Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 111–120 of 128

111

۞ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

On the Day when every soul will come disputing for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged.

ولَمّا تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنَ التَّحْذِيرِ؛ والتَّبْشِيرِ؛ وتَقَدَّمَ أنَّهُ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا؛ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِانْحِصارِ الخَسارِ في الكُفّارِ؛ بَيَّنَ اليَوْمَ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ تِلْكَ الآثارُ؛ ووَصَفَهُ بِغَيْرِ الوَصْفِ المُقَدَّمِ؛ بِاعْتِبارِ المَواقِفِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبْدِلًا مِن ”يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا“ -: ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾؛ أيْ: فِيهِ؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: إنْسانٍ؛ وإنْ عَظُمَ جِرْمُها؛ ﴿تُجادِلُ﴾؛ أيْ: تَعْتَذِرُ؛ وعَبَّرَ بِالمُجادَلَةِ إفْهامًا لِلدَّفْعِ بِأقْصى ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ وأظْهَرَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ نَفْسِها﴾؛ أيْ: ذاتِها؛ بِمُفْرَدِها؛ لا يُهِمُّها غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِما يُوهِمُ الإضْمارُ مِن أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُجادِلُ عَنْ جَمِيعِ الأنْفُسِ؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الجَزاءِ مَخُوفًا؛ مُقْلِقًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ صالِحَةٍ؛ وغَيْرِ صالِحَةٍ؛ ﴿ما عَمِلَتْ﴾؛ أيْ: جَزاءً مِن جِنْسِهِ؛ ﴿وهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ المَرْهُوبُ مُطْلَقَ الظُّلْمِ؛ وكانَ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغَ جَزاءٍ في نَفْيِهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِمْ ظُلْمٌ؛ لا ظاهِرًا؛ ولا باطِنًا؛ لِيُعْلَمَ بِإبْدالِ ”يَوْمَ“؛ مِن ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ؛ أنَّ الخَسارَةَ بِإقامَةِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ لا بِمُجَرَّدِ إسْكاتِهِمْ.

An-Nahl 16:111Listen in Qur'an →
112

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا قَرْيَةًۭ كَانَتْ ءَامِنَةًۭ مُّطْمَئِنَّةًۭ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًۭا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And Allah presents an example: a city which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allah. So Allah made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

ولَمّا عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - ما ضَرَبَ سابِقًا مِنَ الأمْثالِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ“؛ وتَلاهُ بِذِكْرِ السّاعَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”وما أمْرُ السّاعَةِ“؛ إلى آخِرِهِ؛ واسْتَمَرَّ فِيما مَضَتْ مُناسَباتُهُ آخِذًا بَعْضُهُ بِحَجُزِ بَعْضٍ؛ حَتّى خَتَمَ بِالسّاعَةِ؛ وآمَنَ مِنَ الظُّلْمِ فِيها؛ وبَيَّنَ أنَّ الأعْمالَ هُناكَ هي مَناطُ الجَزاءِ؛ عَطَفَ عَلى ما مَضى - مِنَ الأمْثالِ المَفْرُوضَةِ؛ المُقَدَّرَةِ؛ المُرَغِّبَةِ - مَثَلًا مَحْسُوسًا؛ مَوْجُودًا؛ مُبَيِّنًا أنَّ الأعْمالَ في هَذِهِ الدّارِ أيْضًا مَناطُ الجَزاءِ؛ مُرَهِّبًا مِنَ المُعاجَلَةِ فِيها بِسَوْطٍ مِنَ العَذابِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ لَكم أيُّها المُعانِدُونَ؛ ﴿مَثَلا قَرْيَةً﴾؛ مِن قُرى الماضِينَ؛ الَّتِي تَعْرِفُونَها؛ كَقَرْيَةِ هُودٍ؛ أوْ صالِحٍ؛ أوْ لُوطٍ؛ أوْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ كانَ حالُها كَحالِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها مَكَّةُ؛ ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾؛ أيْ: ذاتَ أمْنٍ؛ يَأْمَنُ بِهِ أهْلُها في زَمَنِ الخَوْفِ؛ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾؛ أيْ: تارَةً بِأهْلِها؛ لا يَحْتاجُونَ فِيها إلى نُجْعَةٍ؛ وانْتِقالٍ؛ بِسَبَبِ زِيادَةِ الأمْنِ؛ بِكَثْرَةِ العَدَدِ؛ وقُوَّةِ المَدَدِ؛ وكَفِّ اللَّهِ النّاسَ عَنْها؛ ووُجُودِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُها؛ ﴿يَأْتِيها﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿رِزْقُها رَغَدًا﴾؛ أيْ: واسِعًا طَيِّبًا؛ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾؛ بَرًّا؛ وبَحْرًا؛ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ (تَعالى) لَهم ذَلِكَ.

