شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ
[He was] grateful for His favors. Allah chose him and guided him to a straight path.
﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا أبْطَلَ تَعالى مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، والطَّعْنِ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ، وكانُوا مُفْتَخِرِينَ بِجَدِّهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُقِرِّينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، ذَكَرَهُ في آخِرِ السُّورَةِ وأوْضَحَ مِنهاجَهُ، وما كانَ عَلَيْهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ورَفْضِ الأصْنامِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ حامِلًا لَهم عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ. وأيْضًا فَلَمّا جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ بَيْنَ طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ حالِهِ وحالِهِمْ، وحالِ قُرَيْشٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَ أُمَّةً لِانْفِرادِهِ بِالإيمانِ في وقْتِهِ مُدَّةً ما. وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ قالَ لِسارَّةَ: لَيْسَ عَلى الأرْضِ اليَوْمَ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ» . والأُمَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْن مَعانٍ مِنها: الجَمْعُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهِ الرَّجُلُ الصّائِمُ، أوْ المَلِكُ، أوِ المُنْفَرِدُ بِطَرِيقَةٍ وحْدَهُ عَنِ النّاسِ فَسُمِّيَ أُمَّةً، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ ما كانَ عِنْدَ أُمَّةٍ، ومِن هُنا أخَذَ الحَسَنُ بْنُ هانِئٍ قَوْلَهُ:
؎ولَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدِ
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وأطْلَقَ هو وعُمَرُ ذَلِكَ عَلى مُعاذٍ فَقالَ: كانَ أُمَّةً قانِتًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رُحَمَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، يَقْصِدُونَ بِالتَّأْنِيثِ التَّناهِيَ في المَعْنى المَوْصُوفِ بِهِ. وقِيلَ: الأُمَّةُ: الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، مِن أمَّ يَؤُمُّ، والمَفْعُولُ قَدْ يُبْنى لِلْكَثْرَةِ عَلى فُعَلَةٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ القانِتِ، والحَنِيفِ.
﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾: رُوِيَ أنَّهُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداهُ، فَإذا هو بِفَوْجٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ، فَخُيِّلُوا أنَّ بِهِمْ جُذامًا فَقالَ: الآنَ وجَبَتْ مُؤاكَلَتُكم، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى أنَّهُ عافانِي وابْتَلاكم.
﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، قالَ قَتادَةُ: حَبَّبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ اليَهُودُ والنَّصارى والمُسْلِمُونَ، وخُصُوصًا كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَإنَّ فَخْرَهم إنَّما هو بِهِ، وذَلِكَ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ.
﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] وقِيلَ: الحَسَنَةُ: قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الذِّكْرُ الحَسَنُ. وقالَ الحَسَنُ: النُّبُوَّةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لِسانُ صِدْقٍ. وقالَ قَتادَةُ: القَبُولُ، وعَنْهُ تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ. وقِيلَ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ. وقِيلَ: المالُ يَصْرِفُهُ في الخَيْرِ والبِرِّ. (وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ)، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ …