Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 99

21

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known measure.

صفحة ٣٦

﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

هَذا اعْتِراضٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩]، وهو تَذْيِيلٌ.

والمُرادُ بِـ (الشَّيْءِ) ما هو نافِعٌ لِلنّاسِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] الآيَةَ، وفي الكَلامِ حَذْفُ الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ: سَفِينَةٍ صالِحَةٍ.

والخَزائِنُ تَمْثِيلٌ لِصُلُوحِيَّةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ لِتَكْوِينِ الأشْياءِ النّافِعَةِ، شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إيجادِ الأشْياءِ النّافِعَةِ بِهَيْئَةِ إخْراجِ المَخْزُوناتِ مِنَ الخَزائِنِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ، ورُمِزَ إلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بِما هو مِن لَوازِمِها وهو الخَزائِنُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وشَمَلَ ذَلِكَ الأشْياءَ المُتَفَرِّقَةَ في العالَمِ الَّتِي تَصِلُ إلى النّاسِ بِدَوافِعَ وأسْبابٍ تَسْتَتِبُّ في أحْوالٍ مَخْصُوصَةٍ، أوْ بِتَرْكِيبِ شَيْءٍ مَعَ شَيْءٍ مِثْلَ نُزُولِ البَرْدِ مِنَ السَّحابِ، وانْفِجارِ العُيُونِ مِنَ الأرْضِ بِقَصْدٍ أوْ عَلى وجْهِ المُصادَفَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أُطْلِقَ الإنْزالُ عَلى تَمْكِينِ النّاسِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لِنَفْعِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، إطْلاقًا مَجازِيًّا؛ لِأنَّ ما خَلَقَهُ اللَّهُ لَمّا كانَ مِن أثَرِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ شَبَّهَ تَمْكِينَ النّاسِ مِنهُ بِإنْزالِ شَيْءٍ مِن عُلُوٍّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ العالَمِ اللَّدُنِّيِّ، وهو عُلُوٌّ مَعْنَوِيٌّ. أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ تَصارِيفَ الأُمُورِ كائِنٌ في العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] في سُورَةِ الزُّمُرِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] في سُورَةِ الطَّلاقِ.

صفحة ٣٧

والقَدَرُ بِفَتْحِ الدّالِّ: التَّقْدِيرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] في سُورَةِ الرَّعْدِ.

والمُرادُ بِهِ مَعْلُومٌ أنَّهُ مَعْلُومُ تَقْدِيرِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

22

وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ

And We have sent the fertilizing winds and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾

انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِظَواهِرِ السَّماءِ وظَواهِرِ الأرْضِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِظَواهِرِ كُرَةِ الهَواءِ الواقِعَةِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وذَلِكَ لِلِاسْتِدْلالِ بِفِعْلِ الرِّياحِ والمِنَّةِ بِما فِيها مِنَ الفَوائِدِ.

والإرْسالُ: مَجازٌ في نَقْلِ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياحَ مُسْتَمِرَّةُ الهُبُوبِ في الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ، وهي تَظْهَرُ في مَكانٍ آتِيَةٍ إلَيْهِ مِن مَكانٍ آخَرَ وهَكَذا. . .

ولَواقِحَ حالٌ مِنَ الرِّياحِ، وقَعَ هَذا الحالُ إدْماجًا لِإفادَةِ مَعْنَيَيْنِ كَما سَيَأْتِي عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

ولَواقِحَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ جَمْعُ لاقِحٍ وهي: النّاقَةُ الحُبْلى، واسْتُعْمِلَ هُنا اسْتِعارَةً لِلرِّيحِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الرُّطُوبَةِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا في نُزُولِ المَطَرِ، كَما اسْتُعْمِلَ في ضِدِّها العَقِيمُ ضِدُّ اللّاقِحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] .

وصالِحٌ لِأنْ يَكُونَ جَمْعُ مُلَقِّحٍ وهو: الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ لاقِحًا، أيِ: الفَحْلُ إذا ألْقَحَ النّاقَةَ، فَإنَّ (فَواعِلَ) يَجِيءُ جَمْعَ مُفْعِلٍ مُذَكَّرٍ نادِرًا كَقَوْلِ الحارِثِ أوْ ضِرارٍ النَّهْشَلَيِّ:

صفحة ٣٨

لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تَطِيحُ الطَّوايِحُ

رُوعِيَ فِيهِ جَوازُ تَأْنِيثِ المُشَبَّهِ بِهِ، وهي جَمْعُ الفُحُولِ؛لِأنَّ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ.

ومَعْنى الإلْقاحِ أنَّ الرِّياحَ تُلَقِّحُ السَّحابَ بِالماءِ بِتَوْجِيهِ عَمِلِ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ مُتَعاقِبَيْنِ فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ البُخارُ الَّذِي يَصِيرُ ماءً في الجَوِّ ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرًا عَلى الأرْضِ، وأنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ ذِي الثَّمَرَةِ بِأنْ تَنْقُلَ إلى نَوْرِهِ غَبْرَةً دَقِيقَةً مِن نَوْرِ الشَّجَرِ الذَّكَرِ فَتَصْلُحُ ثَمَرَتُهُ أوْ تَثْبُتُ، وبِدُونِ ذَلِكَ لا تَثْبُتُ أوْ لا تَصْلُحُ، وهَذا هو الإبّارُ، وبَعْضُهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَعْلِيقِ الطَّلْعِ الذَّكَرِ عَلى الشَّجَرَةِ المُثْمِرَةِ، وبَعْضُهُ يُكْتَفى مِنهُ بِغَرْسِ شَجَرَةٍ ذَكَرٍ في خِلالِ شَجَرِ الثَّمَرِ.

ومِن بَلاغَةِ الآيَةِ إيرادُ هَذا الوَصْفِ لِإفادَةِ كِلا العَمَلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَعْمَلُهُما الرِّياحُ، وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِهِما، واقْتَصَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها لَواقِحُ السَّحابِ بِالمَطَرِ.

ورَوى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ فَلِقاحُ القَمْحِ عِنْدِي أنْ يُحَبِّبَ ويُسَنْبِلَ، ولا أُرِيدُ ما يَيْبَسُ في أكْمامِهِ، ولَكِنْ يُحَبَّبُ حَتّى يَكُونَ لَوْ يَبِسَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فَسادًا لا خَيْرَ فِيهِ، ولَقاحُ الشَّجَرِ كُلِّها أنْ تُثْمِرَ ثُمَّ يَسْقُطُ مِنها ما يَسْقُطُ ويَثْبُتُ ما يَثْبُتُ.

وفَرْعُ قَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ﴾ .

وقَرَأ حَمْزَةُ (وأرْسَلَنا الرِّيحَ لَواقِحَ) بِإفْرادِ (الرِّيحِ) وجَمْعِ (لَواقِحَ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ والجِنْسِ لَهُ عِدَّةُ أفْرادٍ.

وأسْقَيْناكُمُوهُ بِمَعْنى جَعَلْناهُ سُقْيًا، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، وكَثُرَ إطْلاقُ أسْقى بِمَعْنى سَقى.

صفحة ٣٩

واسْتُعْمِلَ الخَزْنُ هُنا في مَعْنى الخَزْنِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] أيْ: وما أنْتُمْ لَهُ بِمُحافِظِينَ ومُنْشِئِينَ عِنْدَما …

23

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.

﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ إنْزالِ المَطَرِ، وكانَ مِمّا يَسْبِقُ إلى الأذْهانِ عِنْدَ ذِكْرِ المَطَرِ إحْياءُ الأرْضِ بِهِ ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُ جِنْسُ الإحْياءِ كُلِّهِ لِما فِيهِ مِن غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الغافِلِينَ عَنِ الوَحْدانِيَّةِ؛ ولِأنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ، والمَقْصُودُ ذِكْرُ الإحْياءِ ولِذَلِكَ قَدَّمَ الإماتَةَ لِلتَّكْمِيلِ.

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦] لِلدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ وعُمُومِ التَّصَرُّفِ.

وضَمِيرُ نَحْنُ ضَمِيرُ فَصْلٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ، وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) واللّامُ وضَمِيرُ الفَصْلِ لِتَحْقِيقِهِ، وتَنْزِيلًا لِلْمُخاطَبِينَ في إشْراكِهِمْ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِلْإحْياءِ والإماتَةِ.

والمُرادُ بِالإحْياءِ تَكْوِينُ المَوْجُوداتِ الَّتِي فِيها الحَياةُ وإحْياؤُها أيْضًا بَعْدَ فَناءِ الأجْسامِ، وقَدْ أُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ إثْباتُ البَعْثِ ودَفْعُ اسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ واسْتِحالَتِهِ.

