Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 121–128 of 128

121

شَاكِرًۭا لِّأَنْعُمِهِ ۚ ٱجْتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

[He was] grateful for His favors. Allah chose him and guided him to a straight path.

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] المَقْصُودُ بِهِ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ اتَّبَعُوا الإسْلامَ، فَبَعْدَ أنْ بَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهم ما عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ، زادَهم فَضْلًا بِبَيانِ فَضْلِ الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ.

صفحة ٣١٥

وجَعَلَ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ؛ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ الإسْلامِ فَضْلٌ زائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ بِأنَّ مَبْدَأهُ بِرَسُولٍ ومُنْتَهاهُ بِرَسُولٍ، وهَذا فَضْلٌ لَمْ يَحْظَ بِهِ دِينٌ آخَرُ.

فالمَقْصُودُ بَعْدَ هَذا التَّمْهِيدِ، وهاتِهِ المُقَدِّمَةِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقَدْ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] .

والأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنْ فُرُوعِهِ هَذا الِانْتِقالُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ قَبْلَها مِن تَحْرِيمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى النّاسِ.

ونَظَّرَهم بِاليَهُودِ إذْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ بِهَذا الِانْتِقالِ؛ لِإفادَةِ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَدْ حادُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتابِعُوها، وأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن إباحَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الطَّيِّباتِ إلّا ما بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ في آيَةِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.

وقَدْ وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ كانَ أُمَّةً، والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْمَعُها جِهَةٌ جامِعَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَصْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وصْفٌ بَدِيعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الفَضْلِ والفُتُوَّةِ والكَمالِ بِمَنزِلَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ، وقالَ البُحْتُرِيُّ:

ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًـا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مُعاذٌ أُمَّةٌ قانِتٌ لِلَّهِ» .

صفحة ٣١٦

والثّانِي: أنَّهُ كانَ أُمَّةً وحْدَهُ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ بِعْثَتِهِ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ غَيْرُهُ، فَهو الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدَ، وبَثَّهُ في الأُمَمِ والأقْطارِ، وبَنى لَهُ مَعْلَمًا عَظِيمًا، وهو الكَعْبَةُ، ودَعا النّاسَ إلى حَجِّهِ؛ لِإشاعَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى العُصُورِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خَطَرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ «وأنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، رَواهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، ورَأيْتُ رِوايَةً أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.

والقانِتُ: المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ …

An-Nahl 16:121Listen in Qur'an →
122

وَءَاتَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.

﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لِمَنِ الصّالِحِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النحل: ١١٩] المَقْصُودُ بِهِ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ اتَّبَعُوا الإسْلامَ، فَبَعْدَ أنْ بَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهم ما عَمِلُوهُ مِن قَبْلُ، زادَهم فَضْلًا بِبَيانِ فَضْلِ الدِّينِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ.

صفحة ٣١٥

وجَعَلَ الثَّناءَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ؛ لِبَيانِ أنَّ فَضْلَ الإسْلامِ فَضْلٌ زائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ بِأنَّ مَبْدَأهُ بِرَسُولٍ ومُنْتَهاهُ بِرَسُولٍ، وهَذا فَضْلٌ لَمْ يَحْظَ بِهِ دِينٌ آخَرُ.

فالمَقْصُودُ بَعْدَ هَذا التَّمْهِيدِ، وهاتِهِ المُقَدِّمَةِ هو الإفْضاءُ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقَدْ قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] .

والأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَنْهُ وعَنْ فُرُوعِهِ هَذا الِانْتِقالُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ قَبْلَها مِن تَحْرِيمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى النّاسِ.

ونَظَّرَهم بِاليَهُودِ إذْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أشْياءَ، تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ بِهَذا الِانْتِقالِ؛ لِإفادَةِ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَدْ حادُوا عَنِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتابِعُوها، وأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِن إباحَةِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنَ الطَّيِّباتِ إلّا ما بَيَّنَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ في آيَةِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ.

وقَدْ وُصِفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ كانَ أُمَّةً، والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ العَظِيمَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْمَعُها جِهَةٌ جامِعَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ووَصْفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ وصْفٌ بَدِيعٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الفَضْلِ والفُتُوَّةِ والكَمالِ بِمَنزِلَةِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ كُلُّ الرَّجُلِ، وقالَ البُحْتُرِيُّ:

ولَمْ أرَ أمْثالَ الرِّجالِ تَـفَـاوُتًـا لَدى الفَضْلِ حَتّى عُدَّ ألْفٌ بِواحِدِ

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مُعاذٌ أُمَّةٌ قانِتٌ لِلَّهِ» .

