قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ
[Lot] said, "These are my daughters - if you would be doers [of lawful marriage]."
صفحة ٦٧
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.
و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.
وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.
صفحة ٦٨
والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .
وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.
والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.
وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ
فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …