Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 128

21

أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍۢ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ

They are, [in fact], dead, not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.

﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ [النحل: ١٩] .

وماصَدَقُ (الَّذِينَ) الأصْنامُ، وظاهِرٌ أنَّ الخِطابَ هُنا مُتَمَحِّضٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وهم بَعْضُ المُخاطَبِينَ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ التَّصْرِيحُ بِما اسْتُفِيدَ ضِمْنًا مِمّا قَبْلَها، وهو نَفْيُ الخالِقِيَّةِ، ونَفْيُ العِلْمِ عَنِ الأصْنامِ.

فالخَبَرُ الأوَّلُ وهو جُمْلَةُ ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ اسْتُفِيدَ مِن جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وعَطْفُ ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِها.

والخَبَرُ الثّانِي وهو جُمْلَةُ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ تَصْرِيحٌ بِما اسْتُفِيدَ مِن جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] بِطَرِيقَةِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ مَلْزُومِهِ.

صفحة ١٢٦

وهِيَ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ الَّتِي هي كَذِكْرِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ، فَنَفْيُ الحَياةِ عَنِ الأصْنامِ في قَوْلِهِ غَيْرُ أحْياءٍ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْها؛ لِأنَّ الحَياةَ شَرْطٌ في قَبُولِ العِلْمِ، ولِأنَّ نَفْيَ أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ما هو مِن أحْوالِهِمْ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ أنْ يَعْلَمُوا أحْوالَ غَيْرِهِمْ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو غَيْرُ إلَهٍ.

وأُسْنِدَ يَخْلُقُونَ إلى النّائِبِ لِظُهُورِ الفاعِلِ مِنَ المَقامِ، أيْ (وهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى)؛ فَإنَّهم مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي هي مِن خَلْقِ اللَّهِ، ولا يُخْرِجُها نَحْتُ البَشَرِ إيّاها عَلى صُوَرٍ وأشْكالٍ عَنْ كَوْنِ الأصْلِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .

وجُمْلَةُ غَيْرُ أحْياءٍ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (أمْواتٌ)، لِلدَّلالَةِ عَلى عَراقَةِ وصْفِ المَوْتِ فِيهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ حَياةٍ؛ لِأنَّهم حِجارَةٌ.

ووُصِفَتِ الحِجارَةُ بِالمَوْتِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَوْتِ عَدَمَ الحَياةِ، ولا يُشْتَرَطُ في الوَصْفِ بِأسْماءِ الإعْدامِ قَبُولُ المَوْصُوفاتِ بِها لِمَلَكاتِها، كَما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الحُكَماءُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اصْطِلاحٌ مَنطِقِيٌّ دَعا إلَيْهِ تَنْظِيمُ أُصُولِ المُحاجَّةِ.

وقَرَأ عاصِمٌ ويَعْقُوبُ (يَدْعُونَ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وفِيها زِيادَةُ تَبْيِينٍ لِصَرْفِ الخِطابِ إلى المُشْرِكِينَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ إدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ عَقِبَ الكَلامِ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ هَذَيْنِ هُما أصْلُ إبْطالِ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ، وتَمْهِيدٌ لِوَجْهِ التَّلازُمِ بَيْنَ إنْكارِ البَعْثِ وبَيْنَ إنْكارِ التَّوْحِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، ولِذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَيْ (يَشْعُرُونَ) و(يُبْعَثُونَ) عائِدانِ إلى الكُفّارِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وعَلى تَناسُقِ الضَّمائِرِ في قِراءَةِ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ.

والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ شُعُورِهِمْ بِالبَعْثِ تَهْدِيدُهم بِأنَّ البَعْثَ الَّذِي أنْكَرُوهُ واقِعٌ، وأنَّهم لا يَدْرُونَ مَتّى يَبْغَتُهم، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .

صفحة ١٢٧ …

22

إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌۭ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ

Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.

﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾

اسْتِئْنافُ نَتِيجَةٍ لِحاصِلِ المُحاجَّةِ الماضِيَةِ، أيْ قَدْ ثَبَتَ بِما تَقَدَّمَ إبْطالُ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَكم إلَهًا واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، ولِكَوْنِ ما مَضى كافِيًا في إبْطالِ إنْكارِهِمُ الوَحْدانِيَّةِ عَرِيَتِ الجُمْلَةُ عَنِ المُؤَكِّدِ تَنْزِيلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما سَمِعُوا مِنَ الأدِلَّةِ مَنزِلَةَ مَن لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ابْتِداءُ كَلامٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ دَلِيلٌ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ.

صفحة ١٢٨

وتَفَرَّعَ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِجُمْلَةِ ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾

وهُوَ تَفْرِيعُ الأخْبارِ عَنِ الأخْبارِ، أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ القَضِيَّةِ القاطِعَةِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ أنَّكم قُلُوبُكم مُنْكِرَةٌ، وأنْتُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ إيمانِكم بِالآخِرَةِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ المُشْرِكِينَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ واشْتُهِرُوا بِها اشْتِهارَ لَمْزٍ وتَنْقِيصٍ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١]، ولِلْإيماءِ إلى أنَّ لِهَذِهِ الصِّلَةِ ارْتِباطًا بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى العِنادِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ والحِسابِ قَدْ جَرَّأهم عَلى نَبْذِ دَعْوَةِ الإسْلامِ ظِهْرِيًّا فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا مُؤاخَذَةً عَلى نَبْذِها، عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حَقٌّ فَيَنْظُرُوا في دَلائِلِ أحَقِّيَّتِها مَعَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَكِنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ أعَدَّ لِلنّاسِ يَوْمَ جَزاءٍ عَلى أعْمالِهِمْ.

ومَعْنى ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ جاحِدَةٌ بِما هو واقِعٌ، اسْتُعْمِلَ الإنْكارُ في جَحْدِ الأمْرِ الواقِعِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الإقْرارِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُنْكِرَةٌ) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ مُنْكِرَةٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ.

وعَبَّرَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإنْكارَ ثابِتٌ لَهم دائِمٌ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ مِنَ الأدِلَّةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ الإنْكارَ صارَ لَهم سَجِيَّةً، وتَمَكَّنَ مِن نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّهم ضُرُّوا بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فاعْتادُوا عَدَمَ التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ بُنِيَتْ عَلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الِاسْتِكْبارِ مِنهم، وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في آيَةِ سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]؛ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ لَمْ تَتَقَدَّمْها دَلائِلُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ مِثْلُ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.

صفحة ١٢٩

والجَرَمُ - بِالتَّحْرِيكِ -: أصْلُهُ البُدُّ، وكَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ بِمَعْنى حَقًّا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم …

23

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ

Assuredly, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.

﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾

اسْتِئْنافُ نَتِيجَةٍ لِحاصِلِ المُحاجَّةِ الماضِيَةِ، أيْ قَدْ ثَبَتَ بِما تَقَدَّمَ إبْطالُ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَكم إلَهًا واحِدًا لا شَرِيكَ لَهُ، ولِكَوْنِ ما مَضى كافِيًا في إبْطالِ إنْكارِهِمُ الوَحْدانِيَّةِ عَرِيَتِ الجُمْلَةُ عَنِ المُؤَكِّدِ تَنْزِيلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما سَمِعُوا مِنَ الأدِلَّةِ مَنزِلَةَ مَن لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ابْتِداءُ كَلامٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ دَلِيلٌ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ.

صفحة ١٢٨

وتَفَرَّعَ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِجُمْلَةِ ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾

وهُوَ تَفْرِيعُ الأخْبارِ عَنِ الأخْبارِ، أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ القَضِيَّةِ القاطِعَةِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ أنَّكم قُلُوبُكم مُنْكِرَةٌ، وأنْتُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ إيمانِكم بِالآخِرَةِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ المُشْرِكِينَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ واشْتُهِرُوا بِها اشْتِهارَ لَمْزٍ وتَنْقِيصٍ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١]، ولِلْإيماءِ إلى أنَّ لِهَذِهِ الصِّلَةِ ارْتِباطًا بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى العِنادِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ والحِسابِ قَدْ جَرَّأهم عَلى نَبْذِ دَعْوَةِ الإسْلامِ ظِهْرِيًّا فَلَمْ يَتَوَقَّعُوا مُؤاخَذَةً عَلى نَبْذِها، عَلى تَقْدِيرِ أنَّها حَقٌّ فَيَنْظُرُوا في دَلائِلِ أحَقِّيَّتِها مَعَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَكِنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ أعَدَّ لِلنّاسِ يَوْمَ جَزاءٍ عَلى أعْمالِهِمْ.

ومَعْنى ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ جاحِدَةٌ بِما هو واقِعٌ، اسْتُعْمِلَ الإنْكارُ في جَحْدِ الأمْرِ الواقِعِ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الإقْرارِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُنْكِرَةٌ) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ مُنْكِرَةٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ.

وعَبَّرَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإنْكارَ ثابِتٌ لَهم دائِمٌ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإنْكارِ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ مِنَ الأدِلَّةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ الإنْكارَ صارَ لَهم سَجِيَّةً، وتَمَكَّنَ مِن نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّهم ضُرُّوا بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فاعْتادُوا عَدَمَ التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ بُنِيَتْ عَلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الِاسْتِكْبارِ مِنهم، وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في آيَةِ سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]؛ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ لَمْ تَتَقَدَّمْها دَلائِلُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ مِثْلُ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.

صفحة ١٢٩

والجَرَمُ - بِالتَّحْرِيكِ -: أصْلُهُ البُدُّ، وكَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ بِمَعْنى حَقًّا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّهم …

24

وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" They say, "Legends of the former peoples,"

﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]؛ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن أحْوالِهِمُ المُتَقَدِّمُ بَعْضُها، فَإنَّهُ ذَكَرَ اسْتِكْبارَهم وإنْكارَهُمُ الوَحْدانِيَّةَ، وأتْبَعَ بِمَعاذِيرِهِمُ الباطِلَةِ لِإنْكارِ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِصَدِّهِمُ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ ومُسْتَكْبِرَةٌ؛ فَلا يَعْتَرِفُونَ

صفحة ١٣٠

بِالنُّبُوءَةِ، ولا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَن يَتَطَلَّبُ الهُدى، مُضِلُّونَ لِلنّاسِ صادُّونَهم عَنِ الإسْلامِ.

وذِكْرُ فِعْلِ القَوْلِ يَقْتَضِي صُدُورَهُ عَنْ قائِلٍ يَسْألُهم عَنْ أمْرٍ حَدَثَ بَيْنَهم، ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، وأنَّهم يُجِيبُونَ بِما ذُكِرَ مَكْرًا بِالدِّينِ، وتَظاهُرًا بِمَظْهَرِ النّاصِحِينَ لِلْمُسْتَرْشِدِينِ المُسْتَنْصِحِينِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .

و(إذا) ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وهَذا الشَّرْطُ يُؤْذِنُ بِتَكَرُّرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أهَمَّهم أمْرُ النَّبِيءِ ﷺ، ورَأوْا تَأْثِيرَ القُرْآنِ في نُفُوسِ النّاسِ، وأخَذَ أتْباعُ الإسْلامِ يَكْثُرُونَ، وصارَ الوارِدُونَ إلى مَكَّةَ في مَوْسِمِ الحَجِّ وغَيْرِهِ يَسْألُونَ النّاسَ عَنْ هَذا القُرْآنِ، وماذا يَدْعُو إلَيْهِ، دَبَّرَ لَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَعاذِيرَ واخْتِلاقًا يَخْتَلِقُونَهُ لِيُقْنِعُوا السّائِلِينَ بِهِ، فَنَدَبَ مِنهم سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهم أيّامَ المَوْسِمِ يَقْعُدُونَ في عَقَباتِ مَكَّةَ وطُرُقِها الَّتِي يَرِدُ مِنها النّاسُ، يَقُولُونَ لِمَن سَألَهم: لا تَغْتَرُّوا بِهَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ نَبِيٌّ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، أوْ ساحِرٌ، أوْ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي يَقُولُهُ أساطِيرُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ، وكانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ يَقُولُ: أنا أقْرَأُ عَلَيْكم ما هو أجْمَلُ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدٍ؛ أحادِيثَ رُسْتُمَ، وإسْفَنْدِيارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ومُساءَلَةُ العَرَبِ عَنْ بَعْثِ النَّبِيءِ ﷺ كَثِيرَةٌ واقِعَةٌ، وأصْرَحُها ما رَواهُ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا مِن غِفارٍ فَبَلَغَنا أنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَقُلْتُ لِأخِي أُنَيْسٍ: انْطَلِقْ إلى هَذا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ، وائْتِنِي بِخَبَرِهِ، فانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: ما عِنْدَكَ ؟ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالخَيْرِ ويَنْهى عَنِ الشَّرِّ، فَقُلْتُ: لَمْ تَشْفِنِي مِنَ الخَبَرِ، فَأخَذْتُ جِرابًا وعَصًا ثُمَّ أقْبَلْتُ إلى مَكَّةَ فَجَعَلْتُ لا أعْرِفُهُ

صفحة ١٣١

وأكْرَهُ أنْ أسْألَ عَنْهُ، وأشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ وأكُونُ في المَسْجِدِ» . . . إلى آخِرِ الحَدِيثِ.

