Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 128

91

وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ

And fulfill the covenant of Allah when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allah, over you, a witness. Indeed, Allah knows what you do.

ولَمّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الجُمَلُ؛ الَّتِي جَمَعَتْ - بِجَمْعِها لِلْمَأْمُوراتِ؛ والمَنهِيّاتِ -؛ ما تَضِيقُ عَنْهُ الدَّفاتِرُ والصُّدُورُ؛ وشَهِدَ لَها المُعانِدُونَ مِن بُلَغاءِ العَرَبِ أنَّها بَلَغَتْ قامُوسَ البَحْرِ؛ وتَعالَتْ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ؛ عَطَفَ عَلى ما أفْهَمَهُ السِّياقُ - مِن نَحْوِ: ”فَتَذَكَّرُوا“؛ أوْ ”فالزَمُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ ونابِذُوا ما نُهِيتُمْ عَنْهُ“ - بَعْضَ ما أجْمَلَتْهُ؛ وبَدَأ بِما هو مَعَ جَمْعِهِ أهَمُّ؛ وهو الوَفاءُ بِالعَهْدِ؛ الَّذِي يَفْهَمُ مِنهُ العُلَماءُ بِاللَّهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ مِنَ الحُجَجِ القاطِعَةِ بِالتَّوْحِيدِ؛ وصِدْقِ الرُّسُلِ؛ ووُجُوبِ اتِّباعِهِمْ؛ فَكانَتْ أعْظَمَ العُهُودِ؛ ويَفْهَمُ مِنهُ غَيْرُهم ما يَتَعارَفُونَهُ مِمّا يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ المَواثِيقِ؛ فَإذا سارُوا فِيها بِما أمَرَ - سُبْحانَهُ - وتَحَرَّوْا رِضاهُ؛ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ العَدْلُ؛ قادَهم ذَلِكَ إلى رُتْبَةِ الأوَّلِينَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأوْفُوا﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا الوَفاءَ؛ الَّذِي لا وفاءَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي عاهَدَكم عَلَيْهِ بِأدِلَّةِ العَقْلِ؛ والنَّقْلِ؛ مِنَ التَّوْحِيدِ؛ وغَيْرِهِ مِن أُصُولِ الدِّينِ؛ وفُرُوعِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾؛ بِتَقَبُّلِكم لَهُ؛ بِإذْعانِكم لِأمْثالِهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ فِيما عُرِفَ مِن عَوائِدِكُمْ؛ وصَرَّحْتُمْ بِهِ عِنْدَ شَدائِدِكُمْ؛ ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو مِن جِنْسِهِ؛ وأخَصُّ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾؛ واحْتَرَزَ عَنْ لَغْوِ اليَمِينِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾؛ وحَذَفَ الجارَّ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو اسْتِغْراقُ زَمانِ البُعْدِ بِالنَّقْضِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالكَذِبِ الشّامِلِ لَهُ كُلِّهِ؛ بَعْضُهُ بِالقُوَّةِ؛ وبَعْضُهُ بِالفِعْلِ؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَ إشارَةً إلى أنَّ المَذْمُومَ اسْتِهانَتُها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى كَفّارَةٍ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ ولَوْ في واحِدَةٍ؛ كانَ فاعِلًا ذَلِكَ في الجَمِيعِ؛ بِخِلافِ مَن يَنْقُضُ ما نَقَضَهُ - خَيْرٌ - بِالكَفّارَةِ؛ فَإنَّهُ ناقِضٌ لِلْبَعْضِ لا لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُ دائِرٌ مَعَ الخَيْرِ؛ والأوَّلُ دائِرٌ مَعَ الهَوى؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مِنَ النَّقْضِ بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ قادِرٌ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُقَبِّحًا حالَهم إذْ ذاكَ -: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿عَلَيْكم كَفِيلا﴾؛ أيْ: شاهِدًا ورَقِيبًا.

ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرَّقِيبِ حِفْظُ أحْوالِ مَن يُراقِبُهُ؛ قالَ (تَعالى) - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾؛ فَلَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ فَكانَتْ كَفالَتُهُ مَجْعُولَةً بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالجَعْلِ؛ فَمَتى نَقَضْتُمْ فَعَلَ بِكم فِعْلَ الكَفِيلِ القادِرِ؛ بِالمَكْفُولِ المُماطِلِ؛ مِن أخْذِ الحَقِّ؛ والعُقُوبَةِ.

92

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثًۭا تَتَّخِذُونَ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community. Allah only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.

ولَمّا أمَرَ بِالوَفاءِ؛ ونَهى عَنِ النَّقْضِ؛ شَرَعَ في تَأْكِيدِ وُجُوبِ الوَفاءِ؛ وتَحْرِيمِ النَّقْضِ؛ وتَقْبِيحِهِ؛ تَنْفِيرًا مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَكُونُوا﴾؛ أيْ: في نَقْضِكم لِهَذا الأمْرِ المَعْنَوِيِّ؛ ﴿كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾؛ ولَمّا كانَ النَّقْضُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾؛ عَظِيمَةٍ حَصَلَتْ لَهُ؛ ﴿أنْكاثًا﴾؛ أيْ: أنْقاضًا؛ جَمْعُ ”نِكْثٌ“؛ وهو كُلُّ شَيْءٍ نُقِضَ بَعْدَ الفَتْلِ؛ سَواءٌ كانَ حَبْلًا أوْ غَزْلًا؛ فَهو مَصْدَرٌ مَجْمُوعٌ مِن ”نَقَضَتْ“؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: ”نَكَثَتْ“؛ قالَ في القامُوسِ: ”النِّكْثُ“؛ بِالكَسْرِ: أنْ تُنْقَضَ أخْلاقُ الأكْسِيَةِ لِتُغْزَلَ ثانِيَةً؛ فَيَكُونُ مِثْلَ ”جَلَسْتُ قُعُودًا“؛ أيْ: فَتَكُونُوا بِفِعْلِكم ذَلِكَ كَهَذِهِ المَرْأةِ الَّتِي ضَرَبْتُمُ المَثَلَ بِها في الخَرْقِ؛ مَعَ ادِّعائِكم أنَّهُ يُضْرَبُ بِأدْناكُمُ المَثَلُ في العَقْلِ؛ ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ما يُعَرِّفُ أنَّهم أسَفُهُ مِن تِلْكَ المَرْأةِ؛ بِسَبَبِ أنَّ ضَرَرَها لا يَتَعَدّاها؛ وأمّا الضَّرَرُ بِفِعْلِهِمْ فَإنَّهُ مُفْسِدٌ لِذاتِ البَيْنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ أيْ: بِتَكْلِيفِ الفِطْرَةِ الأُولى ضِدَّ ما تَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الوَفاءِ؛ ﴿أيْمانَكم دَخَلا﴾؛ أيْ: فَيَضْمَحِلُّ كَوْنُها أيْمانًا؛ إلى كَوْنِها ذَرِيعَةً إلى الفَسادِ؛ بِالخِداعِ؛ والغُرُورِ؛ ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ مِن حَيْثُ إنَّ المَحْلُوفَ لَهُ يَطْمَئِنُّ؛ فَيَفْجَأُهُ الضَّرَرُ؛ ولَوْ كانَ عَلى حَذَرٍ لَما نِيلَ مِنهُ؛ ولا جُسِرَ عَلَيْهِ؛ وكُلُّ ما أُدْخِلَ في الشَّيْءِ عَلى فَسادٍ فَهو دَخَلٌ؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنْ ﴿تَكُونَ أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: وهي الخادِعَةُ؛ أوِ المَخْدُوعَةُ؛ لِأجْلِ سَلامَتِها؛ ﴿هِيَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿أرْبى﴾؛ أيْ: أزْيَدَ؛ وأعْلى؛ ﴿مِن أُمَّةٍ﴾؛ في القُوَّةِ؛ أوِ العَدَدِ؛ فَإذا وجَدَتْ نَفادًا لِزِيادَتِها غَدَرَتْ.

