Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 11–20 of 128

11

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and from all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

ولَمّا كانَ الشَّجَرُ عامًّا؛ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - يَفْصِلُهُ تَنْوِيعًا لِلنِّعَمِ؛ وتَذْكِيرًا بِالتَّفاوُتِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الفِعْلَ بِالِاخْتِيارِ؛ فَقالَ - مُبْتَدِئًا بِالأنْفَعِ في القُوتِيَّةِ؛ والِائْتِدامِ؛ والتَّفَكُّهِ -: ﴿يُنْبِتُ﴾؛ أيْ: هو - سُبْحانَهُ -؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿بِهِ﴾؛ مَعَ كَوْنِهِ واحِدًا في أرْضٍ واحِدَةٍ؛ ﴿الزَّرْعَ﴾؛ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ؛ مِن أقَلِّ الشَّجَرِ مُكْثًا؛ وأصْغَرِهِ قَدْرًا؛ ﴿والزَّيْتُونَ﴾؛ الَّذِي تَرَوْنَهُ؛ مِن أطْوَلِ الأشْجارِ عُمْرًا؛ وأعْظَمِها قَدْرًا.

ولَمّا كانَتِ المَنافِعُ كَثِيرَةً في شَجَرِ التَّمْرِ؛ سَمّاهُ بِاسْمِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والنَّخِيلَ﴾؛ ولَمّا كانَتِ المَنفَعَةُ في الكَرْمِ بِغَيْرِ ثَمَرَتِهِ تافِهَةً؛ قالَ (تَعالى): ﴿والأعْنابَ﴾؛ وهُما مِن أوْسَطِ ذَلِكَ؛ ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ وأمّا كُلُّها فَلا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ؛ وهَذا الَّذِي في الأرْضِ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ الكُلِّ؛ مُذَكِّرٌ بِهِ؛ ومُشَوِّقٌ إلَيْهِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الماءِ العَظِيمِ؛ المُحَدَّثِ عَنْهُ؛ وعَنْ فُرُوعِهِ؛ أوْ في إنْزالِهِ عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ بَيِّنَةً؛ عَلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ تامُّ القُدْرَةِ؛ يَقْدِرُ عَلى الإعادَةِ؛ كَما قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ؛ وأنَّهُ مُخْتارٌ؛ يَفْعَلُ ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُحِسُّ؛ وكانَ شُغْلُ الحَواسِّ بِمَنفَعَتِهِ - لِقُرْبِهِ؛ وسُهُولَةِ مُلابَسَتِهِ - رُبَّما شَغَلَ عَنِ الفِكْرِ في المُرادِ بِهِ؛ فَكانَ التَّفَطُّنُ لِدَلالَتِهِ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ؛ ودِقَّةِ نَظَرٍ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: في أنَّ وحْدَتَهُ؛ وكَثْرَةَ ما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ؛ دَلِيلٌ عَلى وحْدَةِ صانِعِهِ؛ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ وأفْرَدَ الآيَةَ لِوَحْدَةِ المُحَدَّثِ عَنْهُ؛ وهو الماءُ - كَما قالَ (تَعالى) - في آيَةِ: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ [الرعد: ٤]؛ وسَيَأْتِي في آيَةِ النَّحْلِ كَلامُ الإمامِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ في هَذا.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ السُّورَةُ في التِحامِها بِسُورَةِ ”الحِجْرِ“؛ مِثْلُ ”الحِجْرِ“ بِسُورَةِ ”إبْراهِيمَ“؛ مِن غَيْرِ فارِقٍ؛ لَمّا قالَ (تَعالى): ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]؛ وقالَ (تَعالى) - بَعْدَ ذَلِكَ في وعِيدِ المُسْتَهْزِئِينَ -: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦]؛ أعْقَبَ هَذا بِبَيانِ تَعْجِيلِ الأمْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]؛ وزادَ هَذا بَيانًا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]؛ فَنَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَمّا فاهُوا بِهِ في اسْتِهْزائِهِمْ؛ وشِرْكِهِمْ؛ وعَظِيمِ بُهْتِهِمْ؛ وأتْبَعُ ذَلِكَ تَنْزِيهًا وتَعْظِيمًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ابْتِداءِ خَلْقِ الإنْسانِ؛ وضَعْفِ جِبِلَّتِهِ؛ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]؛ ثُمَّ أبْلَغَهُ (تَعالى) حَدًّا يَكُونُ فِيهِ الخِصامُ والمُحاجَّةُ؛ كُلُّ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنهُ؛ واخْتِبارًا؛ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ؛ وأعْقَبَ هَذا بِذِكْرِ بَعْضِ ألْطافِهِ في خَلْقِ الأنْعامِ؛ وما جَعَلَ فِيها مِنَ المَنافِعِ المُخْتَلِفَةِ؛ وما هو - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْفَةِ؛ والرَّحْمَةِ؛ اللَّتَيْنِ بِهِما أخَّرَ العُقُوبَةَ عَنْ مُسْتَوْجِبِها؛ وهَدى مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ الهِدايَةَ بِذاتِهِ؛ بَلْ كُلُّ …

12

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.

ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ بَعْضُ الضُّلّالِ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُسْتَنِدَةٌ إلى تَأْثِيرِ الأفْلاكِ؛ نَبَّهَ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ بِكَوْنِها مُتَغَيِّرَةً؛ فَلا بُدَّ لَها مِن قاهِرٍ أثَّرَ فِيها التَّغَيُّرَ؛ ولا يَزالُ الأمْرُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى واحِدٍ؛ قَدِيمٍ؛ فاعِلٍ بِالِاخْتِيارِ؛ لِما تَقَرَّرَ مِن بُطْلانِ التَّسَلْسُلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ لِإصْلاحِ أحْوالِكُمْ؛ ﴿اللَّيْلَ﴾؛ لِلسُّكْنى؛ ﴿والنَّهارَ﴾؛ لِلِابْتِغاءِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ آيَةَ النَّهارِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والشَّمْسَ﴾؛ أيْ: لِمَنافِعَ اخْتَصَّها بِها؛ ثُمَّ ذَكَرَ آيَةَ اللَّيْلِ؛ فَقالَ: ﴿والقَمَرَ﴾؛ لِأُمُورٍ عَلَّقَها بِهِ؛ ﴿والنُّجُومُ﴾؛ أيْ: لِآياتٍ نَصَبَها لَها؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى تَغَيُّرِها بِقَوْلِهِ: ﴿مُسَخَّراتٌ﴾؛ أيْ: بِأنْواعِ التَّغَيُّرِ لِما خَلَقَها لَهُ؛ عَلى أوْضاعٍ دَبَّرَها؛ ﴿بِأمْرِهِ﴾؛ سَبَبًا لِصَلاحِكُمْ؛ وصَلاحِ ما بِهِ قِوامُكُمْ؛ دَلالَةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ ولَوْ شاءَ لَأقامَ أسْبابًا غَيْرَها؛ أوْ أغْنى عَنِ الأسْبابِ.

ولَمّا كانَ أمْرُها - مَعَ كَوْنِهِ مَحْسُوسًا - لَيْسَ فِيهِ مِنَ المَنافِعِ القَرِيبَةِ الأمْرِ؛ السَّهْلَةِ المُلابَسَةِ ما يَشْغَلُ عَنِ الفِكْرِ فِيهِ؛ لَمْ يُحِلْ أمْرَهُ إلى غَيْرِ مُطْلَقِ العَقْلِ؛ إشارَةً إلى وُضُوحِهِ؛ وإنْ كانَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اسْتِعْمالِ القُوَّةِ المُفَكِّرَةِ؛ ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ؛ وأبْيَنُ شَهادَةٍ لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: التَّسْخِيرِ العَظِيمِ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: كَثِيرَةً؛ مُتَعَدِّدَةً؛ عَظِيمَةً؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ وجَمَعَ الآياتِ لِظُهُورِ تَعْدادِها بِالتَّحْدِيثِ عَنْها مُفَصَّلَةً.

13

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.

ولَمّا كانَ ما مَضى مَوْضِعًا لِلتَّفَكُّرِ المُنْتِجِ لِلْعِلْمِ بِوَحْدَةِ الصّانِعِ؛ واخْتِيارِهِ؛ وكانَ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ مُذَكِّرًا بِما بَعْدَهُ مِن سِرِّ التَّفاوُتِ في اللَّوْنِ الَّذِي لا يُمْكِنُ ضَبْطُ أصْنافِهِ عَلى التَّحْرِيرِ؛ وكانَ في ذَلِكَ تَمامُ إبْطالِ القَوْلِ بِتَأْثِيرِ الأفْلاكِ والطَّبائِعِ؛ لِأنَّ نِسْبَتَها إلى جَمِيعِ أجْزاءِ الوَرَقَةِ الواحِدَةِ؛ والحَبَّةِ الواحِدَةِ؛ واحِدَةٌ؛ قالَ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى ”اللَّيْلَ“ -: ﴿وما ذَرَأ﴾؛ أيْ: خَلَقَ؛ وبَثَّ؛ وفَرَّقَ التُّرابَ والماءَ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ فاشْكُرُوهُ؛ واعْلَمُوا أنَّهُ ما خَصَّكم بِهَذا التَّدْبِيرِ العَظِيمِ إلّا لِحِكَمٍ كَبِيرَةٍ؛ أجَلُّها إظْهارُ جَلالِهِ يَوْمَ الفَصْلِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: مِمّا ذَكَرَ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾؛ حَتّى في الوَرَقَةِ الواحِدَةِ؛ فَتَرى أحَدَ وجْهَيْها - بَلْ بَعْضَهُ - في غايَةِ الحُمْرَةِ؛ والآخَرَ في غايَةِ السَّوادِ؛ أوِ الصُّفْرَةِ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَلَوْ كانَ المُؤَثِّرُ مُوجِبًا بِالذّاتِ لامْتَنَعَ حُصُولُ هَذا التَّفاوُتِ في الآثارِ؛ فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ إنَّما هو قادِرٌ؛ مُخْتارٌ؛ ولَمْ يَذْكُرِ اخْتِلافَ الصُّوَرِ؛ لِأنَّ دَلالَتَها - لِأجْلِ اخْتِلافِ أشْكالِ النُّجُومِ؛ مِنَ السَّماءِ؛ وصُوَرِ الجِبالِ؛ والرَّوابِي؛ والوِهادِ مِنَ الأرْضِ - لَيْسَتْ عَلى إبْطالِ الطَّبِيعَةِ كَدَلالَةِ اخْتِلافِ اللَّوْنِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ - وإنْ كانَ خارِجًا عَنِ الحَدِّ في الِانْتِشارِ - واحِدًا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ لَوْنًا؛ وحَّدَ الآيَةَ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ الَّذِي ذَرَأهُ في هَذِهِ الحالِ؛ عَلى هَذا الوَجْهِ العَظِيمِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ ولَمّا نَبَّهَ في الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّ الأمْرَ وصَلَ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِ بَدِيهَةِ العَقْلِ؛ نَبَّهَ هُنا عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ؛ حَثًّا عَلى بَذْلِ الجُهْدِ في تَأمُّلِ ذَلِكَ؛ وإشارَةً إلى أنَّ دَلالَتَهُ عَلى المَقْصُودِ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ ولَوْ لَمْ يُمْعِنُوا؛ بِما أفادَهُ الإدْغامُ؛ و”التَّذَكُّرُ“: طَلَبُ المَعْنى بِالتَّفَكُّرِ في مُتَعَلِّقِهِ؛ فَلا بُدَّ مِن حُضُورِ مَعْنًى يُطْلَبُ بِهِ غَيْرُهُ؛ وقَدْ رَتَّبَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ أبْدَعَ تَرْتِيبٍ؛ فَذَكَرَ الأجْسامَ المُرَكَّبَةَ عُمُومًا؛ ثُمَّ خَصَّ الحَيَوانَ؛ ثُمَّ مُطْلَقَ الجِسْمِ النّامِي؛ وهو النَّباتُ؛ ثُمَّ البَسائِطَ؛ مِنَ الماءِ ونَحْوِهِ؛ ثُمَّ الأعْراضَ؛ مِنَ الألْوانِ.