صفحة ٣١٦

والثّانِي: أنَّهُ كانَ أُمَّةً وحْدَهُ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ بِعْثَتِهِ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ غَيْرُهُ، فَهو الَّذِي أحْيا اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدَ، وبَثَّهُ في الأُمَمِ والأقْطارِ، وبَنى لَهُ مَعْلَمًا عَظِيمًا، وهو الكَعْبَةُ، ودَعا النّاسَ إلى حَجِّهِ؛ لِإشاعَةِ ذِكْرِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى العُصُورِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خَطَرِ بْنِ مالِكٍ الكاهِنِ «وأنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ»، رَواهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ، ورَأيْتُ رِوايَةً أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.

والقانِتُ: المُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واللّامُ …

An-Nahl 16:122Listen in Qur'an →
123

ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Then We revealed to you, [O Muhammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allah.

صفحة ٣١٨

﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ المُشِيرِ إلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ مُتَباعِدٌ في رُتْبَةِ الرِّفْعَةِ عَلى مَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ تَنْوِيهًا جَلِيلًا بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ، وبِشَرِيعَةِ الإسْلامِ، وزِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ جَعَلْناكَ مُتَّبِعًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ. وذَلِكَ أجَلُّ ما أوْلَيْناكُما مِنَ الكَرامَةِ، وقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصُودُ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] إلَخْ تَمْهِيدٌ لَها.

وزِيدَ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ مِلَّةَ إبْراهِيمَ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وإرْشادٍ صادِقٍ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّ الَّذِينَ زَعَمُوا اتِّباعَهم مِلَّةَ إبْراهِيمَ مِنَ العَرَبِ مِن قَبْلُ قَدْ أخْطَأُوها بِشُبْهَةٍ مِثْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أوْ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ مِثْلُ مَزاعِمِ قُرَيْشٍ في دِينِهِمْ.

و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةُ فِعْلِ أوْحَيْنا؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، فاحْتِيجَ إلى تَفْسِيرِهِ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ.

والِاتِّباعُ: اقْتِفاءُ السَّيْرِ عَلى سَيْرٍ آخَرَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ بِمِثْلِ عَمَلِ الآخَرِ.

وانْتَصَبَ حَنِيفًا عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ فَيَكُونُ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ لِمُماثِلِهِ قَبْلَهُ أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ (إلَيْكَ) أوْ مِن ضَمِيرِ (اتَّبِعْ)، أيْ كُنْ يا مُحَمَّدُ حَنِيفًا كَما كانَ إبْراهِيمُ حَنِيفًا، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .

وتَفْسِيرُ فِعْلِ أوْحَيْنا بِجُمْلَةِ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ تَفْسِيرٌ بِكَلامٍ جامِعٍ لِما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ

صفحة ٣١٩

مَعَ الإعْلامِ بِأنَّها مُقامَةٌ عَلى أُصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ولَيْسَ المُرادُ أوْحَيْنا إلَيْكَ كَلِمَةَ ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّ المُوحى بِهِ إلَيْهِ مُنْبَجِسٌ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ هو مِمّا أوْحاهُ اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وهو عَطْفٌ عَلى حَنِيفًا عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في صاحِبِ ذَلِكَ الحالِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الحالُ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ تَنْزِيهًا لِشَرِيعَةِ الإسْلامِ المُتَّبِعَةِ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ مِن أنْ يُخالِطَها شَيْءٌ مِنَ الشِّرْكِ.

ونَفِيُ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هُنا بِحَرْفِ (ما) النّافِيَةِ؛ لِأنَّ (ما) إذا نَفَتْ فِعْلَ (كانَ) أفادَتْ قُوَّةَ النَّفْيِ، ومُباعَدَةَ المَنفِيِّ، وحَسَبُكَ أنَّها يُبْنى عَلَيْها الجُحُودُ في نَحْوِ: ما كانَ لِيَفْعَلَ كَذا.

فَحَصَلَ مِن قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] مِن قَوْلِهِ هُنا ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ثَلاثُ فَوائِدَ: نَفْيُ الإشْراكِ عَنْ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ أزْمِنَةِ الماضِي، وتَجَدُّدُ نَفْيِ الإشْراكِ تَجَدُّدًا مُسْتَمِرًّا، وبَراءَتُهُ مِنَ الإشْراكِ بَراءَةً تامَّةً.

وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ دِينَ الإسْلامِ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ شَوائِبُ الإشْراكِ؛ لِأنَّهُ جاءَ كَما جاءَ إبْراهِيمُ مُعْلِنًا …

An-Nahl 16:123Listen in Qur'an →
124

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ يُنادِي عَلى أنَّها تَضَمَّنَتْ مَعْنًى يَرْتَبِطُ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، وبِمَجِيءِ الإسْلامِ عَلى أساسِها.

فَلَمّا نَفَتِ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُشْرِكِينَ رَدًّا عَلى مَزاعِمِ العَرَبِ المُشْرِكِينَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ انْتَقَلَ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ إلى إبْطالِ ما يُشْبِهُ تِلْكَ المَزاعِمَ، وهي مَزاعِمُ اليَهُودِ أنَّ مِلَّةَ اليَهُودِيَّةِ هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ زَعْمًا ابْتَدَعُوهُ حِينَ ظُهُورِ الإسْلامِ؛ جَحْدًا لِفَضِيلَةٍ فاتَتْهم، وهي فَضِيلَةُ بِناءِ دِينِهِمْ عَلى أوَّلِ دِينٍ لِلْفِطْرَةِ الكامِلَةِ حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

فَهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ آيَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فَذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ الثَّلاثَ اخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ، فَكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ تَدَّعِي أنَّها عَلى مِلَّتِهِ، إلّا أنَّهُ اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأعْظَمِ دَلِيلٍ، وهو أنَّ دِينَهُمُ الإشْراكَ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعَقَّبَ ذَلِكَ

صفحة ٣٢٢

بِإبْطالِ مَزاعِمِ اليَهُودِ؛ لِأنَّها قَدْ تَكُونُ أكْثَرَ رَواجًا؛ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا مُخالِطِينَ العَرَبَ في بِلادِهِمْ، فَأهْلُ مَكَّةَ كانُوا يَتَّصِلُونَ بِاليَهُودِ في أسْفارِهِمْ، وأسْواقِهِمْ بِخِلافِ النَّصارى.

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيها لِلنَّصارى الَّذِينَ تَعَرَّضَ لَهم في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ولِهَذا تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] إذْ يُثِيرُ سُؤالًا مِنَ المُخالِفِينَ: كَيْفَ يَكُونُ الإسْلامُ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ ؟ وفِيهِ جُعِلَ يَوْمُ الجُمْعَةِ اليَوْمَ المُقَدَّسَ، وقَدْ جَعَلَتِ التَّوْراةُ لِلْيَهُودِ يَوْمَ التَّقْدِيسِ يَوْمَ السَّبْتِ، ولَعَلَّ اليَهُودَ شَغَبُوا بِذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ بَيانًا لِجَوابِ هَذا السُّؤالِ.

وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وجُمْلَةِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] إلَخْ.

ولِذَلِكَ افْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِأداةِ الحَصْرِ؛ إشْعارًا بِأنَّها لِقَلْبِ ما ظَنَّهُ السّائِلُونَ المُشَغِّبُونَ.

وهَذا أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأجْوِبَةِ المُورَدَةِ لِرَدِّ رَأْيِ مَوْهُومٍ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ فِيهِ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ عَلى تَقْدِيرٍ مُضافٍ، أيِ اخْتَلَفُوا في مِلَّتِهِ، ولَيْسَ عائِدًا …

An-Nahl 16:124Listen in Qur'an →
125

ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.

﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَتَنَزَّلُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مَنزِلَةَ البَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فَإنَّ المُرادَ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ هو دِينُ الإسْلامِ، ودِينُ الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ الحَنِيفِيَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَ الرَّسُولُ ﷺ بِدَعْوَتِهِ النّاسَ إلى الإسْلامِ داعِيًا إلى اتِّباعِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ.

ومُخاطَبَةُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِهَذا الأمْرِ في حِينِ أنَّهُ داعٍ إلى الإسْلامِ ومُوافِقٌ لِأصُولِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في طَلَبِ الدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، مَعَ ما انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ إلى طَرائِقِ الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ.

فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَثْبِيتَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى الدَّعْوَةِ، وأنْ لا يُؤَيِّسَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ لَهُ ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] وقَوْلُهم ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وأنْ لا يَصُدَّهُ عَنِ الدَّعْوَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَهْدِي الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ، ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَتْرُكُوا حِيلَةً يَحْسَبُونَها تُثَبِّطُ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ دَعْوَتِهِ إلّا ألْقَوْا بِها إلَيْهِ، مِن: تَصْرِيحٍ بِالتَّكْذِيبِ، واسْتِسْخارٍ، وتَهْدِيدٍ، وبَذاءَةٍ، واخْتِلاقٍ، وبُهْتانٍ، كَما ذَلِكَ مَحْكِيٌّ في تَضاعِيفِ

صفحة ٣٢٦

القُرْآنِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهم يَجْهَلُونَ مَراتِبَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ ويَزِنُونَهم بِمِعْيارِ مَوازِينِ نُفُوسِهِمْ، فَحَسِبُوا ما يَأْتُونَهُ مِنَ الخُزَعْبَلاتِ مُثَبِّطًا لَهُ، ومُوشِكًا لِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْ دَعْوَتِهِمْ.

وسَبِيلُ الرَّبِّ: طَرِيقُهُ، وهو مُجازٌ لِكُلِّ عَمَلٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُبَلِّغَ عامِلَهُ إلى رِضى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العَمَلَ الَّذِي يَحْصُلُ لِعامِلِهِ غَرَضٌ ما يُشْبِهُ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى مَكانٍ مَقْصُودٍ، فَلِذَلِكَ يُسْتَعارُ اسْمُ السَّبِيلِ لِسَبَبِ الشَّيْءِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ الأمْرِ بِمُهادَنَةٍ قُرَيْشٍ، أيْ في مُدَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ.

وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ لَمّا أحْزَنَ النَّبِيءَ ﷺ مَنظَرُ المُثْلَةِ بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ «لَأقْتُلَنَّ مَكانَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم»، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.

ولا أحْسَبُ ما ذَكَراهُ صَحِيحًا، ولَعَلَّ الَّذِي غَرَّ مَن رَواهُ قَوْلُهُ ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] كَما سَيَأْتِي، بَلْ مَوْقِعُ الآيَةِ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى إيجادِ سَبَبِ نُزُولٍ.

وإضافَةُ (سَبِيلِ) إلى (رَبِّكَ) بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَ إلَيْهِ، وأمَرَ بِالتِزامِهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وصارَ هَذا المُرَكَّبُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى دِينِ الإسْلامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وهو المُرادُ هُنا، وفي قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .

ويُطْلَقُ سَبِيلُ اللَّهِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ أيْضًا عَلى نُصْرَةِ الدَّيْنِ بِالقِتالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] .

والباءُ في قَوْلِهِ بِالحِكْمَةِ لِلْمُلابَسَةِ، كالباءِ في قَوْلِ …

An-Nahl 16:125Listen in Qur'an →
126

وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّٰبِرِينَ

And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed. But if you are patient - it is better for those who are patient.

صفحة ٣٣٥

﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهْوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، أيْ إنْ كانَ المَقامُ مَقامَ الدَّعْوَةِ فَلْتَكُنْ دَعَوْتُكَ إيّاهم كَما وصَفْنا، وإنْ كُنْتُمْ - أيُّها المُؤْمِنُونَ - مُعاقِبِينَ المُشْرِكِينَ عَلى ما نالَكم مِن أذاهم فَعاقِبُوهم بِالعَدْلِ لا بِتَجاوُزِ حَدِّ ما لَقِيتُمْ مِنهم.

فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها أتَمَّ اتِّصالِ، وحَسْبُكَ وُجُودُ العاطِفِ فِيها، وهَذا تَدَرُّجٌ في رُتَبِ المُعامَلَةِ مِن مُعامَلَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ ويَعِظُونَ، إلى مُعامَلَةِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، ثُمَّ إلى مُعامَلَةِ الَّذِينَ يُجازَوْنَ عَلى أفْعالِهِمْ، وبِذَلِكَ حَصَلَ حُسْنُ التَّرْتِيبِ في أُسْلُوبِ الكَلامِ.

وهَذا مُخْتارُ النَحّاسِ، وابْنِ عَطِيَّةَ، وفَخْرِ الدِّينِ، وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ كَوْنُ هَذِهِ الآيَةِ مَكِّيَّةً مَعَ سَوابِقِها ابْتِداءً مِنَ الآيَةِ الحادِيَةِ والأرْبَعِينَ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ التَّمْثِيلِ بِحَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وهو مَرْوِيٌّ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ لِلطَّبَرانِيِّ، ولَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلى الرُّواةِ تَذَكُّرُ النَّبِيءِ ﷺ الآيَةَ حِينَ «تَوَعَّدَ المُشْرِكِينَ بِأنْ يُمَثِّلَ بِسَبْعِينَ مِنهم إنْ أظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ» .

والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ .

والمُعاقَبَةُ: الجَزاءُ عَلى فِعْلِ السُّوءِ بِما يَسُوءُ فاعِلَ السُّوءِ.

فَقَوْلُهُ (بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ) مُشاكَلَةٌ لِـ (عاقَبْتُمْ)، اسْتَعْمَلَ عُوقِبْتُمْ في مَعْنى عُومِلْتُمْ بِهِ؛ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ فِعْلِ عاقَبْتُمْ، فَهو اسْتِعارَةُ وجْهِ شَبَهِها هو

صفحة ٣٣٦

المُشاكَلَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُوقِبْتُمْ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ ما يَلْقَوْنَهُ مِنَ الأذى مِنَ المُشْرِكِينَ قَصَدُوا بِهِ عِقابَهم عَلى مُفارَقَةِ دِينِ قَوْمِهِمْ، وعَلى شَتْمِ أصْنامِهِمْ، وتَسْفِيهِ آبائِهِمْ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ فَعاقِبُوا لِلْوُجُوبِ بِاعْتِبارِ مُتَعَلَّقِهِ، وهو قَوْلُهُ ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فَإنَّ عَدَمَ التَّجاوُزِ في العُقُوبَةِ واجِبٌ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ ويَجْعَلُهم في قَبْضَتِهِمْ، فَلَعَلَّ بَعْضَ الَّذِينَ فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ يَبْعَثُهُ الحَنَقُ عَلى الإفْراطِ في العِقابِ، فَهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] .

ورَغَّبَهم في الصَّبْرِ عَلى الأذى، أيْ بِالإعْراضِ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ وبِالعَفْوِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ أجْلَبُ لِقُلُوبِ الأعْداءِ، فَوُصِفَ بِأنَّهُ خَيْرٌ، أيْ خَيْرٌ مِنَ الأخْذِ بِالعُقُوبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وقَوْلُهُ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .

وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى الصَّبْرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ صَبَرْتُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، وأكَّدَ كَوْنَ الصَّبْرِ خَيْرًا بِلامِ القَسَمِ زِيادَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ.

وعَبَّرَ عَنْهم بِالصّابِرِينَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِصِفَةِ الصّابِرِينَ، أيِ الصَّبْرُ خَبَرٌ …

An-Nahl 16:126Listen in Qur'an →
127

وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ

And be patient, [O Muhammad], and your patience is not but through Allah. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.

﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ خُصَّ النَّبِيءُ ﷺ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَقامَهُ أعْلى، فَهو بِالتِزامِ الصَّبْرِ أوْلى؛ أخْذًا بِالعَزِيمَةِ بَعْدَ أنْ رَخَّصَ لَهم في المُعاقَبَةِ.

صفحة ٣٣٧

وجُمْلَةُ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، أيْ وما يَحْصُلُ صَبْرُكَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إيّاكَ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ صَبْرَ النَّبِيءِ ﷺ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهُ لَقِيَ مِن أذى المُشْرِكِينَ أشَدَّ مِمّا لَقِيَهُ عُمُومُ المُسْلِمِينَ، فَصَبْرُهُ لَيْسَ كالمُعْتادِ، لِذَلِكَ كانَ حُصُولُهُ بِإعانَةٍ مِنَ اللَّهِ.

وحَذَّرَهُ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا كَقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] .

ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأنْ لا يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن مَكْرِهِمْ. وهَذِهِ أحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ تَحْصُلُ في النَّفْسِ بِاخْتِلافِ الحَوادِثِ المُسَبِّبَةِ لَها؛ فَإنَّهم كانُوا يُعامِلُونَ النَّبِيءَ مَرَّةً بِالأذى عَلَنًا، ومَرَّةً بِالإعْراضِ عَنِ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ، وإظْهارِ أنَّهم يَغِيظُونَهُ بِعَدَمِ مُتابَعَتِهِ، وآوِنَةً بِالكَيْدِ والمَكْرِ لَهُ، وهو تَدْبِيرُ الأذى في خَفاءٍ.

والضَّيْقُ: بِفَتْحِ الضّادِ، وسُكُونِ الياءِ مَصْدَرُ (ضاقَ)، مِثْلُ السَّيْرِ والقَوْلِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ.