ولَمّا عَظَّمَ عَلَيْهِمُ النَّقْضَ؛ وبَيَّنَ أنَّ مِن أسْبابِهِ الزِّيادَةَ؛ حَذَّرَهم غَوائِلَ البَطَرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ﴾؛ أيْ: يَخْتَبِرُكُمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِالأيْمانِ؛ والزِّيادَةِ؛ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ تَمَسُّكُكم بِالوَفاءِ؛ أوِ انْخِلاعُكم مِنهُ؛ اعْتِمادًا عَلى كَثْرَةِ أنْصارِكُمْ؛ وقِلَّةِ أنْصارِ مَن نَقَضْتُمْ عَهْدَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما يُرِيدُ؛ فَيُوشِكُ أنْ يُعاقِبَ بِالمُخالَفَةِ؛ فَيُضْعِفَ القَوِيَّ؛ ويُقَلِّلَ الكَثِيرَ؛ ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: إذا تَجَلّى لِفَصْلِ القَضاءِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ مَعَ هَذا كُلِّهِ؛ ﴿ما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِكُمْ؛ ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾؛ فاحْذَرُوا يَوْمَ العَرْضِ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؛ بِحَضْرَةِ الرُّؤَساءِ؛ والمُلُوكِ؛ وجَمِيعِ المَعْبُوداتِ؛ والكُلُّ بِحَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ داخِرُونَ؛ ولَدَيْهِ صاغِرُونَ؛ ومَن نُوقِشَ الحِسابَ يَهْلِكُ.

93

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَلَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And if Allah had willed, He could have made you [of] one religion, but He causes to stray whom He wills and guides whom He wills. And you will surely be questioned about what you used to do.

ولَمّا أمَرَ ونَهى؛ وخَوَّفَ مِنَ العَذابِ في القِيامَةِ؛ وكانَ رُبَّما ظَنَّ مَن لا عِلْمَ لَهُ - وهُمُ الأكْثَرُ - مِن كَثْرَةِ التَّصْرِيحِ بِالحِوالَةِ عَلى القِيامَةِ نَقْصَ القُدْرَةِ في هَذِهِ الدّارِ؛ صَرَّحَ بِنَفْيِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ أنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً لا خِلافَ بَيْنَكم في أُصُولِ الدِّينِ؛ ولا فُرُوعِهِ؛ ﴿لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾؛ مُتَّفِقَةً عَلى أمْرٍ واحِدٍ؛ لا تَؤُمُّ غَيْرَهُ؛ مَنفِيًّا عَنْها أسْبابُ الخِلافِ؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ؛ وشاءَ اخْتِلافَكُمْ؛ فَهو ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾؛ عَدْلًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ تامُّ المُلْكِ؛ عامُّ المِلْكِ؛ ولَوْ كانَ الَّذِي أضَلَّهُ عَلى أحْسَنِ الحالاتِ؛ ﴿ويَهْدِي﴾؛ بِفَضْلِهِ؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ ولَوْ كانَ عَلى أخَسِّ الأحْوالِ؛ فَبِذَلِكَ يَكُونُونَ مُخْتَلِفِينَ في المَقاصِدِ؛ يَؤُمُّ هَذا غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ هَذا؛ فَيَأْتِي الخِلافُ؛ مَعَ تَأْدِيَةِ العَقْلِ إلى أنَّ الِاجْتِماعَ خَيْرٌ مِنَ الِافْتِراقِ؛ فالِاخْتِلافُ؛ مَعَ هَذا؛ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ.

ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا أنَّ الكُلَّ فِعْلُهُ وحْدَهُ؛ فَلا فِعْلَ لِغَيْرِهِ أصْلًا؛ كانَ رُبَّما أُوقِعَ في الوَهْمِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ في شَيْءٍ يَفْعَلُهُ؛ بَيَّنَ أنَّ السُّؤالَ يَكُونُ عَنِ المُباشَرَةِ ظاهِرًا عَلى ما يَتَعارَفُ النّاسُ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى مَن ظَهَرَ اكْتِسابُهُ لَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ فَضْلًا عَمّا يَنْشَأُ عَنْهُ -: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ وإنْ دَقَّ؛ فَيُجازِي كُلًّا مِنكم عَلى عَمَلِهِ؛ وإنْ كانَ غَنِيًّا عَنِ السُّؤالِ؛ فَهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