ولَمّا كانَتِ السَّعَةُ تَجُرُّ إلى البَطَرِ غالِبًا؛ نَبَّهَ (تَعالى) عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَكَفَرَتْ﴾؛ ونَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى سَعَةِ فَضْلِهِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ الدّالِّ عَلى أنَّ كَثْرَةَ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ تافِهَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقالَ: ﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ كَما كَفَرْتُمْ؛ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿لِباسَ الجُوعِ﴾؛ بَعْدَ رَغَدِ العَيْشِ؛ ﴿والخَوْفِ﴾؛ بَعْدَ الأمْنِ؛ والطُّمَأْنِينَةِ؛ حَتّى صارَ لَهم ذَلِكَ - بِشُمُولِهِ لَهم - لِباسًا؛ وبِشِدَّةِ عَرْكِهِمْ ذَواقًا؛ فَكَأنَّ النَّظَرَ إلى المُسْتَعارِ لَهُ؛ وهو هُنا أبْلَغُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى الإحاطَةِ؛ والذَّوْقِ؛ ولَوْ نَظَرَ إلى المُسْتَعارِ لَقالَ: فَكَساها؛ فَكانَ يَفُوتُ الذَّوْقَ؛ وذَلِكَ كَما نَظَرَ إلَيْهِ كُثَيِّرٌ؛ في قَوْلِهِ:

؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ

اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ؛ لِأنَّهُ يَصُونُ صَوْنَ الرِّداءِ؛ لِما يُلْقى عَلَيْهِ؛ ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ؛ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ؛ لا وصْفُ الرِّداءِ؛ الَّذِي هو المُسْتَعارُ؛ ولَوْ نَظَرَ إلَيْهِ لَوَصَفَهُ بِالسَّعَةِ؛ أوِ الطُّولِ؛ مَثَلًا؛ كَما نَظَرَ إلَيْهِ مَن قالَ - ذاكِرًا السَّيْفَ الَّذِي يَصُونُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ -:

؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو

؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ

فَنَظَرَ إلى المُسْتَعارِ؛ وهو الرِّداءُ؛ في لَفْظِ الِاعْتِجارِ؛ فَبانَتْ فَضِيحَةُ ابْنِ الرّاوِنْدِيِّ في زَنْدَقَتِهِ؛ إذْ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ؟ فَقالَ لَهُ: لا بَأْسَ يا أيُّها النِّسْناسُ؛ هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا؛ أما كانَ عَرَبِيًّا؟ ﴿بِما …

An-Nahl 16:112Listen in Qur'an →
113

وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَٰلِمُونَ

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

ولَمّا كانَ (تَعالى) لا يُعَذِّبُ حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ؛ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾؛ كَما وقَعَ لَكُمْ؛ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ كَما فَعَلْتُمْ؛ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾؛ كَما سَمِعْتُمْ؛ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَكَّةَ؛ فالمُرادُ بِهِ الجُوعُ؛ الَّذِي دَعا عَلَيْهِمْ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ لَمّا قالَ: «”اللَّهُمَّ أعِنِّي بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ“؛» وأمّا الخَوْفُ فَما كانَ مِن جِهادِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لَهُمْ؛ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾؛ أيْ: عَرِيقُونَ في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ لِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ مَعَ الجُوعِ؛ وسَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - في الإغاثَةِ؛ فَدَعا لَهم.

An-Nahl 16:113Listen in Qur'an →
114

فَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَٱشْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

Then eat of what Allah has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allah, if it is [indeed] Him that you worship.