وسُؤالُ السّائِلِينَ لِطَلَبِ الخَبَرِ عَنِ المُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَرْشِدٍ عَنْ دَعْوى بَلَغَتْهم، وشاعَ خَبَرُها في بِلادِ العَرَبِ، وأنَّهم سَألُوا عَنْ حُسْنِ طَوِيَّةٍ، ويَصُوغُونَ السُّؤالَ عَنِ الخَبَرِ كَما بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ.

وأمّا الجَوابُ …

25

لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ

That they may bear their own burdens in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.

﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: ٢٢]؛ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن أحْوالِهِمُ المُتَقَدِّمُ بَعْضُها، فَإنَّهُ ذَكَرَ اسْتِكْبارَهم وإنْكارَهُمُ الوَحْدانِيَّةَ، وأتْبَعَ بِمَعاذِيرِهِمُ الباطِلَةِ لِإنْكارِ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبِصَدِّهِمُ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، والتَّقْدِيرُ: قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ ومُسْتَكْبِرَةٌ؛ فَلا يَعْتَرِفُونَ

صفحة ١٣٠

بِالنُّبُوءَةِ، ولا يُخَلُّونَ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَن يَتَطَلَّبُ الهُدى، مُضِلُّونَ لِلنّاسِ صادُّونَهم عَنِ الإسْلامِ.

وذِكْرُ فِعْلِ القَوْلِ يَقْتَضِي صُدُورَهُ عَنْ قائِلٍ يَسْألُهم عَنْ أمْرٍ حَدَثَ بَيْنَهم، ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، وأنَّهم يُجِيبُونَ بِما ذُكِرَ مَكْرًا بِالدِّينِ، وتَظاهُرًا بِمَظْهَرِ النّاصِحِينَ لِلْمُسْتَرْشِدِينِ المُسْتَنْصِحِينِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .

و(إذا) ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وهَذا الشَّرْطُ يُؤْذِنُ بِتَكَرُّرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أهَمَّهم أمْرُ النَّبِيءِ ﷺ، ورَأوْا تَأْثِيرَ القُرْآنِ في نُفُوسِ النّاسِ، وأخَذَ أتْباعُ الإسْلامِ يَكْثُرُونَ، وصارَ الوارِدُونَ إلى مَكَّةَ في مَوْسِمِ الحَجِّ وغَيْرِهِ يَسْألُونَ النّاسَ عَنْ هَذا القُرْآنِ، وماذا يَدْعُو إلَيْهِ، دَبَّرَ لَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ مَعاذِيرَ واخْتِلاقًا يَخْتَلِقُونَهُ لِيُقْنِعُوا السّائِلِينَ بِهِ، فَنَدَبَ مِنهم سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا بَعَثَهم أيّامَ المَوْسِمِ يَقْعُدُونَ في عَقَباتِ مَكَّةَ وطُرُقِها الَّتِي يَرِدُ مِنها النّاسُ، يَقُولُونَ لِمَن سَألَهم: لا تَغْتَرُّوا بِهَذا الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ نَبِيٌّ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، أوْ ساحِرٌ، أوْ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي يَقُولُهُ أساطِيرُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ، وكانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ يَقُولُ: أنا أقْرَأُ عَلَيْكم ما هو أجْمَلُ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدٍ؛ أحادِيثَ رُسْتُمَ، وإسْفَنْدِيارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ومُساءَلَةُ العَرَبِ عَنْ بَعْثِ النَّبِيءِ ﷺ كَثِيرَةٌ واقِعَةٌ، وأصْرَحُها ما رَواهُ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا مِن غِفارٍ فَبَلَغَنا أنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَقُلْتُ لِأخِي أُنَيْسٍ: انْطَلِقْ إلى هَذا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ، وائْتِنِي بِخَبَرِهِ، فانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: ما عِنْدَكَ ؟ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَأْمُرُ بِالخَيْرِ ويَنْهى عَنِ الشَّرِّ، فَقُلْتُ: لَمْ تَشْفِنِي مِنَ الخَبَرِ، فَأخَذْتُ جِرابًا وعَصًا ثُمَّ أقْبَلْتُ إلى مَكَّةَ فَجَعَلْتُ لا أعْرِفُهُ

صفحة ١٣١

وأكْرَهُ أنْ أسْألَ عَنْهُ، وأشْرَبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ وأكُونُ في المَسْجِدِ» . . . إلى آخِرِ الحَدِيثِ.

وسُؤالُ السّائِلِينَ لِطَلَبِ الخَبَرِ عَنِ المُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَرْشِدٍ عَنْ دَعْوى بَلَغَتْهم، وشاعَ خَبَرُها في بِلادِ العَرَبِ، وأنَّهم سَألُوا عَنْ حُسْنِ طَوِيَّةٍ، ويَصُوغُونَ السُّؤالَ عَنِ الخَبَرِ كَما بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ.