ولَمّا كانَ المُشْرِكُونَ مُنْكِرِينَ مِنَ الإحْياءِ كانَ تَوْكِيدُ الخَبَرِ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والتَّنْزِيلِيِّ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وإنّا نُحْيِي ونُمِيتُ.

ومَعْنى الإرْثِ هُنا البَقاءُ بَعْدَ المَوْجُوداتِ تَشْبِيهًا بِالإرْثِ وهو أخْذُ ما يَتْرُكُهُ المَيِّتُ مِن أرْضٍ وغَيْرِها.

24

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

صفحة ٤٠

﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

لَمّا ذَكَرَ الإحْياءَ والإماتَةَ وكانَ الإحْياءُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يُذَكِّرُ بِالأحْياءِ بِفَتْحِها، وكانَتِ الإماتَةُ تُذْكَرُ بِالأمْواتِ الماضِينَ تَخَلَّصَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِلازِمِ ذَلِكَ عَلى عِظَمِ عِلْمِ اللَّهِ وهو عِلْمُهُ بِالأُمَمِ البائِدَةِ، وعِلْمُ الأُمَمِ الحاضِرَةِ. فَأُرِيدَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا الأحْياءَ إلى المَوْتِ أوْ إلى الآخِرَةِ، فالتَّقَدُّمُ فِيهِ بِمَعْنى المُضِيِّ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ تَأخَّرُوا وهم بَعْدَ انْقِراضِ غَيْرِهِمْ إلى أجَلٍ يَأْتِي.

والسِّينُ والتّاءُ في الوَصْفَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ اسْتَجابَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُمُ اسْتَقْدَمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ عَلى خِلافِ القِياسِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ رُباعِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في طالِعِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ الخَبَرُ الَّذِي أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ مِن طَرِيقِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ ومِن طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو خَبَرٌ واهٍ لا يُلاقِي انْتِظامَ الآياتِ ولا يَكُونُ إلّا مِنَ التَّفاسِيرِ الضَّعِيفَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ نَتِيجَةُ هَذِهِ الأدِلَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣] فَإنَّ الَّذِي يُحْيِي الحَياةَ الأُولى قادِرٌ عَلى الحَياةِ الثّانِيَةِ بِالأوْلى، والَّذِي قَدَّرَ المَوْتَ ما قَدَّرَهُ عَبَثًا بَعْدَ أنْ أوْجَدَ المَوْجُوداتِ إلّا لِتَسْتَقْبِلُوا حَياةً أبَدِيَّةً، ولَوْلا ذَلِكَ لَقُدِّرَ الدَّوامُ عَلى الحَياةِ الأُولى، قالَ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .

ولِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى مِن حِكْمَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾؛ لِأنَّ شَأْنَ (إنَّ) إذا جاءَتْ في غَيْرِ مَعْنى الرَّدِّ عَلى المُنْكَرِ أنْ تُفِيدَ مَعْنى التَّعْلِيلِ والرَّبْطِ بِما قَبْلَها.

صفحة ٤١

والحَكِيمُ: المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالعِلْمِ العامِّ، أيِ: المُحِيطُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَدْ أُكِّدَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِضَمِيرِ الفَصْلِ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ الشَّدِيدِ لِلْحَشْرِ، وقَدْ أُسْنِدَ الحَشْرُ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوهُ في الخَبَرِ عَنِ البَعْثِ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنْبِئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ أيْ: فَكَيْفَ ظَنُّكَ بِجَزائِهِ مُكَذِّبِيكَ إذا حَشَرَهم.

25

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

صفحة ٤٠

﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

لَمّا ذَكَرَ الإحْياءَ والإماتَةَ وكانَ الإحْياءُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ يُذَكِّرُ بِالأحْياءِ بِفَتْحِها، وكانَتِ الإماتَةُ تُذْكَرُ بِالأمْواتِ الماضِينَ تَخَلَّصَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِلازِمِ ذَلِكَ عَلى عِظَمِ عِلْمِ اللَّهِ وهو عِلْمُهُ بِالأُمَمِ البائِدَةِ، وعِلْمُ الأُمَمِ الحاضِرَةِ. فَأُرِيدَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا الأحْياءَ إلى المَوْتِ أوْ إلى الآخِرَةِ، فالتَّقَدُّمُ فِيهِ بِمَعْنى المُضِيِّ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الَّذِينَ تَأخَّرُوا وهم بَعْدَ انْقِراضِ غَيْرِهِمْ إلى أجَلٍ يَأْتِي.

