Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 128

11

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and from all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.

﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ جُمْلَةُ (يُنْبِتُ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أنْزَلَ)، أيْ يُنْبِتُ اللَّهُ لَكم.

وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ هَذا عَلى جُمْلَةِ (﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ [النحل: ١٠])؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَحْصُلُ بِنُزُولِ الماءِ وحْدَهُ بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ زَرْعٌ وغَرْسٌ.

وهَذا الإتْيانُ مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ، فالغَرَضُ مِنهُ الِاسْتِدْلالُ مَمْزُوجًا بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لَكم) عَلى وِزانِ ما

صفحة ١١٥

تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] الآيَةَ.

وأُسْنِدَ الإنْباتُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ المُلْهِمُ لِأسْبابِهِ والخالِقُ لِأُصُولِهِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى دَفْعِ غُرُورِهِمْ بِقُدْرَةِ أنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لِكَثْرَةِ ما تَحْتَ ذَلِكَ مِنَ الدَّقائِقِ.

وذِكْرُ الزَّرْعِ والزَّيْتُونِ وما مَعَهُما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ الأنْعامِ.

والتَّفْكِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإقْحامُ لَفْظِ قَوْمٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّفْكِيرَ مِن سَجاياهم، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ﴾، أيْ ويُنْبِتُ لَكم بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ مِمّا لَمْ يُذْكَرْ هُنا.

والتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والمُرادُ: أجْناسُ ثَمَراتِ الأرْضِ الَّتِي يُنْبِتُها الماءُ، ولِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ النّاسِ ثَمَراتُ أرْضِهِمْ وجَوِّهِمْ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ قُصِدَ مِنها تَنْوِيعُ الِامْتِنانِ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِما نالَهم مِن نِعَمِ الثَّمَراتِ، وإنَّما لَمْ تَدْخُلْ عَلى الزَّرْعِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها مِنَ الثَّمَراتِ الَّتِي تَنْبُتُ في كُلِّ مَكانٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ.

والآيَةُ: الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى المُبْدِعُ الحَكِيمُ، وتِلْكَ هي إنْباتُ أصْنافٍ مُخْتَلِفَةٍ مِن ماءٍ واحِدٍ، كَما قالَ ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ [الرعد: ٤] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

ونِيطَتْ دَلالَةُ هَذِهِ بِوَصْفِ التَّفْكِيرِ؛ لِأنَّها دَلالَةٌ خَفِيَّةٌ لِحُصُولِها بِالتَّدْرِيجِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِما في ذَلِكَ مِن دَلالَةٍ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَتَفَكَّرُونَ.

صفحة ١١٦

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُنْبِتُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِنُونِ العَظَمَةِ.

12

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.

﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ آياتٌ أُخْرى عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وعِلْمِهِ مَمْزُوجَةٌ بِامْتِنانٍ.

وتَقَدَّمَ ما يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ، وتَسْخِيرُ هَذِهِ الأشْياءِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ، وفي أوائِلِ سُورَةِ الرَّعْدِ وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ.

وهَذا انْتِقالٌ لِلِاسْتِدْلالِ بِإتْقانِ الصُّنْعِ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ وعِلْمِهِ، وإدْماجٌ بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ، ونِيطَتِ الدَّلالاتُ بِوَصْفِ العَقْلِ؛ لِأنَّ أصْلَ العَقْلِ كافٍ في الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، إذْ هي دَلائِلُ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ حاصِلَةٌ بِالمُشاهَدَةِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.

وتَقَدَّمَ وجْهُ إقْحامِ لَفْظِ قَوْمٍ آنِفًا، وأنَّ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ جَمِيعَ هَذِهِ الأسْماءِ مَنصُوبَةً عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ سَخَّرَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، ورَفَعَ (مُسَخَّراتٌ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنْها، فَنُكْتَةُ اخْتِلافِ الإعْرابِ الإشارَةُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ بِرَفْعِ (النُّجُومُ) و(مُسَخَّراتٌ)، ونُكْتَةُ اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ الفَرْقُ بَيْنَ التَّسْخِيرَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ واضِحٌ، والآخَرَ خَفِيٌّ لِقِلَّةِ مَن يَرْقُبُ حَرَكاتِ النُّجُومِ.

والمُرادُ بِأمْرِهِ: أمْرُ التَّكْوِينِ لِلنِّظامِ الشَّمْسِيِّ المَعْرُوفِ.

وقَدْ أبْدى الفَخْرُ في كِتابِ (دُرَّةِ التَّنْزِيلِ) وجْهًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ إفْرادِ (آيَةً) في المَرَّةِ الأُولى والثّالِثَةِ، وبَيْنَ جَمْعِ (آياتٍ) في المَرَّةِ الثّانِيَةِ: بِأنَّ ما ذُكِرَ

صفحة ١١٧

أوَّلًا وثالِثًا يَرْجِعُ إلى ما نَجَمَ مِنَ الأرْضِ، فَجَمِيعُهُ آيَةٌ واحِدَةٌ تابِعَةٌ لِخَلْقِ الأرْضِ، وما تَحْتَوِيهِ (أيْ وهو كُلُّهُ ذُو حالَةٍ واحِدَةٍ وهي حالَةُ النَّباتِ في الأرْضِ في الأوَّلِ وحالَةٌ واحِدَةٌ وهي حالَةُ الذَّرْءِ في التَّناسُلِ في الحَيَوانِ في الآيَةِ الثّالِثَةِ) وأمّا ما ذُكِرَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ راجِعٌ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنها نِظامٌ يَخُصُّهُ، ودَلائِلُ تُخالِفُ دَلائِلَ غَيْرِهِ، فَكانَ ما ذُكِرَ في ذَلِكَ مَجْمُوعُ آياتٍ (أيْ لِأنَّ بَعْضَها أعْراضٌ كاللَّيْلِ والنَّهارِ وبَعْضَها أجْرامٌ لَها أنْظِمَةٌ مُخْتَلِفَةٌ ودَلالاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ) .

13

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.

﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيْ وسَخَّرَ لَكم ما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ، وهو دَلِيلٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ والحِكْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، وأوْمَأ إلى ما فِيهِ مِن مِنَّةٍ بِقَوْلِهِ (لَكم) .

والذَّرْءُ: الخَلْقُ بِالتَّناسُلِ والتَّوَلُّدُ بِالحَمْلِ والتَّفْرِيخِ، فَلَيْسَ الإنْباتُ ذَرْءًا، وهو شامِلٌ لِلْأنْعامِ والكُراعِ، وقَدْ مَضَتِ المِنَّةُ بِهِ ولِغَيْرِها مِثْلِ كِلابِ الصَّيْدِ والحِراسَةِ، وجَوارِحِ الصَّيْدِ، والطُّيُورِ، والوُحُوشِ المَأْكُولَةِ، ومِنَ الشَّجَرِ والنَّباتِ.

وزِيدَ هُنا وصْفُ اخْتِلافِ ألْوانِهِ، وهو زِيادَةٌ لِلتَّعْجِيبِ، ولا دَخْلَ لَهُ في الِامْتِنانِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ [فاطر: ٢٨] في سُورَةِ فاطِرٍ، وبِذَلِكَ صارَ هَذا آيَةً مُسْتَقِلَّةً؛ فَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، ولِكَوْنِ مَحَلِّ الِاسْتِدْلالِ هو اخْتِلافُ الألْوانِ مَعَ اتِّحادِ أصْلِ الذَّرْءِ أُفْرِدَتِ الآيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ .

صفحة ١١٨

والألْوانُ: جَمْعُ لَوْنٍ، وهو كَيْفِيَّةٌ لِسُطُوحِ الأجْسامِ مُدْرَكَةٌ بِالبَصَرِ تَنْشَأُ مِنَ امْتِزاجِ بَعْضِ العَناصِرِ بِالسَّطْحِ بِأصْلِ الخِلْقَةِ أوْ بِصَبْغِها بِعُنْصُرٍ ذِي لَوْنٍ مَعْرُوفٍ، وتَنْشَأُ مِنَ اخْتِلاطِ عُنْصُرَيْنِ فَأكْثَرَ ألْوانٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ بِوَصْفِ التَّذَكُّرِ؛ لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِ الألْوانِ المُخْتَلِفَةِ إذْ هي مَشْهُورَةٌ.

وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمٍ) وكَوْنُ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا تَقَدَّمَ آنِفًا.

وأبْدى الفَخْرُ في (دُرَّةِ التَّنْزِيلِ) وجْهًا لِاخْتِلافِ الأوْصافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]، وقَوْلِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، وقَوْلِهِ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: بِأنَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ اخْتِلافِ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى قُوَّةِ التَّأمُّلِ بِدَلالَةِ المَخْلُوقاتِ النّاجِمَةِ عَنِ الأرْضِ يَحْتاجُ إلى التَّفْكِيرِ، وهو إعْمالُ النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ، ودَلالَةُ ما ذَرَأهُ في الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ مُحْتاجَةٌ إلى مَزِيدِ تَأمُّلٍ في التَّفْكِيرِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها وتَناسُلِها وفَوائِدِها، فَكانَتْ بِحاجَةٍ إلى التَّذْكِيرِ، وهو التَّفَكُّرُ مَعَ تَذَكُّرِ أجْناسِها واخْتِلافِ خَصائِصِها، وأمّا دَلالَةُ تَسْخِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ؛ فَلِأنَّها أدَقُّ وأحْوَجُ إلى التَّعَمُّقِ، عَبَّرَ عَنِ المُسْتَدِلِّينَ عَلَيْها بِأنَّهم يَعْقِلُونَ، والتَّعَقُّلُ هو أعْلى أحْوالِ الِاسْتِدْلالِ اهـ.