وأمّا الجَوابُ …

26

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

Those before them had already plotted, but Allah came at their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them, and the punishment came to them from where they did not perceive.

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ عاقِبَةَ إضْلالِهِمْ وصَدِّهِمُ السّائِلِينَ عَنِ القُرْآنِ والإسْلامِ في الآخِرَةِ أتْبَعَ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَقَعَ لَهم ما وقَعَ فِيهِ أمْثالُهم في الدُّنْيا مِنَ الخِزْيِ والعَذابِ مَعَ التَّأْيِيسِ مِن أنْ يَبْلُغُوا بِصُنْعِهِمْ ذَلِكَ مَبْلَغَ مُرادِهِمْ، وأنَّهم خائِبُونَ في صُنْعِهِمْ كَما خابَ مِن قَبْلِهِمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرُسُلِهِمْ.

ولَمّا كانَ جَوابُهُمُ السّائِلِينَ عَنِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ هو ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] مُظْهِرِينَهُ بِمَظْهَرِ النَّصِيحَةِ والإرْشادِ، وهم يُرِيدُونَ الِاسْتِبْقاءَ عَلى كُفْرِهِمْ، سُمِّيَ ذَلِكَ

صفحة ١٣٤

مَكْرًا بِالمُؤْمِنِينَ، إذِ المَكْرُ إلْحاقُ الضُّرِّ بِالغَيْرِ في صُورَةِ تَمْوِيهِهِ بِالنُّصْحِ والنَّفْعِ، فَنُظِّرَ فِعْلُهم بِمَكْرِ مَن قَبْلَهم، أيْ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِغَيْرِهِمْ مِثْلُ قَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، قالَ تَعالى في قَوْمِ صالِحٍ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] الآيَةَ، وقالَ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣] .

فالتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مُساوٍ لِلتَّعْرِيفِ بِلامِ الجِنْسِ.

ومَعْنى ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ القاصِدِ لِلِانْتِقامِ بِالجائِي نَحْوَ المُنْتَقَمِ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] .

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالاتِ اسْتِئْصالِ الأُمَمِ، فالبُنْيانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَبْنِيِّ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقُوَّةِ والعِزَّةِ والمَنَعَةِ وعُلُوِّ القَدْرِ.

وإطْلاقُ البِناءِ عَلى مِثْلِ هَذا وارِدٌ في فَصِيحِ الكَلامِ، قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:

فَما كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحِدٍ ولَكِنَّهُ بُنْيانُ قَـوْمٍ تَـهَـدَّمَـا

وقالَتْ سُعْدَةُ أُمُّ الكُمَيْتِ بْنِ مَعْرُوفٍ:

بَنى لَكَ مَعْرُوفٌ بِناءً هَدَمْتَهُ ∗∗∗ ولِلشَّرَفِ العادِيِّ بانٍ وهادِمِ

ومِنَ القَواعِدِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أتى، (ومِن) ابْتِدائِيَّةٌ، ومَجْرُورُها هو مَبْدَأُ الإتْيانِ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاسْتِئْصالِ، فَهو في مَعْنى هَدْمِهِ.

والقَواعِدُ: الأُسُسُ والأساطِينُ الَّتِي تُجْعَلُ عُمُدًا لِلْبِناءِ يُقامُ عَلَيْها السَّقْفُ، وهو تَخْيِيلٌ أوْ تَرْشِيحٌ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ شَيْءٌ يُشَبَّهُ بِالقَواعِدِ.

والخُرُورُ: السُّقُوطُ والهُوِيُّ، فَفِعْلُ خَرَّ مُسْتَعارٌ لِزَوالِ ما بِهِ المَنَعَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢] .

صفحة ١٣٥

والسَّقْفُ: حَقِيقَتُهُ غِطاءُ الفَراغِ الَّذِي بَيْنَ جُدْرانِ البَيْتِ، يُجْعَلُ عَلى الجُدْرانِ، وتَكُونُ مِن حَجَرٍ ومِن أعْوادٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِما اسْتُعِيرَ لَهُ البِناءُ.

ومِن فَوْقِهِمْ تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ .

ومِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ تَتَرَكَّبُ الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ، وهي تَشْبِيهُ هَيْئَةِ القَوْمِ الَّذِينَ مَكَرُوا في المَنَعَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِسُرْعَةٍ وأزالَ تِلْكَ العِزَّةَ بِهَيْئَةِ قَوْمٍ أقامُوا بُنْيانًا عَظِيمًا ذا دَعائِمَ وآوَوْا إلَيْهِ، …

27

ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -

﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونِ فِيهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ٢٥]؛ لِأنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ لَهم وهَذا تَكْمِلَةٌ لَهُ.

وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى يُخْزِيهِمْ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤]، وذَلِكَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.

صفحة ١٣٦

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ، فَإنَّ خِزْيَ الآخِرَةِ أعْظَمُ مِنَ اسْتِئْصالِ نَعِيمِ الدُّنْيا.

والخِزْيُ: الإهانَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يَوْمُ الأحْوالِ الأبَدِيَّةِ فَما فِيهِ مِنَ العَذابِ مُهَوِّلٌ لِلسّامِعِينَ.

و(أيْنَ) لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ المَكانِ، وهو يَقْتَضِي العِلْمَ بِوُجُودِ مَن يَحُلُّ في المَكانِ، ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا مَقامَ تَهَكُّمٍ كانَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ المَكانِ مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ؛ لِيَظْهَرَ لَهم كالطَّماعِيَةِ لِلْبَحْثِ عَنْ آلِهَتِهِمْ، وهم عَلِمُوا أنْ لا وُجُودَ لَهم ولا مَكانَ لِحُلُولِهِمْ.

وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ زِيادَةٌ في التَّوْبِيخِ؛ لِأنَّ مَظْهَرَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ لِلْعَيانِ يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، فالمُخاطَبُونَ عالِمُونَ حِينَئِذٍ بِتَعَذُّرِ المُشارَكَةِ.

والمَوْصُولُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ في ادِّعاءِ المُشارَكَةِ مِثْلُ الَّذِي في قَوْلِ عَبْدَةَ:

إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَـهُـمْ إخْـوانَـكُـمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا

والمُشاقَّةُ: المُشادَّةُ في الخُصُومَةِ، كَأنَّها خُصُومَةٌ لا سَبِيلَ مَعَها إلى الوِفاقِ، إذْ قَدْ صارَ كُلُّ خَصْمٍ في شِقٍّ غَيْرِ شَقِّ الآخَرِ.

وقَرَأ نافِعٌ (تُشاقُّونِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، أيْ تُعانِدُونَنِي، وذَلِكَ بِإنْكارِهِمْ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وقَرَأ البَقِيَّةُ تُشاقُّونَ بِفَتْحِ النُّونِ وحَذْفِ المَفْعُولِ لِلْعِلْمِ، أيْ تُعانِدُونَ مَن يَدْعُوكم إلى التَّوْحِيدِ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مَعَ حَذْفِ مُضافٍ، إذِ المُشاقَّةُ لا تَكُونُ في الذَّواتِ بَلْ في المَعانِي، والتَّقْدِيرُ: في إلَهِيَّتِهِمْ أوْ في شَأْنِهِمْ.

* * *

صفحة ١٣٧

﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ حَكَتْ قَوْلَ أفاضِلِ الخَلائِقِ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ مَلائِكَةِ العَذابِ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ .

وجِيءَ بِجُمْلَةِ ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ لِقَوْلِهِ أيْنَ شُرَكائِيَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ابْتَدَرُوا الجَوابَ - لَمّا وجَمَ المُشْرِكُونَ - فَلَمْ يُحِيرُوا جَوابًا، فَأجابَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ جَوابًا جامِعًا لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ الشُّرَكاءُ المَزْعُومُونَ مُغْنِينَ عَنِ الَّذِينَ أشْرَكُوا شَيْئًا، وأنَّ الخِزْيَ والسُّوءَ أحاطا بِالكافِرِينَ.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضِيِّ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ القَوْلِ.

والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمَ …

28

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves, and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allah is Knowing of what you used to do.

صفحة ١٣٨

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ القَرِينَةُ ظاهِرَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ لَيْسَتْ مِن مَقُولِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ لا مُناسَبَةَ؛ لِأنْ يُعَرَّفَ الكافِرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَإنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قَرِيبَةٌ مِنَ الصَّرِيحِ في أنَّ هَذا التَّوَفِّيَ مَحْكِيٌّ في حالِ حُصُولِهِ وهم يَوْمَ القِيامَةِ مَضَتْ وفاتُهم، ولا فائِدَةَ أُخْرى في ذِكْرِ تِلْكَ يَوْمَئِذٍ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا.

وعَنْ عِكْرِمَةَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ في قَوْمٍ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ، ولَمْ يُهاجِرُوا فَأخْرَجَهم قُرَيْشٌ إلى بَدْرٍ كُرْهًا فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ.

فالوَجْهُ أنَّ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] بَدَلٌ مِنَ (الَّذِينَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النحل: ٢٢] أوْ صِفَةٌ لَهم، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُهم في آخِرِ الآيَةِ بِالمُتَكَبِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، فَهُمُ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَتْبُوعِ والتّابِعِ فاجْعَلِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.

وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ جارٍ عَلى الِاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ مِن كُلِّ مُسْنَدٍ إلَيْهِ جَرى فِيما سَلَفَ مِنَ الكَلامِ، أُخْبِرَ عَنْهُ، وحُدِّثَ عَنْ شَأْنِهِ، وهو ما يُعْرَفُ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ بِالحَذْفِ المُتَّبَعُ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ، ويُقابِلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى فِيما يَأْتِي ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] فَإنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا فَهَذِهِ نَظِيرُهُ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الصِّلَةِ وصْفُ حالَةِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الشِّرْكِ، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ حُلُولِ العَذابِ بِمَن حَلَّ بِهِمْ الِاسْتِئْصالُ وما يَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ

صفحة ١٣٩

ذُكِرَتْ حالَةُ وفاتِهِمُ الَّتِي هي بَيْنَ حالَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهي حالٌ تَعْرِضُ لِجَمِيعِهِمْ سَواءٌ مِنهم مَن أدْرَكَهُ الِاسْتِئْصالُ ومَن هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ.

وأطْبَقَ مَن تَصَدّى لِرَبْطِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، عَلى جَعْلِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ بَدَلًا مِنَ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]، أوْ صِفَةً لَهُ، وسَكَتَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ (وهو سُكُوتٌ مِن ذَهَبٍ) . وقالَ الخَفاجِيُّ: وهو يَصِحُّ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِلْقَوْلِ، وغَيْرَ مُنْدَرِجٍ تَحْتَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾ اهـ.

واقْتِرانُ الفِعْلِ بِتاءِ المُضارَعَةِ الَّتِي لِلْمُؤَنَّثِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِاعْتِبارِ إسْنادِهِ إلى الجَماعَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ (يَتَوَفّاهم) …

29

فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ

So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.

صفحة ١٣٨

﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ القَرِينَةُ ظاهِرَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ لَيْسَتْ مِن مَقُولِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ لا مُناسَبَةَ؛ لِأنْ يُعَرَّفَ الكافِرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَإنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قَرِيبَةٌ مِنَ الصَّرِيحِ في أنَّ هَذا التَّوَفِّيَ مَحْكِيٌّ في حالِ حُصُولِهِ وهم يَوْمَ القِيامَةِ مَضَتْ وفاتُهم، ولا فائِدَةَ أُخْرى في ذِكْرِ تِلْكَ يَوْمَئِذٍ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا.

وعَنْ عِكْرِمَةَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ في قَوْمٍ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ، ولَمْ يُهاجِرُوا فَأخْرَجَهم قُرَيْشٌ إلى بَدْرٍ كُرْهًا فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ.

فالوَجْهُ أنَّ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] بَدَلٌ مِنَ (الَّذِينَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النحل: ٢٢] أوْ صِفَةٌ لَهم، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُهم في آخِرِ الآيَةِ بِالمُتَكَبِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، فَهُمُ الَّذِينَ وُصِفُوا فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَتْبُوعِ والتّابِعِ فاجْعَلِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٣٢] خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.

وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ جارٍ عَلى الِاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ مِن كُلِّ مُسْنَدٍ إلَيْهِ جَرى فِيما سَلَفَ مِنَ الكَلامِ، أُخْبِرَ عَنْهُ، وحُدِّثَ عَنْ شَأْنِهِ، وهو ما يُعْرَفُ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ بِالحَذْفِ المُتَّبَعُ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ، ويُقابِلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى فِيما يَأْتِي ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] فَإنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا فَهَذِهِ نَظِيرُهُ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الصِّلَةِ وصْفُ حالَةِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الشِّرْكِ، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ حُلُولِ العَذابِ بِمَن حَلَّ بِهِمْ الِاسْتِئْصالُ وما يَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ

صفحة ١٣٩

ذُكِرَتْ حالَةُ وفاتِهِمُ الَّتِي هي بَيْنَ حالَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهي حالٌ تَعْرِضُ لِجَمِيعِهِمْ سَواءٌ مِنهم مَن أدْرَكَهُ الِاسْتِئْصالُ ومَن هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ.

وأطْبَقَ مَن تَصَدّى لِرَبْطِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، عَلى جَعْلِ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ بَدَلًا مِنَ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]، أوْ صِفَةً لَهُ، وسَكَتَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشّافِ (وهو سُكُوتٌ مِن ذَهَبٍ) . وقالَ الخَفاجِيُّ: وهو يَصِحُّ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَقُولًا لِلْقَوْلِ، وغَيْرَ مُنْدَرِجٍ تَحْتَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) مُرْتَفِعًا بِالِابْتِداءِ مُنْقَطِعًا مِمّا قَبْلَهُ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾ اهـ.

واقْتِرانُ الفِعْلِ بِتاءِ المُضارَعَةِ الَّتِي لِلْمُؤَنَّثِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِاعْتِبارِ إسْنادِهِ إلى الجَماعَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ (يَتَوَفّاهم) …

30

۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۚ قَالُوا۟ خَيْرًۭا ۗ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۚ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌۭ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ

And it will be said to those who feared Allah, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -

صفحة ١٤١

﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾

لَمّا افْتُتِحَتْ صِفَةُ سَيِّئاتِ الكافِرِينَ وعَواقِبِها بِأنَّهم إذا قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ قالُوا ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، جاءَتْ هُنا مُقابَلَةُ حالِهِمْ بِحالِ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وحُسْنِ عَواقِبِها، فافْتُتِحَ ذَلِكَ بِمُقابِلِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ قِصَّةُ الكافِرِينَ، فَجاءَ النَّظِيرُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ في أبْدَعِ نَظْمٍ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، وهي مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ اسْتِطْرادًا، ولَمْ تَقْتَرِنْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأداةِ الشَّرْطِ كَما قُرِنَتْ مُقابِلَتُها بِها ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤]؛ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] لَمّا كانَ كَذِبًا اخْتَلَقُوهُ كانَ مَظِنَّةَ أنْ يُقْلِعَ عَنْهُ قائِلُهُ وأنْ يَرْعَوِيَ إلى الحَقِّ، وأنْ لا يُجْمِعَ عَلَيْهِ القائِلُونَ، قُرِنَ بِأداةِ الشَّرْطِ المُقْتَضِيَةِ تَكَرُّرَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، بِخِلافِ ما هُنا فَإنَّ الصِّدْقَ مَظَنَّةُ اسْتِمْرارِ قائِلِهِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحاجَةٍ إلى التَّنْبِيهِ عَلى تَكْرارٍ مِنهُ.

والَّذِينَ اتَّقَوْا: هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ تَقْوى اللَّهِ وخَشْيَةُ غَضَبِهِ، والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ المَعْهُودُونَ في مَكَّةَ، فالمَوْصُولُ لِلْعَهْدِ.

والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ سُئِلُوا عَنِ القُرْآنِ، ومَن جاءَ بِهِ، فَأرْشَدُوا السّائِلِينَ، ولَمْ يَتَرَدَّدُوا في الكَشْفِ عَنْ حَقِيقَةِ القُرْآنِ بِأوْجَزِ بَيانٍ وأجْمَعِهِ، وهو كَلِمَةُ (خَيْرًا) المَنصُوبَةُ، فَإنَّ لَفْظَها شامِلٌ لِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا، وكُلِّ خَيْرٍ في الآخِرَةِ، ونَصْبُها دالٌّ عَلى أنَّهم جَعَلُوها مَعْمُولَةً لِـ (أنْزَلَ) الواقِعُ في سُؤالِ السّائِلِينَ، فَدَلَّ النَّصْبُ عَلى أنَّهم مُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا وجْهُ المُخالَفَةِ بَيْنَ الرَّفْعِ في جَوابِ المُشْرِكِينَ حِينَ قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] بِالرَّفْعِ وبَيْنَ النَّصْبِ في كَلامِ المُؤْمِنِينَ حِينَ قِيلَ لَهم ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ بِالنَّصْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] .

* * *

صفحة ١٤٢

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾

مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي كَلامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ نَظِيرِها في آيَةِ ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾ [الزمر: ١٠] في سُورَةِ الزُّمَرِ، ولَيْسَتْ مِن حِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا.

والَّذِينَ أحْسَنُوا: هُمُ المُتَّقُونَ، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ تَوْصِيلًا بِالإتْيانِ بِالمَوْصُولِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، أيْ جَزاؤُهم حَسَنَةٌ؛ لِأنَّهم أحْسَنُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ١٥٦] يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ (أحْسَنُوا)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن (حَسَنَةٌ)، وانْظُرْ ما يَأْتِي في نَظَرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الزُّمَرِ مِن نُكْتَةِ التَّوَسُّطِ.

ومَعْنى ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ﴾ أنَّها خَيْرٌ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.