94

وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ دَخَلًۢا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌۢ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا۟ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allah, and you would have [in the Hereafter] a great punishment.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الكَذِبَ؛ وما جَرَّ إلَيْهِ؛ أقْبَحُ القَبائِحِ؛ وأبْعَدُ الأشْياءِ عَنِ المَكارِمِ؛ وكانَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الخِلافِ؛ فَكانَ أمْرُهُ جَدِيرًا بِالتَّأْكِيدِ؛ أعادَ الزَّجْرَ عَنْهُ؛ بِأبْلَغَ مِمّا مَضى؛ بِصَرِيحِ النَّهْيِ؛ مُرَهِّبًا مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالِافْتِعالِ؛ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُفْعَلُ إلّا بِعِلاجٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ يَشْتَدُّ نِفارُها مِنهُ -: ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا﴾؛ أيْ: فَسادًا؛ ومَكْرًا؛ وداءً؛ وخَدِيعَةً؛ ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: في داخِلِ عُقُولِكُمْ؛ وأجْسامِكُمْ؛ ﴿فَتَزِلَّ﴾؛ أيْ: فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ تَزِلَّ ﴿قَدَمٌ﴾؛ هي في غايَةِ العَظَمَةِ؛ بِسَبَبِ الثَّباتِ؛ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾؛ عَنْ مَرْكَزِها الَّذِي كانَتْ بِهِ؛ مِن دِينٍ؛ أوْ دُنْيا؛ فَلا يَصِيرَ لَها قَرارٌ؛ فَتَسْقُطَ عَنْ مَرْتَبَتِها؛ وزَلَلُ القَدَمِ تَقَوَّلَهُ العَرَبُ لِكُلِّ ساقِطٍ في ورْطَةٍ بَعْدَ سَلامَةٍ؛ ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾؛ مَعَ تِلْكَ الزَّلَّةِ؛ ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾؛ أيْ: أنْفُسَكُمْ؛ ومَنَعْتُمْ غَيْرَكم بِأيْمانِكُمُ الَّتِي أرَدْتُمْ بِها الإفْسادَ؛ لِإخْفاءِ الحَقِّ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ يَتَجَدَّدُ لَكم هَذا الفِعْلُ؛ ما دُمْتُمْ عَلى هَذا الوَصْفِ؛ ﴿ولَكُمْ﴾؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ ثابِتٌ؛ غَيْرُ مُنْفَكٍّ؛ إذا مُتُّمْ عَلى ذَلِكَ.

95

وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not exchange the covenant of Allah for a small price. Indeed, what is with Allah is best for you, if only you could know.

ولَمّا كانَ هَذا خاصًّا بِالأيْمانِ؛ أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ الخِيانَةِ في عُمُومِ العَهْدِ تَأْكِيدًا بَعْدَ تَأْكِيدٍ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ النَّقْضِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَشْتَرُوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم لِجاجًا؛ وتَرْكًا لِلنَّظَرِ في العَواقِبِ أنْ تَأْخُذُوا؛ وتَسْتَبْدِلُوا؛ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ أيْ: مِن حُطامِ الدُّنْيا؛ وإنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَهُ كَثِيرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ قِلَّتَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مِن ثَوابِ الدّارَيْنِ؛ ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ ولا يَعْدِلُ عَنِ الخَيْرِ إلى ما دُونَهُ إلّا لَجُوجٌ ناقِصُ العَقْلِ؛ ثُمَّ شَرَطَ عِلْمَ خَيْرِيَّتِهِ بِكَوْنِهِمْ مِن ذَوِي العِلْمِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِكُمْ؛ ﴿تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: مِمَّنْ يَتَجَدَّدُ لَهُ عِلْمٌ؛ ولَمْ تَكُونُوا في عِدادِ البَهائِمِ؛ فَصارَ العَهْدُ الشّامِلُ لِلْأيْمانِ مَبْدُوءًا في هَذِهِ الآياتِ بِالأمْرِ بِالوَفاءِ بِهِ؛ ومَخْتُومًا بِالنَّهْيِ عَنْ نَقْضِهِ؛ والأيْمانُ الَّتِي هي أخَصُّ مِنهُ وسَطٌ بَيْنَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ؛ فَصارَ الحَثُّ عَلَيْها عَلى غايَةٍ مِنَ التَّأْكِيدِ عَظِيمَةٍ؛ ورُتْبَةٍ مِنَ التَّوْثِيقِ جَلِيلَةٍ؛