14

وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًۭا طَرِيًّۭا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةًۭ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

﴿وهْوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ القَوْلُ في هَذا الِاسْتِدْلالِ، وإدْماجُ الِامْتِنانِ فِيهِ كالقَوْلِ فِيما سَبَقَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَسْخِيرِ الفُلْكِ في البَحْرِ، وتَسْخِيرِ الأنْهارِ في أثْناءِ سُورَةِ إبْراهِيمَ.

صفحة ١١٩

ومِن تَسْخِيرِ البَحْرِ خَلْقُهُ عَلى هَيْئَةٍ يُمْكِنُ مَعَها السَّبْحُ والسَّيْرُ بِالفُلْكِ، وتَمْكِينُ السّابِحِينَ والماخِرِينَ مِن صَيْدِ الحِيتانِ المَخْلُوقَةِ فِيهِ والمُسَخَّرَةِ لِحِيَلِ الصّائِدِينَ، وزِيدَ في الِامْتِنانِ أنَّ لَحْمَ صَيْدِهِ طَرِيٌّ.

و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ تَأْكُلُوا لَحْمًا طَرِيًّا صادِرًا مِنَ البَحْرِ.

والطَّرِيُّ: ضِدُّ اليابِسِ، والمَصْدَرُ: الطَّراوَةُ، وفِعْلُهُ: طَرُوَ، بِوَزْنِ خَشُنَ.

والحِلْيَةُ: ما يَتَحَلّى بِهِ النّاسُ، أيْ يَتَزَيَّنُونَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ [الرعد: ١٧]) في سُورَةِ الرَّعْدِ، وذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ؛ فاللُّؤْلُؤُ يُوجَدُ في بَعْضِ البِحارِ مِثْلِ الخَلِيجِ الفارِسِيِّ، والمَرْجانُ يُوجِدُ في جَمِيعِ البِحارِ، ويَكْثُرُ ويَقِلُّ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى اللُّؤْلُؤِ في سُورَةِ الحَجِّ، وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ، ويَأْتِي الكَلامُ عَلى المَرْجانِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ.

والِاسْتِخْراجُ: كَثْرَةُ الإخْراجِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ: اسْتَجابَ لِمَعْنى أجابَ.

واللُّبْسُ: جَعْلُ الثَّوْبِ والعِمامَةِ والمَصُوغِ عَلى الجَسَدِ، يُقالُ: لُبْسُ التّاجِ، ولُبْسُ الخاتَمِ، ولُبْسُ القَمِيصِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وإسْنادُ لِباسِ الحِلْيَةِ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ الذُّكُورِ تَغْلِيبٌ، وإلّا فَإنَّ غالِبَ الحِلْيَةِ يَلْبَسُها النِّساءُ عَدا الخَواتِيمِ وحِلْيَةِ السُّيُوفِ.

وجُمْلَةُ ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ مَعَ إمْكانِ العَطْفِ؛ لِقَصْدِ مُخالَفَةِ الأُسْلُوبِ لِلتَّعْجِيبِ مِن تَسْخِيرِ السَّيْرِ في البَحْرِ بِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ بِواسِطَةِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في التَّعْجِيبِ كَثِيرًا بِصِيَغٍ كَثِيرَةٍ نَحْوَ: ولَوْ تَرى، وأرَأيْتَ، وماذا تَرى، واجْتِلابُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ في أمْثالِهِ يُفِيدُ الحَثَّ عَلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، فَهَذا النَّظْمُ لِلْكَلامِ؛ لِإفادَةِ هَذا المَعْنى، ولَوْلاها لَكانَ الكَلامُ هَكَذا: (وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في فُلْكٍ مَواخِرَ) .

صفحة ١٢٠

وعَطْفُ (ولِتَبْتَغُوا) عَلى (تَسْتَخْرِجُوا) لِيَكُونَ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي نَشَأتْ عَنْ حِكْمَةِ تَسْخِيرِ البَحْرِ، ولَمْ يُجْعَلْ عِلَّةً لِمَخْرِ الفُلْكِ كَما جُعِلَ في سُورَةِ فاطِرٍ ﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ١٢]؛ لِأنَّ تِلْكَ لَمْ تُصَدَّرْ بِمِنَّةِ تَسْخِيرِ البَحْرِ بَلْ جاءَتْ في غَرَضٍ آخَرَ.

وأُعِيدَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾؛ لِأجْلِ البُعْدِ بِسَبَبِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ.

والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللَّهِ: التِّجارَةُ كَما عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَطْفُ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عَلى بَقِيَّةِ العِلَلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي سَخَّرَ …

15

وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَٰرًۭا وَسُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,

﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾

انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِما عَلى سَطْحِ الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي في وُجُودِها لُطْفٌ بِالإنْسانِ، وهَذِهِ المَخْلُوقاتُ لَمّا كانَتْ مَجْعُولَةً كالتَّكْمِلَةِ لِلْأرْضِ، ومَوْضُوعَةً عَلى ظاهِرِ سَطْحِها عَبَّرَ عَنْ خَلْقِها ووَضْعِها بِالإلْقاءِ الَّذِي هو رَمْيُ شَيْءٍ عَلى الأرْضِ، ولَعَلَّ خَلْقَها كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، إذْ لَعَلَّ الجِبالَ انْبَثَقَتْ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ كالزِّلْزالِ العَظِيمِ ثُمَّ حَدَثَتِ الأنْهارُ بِتَهاطُلِ الأمْطارِ، وأمّا السُّبُلُ والعَلاماتُ فَتَأخُّرُ وجُودِها ظاهِرٌ، فَصارَ خَلْقُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ شَبِيهًا بِإلْقاءِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بَعْدَ تَمامِهِ.

ولَعَلَّ أصْلَ تَكْوِينِ الجِبالِ كانَ مِن شَظايا رَمَتْ بِها الكَواكِبُ فَصادَفَتْ سَطْحَ الأرْضِ، كَما أنَّ الأمْطارَ تَهاطَلَتْ فَكَوَّنَتِ الأنْهارَ؛ فَيَكُونُ تَشْبِيهُ حُصُولِ

صفحة ١٢١

هَذَيْنِ بِالإلْقاءِ بَيِّنًا، وإطْلاقُهُ عَلى وضْعِ السُّبُلِ والعَلاماتِ تَغْلِيبٌ، ومِن إطْلاقِ الإلْقاءِ عَلى الإعْطاءِ ونَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] .

و(رَواسِيَ) جَمْعُ راسٍ، وهو وصْفٌ مِنَ الرَّسْوِ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ السِّينِ، ويُقالُ بِضَمِّ الرّاءِ والسِّينِ مُشَدَّدَةً وتَشْدِيدِ الواوِ، وهو الثَّباتُ والتَّمَكُّنُ في المَكانِ، قالَ تَعالى ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣] .

ويُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ (راسٍ) بِمَنزِلَةِ الوَصْفِ الغالِبِ، وجَمْعُهُ عَلى زِنَةِ فَواعِلَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وهو مِنَ النَّوادِرِ مِثْلُ عَواذِلَ وفَوارِسَ، وتَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلَيْهِ في أوَّلِ الرَّعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] تَعْلِيلٌ لِإلْقاءِ الرَّواسِي في الأرْضِ، والمَيْدُ: الِاضْطِرابُ، وضَمِيرُ (تَمِيدَ) عائِدٌ إلى الأرْضِ بِقَرِينَةِ قَرْنِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى بِكم؛ لِأنَّ المَيْدَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ عُلِمَ أنَّ المَجْرُورَ بِالباءِ هو الشَّيْءُ المُسْتَقِرُّ في الظَّرْفِ المائِدِ، والِاضْطِرابُ يُعَطِّلُ مَصالِحَ النّاسِ ويُلْحِقُ بِهِمْ آلامًا.

ولَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ امْتِنانٍ عُلِمَ أنَّ المُعَلَّلَ بِهِ هو انْتِفاءُ المَيْدِ لا وُقُوعُهُ، فالكَلامُ جارٍ عَلى حَذْفٍ تَقْتَضِيهِ القَرِينَةُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا

أرادَ أنْ لا تَشْتُمُونا، فالعِلَّةُ هي انْتِفاءُ الشَّتْمِ لا وُقُوعُهُ، ونُحاةُ الكُوفَةِ يُخَرِّجُونَ أمْثالَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ (أنْ)، والتَّقْدِيرُ: لِأنْ لا تَمِيدَ بِكم، ولِئَلّا تَشْتُمُونا، وهو الظّاهِرُ، ونُحاةُ البَصْرَةِ يُخَرِّجُونَ مِثْلَهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بَيْنَ الفِعْلِ المُعَلَّلِ و(أنْ)، تَقْدِيرُهُ: كَراهِيَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم.

وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ مَعْنًى غامِضٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ نُتُوءَ الجِبالِ عَلى سَطْحِ الأرْضِ مُعَدَّلًا لِكُرَوِيَّتِها بِحَيْثُ لا تَكُونُ بِحَدٍّ مِنَ المَلاسَةِ يُخَفِّفُ حَرَكَتَها في الفَضاءِ تَخْفِيفًا يُوجِبُ شِدَّةَ اضْطِرابِها.

صفحة ١٢٢

ونِعْمَةُ الأنْهارِ عَظِيمَةٌ، فَإنَّ مِنها شَرابَهم وسَقْيَ حَرْثِهِمْ، وفِيها تَجْرِي سُفُنُهم لِأسْفارِهِمْ.

ولِهَذِهِ المِنَّةِ الأخِيرَةِ عَطَفَ عَلَيْها (وسُبُلًا) جَمْعُ سَبِيلٍ، وهو الطَّرِيقُ الَّذِي يُسافَرُ فِيهِ بَرًّا.

وجُمْلَةُ …

16

وَعَلَٰمَٰتٍۢ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ

And landmarks. And by the stars they are [also] guided.

﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾

انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِما عَلى سَطْحِ الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي في وُجُودِها لُطْفٌ بِالإنْسانِ، وهَذِهِ المَخْلُوقاتُ لَمّا كانَتْ مَجْعُولَةً كالتَّكْمِلَةِ لِلْأرْضِ، ومَوْضُوعَةً عَلى ظاهِرِ سَطْحِها عَبَّرَ عَنْ خَلْقِها ووَضْعِها بِالإلْقاءِ الَّذِي هو رَمْيُ شَيْءٍ عَلى الأرْضِ، ولَعَلَّ خَلْقَها كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ خَلْقِ الأرْضِ، إذْ لَعَلَّ الجِبالَ انْبَثَقَتْ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ كالزِّلْزالِ العَظِيمِ ثُمَّ حَدَثَتِ الأنْهارُ بِتَهاطُلِ الأمْطارِ، وأمّا السُّبُلُ والعَلاماتُ فَتَأخُّرُ وجُودِها ظاهِرٌ، فَصارَ خَلْقُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ شَبِيهًا بِإلْقاءِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بَعْدَ تَمامِهِ.

ولَعَلَّ أصْلَ تَكْوِينِ الجِبالِ كانَ مِن شَظايا رَمَتْ بِها الكَواكِبُ فَصادَفَتْ سَطْحَ الأرْضِ، كَما أنَّ الأمْطارَ تَهاطَلَتْ فَكَوَّنَتِ الأنْهارَ؛ فَيَكُونُ تَشْبِيهُ حُصُولِ

صفحة ١٢١

هَذَيْنِ بِالإلْقاءِ بَيِّنًا، وإطْلاقُهُ عَلى وضْعِ السُّبُلِ والعَلاماتِ تَغْلِيبٌ، ومِن إطْلاقِ الإلْقاءِ عَلى الإعْطاءِ ونَحْوِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] .

و(رَواسِيَ) جَمْعُ راسٍ، وهو وصْفٌ مِنَ الرَّسْوِ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ السِّينِ، ويُقالُ بِضَمِّ الرّاءِ والسِّينِ مُشَدَّدَةً وتَشْدِيدِ الواوِ، وهو الثَّباتُ والتَّمَكُّنُ في المَكانِ، قالَ تَعالى ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣] .

ويُطْلَقُ عَلى الجَبَلِ (راسٍ) بِمَنزِلَةِ الوَصْفِ الغالِبِ، وجَمْعُهُ عَلى زِنَةِ فَواعِلَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وهو مِنَ النَّوادِرِ مِثْلُ عَواذِلَ وفَوارِسَ، وتَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلَيْهِ في أوَّلِ الرَّعْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠] تَعْلِيلٌ لِإلْقاءِ الرَّواسِي في الأرْضِ، والمَيْدُ: الِاضْطِرابُ، وضَمِيرُ (تَمِيدَ) عائِدٌ إلى الأرْضِ بِقَرِينَةِ قَرْنِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى بِكم؛ لِأنَّ المَيْدَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ عُلِمَ أنَّ المَجْرُورَ بِالباءِ هو الشَّيْءُ المُسْتَقِرُّ في الظَّرْفِ المائِدِ، والِاضْطِرابُ يُعَطِّلُ مَصالِحَ النّاسِ ويُلْحِقُ بِهِمْ آلامًا.

ولَمّا كانَ المَقامُ مَقامَ امْتِنانٍ عُلِمَ أنَّ المُعَلَّلَ بِهِ هو انْتِفاءُ المَيْدِ لا وُقُوعُهُ، فالكَلامُ جارٍ عَلى حَذْفٍ تَقْتَضِيهِ القَرِينَةُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا

أرادَ أنْ لا تَشْتُمُونا، فالعِلَّةُ هي انْتِفاءُ الشَّتْمِ لا وُقُوعُهُ، ونُحاةُ الكُوفَةِ يُخَرِّجُونَ أمْثالَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ (أنْ)، والتَّقْدِيرُ: لِأنْ لا تَمِيدَ بِكم، ولِئَلّا تَشْتُمُونا، وهو الظّاهِرُ، ونُحاةُ البَصْرَةِ يُخَرِّجُونَ مِثْلَهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بَيْنَ الفِعْلِ المُعَلَّلِ و(أنْ)، تَقْدِيرُهُ: كَراهِيَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم.