14

وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

ولَمّا دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ - سُبْحانَهُ - دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ؛ لا سِيَّما السّاعَةَ؛ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ ما في المَكْشُوفِ مِنَ الأرْضِ؛ المُحِيطَ بِهِ الهَواءُ؛ مِنَ التَّفاوُتِ الدّالِّ عَلى تَفَرُّدِ الصّانِعِ؛ واخْتِيارِهِ؛ وخَتَمَهُ بِاللَّوْنِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالمَغْمُورِ بِالماءِ؛ الَّذِي لا لَوْنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ ضِمْنَهُ - مِنَ المَنافِعِ والحَيَواناتِ؛ الَّتِي لَها مِنَ المَقادِيرِ؛ والكَيْفِيّاتِ؛ والأشْكالِ؛ والألْوانِ البَدِيعَةِ التَّخْطِيطِ؛ الغَرِيبَةِ الصِّباغِ - ما هو أدَلُّ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ؛ ﴿الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾؛ أيْ: ذَلَّلَهُ؛ وهَيَّأهُ لِعَيْشِ ما فِيهِ مِنَ الحَيَوانِ؛ وتَكَوُّنِ الجَواهِرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ؛ والمُرادُ بِهِ السَّبْعَةُ الأبْحُرُ الكائِنَةُ في الرُّبْعِ المُرْتَفِعِ عَنِ الماءِ؛ وهو المَسْكُونُ مِن كُرَةِ الأرْضِ؛ المادَّةِ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ الغامِرِ لِثَلاثَةِ أرْباعِ الأرْضِ؛ فَجَعَلَهُ بِالتَّسْخِيرِ؛ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ بِالرُّكُوبِ؛ والغَوْصِ؛ وغَيْرِهِما؛ ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ﴾؛ أيْ: بِالِاصْطِيادِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن لُحُومِ الأسْماكِ؛ ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾؛ لا تَجِدُ أنْعَمَ مِنهُ؛ ولا ألْيَنَ؛ وهو أرْطَبُ اللُّحُومِ؛ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ؛ فَيُبادَرُ إلى أكْلِهِ عَذْبًا لَذِيذًا؛ مَعَ نَشْبِهِ في مِلْحٍ زُعاقٍ؛ ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ﴾؛ أيْ: بِجُهْدِكم في الغَوْصِ؛ وما يَتْبَعُهُ؛ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ أيْ: نِساؤُكُمْ؛ وهُنَّ بَعْضُكم لَكُمْ؛ فَكَأنَّ اللّابِسَ أنْتُمْ؛ وهي مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي لا تَرى أصْلَبَ مِنها؛ ولا أصْفى؛ مِنَ اللُّؤْلُؤِ؛ وكَذا مِنَ المَرْجانِ؛ وغَيْرِهِ؛ مَعَ نِسْبَةِ هَذا الصُّلْبِ؛ وذاكَ الطَّرِيِّ؛ إلى الماءِ؛ فَلَوْ أنَّهُ فاعِلٌ بِطَبْعِهِ لاسْتَوَيا.