ولَمّا تَقَرَّرَ - بِما مَضى مِن أدِلَّةٍ - التَّوْحِيدُ؛ فَثَبَتَ ثَباتًا لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ وحْدَهُ؛ كَما أنَّهُ هو الرّازِقُ وحْدَهُ؛ ونَبَّهَهم عَلى دَقائِقَ في تَقْدِيرِهِ لِلْأرْزاقِ؛ تَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ؛ وشُمُولِ عِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ واخْتِيارِهِ؛ فَثَبَتَ أنَّهم ظالِمُونَ فِيما جَعَلُوا لِلْأصْنامِ مِن رِزْقِهِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَحَرَّكَ إلّا بِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِهَذا المَثَلِ المُحَذِّرِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ؛ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - صادًّا لَهم عَنْ أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ -: ﴿فَكُلُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ جَمِيعِ ما مَضى أنْ يُقالَ لَهُمْ: كُلُوا؛ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ؛ مِمّا عَدَّهُ لَكم في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾؛ أيْ: لا شُبْهَةَ فِيهِ؛ ولا مانِعَ بِوَجْهٍ؛ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ حَذَرًا مِن أنْ يُحِلَّ بِكم ما أحَلَّ بِالقَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِها؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ كَما اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الأدِلَّةُ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يَرْزُقُكُمْ؛ وإلّا عاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ العِنادِ عَنِ البَيانِ إلّا الِانْتِقامُ؛ فَصارَ الكَلامُ في الرِّزْقِ؛ والتَّقْرِيعُ عَلى عَدَمِ الشُّكْرِ؛ مُكْتَنِفًا الأمْثالَ قَبْلُ؛ وبَعْدُ.

An-Nahl 16:114Listen in Qur'an →
115

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

He has only forbidden to you dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ الإذْنُ إنَّما هو في بَعْضِ الرِّزْقِ؛ في الحالِ المَذْكُورِ؛ فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ وكانَتِ المُباحاتُ أكْثَرَ مِنَ المَحْظُوراتِ؛ حَصَرَ القَلِيلَ؛ لِيُعْلَمَ مِنهُ الكَثِيرُ؛ لِأنَّ كُلَّ ضِدَّيْنِ مَعْرُوفَيْنِ إجْمالًا؛ عُيِّنَ أحَدُهُما؛ عُرِفَ مِن تَعْيِينِهِ الآخَرُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما حَرَّمَ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾؛ الَّتِي بُيِّنَتْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - أنَّها مَيْتَةٌ؛ وإنْ ذُكِّيَتْ؛ ﴿والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾؛ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَيْتَةِ؛ لِاتِّخاذِ النَّصارى أكْلَهُ كالدِّينِ؛ ﴿وما أُهِلَّ﴾؛ أيْ: بِأيِّ إهْلالٍ كانَ؛ مِن أيِّ مُهِلٍّ كانَ؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ لِبَيانِ الكَمالِ؛ كانَ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ لِتَقْبِيحِ حالِ المُعْتَنى بِهِ أوْلى؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ؛ ﴿بِهِ﴾

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يُضْطَرُّ إلى أكْلِ كُلِّ ما يُمْكِنُ أكْلُهُ؛ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ رَفُقَ بِهِمْ؛ فَأباحَ لَهم سَدَّ الرَّمَقِ مِنَ الحَرامِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أيْ: كَيْفَما وقَعَ لَهُ الِاضْطِرارُ؛ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾؛ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ؛ ﴿ولا عادٍ﴾؛ سَدَّ الرَّمَقِ.

ولَمّا كانَ الإذْنُ في الأكْلِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ حالَ الضَّرُورَةِ إنَّما هو رُخْصَةٌ؛ وكانَتِ الشَّهْوَةُ داعِيَةً إلى ما فَوْقَ المَأْذُونِ فِيهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ بِسَبَبِ تَناوُلِهِ مِنها عَلى ما حَدَّهُ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فَمَن زادَ عَلى ما أذِنَ لَهُ فِيهِ فَهو جَدِيرٌ بِالِانْتِقامِ.

An-Nahl 16:115Listen in Qur'an →
116

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌۭ وَهَٰذَا حَرَامٌۭ لِّتَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allah. Indeed, those who invent falsehood about Allah will not succeed.

ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ - كَما مَضى تَقْرِيرُهُ في ”الأنْعامِ“ - جَمِيعُ المُحَرَّمِ أكْلُهُ مِنَ الحَيَواناتِ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ جَهْلُهم فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ؛ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ؛ إبْلاغًا في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الحَصْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ في وقْتٍ ما؛ ولَمّا كانَ تَحْلِيلُهُمْ؛ وتَحْرِيمُهُمْ؛ قَوْلًا فارِغًا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِأنَّهُ وصْفٌ بِاللِّسانِ؛ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَدْخُلَ إلى القَلْبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِما تَصِفُ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ الَّذِي تَصِفُهُ؛ ﴿ألْسِنَتُكُمُ﴾؛ أيْ: مِنَ الأنْعامِ؛ والحُرُوثِ؛ والزُّرُوعِ؛ ولَمّا حَرَّكَ النَّفْسَ إلى مَعْرِفَةِ ما يُقالُ لِأجْلِ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ مَقُولَ ذَلِكَ القَوْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: القَوْلَ الَّذِي هو عَيْنُ الكَذِبِ.

ولَمّا اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ المَقُولِ؛ أبْدَلَ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الكَذِبَ“؛ مَفْعُولَ ”تَصِفُ“؛ فَتَكُونَ ”ما“؛ مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: لِوَصْفِها إيّاهُ؛ فَكَأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً؛ فَلَمْ تُعْرَفْ إلّا بِوَصْفِ ألْسِنَتِهِمْ لَها؛ فَهو مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ؛ وما بَعْدَهُ مَقُولُ القَوْلِ.

ولَمّا كانُوا - كَما تَقَدَّمَ يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ فَكانَ اللّائِقُ بِهِمْ - إرْخاءً لِلْعِنانِ - النِّسْبَةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّوازِمِ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى المَلْزُوماتِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ لِأنَّ مَن قالَ عَلى أحَدٍ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ؛ كانَ قَوْلُهُ كَذِبًا؛ وكانَ كَذِبُهُ لِقَصْدِ افْتِراءِ الكَذِبِ؛ وإلّا لَكانَ في غايَةِ الجَهْلِ؛ فَدارَ أمْرُهم في مِثْلِ هَذا بَيْنَ الغَباوَةِ المُفْرِطَةِ؛ أوْ قَصْدِ ما لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ؛ وهَذا بابٌ مِنَ التَّهَكُّمِ عَجِيبٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ؟ فَأجابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَقْتَطِعُونَ عَمْدًا؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ مِنكُمْ؛ ومِن غَيْرِكُمْ؛ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾

An-Nahl 16:116Listen in Qur'an →
117

مَتَٰعٌۭ قَلِيلٌۭ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.

ولَمّا كانَ الفَلاحُ عِنْدَهم هو العَيْشَ الواسِعَ في هَذِهِ الدُّنْيا؛ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَإنّا نَنْظُرُهم بِنِعْمَةٍ ورَفاهَةٍ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: ما هم فِيهِ؛ لِفَنائِهِ؛ وإنِ امْتَدَّ ألْفَ عامٍ؛ ﴿ولَهُمْ﴾؛ بَعْدَهُ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ ومِن ألَمِهِ العَظِيمِ دَوامُهُ؛ فَأيُّ مَتاعٍ هَذا؟!

An-Nahl 16:117Listen in Qur'an →
118

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before. And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.

ولَمّا بَيَّنَ لَهم نِعْمَتَهُ بِتَوْسِعَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ بِما ضَيَّقُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ بَيَّنَ لَهم نِعْمَةً أُخْرى؛ بِتَمْيِيزِهِمْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ ﴿حَرَّمْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ عُقُوبَةً لَهُمْ؛ بِعُدْوانِهِمْ؛ وكَذِبِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ؛ ﴿ما قَصَصْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي كانَ المَقْصُوصُ بِها مُعْجِزًا؛ ﴿عَلَيْكَ﴾

ولَمّا لَمْ يَكُنْ قَصُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَغْرِقًا زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: في ”الأنْعامِ“؛ ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وقَعَ مِنهُمُ الهَوْدُ؛ بِتَحْرِيمِنا عَلَيْهِمْ ما حَرَّمْنا؛ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ طَبْعًا لَهُمْ؛ وخُلُقًا مُسْتَمِرًّا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ أيْ: بِالبَغْيِ؛ والكُفْرِ؛ فَضَيَّقْنا عَلَيْهِمْ مُعامَلَةً بِالعَدْلِ؛ وعامَلْناكم أنْتُمْ - حَيْثُ ظَلَمْتُمْ - بِالفَضْلِ؛ فاشْكُرُوا النِّعْمَةَ؛ واحْذَرُوا غَوائِلَ النِّقْمَةِ.