96

مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍۢ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Whatever you have will end, but what Allah has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.

ثُمَّ بَيَّنَ خَيْرِيَّتَهُ؛ وكَثْرَتَهُ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ -: ﴿ما عِنْدَكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أعْراضِ الدُّنْيا؛ وهو الَّذِي تَتَعاطَوْنَهُ بِطِباعِكُمْ؛ ﴿يَنْفَدُ﴾؛ أيْ: يَفْنى؛ فَصاحِبُهُ مُنَغَّصُ العَيْشِ؛ أشَدَّ ما يَكُونُ بِهِ؛ اغْتِباطًا بِانْقِطاعِهِ؛ أوْ بِتَجْوِيزِ انْقِطاعِهِ؛ إنْ كانَ في عِدادِ مَن يَعْلَمُ؛ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مِنَ الثَّوابِ؛ ﴿باقٍ﴾؛ فَلَيُؤْتِيَنَّكم مِنهُ إنْ ثَبَتُّمْ عَلى عَهْدِهِ؛ ثُمَّ لَوَّحَ بِما في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ؛ عَطْفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ -: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ﴾؛ أيْ: ”اللَّهُ“ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالياءِ - و”نَحْنُ“ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وعاصِمٍ؛ بِالنُّونِ؛ التِفاتًا إلى التَّكَلُّمِ؛ لِلتَّعْظِيمِ -؛ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾؛ عَلى الوَفاءِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ ﴿أجْرَهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ كُرَماءُ المُلُوكِ يُوَفُّونَ الأُجُورَ بِحَسَبِ الأعْمالِ؛ مِنَ الأحْسَنِ؛ وما دُونَهُ؛ أخْبَرَ بِأنَّهُ يَعْمَدُ إلى الأحْسَنِ؛ فَيَرْفَعُ الكُلَّ إلَيْهِ؛ ويُسَوِّي الأدْوَنَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَهُمْ؛ ﴿يَعْمَلُونَ﴾

97

مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.

ولَمّا وعَدَ؛ بَعْدَ أنْ تَوَعَّدَ؛ أتْبَعَهُ ما يُبَيِّنُ أنَّ ذَلِكَ لا يَخُصُّ شَرِيفًا ولا وضِيعًا؛ وإنَّما هو دائِرٌ مَعَ الوَصْفِ الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ فِيما مَضى؛ بِالعَدْلِ تارَةً؛ وبِالعَهْدِ أُخْرى؛ وهو الإيمانُ؛ فَقالَ (تَعالى) - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا خاصٌّ بِأحَدٍ دُونَ أحَدٍ؛ مُرَغِّبًا في عُمُومِ شَرائِعِ الإسْلامِ -: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾؛ ولَمّا كانَتْ عامَّةً؛ وكانَتْ رُبَّما خَصَّتِ الذُّكُورَ؛ بَيَّنَ المُرادَ مِن عُمُومِها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾؛ فَعَمَّمَ؛ ثُمَّ قَيَّدَ؛ مُشِيرًا بِالإفْرادِ إلى قِلَّةِ الرّاسِخِينَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾

ولَمّا كانَ الإنْسانُ كُلَّما عَلا في دَرَجِ الإيمانِ؛ كانَ جَدِيرًا بِالبَلاءِ؛ والِامْتِحانِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي سَعادَتَهُ؛ ولِذَلِكَ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾؛ دَفْعًا لِما يَتَوَهَّمُهُ المُسْتَدْرِجُونَ بِما يُعَجِّلُ لَهم طَيِّباتِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ ﴿حَياةً طَيِّبَةً﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ بِما نُؤْتِيهِ مِن ثَباتِ القَدَمِ؛ وطَهارَةِ الشِّيَمِ؛ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ ﴿أجْرَهُمْ﴾؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ ﴿يَعْمَلُونَ﴾؛ قالَ العُلَماءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: المُطِيعُ في عِيشَةٍ هَنِيئَةٍ؛ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا كَلامَ فِيهِ؛ وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَبِالقَناعَةِ؛ والرِّضا؛ بِحُكْمِ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ؛ والفاجِرُ بِالعَكْسِ؛ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَواضِحٌ؛ وإنْ كانَ مُوسِرًا فَحِرْصُهُ لا يَدَعُهُ يَتَهَنَّأُ؛ فَهو لا يَزالُ في عِيشَةٍ ضَنْكٍ.

98

فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ

So when you recite the Qur'an, [first] seek refuge in Allah from Satan, the expelled [from His mercy].

ولَمّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الأحْكامُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الجَلِيلَةِ؛ وأشارَتْ بِحُسْنِ ألْفاظِها؛ وشَرَفِ سِياقِها إلى أغْراضٍ هِيَ؛ مَعَ جَلالَتِها؛ غامِضَةٌ دَقِيقَةٌ؛ فَلاحَ بِذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ في حَقِّ مَن سَلِمَ مِن غَوائِلِ الهَوى؛ وحَبائِلِ الشَّيْطانِ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالحَثِّ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ وكانَ القُرْآنُ؛ تِلاوَةً وتَفَكُّرًا؛ وعَمَلًا بِما ضُمِّنَ؛ أجَلَّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ بِأنَّهُ إذا قُرِئَ هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلى مِثْلِ تِلْكَ الأسالِيبِ الفائِقَةِ؛ يُسْتَعاذُ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِئَلّا يَحُولَ بِوَساوِسِهِ بَيْنَ القارِئِ؛ وبَيْنَ مِثْلِ تِلْكَ الأغْراضِ؛ والعَمَلِ بِها؛ وحاصِلُهُ الحَثُّ عَلى التَّدَبُّرِ؛ وصَرْفِ جَمِيعِ الفِكْرِ إلى التَّفَهُّمِ؛ والِالتِجاءِ إلَيْهِ (تَعالى)؛ في كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ؛ لِئَلّا يُفْسِدَهُ الشَّيْطانُ بِوَساوِسِهِ؛ أوْ يَحُولَ بَيْنَ الفَهْمِ؛ وبَيْنَهُ؛ بَيانًا لِقَدْرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ وحَثًّا عَلى الإخْلاصِ فِيها؛ وتَشْمِيرِ الذَّيْلِ عِنْدَ قَصْدِها؛ لا سِيَّما أفْعالَ القُلُوبِ؛ الَّتِي هي أغْلَبُ ما تَقَدَّمَ هُنا؛ فَقالَ (تَعالى) - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ خَلْقِهِ؛ لِيَفْهَمَ غَيْرُهُ مِن بابِ الأوْلى؛ فَيَكُونَ أبْلَغَ في حَثِّهِ؛ وأدْعى إلى اتِّباعِهِ -: ﴿فَإذا قَرَأْتَ﴾؛ أيْ: أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ؛ مِثْلَ: ”وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا“؛ ﴿القُرْآنَ﴾؛ الَّذِي هو قِوامُ العَمَلِ الصّالِحِ؛ والدّاعِي إلَيْهِ؛ والحاثُّ عَلَيْهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ يَشْمَلُ القَلِيلَ مِنهُ؛ والكَثِيرَ؛ ﴿فاسْتَعِذْ﴾؛ أيْ: إنْ شِئْتَ جَهْرًا؛ وإنْ شِئْتَ سِرًّا؛ قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ: والإسْرارُ أوْلى في الصَّلاةِ؛ وفي قَوْلٍ: يَجْهَرُ كَما يَفْعَلُ خارِجَ الصَّلاةِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: سَلِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ أنْ يُعِيذَكَ؛ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقِ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿الرَّجِيمِ﴾؛ أيْ: المَطْرُودِ عَنِ الرَّحْمَةِ؛ مِن أنْ يَصُدَّكَ بِوَساوِسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ؛ فَإنَّهُ لا عائِقَ عَنِ الإذْعانِ؛ لِأسالِيبِهِ الحِسانِ؛ إلّا خِذْلانُ الرَّحْمَنِ؛ بِوَساوِسِ الشَّيْطانِ؛ فَقُلْ: ”أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ“؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ لِلْقُرْآنِ؛ وقَدْ ورَدَ بِهِ بَعْضُ الأخْبارِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا؛ وهو المَشْهُورُ؛ ونَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ والصّارِفُ لِهَذا الأمْرِ عَنِ الوُجُوبِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ؛ فِيها القِراءَةُ بِدُونِ ذِكْرِ تَعَوُّذٍ؛ كَحَدِيثِ البُخارِيِّ؛ وغَيْرِهِ؛ «عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: ”ما مَنَعَكَ أنْ تُجِيبَنِي؟“؛ قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي؛ قالَ: ”ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]“؛ ثُمَّ قالَ: ”لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ سُورَةٍ في القُرْآنِ؛ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]»“؛ وفي رِوايَةِ المُوَطَّإ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - نادى أُبَيًّا؛ وأنَّهُ قالَ: ”كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ؟“؛ قالَ أُبَيٌّ: فَقَرَأْتُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]؛ حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها».