وهَذا المَعْنى الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ مَعْنًى غامِضٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ نُتُوءَ الجِبالِ عَلى سَطْحِ الأرْضِ مُعَدَّلًا لِكُرَوِيَّتِها بِحَيْثُ لا تَكُونُ بِحَدٍّ مِنَ المَلاسَةِ يُخَفِّفُ حَرَكَتَها في الفَضاءِ تَخْفِيفًا يُوجِبُ شِدَّةَ اضْطِرابِها.

صفحة ١٢٢

ونِعْمَةُ الأنْهارِ عَظِيمَةٌ، فَإنَّ مِنها شَرابَهم وسَقْيَ حَرْثِهِمْ، وفِيها تَجْرِي سُفُنُهم لِأسْفارِهِمْ.

ولِهَذِهِ المِنَّةِ الأخِيرَةِ عَطَفَ عَلَيْها (وسُبُلًا) جَمْعُ سَبِيلٍ، وهو الطَّرِيقُ الَّذِي يُسافَرُ فِيهِ بَرًّا.

وجُمْلَةُ …

17

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?

﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَعْدَ أنْ أُقِيمَتِ الدَّلائِلُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالخَلْقِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ٣] وثَبَتَتِ المِنَّةُ وحُقَّ الشُّكْرُ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ هاتانِ الجُمْلَتانِ لِتَكُونا كالنَّتِيجَتَيْنِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ إنْكارًا عَلى المُشْرِكِينَ، فالِاسْتِفْهامُ عَنِ المُساواةِ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَسْتَوِي مَن يَخْلُقُ بِمَن لا يَخْلُقُ، فالكافُ لِلْمُماثَلَةِ، وهي مَوْرِدُ الإنْكارِ حَيْثُ جَعَلُوا الأصْنامَ آلِهَةً شَرِيكَةً لِلَّهِ تَعالى، ومِن مَضْمُونِ الصِّلَتَيْنِ يُعْرَفُ أيُّ المَوْصُولَيْنِ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ فَيَظْهَرُ مَوْرِدُ الإنْكارِ.

وحِينَ كانَ المُرادُ بِمَن لا يَخْلُقُ الأصْنامَ كانَ إطْلاقُ (مَن) الغالِبَةُ في العاقِلِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ أفَمَن يَخْلُقُ.

وفُرِّعَ عَلى إنْكارِ التَّسْوِيَةِ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ التَّذَكُّرِ في انْتِفائِها، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلى انْتِفاءِ التَّذَكُّرِ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ، فَهو إنْكارٌ عَلى إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ التَّذَكُّرِ في ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وهي كالتَّكْمِلَةِ لَها؛ لِأنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الأدِلَّةُ مِن الِامْتِنانِ كَما تَقَدَّمَ، وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلِامْتِنانِ؛ لِأنَّ فِيها عُمُومًا يَشْمَلُ النِّعَمَ المَذْكُورَةَ وغَيْرَها.

وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى وفْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ عَدَّها العادُّونَ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ التَّنْبِيهُ إلى كَثْرَتِها بِمَعْرِفَةِ أُصُولِها، وما يَحْوِيها مِنَ العَوالِمِ.

صفحة ١٢٤

وفِي هَذا إيماءٌ إلى الِاسْتِكْثارِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى مُجْمَلِ النِّعَمِ، وتَعْرِيضٌ بِفَظاعَةِ كُفْرِ مَن كَفَرُوا بِهَذا المُنْعِمِ، وتَغْلِيظُ التَّهْدِيدِ لَهم، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ إبْراهِيمَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ عَقَّبَ بِهِ تَغْلِيظَ الكُفْرِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِن تَدارُكِ أمْرِهِمْ بِأنْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ، ويَتَأهَّبُوا لِلشُّكْرِ بِما يُطِيقُونَ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ الزَّواجِرِ بِالرَّغائِبِ؛ كَيْلا يَقْنَطَ المُسْرِفُونَ.

وقَدْ خُولِفَ بَيْنَ خِتامِ هَذِهِ الآيَةِ وخِتامِ آيَةِ سُورَةِ إبْراهِيمَ، إذْ وقَعَ هُنالِكَ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]؛ لِأنَّ تِلْكَ جاءَتْ في سِياقِ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] فَكانَ المُناسِبُ لَها تَسْجِيلَ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ جاءَتْ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ كَما كانَتِ النِّعَمُ المَعْدُودَةُ عَلَيْهِمْ مُنْتَفِعًا بِها كِلاهُما.