والسِّينُ والتّاءُ في الوَصْفَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ اسْتَجابَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُمُ اسْتَقْدَمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ عَلى خِلافِ القِياسِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ رُباعِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في طالِعِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ الخَبَرُ الَّذِي أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ مِن طَرِيقِ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ ومِن طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمانَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو خَبَرٌ واهٍ لا يُلاقِي انْتِظامَ الآياتِ ولا يَكُونُ إلّا مِنَ التَّفاسِيرِ الضَّعِيفَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ نَتِيجَةُ هَذِهِ الأدِلَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ [الحجر: ٢٣] فَإنَّ الَّذِي يُحْيِي الحَياةَ الأُولى قادِرٌ عَلى الحَياةِ الثّانِيَةِ بِالأوْلى، والَّذِي قَدَّرَ المَوْتَ ما قَدَّرَهُ عَبَثًا بَعْدَ أنْ أوْجَدَ المَوْجُوداتِ إلّا لِتَسْتَقْبِلُوا حَياةً أبَدِيَّةً، ولَوْلا ذَلِكَ لَقُدِّرَ الدَّوامُ عَلى الحَياةِ الأُولى، قالَ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .

ولِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى مِن حِكْمَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾؛ لِأنَّ شَأْنَ (إنَّ) إذا جاءَتْ في غَيْرِ مَعْنى الرَّدِّ عَلى المُنْكَرِ أنْ تُفِيدَ مَعْنى التَّعْلِيلِ والرَّبْطِ بِما قَبْلَها.

صفحة ٤١

والحَكِيمُ: المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالعِلْمِ العامِّ، أيِ: المُحِيطُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَدْ أُكِّدَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِضَمِيرِ الفَصْلِ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ الشَّدِيدِ لِلْحَشْرِ، وقَدْ أُسْنِدَ الحَشْرُ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوهُ في الخَبَرِ عَنِ البَعْثِ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنْبِئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ أيْ: فَكَيْفَ ظَنُّكَ بِجَزائِهِ مُكَذِّبِيكَ إذا حَشَرَهم.

26

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ تَكْمِلَةٌ لِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِخَلْقِ أجْناسِ العَوالِمِ وما فِيها، ومِنهُ يَتَخَلَّصُ إلى التَّذْكِيرِ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لِلْبَشَرِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم مِنهُ، ويُحاسِبُوا أنْفُسَهم عَلى ما يُخامِرُها مِن وسْواسِهِ بِما يُرْدِيهِمْ، جاءَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإحْياءِ والإماتَةِ؛ فَإنَّ أهَمَّ الإحْياءِ هو إيجادُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، فَفي هَذا الخَبَرِ اسْتِدْلالٌ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ وعَلى إمْكانِ البَعْثِ، ومَوْعِظَةٍ وذِكْرى، والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والصَّلْصالُ: الطِّينُ الَّذِي يُتْرَكُ حَتّى يَيْبَسَ فَإذا يَبِسَ فَهو صَلْصالٌ وهو شِبْهُ الفَخّارِ، إلّا أنَّ الفَخّارَ هو ما يَبِسَ بِالطَّبْخِ بِالنّارِ؛ قالَ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] .

صفحة ٤٢

والحَمَأُ: الطِّينُ إذا اسْوَدَّ وكُرِهَتْ رائِحَتُهُ، وقَوْلُهُ مِن حَمَأٍ صِفَةٌ لِـ صَلْصالٍ، ومَسْنُونٍ صِفَةٌ لِـ حَمَأٍ أوْ لِـ صَلْصالٍ، وإذْ كانَ الصَّلْصالُ مِنَ الحَمَأِ فَصِفَةُ أحَدِهِما صِفَةٌ لِلْآخَرِ. والمَسْنُونُ: الَّذِي طالَتْ مُدَّةُ مُكْثِهِ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن فِعْلِ سَنَّهُ؛ إذا تَرَكَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً تُشْبِهُ السَّنَةَ، وأحْسَبُ أنَّ فِعْلَ (سَنَّ) بِمَعْنى تَرَكَ شَيْئًا مُدَّةً طَوِيلَةً غَيْرُ مَسْمُوعٍ.

ولَعَلَّ (تَسَنَّهْ) بِمَعْنى تَغَيَّرَ مِن طُولِ المُدَّةِ أصْلُهُ مُطاوِعُ سَنَهٍ ثُمَّ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ التَّنْبِيهُ عَلى عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى إذا أخْرَجَ مِن هَذِهِ الحالَةِ المَهِينَةِ نَوْعًا هو سَيِّدُ أنْواعِ عالَمِ المادَّةِ ذاتِ الحَياةِ.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ماهِيَّةَ الحَياةِ تَتَقَوَّمُ مِنَ التُّرابِيَّةِ والرُّطُوبَةِ والتَّعَفُّنِ، وهو يُعْطِي حَرارَةً ضَعِيفَةً، ولِذَلِكَ تَنْشَأُ في الأجْرامِ المُتَعَفِّنَةِ حَيَواناتٌ مِثْلَ الدُّودِ، ولِذَلِكَ أيْضًا تَنْشَأُ في الأمْزِجَةِ المُتَعَفِّنَةِ الحُمّى.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى الأطْوارِ الَّتِي مَرَّتْ عَلى مادَّةِ خَلْقِ الإنْسانِ.

وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ قَسَمٍ وبِحَرْفِ (قَدْ) لِزِيادَةِ التَّحَقُّقِ تَنْبِيهًا عَلى أهَمِّيَّةِ هَذا الخَلْقِ، وأنَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ﴾ إدْماجٌ وتَمْهِيدٌ إلى بَيانِ نَشْأةِ العَداوَةِ بَيْنَ آدَمَ وجُنْدِ إبْلِيسَ. وأُكِّدَتْ جُمْلَةُ والجانَّ خَلَقْناهُ بِصِيغَةِ الِاشْتِغالِ الَّتِي هي تَقْوِيَةٌ لِلْفِعْلِ بِتَقْدِيرِ نَظِيرِ المَحْذُوفِ، ولِما فِيها مِنَ الِاهْتِمامِ بِالإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي أُكِّدَتْ بِهِ جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الخَ.

صفحة ٤٣

وفائِدَةُ قَوْلِهِ مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ تَعْلِيمُ أنَّ خَلْقَ الجانِّ أسْبَقُ؛ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرِ الحَرارَةِ أسْبَقَ مِنَ الرُّطُوبَةِ.

والسَّمُومُ بِفَتْحِ السِّينِ: الرِّيحُ الحارَّةُ، فالجِنُّ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِيَّةِ والهَوائِيَّةِ؛ لِيَحْصُلَ الِاعْتِدالُ في الحَرارَةِ فَيَقْبَلَ الحَياةَ الخاصَّةَ اللّائِقَةَ بِخِلْقَةِ الجِنِّ، فَكَما كَوَّنَ اللَّهُ الحَمَأةَ الصَّلْصالَ المَسْنُونَ لِخَلْقِ الإنْسانِ، كَوَّنَ رِيحًا حارَّةً وجَعَلَ مِنها الجِنَّ، فَهو مُكَوَّنٌ مِن حَرارَةٍ زائِدَةٍ عَلى …

27

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ

And the jinn We created before from scorching fire.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ تَكْمِلَةٌ لِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِخَلْقِ أجْناسِ العَوالِمِ وما فِيها، ومِنهُ يَتَخَلَّصُ إلى التَّذْكِيرِ بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لِلْبَشَرِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم مِنهُ، ويُحاسِبُوا أنْفُسَهم عَلى ما يُخامِرُها مِن وسْواسِهِ بِما يُرْدِيهِمْ، جاءَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإحْياءِ والإماتَةِ؛ فَإنَّ أهَمَّ الإحْياءِ هو إيجادُ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، فَفي هَذا الخَبَرِ اسْتِدْلالٌ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ وعَلى إمْكانِ البَعْثِ، ومَوْعِظَةٍ وذِكْرى، والمُرادُ بِالإنْسانِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

والصَّلْصالُ: الطِّينُ الَّذِي يُتْرَكُ حَتّى يَيْبَسَ فَإذا يَبِسَ فَهو صَلْصالٌ وهو شِبْهُ الفَخّارِ، إلّا أنَّ الفَخّارَ هو ما يَبِسَ بِالطَّبْخِ بِالنّارِ؛ قالَ تَعالى ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] .