ومَن طالَعَ كِتابِي ”مَصاعِدُ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّورِ“؛ رَأى مِثْلَ هَذا أحادِيثَ كَثِيرَةً …

99

إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما هو أوْهَمَ تَعْظِيمَهُ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ لَهُ سُلْطانٌ؟ -: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾؛ أيْ: بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ لَهُمْ؛ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ في الأذْهانِ أنَّهُ لا نَجاةَ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ سُلِّطَ عَلَيْنا بِأنَّهُ يَرانا مِن حَيْثُ لا نَراهُ؛ ويَجْرِي فِينا مُجْرى الدَّمِ؛ وكانَتْ فائِدَةُ الِاسْتِعاذَةِ الإعاذَةَ؛ أُشِيرَ إلى حُصُولِها؛ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ -: ”إنَّهُ“؛ أيْ: اسْتَعِذْ بِاللَّهِ يُعِذْكَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ؛ لِيَرُدَّهم كُلَّهم عَمّا يُرْضِي اللَّهَ؛ وعَلى رَبِّهِمْ وحْدَهُ يَتَوَكَّلُونَ؛

100

إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ

His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allah.

ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ما أفْهَمَهُ مِن أنْ لَهُ سُلْطانًا عَلى غَيْرِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما سُلْطانُهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ غايَةَ التَّمَكُّنِ؛ بِإمْكانِ اللَّهِ لَهُ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾؛ أيْ: تَوَلَّوْهُ؛ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ بِتَجْدِيدِ وِلايَتِهِ كُلَّ حِينٍ؛ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِالشَّيْطانِ؛ ﴿مُشْرِكُونَ﴾؛ دائِمًا؛ لِأنَّهم إذا تَبِعُوا وساوِسَهُ؛ وأطاعُوا أوامِرَهُ؛ فَقَدْ عَبَدُوهُ؛ فَجَعَلُوهُ بِذَلِكَ شَرِيكًا؛ فَهم لا يَتَأمَّلُونَ دَقائِقَ القُرْآنِ؛ بَلْ ولا يَفْهَمُونَ ظَواهِرَهُ؛ عَلى ما هي عَلَيْهِ؛ لِما أعْماهم بِهِ الشَّيْطانُ مِن وساوِسِهِ؛ وحَبَسَهم بِهِ عَنْ هَذِهِ الأسالِيبِ مِن مَحابِسِهِ؛ فَهم لا يَزالُونَ يَطْعَنُونَ فِيهِ بِقُلُوبٍ عَمِيَةٍ؛ وألْسِنَةٍ بَذِيَّةٍ؛

An-Nahl 16:100Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.