ثُمَّ كانَ مِنَ اللَّطائِفِ أنْ قُوبِلَ الوَصْفانِ اللَّذانِ في آيَةِ سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] بِوَصْفَيْنِ هُنا ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كانَتْ سَبَبًا لِظُلْمِ الإنْسانِ وكُفْرِهِ، وهي سَبَبٌ لِغُفْرانِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، والأمْرُ في ذَلِكَ …

18

وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if you should count the favors of Allah, you could not enumerate them. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بَعْدَ أنْ أُقِيمَتِ الدَّلائِلُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالخَلْقِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ٣] وثَبَتَتِ المِنَّةُ وحُقَّ الشُّكْرُ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ هاتانِ الجُمْلَتانِ لِتَكُونا كالنَّتِيجَتَيْنِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ إنْكارًا عَلى المُشْرِكِينَ، فالِاسْتِفْهامُ عَنِ المُساواةِ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَسْتَوِي مَن يَخْلُقُ بِمَن لا يَخْلُقُ، فالكافُ لِلْمُماثَلَةِ، وهي مَوْرِدُ الإنْكارِ حَيْثُ جَعَلُوا الأصْنامَ آلِهَةً شَرِيكَةً لِلَّهِ تَعالى، ومِن مَضْمُونِ الصِّلَتَيْنِ يُعْرَفُ أيُّ المَوْصُولَيْنِ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ فَيَظْهَرُ مَوْرِدُ الإنْكارِ.

وحِينَ كانَ المُرادُ بِمَن لا يَخْلُقُ الأصْنامَ كانَ إطْلاقُ (مَن) الغالِبَةُ في العاقِلِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ أفَمَن يَخْلُقُ.

وفُرِّعَ عَلى إنْكارِ التَّسْوِيَةِ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ التَّذَكُّرِ في انْتِفائِها، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلى انْتِفاءِ التَّذَكُّرِ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ، فَهو إنْكارٌ عَلى إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ التَّذَكُّرِ في ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، وهي كالتَّكْمِلَةِ لَها؛ لِأنَّها نَتِيجَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الأدِلَّةُ مِن الِامْتِنانِ كَما تَقَدَّمَ، وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلِامْتِنانِ؛ لِأنَّ فِيها عُمُومًا يَشْمَلُ النِّعَمَ المَذْكُورَةَ وغَيْرَها.

وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى وفْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ عَدَّها العادُّونَ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ التَّنْبِيهُ إلى كَثْرَتِها بِمَعْرِفَةِ أُصُولِها، وما يَحْوِيها مِنَ العَوالِمِ.

صفحة ١٢٤

وفِي هَذا إيماءٌ إلى الِاسْتِكْثارِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى مُجْمَلِ النِّعَمِ، وتَعْرِيضٌ بِفَظاعَةِ كُفْرِ مَن كَفَرُوا بِهَذا المُنْعِمِ، وتَغْلِيظُ التَّهْدِيدِ لَهم، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ إبْراهِيمَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ عَقَّبَ بِهِ تَغْلِيظَ الكُفْرِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِن تَدارُكِ أمْرِهِمْ بِأنْ يُقْلِعُوا عَنِ الشِّرْكِ، ويَتَأهَّبُوا لِلشُّكْرِ بِما يُطِيقُونَ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ الزَّواجِرِ بِالرَّغائِبِ؛ كَيْلا يَقْنَطَ المُسْرِفُونَ.

وقَدْ خُولِفَ بَيْنَ خِتامِ هَذِهِ الآيَةِ وخِتامِ آيَةِ سُورَةِ إبْراهِيمَ، إذْ وقَعَ هُنالِكَ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]؛ لِأنَّ تِلْكَ جاءَتْ في سِياقِ وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] فَكانَ المُناسِبُ لَها تَسْجِيلَ ظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ جاءَتْ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ كَما كانَتِ النِّعَمُ المَعْدُودَةُ عَلَيْهِمْ مُنْتَفِعًا بِها كِلاهُما.

ثُمَّ كانَ مِنَ اللَّطائِفِ أنْ قُوبِلَ الوَصْفانِ اللَّذانِ في آيَةِ سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] بِوَصْفَيْنِ هُنا ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ كانَتْ سَبَبًا لِظُلْمِ الإنْسانِ وكُفْرِهِ، وهي سَبَبٌ لِغُفْرانِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، والأمْرُ في ذَلِكَ …

19

وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

And Allah knows what you conceal and what you declare.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، فَبَعْدَ أنْ أثْبَتَ أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِصِفَةِ الخَلْقِ دُونَ غَيْرِهِ بِالأدِلَّةِ العَدِيدَةِ ثُمَّ بِاسْتِنْساخِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] انْتَقَلَ هُنا إلى إثْباتِ أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِعُمُومِ العِلْمِ.

ولَمْ يُقَدَّمْ لِهَذا الخَبَرِ اسْتِدْلالٌ ولا عُقِّبَ بِالدَّلِيلِ؛ لِأنَّهُ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةُ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ؛ لِأنَّ خالِقَ أجْزاءِ الإنْسانِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ يَجِبُ لَهُ أنْ

صفحة ١٢٥

يَكُونُ عالِمًا بِدَقائِقِ حَرَكاتِ تِلْكَ الأجْزاءِ وهي بَيْنَ ظاهِرٍ وخَفِيٍّ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ .

والمُخاطَبُ هُنا هُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى أفَلا تَذَكَّرُونَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِأنَّ اللَّهَ مُحاسِبُهم عَلى كُفْرِهِمْ.

وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ أصْنامَهم بِخِلافِ ذَلِكَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَإنَّهُ يُفِيدُ القَصْرَ لِرَدِّ دَعْوى الشَّرِكَةِ.

وقَرَأ حَفْصٌ (ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ) بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، وهو التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، وعَلى قِراءَتِهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ أظْهَرُ في التَّهْدِيدِ مِنها في قَصْدِ التَّعْلِيمِ.

20

وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

And those they invoke other than Allah create nothing, and they [themselves] are created.

﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ [النحل: ١٩] .

وماصَدَقُ (الَّذِينَ) الأصْنامُ، وظاهِرٌ أنَّ الخِطابَ هُنا مُتَمَحِّضٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وهم بَعْضُ المُخاطَبِينَ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ التَّصْرِيحُ بِما اسْتُفِيدَ ضِمْنًا مِمّا قَبْلَها، وهو نَفْيُ الخالِقِيَّةِ، ونَفْيُ العِلْمِ عَنِ الأصْنامِ.

فالخَبَرُ الأوَّلُ وهو جُمْلَةُ ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ اسْتُفِيدَ مِن جُمْلَةِ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، وعَطْفُ ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ ارْتِقاءٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِها.

والخَبَرُ الثّانِي وهو جُمْلَةُ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ تَصْرِيحٌ بِما اسْتُفِيدَ مِن جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩] بِطَرِيقَةِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ مَلْزُومِهِ.

صفحة ١٢٦

وهِيَ طَرِيقَةُ الكِنايَةِ الَّتِي هي كَذِكْرِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ، فَنَفْيُ الحَياةِ عَنِ الأصْنامِ في قَوْلِهِ غَيْرُ أحْياءٍ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ العِلْمِ عَنْها؛ لِأنَّ الحَياةَ شَرْطٌ في قَبُولِ العِلْمِ، ولِأنَّ نَفْيَ أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ما هو مِن أحْوالِهِمْ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ أنْ يَعْلَمُوا أحْوالَ غَيْرِهِمْ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو غَيْرُ إلَهٍ.

وأُسْنِدَ يَخْلُقُونَ إلى النّائِبِ لِظُهُورِ الفاعِلِ مِنَ المَقامِ، أيْ (وهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى)؛ فَإنَّهم مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي هي مِن خَلْقِ اللَّهِ، ولا يُخْرِجُها نَحْتُ البَشَرِ إيّاها عَلى صُوَرٍ وأشْكالٍ عَنْ كَوْنِ الأصْلِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .

وجُمْلَةُ غَيْرُ أحْياءٍ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (أمْواتٌ)، لِلدَّلالَةِ عَلى عَراقَةِ وصْفِ المَوْتِ فِيهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ حَياةٍ؛ لِأنَّهم حِجارَةٌ.

ووُصِفَتِ الحِجارَةُ بِالمَوْتِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المَوْتِ عَدَمَ الحَياةِ، ولا يُشْتَرَطُ في الوَصْفِ بِأسْماءِ الإعْدامِ قَبُولُ المَوْصُوفاتِ بِها لِمَلَكاتِها، كَما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الحُكَماءُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اصْطِلاحٌ مَنطِقِيٌّ دَعا إلَيْهِ تَنْظِيمُ أُصُولِ المُحاجَّةِ.

وقَرَأ عاصِمٌ ويَعْقُوبُ (يَدْعُونَ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وفِيها زِيادَةُ تَبْيِينٍ لِصَرْفِ الخِطابِ إلى المُشْرِكِينَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ إدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ عَقِبَ الكَلامِ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ هَذَيْنِ هُما أصْلُ إبْطالِ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ، وتَمْهِيدٌ لِوَجْهِ التَّلازُمِ بَيْنَ إنْكارِ البَعْثِ وبَيْنَ إنْكارِ التَّوْحِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، ولِذَلِكَ فالظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَيْ (يَشْعُرُونَ) و(يُبْعَثُونَ) عائِدانِ إلى الكُفّارِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وعَلى تَناسُقِ الضَّمائِرِ في قِراءَةِ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ.

والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ شُعُورِهِمْ بِالبَعْثِ تَهْدِيدُهم بِأنَّ البَعْثَ الَّذِي أنْكَرُوهُ واقِعٌ، وأنَّهم لا يَدْرُونَ مَتّى يَبْغَتُهم، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .

صفحة ١٢٧ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.