صفحة ٤٢

والحَمَأُ: الطِّينُ إذا اسْوَدَّ وكُرِهَتْ رائِحَتُهُ، وقَوْلُهُ مِن حَمَأٍ صِفَةٌ لِـ صَلْصالٍ، ومَسْنُونٍ صِفَةٌ لِـ حَمَأٍ أوْ لِـ صَلْصالٍ، وإذْ كانَ الصَّلْصالُ مِنَ الحَمَأِ فَصِفَةُ أحَدِهِما صِفَةٌ لِلْآخَرِ. والمَسْنُونُ: الَّذِي طالَتْ مُدَّةُ مُكْثِهِ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن فِعْلِ سَنَّهُ؛ إذا تَرَكَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً تُشْبِهُ السَّنَةَ، وأحْسَبُ أنَّ فِعْلَ (سَنَّ) بِمَعْنى تَرَكَ شَيْئًا مُدَّةً طَوِيلَةً غَيْرُ مَسْمُوعٍ.

ولَعَلَّ (تَسَنَّهْ) بِمَعْنى تَغَيَّرَ مِن طُولِ المُدَّةِ أصْلُهُ مُطاوِعُ سَنَهٍ ثُمَّ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأشْياءِ التَّنْبِيهُ عَلى عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى إذا أخْرَجَ مِن هَذِهِ الحالَةِ المَهِينَةِ نَوْعًا هو سَيِّدُ أنْواعِ عالَمِ المادَّةِ ذاتِ الحَياةِ.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ماهِيَّةَ الحَياةِ تَتَقَوَّمُ مِنَ التُّرابِيَّةِ والرُّطُوبَةِ والتَّعَفُّنِ، وهو يُعْطِي حَرارَةً ضَعِيفَةً، ولِذَلِكَ تَنْشَأُ في الأجْرامِ المُتَعَفِّنَةِ حَيَواناتٌ مِثْلَ الدُّودِ، ولِذَلِكَ أيْضًا تَنْشَأُ في الأمْزِجَةِ المُتَعَفِّنَةِ الحُمّى.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى الأطْوارِ الَّتِي مَرَّتْ عَلى مادَّةِ خَلْقِ الإنْسانِ.

وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ قَسَمٍ وبِحَرْفِ (قَدْ) لِزِيادَةِ التَّحَقُّقِ تَنْبِيهًا عَلى أهَمِّيَّةِ هَذا الخَلْقِ، وأنَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ﴾ إدْماجٌ وتَمْهِيدٌ إلى بَيانِ نَشْأةِ العَداوَةِ بَيْنَ آدَمَ وجُنْدِ إبْلِيسَ. وأُكِّدَتْ جُمْلَةُ والجانَّ خَلَقْناهُ بِصِيغَةِ الِاشْتِغالِ الَّتِي هي تَقْوِيَةٌ لِلْفِعْلِ بِتَقْدِيرِ نَظِيرِ المَحْذُوفِ، ولِما فِيها مِنَ الِاهْتِمامِ بِالإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي أُكِّدَتْ بِهِ جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الخَ.

صفحة ٤٣

وفائِدَةُ قَوْلِهِ مِن قَبْلُ أيْ: مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ تَعْلِيمُ أنَّ خَلْقَ الجانِّ أسْبَقُ؛ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرِ الحَرارَةِ أسْبَقَ مِنَ الرُّطُوبَةِ.

والسَّمُومُ بِفَتْحِ السِّينِ: الرِّيحُ الحارَّةُ، فالجِنُّ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِيَّةِ والهَوائِيَّةِ؛ لِيَحْصُلَ الِاعْتِدالُ في الحَرارَةِ فَيَقْبَلَ الحَياةَ الخاصَّةَ اللّائِقَةَ بِخِلْقَةِ الجِنِّ، فَكَما كَوَّنَ اللَّهُ الحَمَأةَ الصَّلْصالَ المَسْنُونَ لِخَلْقِ الإنْسانِ، كَوَّنَ رِيحًا حارَّةً وجَعَلَ مِنها الجِنَّ، فَهو مُكَوَّنٌ مِن حَرارَةٍ زائِدَةٍ عَلى …

28

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

29

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul, then fall down to him in prostration."

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

30

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

So the angels prostrated - all of them entirely,

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.