْءٌ مِنَ التّاءَيْنِ؛ لِلْإشارَةِ إلى نُقْصانِ حالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ خَيْرُها لِمَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في تارِكِ الهِجْرَةِ في ”النِّساءِ“؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: المُوَكَّلُونَ بِالمَوْتِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ بِوَضْعِها مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَلى المَلِكِ الجَبّارِ غَيْرَ مَوْضِعِها.

فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ؛ والأُسْلُوبِ الرَّفِيعِ المَنِيعِ؛ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِحالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَألْقَوُا﴾؛ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ؛ عَقِبَ قَوْلِ الأوْلِياءِ؛ وبِسَبَبِ سُؤالِ ذِي الكِبْرِياءِ؛ ﴿السَّلَمَ﴾؛ أيْ: المَقادَةَ؛ والخُضُوعَ؛ بَدَلَ ذَلِكَ التَّكَبُّرِ؛ والعُلُوِّ؛ قائِلِينَ - ارْتِكابًا لِلْكَذِبِ مِن غَيْرِ احْتِشامٍ -: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ﴾؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ؛ فَقالُوا: ﴿مِن سُوءٍ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَبُهْتانٌ عَظِيمٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ الجَلِيلِ؛ فَماذا قِيلَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿بَلى﴾؛ قَدْ عَمِلْتُمْ أعْظَمَ السُّوءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الضَّلالِ؛ والإضْلالِ؛ فَلا يَسَعُكُمُ الإنْكارُ؛ أفَما آنَ لَكم أنْ تَنْزِعُوا عَنِ الجَهْلِ فِيما يَضُرُّكم ولا يَنْفَعُكُمْ؛ ويَخْفِضُكم ولا يَرْفَعُكُمْ؟!

29

فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ

So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ؛ مَعَ هَذا العِلْمِ؛ سَبَبًا لِدُخُولِ جَهَنَّمَ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُقامَ لَهم وزْنٌ؛ لِأنَّهُ لا وزْنَ لِما ضُيِّعَ أساسُهُ؛ قالَ - مُعَقِّبًا؛ مُسَبِّبًا -: ﴿فادْخُلُوا﴾؛ أيْ: أيُّها الكَفَرَةُ؛ ﴿أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: أبْوابَ طَبَقاتِها؛ ودَرَكاتِها؛ ﴿خالِدِينَ﴾؛ أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلْدَ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: في جَهَنَّمَ؛ الَّتِي دَأْبُها تَجَهُّمُ مَن دَخَلَها.

ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ لِلْمُشاقَقَةِ؛ وكانَ أمْرُها زائِدَ القَباحَةِ؛ كانَ هَذا الدُّخُولُ أقْبَحَ دُخُولٍ؛ وكانَ سَبَبًا لِأنْ يُقالُ: ﴿فَلَبِئْسَ﴾؛ بِالأداةِ الجامِعَةِ لِمَجامِعِ الذَّمِّ ﴿مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾؛ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ؛ وبَيانِ الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ؛ لِتَقَدُّمِ كَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ؛ ”ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ“؛ تَعْرِيضًا بِأنَّهم جَدِيرُونَ - لِغايَةٍ ما لَهم مِنَ البَلادَةِ - أنْ يَسْتَحْسِنُوا النّارَ؛ كَما كَذَّبُوا مَعَ العِلْمِ التّامِّ بِأنَّهُ لا يَرُوجُ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَذِبٌ.

30

۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ

And it will be said to those who feared Allah, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -

ولَمّا تَمَّ الخَبَرُ عَنِ المُنْكِرِ لِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ؛ مِنَ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ؛ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ إنْكارًا لِفَضْلِهِمْ؛ وتَكَبُّرًا بِما لَيْسَ لَهُمْ؛ بِالِاعْتِراضِ عَلى خالِقِهِمُ؛ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنِ المُقِرِّينَ تَصْدِيقًا لِهُداتِهِمْ؛ واعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ؛ وتَسْلِيمًا لِمَن هم عَبِيدُهُ؛ في تَفْضِيلِ مَن يَشاءُ؛ مُنَبِّهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم الِاعْتِرافَ بِالحَقِّ؛ فَقالَ - حاذِفًا لِـ ”إذا“؛ دَلالَةً عَلى الرِّضا بِأيْسَرِ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ؛ والمَدْحِ عَلَيْهِ؛ ولَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ -: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: خافُوا عِقابَ اللَّهِ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ؛ ﴿أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم مِن رُوحِهِ؛ المُحْيِي لِلْأرْواحِ؛ عَلى رَسُولِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ مُعْتَرِفِينَ بِالإنْزالِ؛ غَيْرَ مُتَوَقِّفِينَ في المَقالِ؛ فاهِمِينَ أنَّ ”ذا“ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ؛ لا بِمَعْنى ”الَّذِي“: أنْزَلَ ﴿خَيْرًا﴾؛ وإنَّما أطْبَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ هَذا؛ ورَفْعِ الأوَّلِ؛ فَرْقًا بَيْنَ جَوابَيِ المُقِرِّ؛ والجاحِدِ؛ بِمُطابَقَةِ المُقِرِّ بَيْنَ الجَوابِ؛ والسُّؤالِ؛ وعُدُولِ الجاحِدِ بِجَوابِهِ عَنِ السُّؤالِ؛ ثُمَّ أخَذَ يُرَغِّبُ بِما لَهم مِن حُسْنِ المَآلِ؛ عَلى وجْهِ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَهم عَلى ذَلِكَ؟ فَقِيلَ - مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ مَدْحًا لَهُمْ؛ وتَعْمِيمًا لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ فَبَيَّنَ أنَّ اعْتِرافَهم بِذَلِكَ إحْسانٌ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: جَزاءً لَهم عَلى إحْسانِهِمْ - ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الدّارُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ؛ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ؛ فَقالَ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: جَزاءً ومَصِيرًا؛ ثُمَّ مَدَحَها؛ ومَدَحَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ مُرَغِّبًا في الوَصْفِ الَّذِي كانَ سَبَبَ حِيازَتِهِمْ لَها؛ وهو الخَوْفُ؛ المُنافِي لِما وصَفَ بِهِ الأشْرارَ؛ مِنَ الِاسْتِكْبارِ؛ بِإظْهارِهِ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ وحَذْفِ المَخْصُوصِ بِالمَدْحِ؛ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ وهو صالِحٌ لِتَقْدِيرِ الدُّنْيا - أيْ: لِمَن عَمِلَ فِيها بِالتَّقْوى - ولِتَقْدِيرِ الآخِرَةِ؛ وهو واضِحٌ.

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.