ويُقالُ: الضِّيقُ بِكَسْرِ الضّادِ مِثْلُ: القِيلِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، والمُرادُ ضِيقُ النَّفَسِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْجَزَعِ والكَدَرِ، كَما اسْتُعِيرَ ضِدُّهُ، وهو السَّعَةُ والِاتِّساعُ لِلِاحْتِمالِ والصَّبْرِ، يُقالُ: فُلانٌ ضَيِّقُ الصَّدْرِ، قالَ تَعالى في آخِرِ الحِجْرِ ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، ويُقالُ: سَعَةُ الصَّدْرِ.

والظَّرْفِيَّةُ في ضِيقٍ مَجازِيَّةٌ، أيْ لا يُلابِسُكَ ضِيقُ مُلابَسَةِ الظَّرْفِ لِلْحالِّ فِيهِ.

و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن مَكْرِهِمْ، واخْتِيرَ الفِعْلُ المُنْسَبِكُ إلى مَصْدَرٍ؛ لِما يُؤْذِنُ بِهِ الفِعْلُ المُضارِعُ مِنَ التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ.

An-Nahl 16:127Listen in Qur'an →
128

إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ

Indeed, Allah is with those who fear Him and those who are doers of good.

صفحة ٣٣٨

﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاقْتِصارِ عَلى قَدْرِ الجُرْمِ في العُقُوبَةِ، ولِلتَّرْغِيبِ في الصَّبْرِ عَلى الأذى، والعَفْوِ عَنِ المُعْتَدِينَ، ولِتَخْصِيصِ النَّبِيءِ ﷺ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ، والِاسْتِعانَةِ عَلى تَحْصِيلِهِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعالى، ولِصَرْفِ الكَدَرِ عَنْ نَفْسِهِ مِن جَرّاءِ أعْمالِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.

عَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِأنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ فَيَقِفُونَ عِنْدَما حَدَّ لَهم، ومَعَ المُحْسِنِينَ، والمَعِيَّةُ هُنا مَجازٌ في التَّأْيِيدِ والنَّصْرِ.

وأتى في جانِبِ التَّقْوى بِصِلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ماضِيَةٍ لِلْإشارَةِ إلى لُزُومِ حُصُولِها، وتَقَرُّرِها مِن قَبْلُ؛ لِأنَّها مِن لَوازِمِ الإيمانِ؛ لِأنَّ التَّقْوى آيِلَةٌ إلى أداءِ الواجِبِ، وهو حَقٌّ عَلى المُكَلَّفِ، ولِذَلِكَ أُمِرَ فِيها بِالِاقْتِصارِ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ.

وأتى في جانِبِ الإحْسانِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى كَوْنِ الإحْسانِ ثابِتًا لَهم دائِمًا مَعَهم؛ لِأنَّ الإحْسانَ فَضِيلَةٌ، فَيُصاحِبُهُ حاجَةٌ إلى رُسُوخِهِ مِن نَفْسِهِ، وتَمَكُّنِهِ.

* * *

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الإسْراءِ سُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ سُورَةَ الإسْراءِ، وصَرَّحَ الأُلُوسِيُّ بِأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ إذْ قَدْ ذُكِرَ في أوَّلِها الإسْراءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، واخْتُصَّتْ بِذِكْرِهِ.

وتُسَمّى في عَهْدِ الصَّحابَةِ (سُورَةَ بَنِي إسْرائِيلَ)، فَفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ في أبْوابِ الدُّعاءِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ الزُّمَرَ وبَنِي إسْرائِيلَ» .

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ ومَرْيَمَ: إنَّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ وهُنَّ مِن تِلادِي»، وبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ، والتِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّها ذُكِرَ فِيها مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ ما لَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها، وهو اسْتِيلاءُ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ (الآشُورِيِّينَ) عَلَيْهِمْ ثُمَّ اسْتِيلاءُ قَوْمٍ آخَرِينَ، وهُمُ الرُّومُ عَلَيْهِمْ.

وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ سُبْحانَ؛ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، قالَ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ.

صفحة ٦

وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، قِيلَ: إلّا آيَتَيْنِ مِنها، وهُما ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قَوْلِهِ قَلِيلًا، وقِيلَ: إلّا أرْبَعًا، هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ، وقَوْلُهُ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقَوْلُهُ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] الآيَةَ، وقِيلَ: إلّا خَمْسًا، هاتِهِ الأرْبَعُ، وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إلّا خَمْسَ آياتٍ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ، وهي المُبْتَدَأةُ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء: ٣٢] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء: ٥٧] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] الآيَةَ، وقِيلَ إلّا ثَمانِيًا مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قَوْلِهِ ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] .

وأحْسَبُ أنَّ مَنشَأ هاتِهِ الأقْوالِ أنَّ …

An-Nahl 16:128Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.