ولَمّا ذَكَرَ المَنافِعَ العامَّةَ؛ مُخاطِبًا لَهم بِها؛ وكانَ المَخْرُ - وهو أنْ تَجْرِيَ السَّفِينَةُ مُسْتَقْبِلَةً الرِّيحَ؛ فَتَشُقَّ الماءَ؛ فَيُسْمَعَ لِجَرْيِها صَوْتٌ مُعْجِبٌ؛ وذَلِكَ مَعَ الحِمْلِ الثَّقِيلِ - آيَةً عَظِيمَةً؛ لا يَتَأمَّلُها إلّا أرْبابُ القُلُوبِ؛ خَصَّ بِالخِطابِ أعْلى أُولِي الألْبابِ؛ ومَن قارَبَهُ في ابْتِغاءِ الصَّوابِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرى الفُلْكَ﴾؛ ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى تَعْدادِ النِّعَمِ هُنا أتَمَّ مِنهُ في سُورَةِ ”فاطِرٍ“؛ قَدَّمَ المَخْرَ في قَوْلِهِ: ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾؛ أيْ: جَوارِيَ تَشُقُّ الماءَ مَعَ صَوْتٍ؛ لِتَرْكَبُوها؛ فَتَسْتَدِلُّوا - بِعَدَمِ رُسُوبِها فِيهِ؛ مَعَ مُيُوعِهِ؛ ورِقَّتِهِ؛ وشِدَّةِ لَطافَتِهِ - عَلى وحْدانِيَّةِ الإلَهِ؛ وقُدْرَتِهِ.

ولَمّا عَلَّلَ التَّسْخِيرَ بِمَنفَعَةِ البَحْرِ نَفْسِهِ؛ مِنَ الأكْلِ وما تَبِعَهُ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ النَّفْعِ بِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا طَلَبًا عَظِيمًا بِرُكُوبِهِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: اللَّهِ؛ بِالتَّوَصُّلِ بِها إلى البُلْدانِ الشّاسِعَةِ لِلْمَتاجِرِ وغَيْرِها؛ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْها لَوْلا تَسْخِيرُهُ؛ و”المَخْرُ“: شَقُّ الماءِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ؛ وهو أيْضًا صَوْتُ هُبُوبِ الرِّيحِ؛ إذا اشْتَدَّ هُبُوبُها؛ وقَدِ ابْتُدِئَ فِيهِ بِما يَغُوصُ تارَةً؛ ويَطِفُّ أُخْرى بِالِاخْتِيارِ؛ وثَنّى بِما طَبْعُهُ الرُّسُوبُ؛ وثَلَّثَ بِما مِن طَبْعِهِ الطُّفُوفُ.

15

وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,

ولَما ذَكَرَ الأغْوارَ الهابِطَةَ؛ الضّابِطَةَ لِلْبِحارِ؛ أتْبَعَها الأنْجادَ الشِّدادَ؛ الَّتِي هي كالأوْتادِ؛ تَذْكِيرًا بِما فِيها مِنَ النِّعَمِ؛ فَقالَ: ﴿وألْقى في الأرْضِ﴾؛ أيْ: وضَعَ فِيها وضْعًا؛ كَأنَّهُ قَذَفَهُ فِيها قَذْفًا؛ جِبالًا؛ ﴿رَواسِيَ﴾؛ مُماسَّةً لَها؛ ومُزَيِّنَةً لِنَواحِيها؛ كَراهَةَ ﴿أنْ تَمِيدَ﴾؛ أيْ: تَمِيلَ مُضْطَرِبَةً يَمِينًا وشِمالًا؛ أيْ: فَيَحْصُلَ لَكُمُ المَيْدُ؛ وهو دُوارٌ يَعْتَرِي راكِبَ البَحْرِ؛ ﴿بِكُمْ﴾؛ فَهي ثابِتَةٌ لِأجْلِ ذَلِكَ الإلْقاءِ؛ ثابِتَةٌ مَعَ اقْتِضائِها بِالكُرِّيَّةِ التَّحَرُّكَ.