An-Nahl 16:118Listen in Qur'an →
119

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

ولَمّا بَيَّنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ عَطَفَ عَلَيْها نِعْمَةً هي أكْبَرُ مِنها جِدًّا؛ اسْتِجْلابًا لِكُلِّ ظالِمٍ؛ وبَيَّنَ عَظَمَتَها بِحَرْفِ التَّراخِي؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾؛ وهو كُلُّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ؛ وهو ما لا يَنْبَغِي فِعْلُهُ؛ ﴿بِجَهالَةٍ﴾؛ كَما عَمِلْتُمْ؛ وإنْ عَظُمَ فِعْلُهُمْ؛ وتَفاحَشَ جَهْلُهُمْ؛ ﴿ثُمَّ تابُوا﴾؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الذَّنْبِ؛ ولَوْ كانَ عَظِيمًا؛ فاقْتَصَرُوا عَلى ما أذِنَ فِيهِ خالِقُهُمْ؛ ﴿وأصْلَحُوا﴾؛ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ؛ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِتَسْهِيلِ دِينِكَ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ ولَمّا كانَ إنَّما يَغْفِرُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ما عَدا الشِّرْكَ الواقِعَ بَعْدَها؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: التَّوْبَةِ؛ وما تَقَدَّمَها مِن أعْمالِ السُّوءِ؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ السَّتْرِ لِما عَمِلُوا مِنَ السُّوءِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: مُحْسِنٌ بِالإكْرامِ؛ فَضْلًا ونِعْمَةً.

An-Nahl 16:119Listen in Qur'an →
120

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةًۭ قَانِتًۭا لِّلَّهِ حَنِيفًۭا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader, devoutly obedient to Allah, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allah.

ولَمّا دَعاهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ؛ ونَهاهم عَنْ مَساوِئِها؛ بِقَبُولِهِ لِمَن أقْبَلَ إلَيْهِ؛ وإنْ عَظُمَ جُرْمُهُ؛ إجابَةً لِدَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَهُ؛ تَرْغِيبًا في اتِّباعِهِ في التَّوْحِيدِ؛ والمَيْلِ مَعَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ إقْدامًا؛ وإحْجامًا؛ إنْ كانُوا مِمَّنْ يَتْبَعُ الحَقَّ؛ أوْ يُقَلِّدُ الآباءَ؛ فَقالَ - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أباكُمُ الأعْظَمَ؛ إمامَ المُوَحِّدِينَ؛ ﴿كانَ أُمَّةً﴾؛ فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ ما يُوجِبُ أنْ يَؤُمَّهُ ويَقْصِدَهُ كُلُّ أحَدٍ يُمْكِنُ انْتِفاعُهُ بِهِ؛ ﴿قانِتًا﴾؛ أيْ: مُخْلِصًا؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الهَوى؛ ﴿حَنِيفًا﴾؛ مَيّالًا مَعَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ بِنَسْخٍ أوْ بِغَيْرِهِ؛ فَكُونُوا حُنَفاءَ؛ أتْباعًا لِلْحَقِّ؛ لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ واسْتِنانًا بِأعْظَمِ آبائِكم.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الكَمالِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَتِ الأوْصافُ الثُّبُوتِيَّةُ قَرِيبَةَ المَأْخَذِ؛ سَرِيعَةَ الوُصُولِ إلى الفَهْمِ؛ وأتى بَعْدَها وصْفٌ سَلْبِيٌّ بِجُمْلَةٍ؛ حَذَفَ نُونَ ”يَكُنْ“؛ مِنها إيجازًا؛ وتَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ؛ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ؛ وحِفْظًا لَهُ مِن أنْ يَذْهَبَ قَبْلَ تَمامِها إلى غَيْرِ المُرادِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ الفِعْلَ مَنفِيٌّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ النَّفْيِ؛ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولَوْ قَلَّ؛ فَقِيلَ: ﴿ولَمْ يَكُ﴾؛ ولَمّا كانُوا مُشْرِكِينَ؛ هم وكَثِيرٌ مِن أسْلافِهِمْ؛ قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ بِأنَّ أعْظَمَ مَن يَعْتَقِدُونَ عَظَمَتَهُ مِن آبائِهِمْ لَيْسَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ الواقِفِينَ مَعَ الهَوى؛ فَلا تَكُونُوا مِنهُمْ؛

An-Nahl 16:120Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.