ولَمّا ذَكَرَ الأوْهادَ؛ وأتْبَعَها الأوْتادَ؛ تَلاها بِما تَفَجُّرُهُ غالِبًا مِنها؛ عاطِفًا عَلى ”رَواسِيَ“؛ لِما تَضَمَّنَهُ العامِلُ مِن مَعْنى ”جَعَلَ“؛ فَقالَ: ﴿وأنْهارًا﴾؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ثَباتِ الأرْضِ ما سَبَقَها مِن ذِكْرِ البِحارِ؛ ولَحِقَها مِنَ الحَدِيثِ عَنِ الأنْهارِ؛ فَإنَّها لَوْ تَحَرَّكَتْ؛ ولَوْ بِمِقْدارِ شَعْرَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ؛ لَأغْرَقَتِ البِحارُ مَن إلى جانِبِ الِانْخِفاضِ؛ وتَعاكَسَتْ مَجارِي الأنْهارُ؛ فَعادَتْ مَنافِعُها أشَدَّ المَضارِّ؛ ولَوْ زادَتِ البِحارُ؛ بِما تَصُبُّ فِيها الأنْهارُ؛ عَلى مَرِّ اللَّيْلِ؛ وكَرِّ النَّهارِ؛ لَأغْرَقَتِ الأرْضَ؛ ولَكِنَّهُ (تَعالى) دَبَّرَ الأمْرَ بِحِكْمَتِهِ تَدْبِيرًا تَعْجِزُ عَنْ الِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِهِ أفْكارُ الحُكَماءِ؛ بِأنْ سَلَّطَ حَرارَةَ الشَّمْسِ عَلى الأرْضِ في جَمِيعِ مُدَّةِ الصَّيْفِ؛ وبَعْضِ غَيْرِهِ مِنَ الفُصُولِ؛ فَسَرَتْ في أغْوارِها؛ وحَمِيَتْ في أعْماقِها في الشِّتاءِ؛ فَأسْخَنَتْ مِياهَ البِحارِ وغَيْرَها؛ فَتَصاعَدَتْ مِنها بُخاراتٌ؛ كَما يَتَصاعَدُ مِنَ القِدْرِ المَغْلِيِّ؛ بِقَدْرِ ما صَبَّتْ فِيها الأنْهارُ؛ فانْعَقَدَتْ تِلْكَ البُخاراتُ في الجَوِّ مِياهًا لَمّا بَرُدَتْ؛ فَنَزَلَ مِنها المَطَرُ؛ فَأحْيا الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؛ وتَخَلَّلَ أعْماقَها مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ؛ فَأمَدَّ الأنْهارَ؛ ولِذَلِكَ تَزِيدُ بِزِيادَةِ المَطَرِ؛ وتَنْقُصُ بِنَقْصِهِ؛ وهَكَذا في كُلِّ عامٍ؛ فَأوْجَبَ ذَلِكَ بَقاءَ البَحْرِ عَلى حالِهِ؛ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ؛ فَسُبْحانَ المُدَبِّرِ الحَكِيمِ العَزِيزِ العَلِيمِ؛ ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ؛ أتْبَعَهُ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَنافِعِ كُلٍّ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسُبُلا﴾

ولَمّا كانَتِ الجِبالُ؛ والبِحارُ؛ والأنْهارُ أدِلَّةً عَلى السُّبُلِ الحِسِّيَّةِ؛ والمَعْنَوِيَّةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ الِاهْتِداءُ؛ فَتَهْتَدُوا إلى مَقاصِدِكم.

16

وَعَلَٰمَٰتٍۢ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ

And landmarks. And by the stars they are [also] guided.

ولَمّا كانَتِ الأدِلَّةُ في الأرْضِ غَيْرَ مَحْصُورَةٍ فِيها؛ قالَ: ﴿وعَلاماتٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها؛ جَمْعُ ”عَلامَةٌ“؛ وهي صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها المَعْنى؛ مِن خَطٍّ؛ أوْ لَفْظٍ؛ أوْ إشارَةٍ؛ أوْ هَيْئَةٍ؛ وقَدْ تَكُونُ عَلامَةً وضْعِيَّةً؛ وقَدْ تَكُونُ بُرْهانِيَّةً.

ولَمّا كانَتِ الدَّلالَةُ بِالنَّجْمِ أنْفَعَ الدَّلالاتِ وأعَمَّها؛ وأوْضَحَها بَرًّا؛ وبَحْرًا؛ لَيْلًا ونَهارًا؛ نَبَّهَ عَلى عِظَمِها بِالِالتِفاتِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ؛ لِإفْهامِ العُمُومِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المُخاطَبَ مَخْصُوصٌ؛ وأنَّ الأمْرَ لا يَتَعَدّاهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وبِالنَّجْمِ هُمْ﴾؛ أيْ: أهْلُ الأرْضِ كُلُّهُمْ؛ وأوْلى النّاسِ بِذَلِكَ أوَّلُ المُخاطَبِينَ؛ وهم قُرَيْشٌ؛ ثُمَّ العَرَبُ كُلُّها؛ لِفَرْطِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنُّجُومِ؛ ﴿يَهْتَدُونَ﴾؛ وقَدَّمَ الجارَّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ دَلالَةَ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سافِلَةٌ.

17

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?

ولَمّا لَمْ يَبْقَ - بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ؛ والتَّرْتِيبِ الأحْسَنِ؛ والنَّظْمِ الأبْلَغِ - شُبْهَةٌ في أنَّ الخالِقَ إنَّما هو اللَّهُ؛ لِما ثَبَتَ مِن وحْدانِيَّتِهِ؛ وتَمامِ عِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ وكَمالِ حِكْمَتِهِ؛ لِجَعْلِهِ تِلْكَ الدَّلائِلَ نِعَمًا عامَّةً؛ ومِنَنًا تامَّةً؛ مَعَ اتِّضاحِ العَجْزِ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ فِيهِ الإلَهِيَّةَ مِن دُونِهِ؛ واتِّضاحِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - في جَمِيعِ صُنْعِهِ مُخْتارٌ؛ لِلْمُفاوَتَةِ في الوُجُودِ؛ والكَيْفِيّاتِ؛ بَيْنَ ما لا مُقْتَضى لِلتَّفاوُتِ فِيهِ غَيْرُ الِاخْتِيارِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِما يُرِيدُ؛ قالَ - مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ ذَلِكَ حَيْثُ أرادَ؛ ومَتى أرادَ؛ فَلا يُمْكِنُ عَجْزُهُ بِوَجْهٍ؛ لِتَمَكُّنِ شَرِكَتِهِ؛ ﴿كَمَن﴾؛ شَرِكَتُهُ مُمْكِنَةٌ؛ فَهو أصْلٌ في ذَلِكَ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ ﴿لا يَخْلُقُ﴾؛ أيْ: لا يَقَعُ ذَلِكَ مِنهُ وقْتًا ما؛ مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ في العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِما يَقُولُهُ؛ المُسْتَلْزِمِ لِأنْ يَكُونَ مُمْكِنًا مَخْلُوقًا؛ ولَوْ كانَ التَّشْبِيهُ مَعْكُوسًا - كَما قِيلَ - لَمْ يُفِدْ ما أفادَ هَذا التَّقْدِيرُ مِنَ الإبْلاغِ في ذَمِّهِمْ؛ بِإنْزالِ الأعْلى عَنْ دَرَجَتِهِ؛ وعَبَّرَ بِـ ”مَن“؛ لِأنَّهم سَمَّوْها آلِهَةً؛ وأنْهى أمْرِها أنْ تَكُونَ عاقِلَةً؛ فَإذا انْتَفى عَنْها وصْفُ الإلَهِيَّةِ مَعَهُ لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ انْتَفى بِدُونِهِ مِن بابِ الأوْلى.

ولَمّا سَبَّبَ عَنْ هَذِهِ الأدِلَّةِ إنْكارَ تَسْوِيَتِهِمُ الخالِقَ بِغَيْرِهِ في العَجْزِ؛ سَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْكارِ إنْكارَ تَذَكُّرِهِمْ؛ حَثًّا لَهم عَلى التَّذَكُّرِ المُفِيدِ لِتَرْكِ الشِّرْكِ؛ فَقالَ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؛ بِما تُشاهِدُونَهُ مِن ذَلِكَ ولَوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ - بِما أفادَهُ الإدْغامُ - لِتَذْكُرُوا ما يَحِقُّ اعْتِقادُهُ.

18

وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if you should count the favors of Allah, you could not enumerate them. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَتِ المَقْدُوراتُ لا تُحْصَرُ؛ وأكْثَرُها نِعَمٌ عَلى العِبادِ؛ مُذَكِّرَةٌ لَهم بِخالِقِهِمْ؛ قالَ (تَعالى) - مُمْتَنًّا عَلَيْهِمْ بِإحْسانِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنهم -: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾؛ أيْ: كُلُّكُمْ؛ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إنْعامَ المَلِكِ؛ الَّذِي لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ عَلَيْكُمْ؛ وإنْ كانَ في واحِدَةٍ؛ فَإنَّ شُعَبَها تَفُوتُ الحَصْرَ؛ ﴿لا تُحْصُوها﴾؛ أيْ: لا تَضْبِطُوا عَدَدَها؛ ولا تَبْلُغُهُ طاقَتُكُمْ؛ مَعَ كُفْرِها وإعْراضِكم جُمْلَةً عَنْ شُكْرِها؛ فَلَوْ شَكَرْتُمْ لَزادَكم مِن فَضْلِهِ.

ولَمّا كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِسَلْبِ النِّعَمِ بِالإعْراضِ عَنِ التَّذَكُّرِ؛ والعَمى عَنِ التَّبَصُّرِ؛ أشارَ إلى سَبَبِ إدْرارِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ بِجَمِيعِ صِفاتِ الإكْرامِ والِانْتِقامِ؛ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فَلِذَلِكَ هو يُدِرُّ عَلَيْكم نِعَمَهُ؛ وأنْتُمْ مُنْهَمِكُونَ فِيما يُوجِبُ نِقَمَهُ.

19

وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

And Allah knows what you conceal and what you declare.

ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المَكْفُورَ إحْسانُهُ يُبادِرُ إلى قَطْعِهِ عِنْدَ عِلْمِهِ بِالكُفْرِ؛ فَكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ سَبَبَ مُواتَرَةِ الإحْسانِ عَدَمُ العِلْمِ بِالكُفْرانِ؛ أوْ عَدَمُ العِلْمِ بِكُفْرانٍ؛ لا يَدْخُلُ تَحْتَ المَغْفِرَةِ؛ قالَ - مُهَدِّدًا؛ مُبْرِزًا لِلضَّمِيرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ لِلْفَصْلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ؛ ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَقَيُّدُ التَّهْدِيدِ بِحَيْثِيَّةِ المَغْفِرَةِ؛ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةُ ما مَضى -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الإكْرامِ والِانْتِقامِ؛ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أيْ: عَلى الإطْلاقِ؛ ﴿ما تُسِرُّونَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ولَمّا كانَ الإسْرارُ رُبَّما حُمِلَ عَلى حالَةِ الخَلْوَةِ؛ فَلَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ دالًّا عَلى الإعْلانِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وما تُعْلِنُونَ﴾؛ لِيُعْلَمَ مِقْدارُ المُضاعَفَةِ لِمُوجِباتِ الشُّكْرِ؛ وقَباحَةِ الكُفْرِ؛ وأمّا الأصْنامُ فَلا تَعْلَمُ شَيْئًا فَلا أسْفَهَ مِمَّنْ عَبَدَها.

20

وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

And those they invoke other than Allah create nothing, and they [themselves] are created.

ولَمّا أثْبَتَ لِنَفْسِهِ (تَعالى) كَمالَ القُدْرَةِ؛ وتَمامَ العِلْمِ؛ وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ؛ شَرَعَ يُقِيمُ الأدِلَّةَ عَلى بُعْدِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ مِنَ الإلَهِيَّةِ؛ بِسَلْبِ تِلْكَ الصِّفاتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما ادَّعى مُدَّعٍ في شَيْءٍ أنَّهُ لا يَخْلُقُ؛ ولا يُخْلَقُ؛ قالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.