Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 81–90 of 99

81

وَءَاتَيْنَٰهُمْ ءَايَٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

.

ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.

فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.

واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.

قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.

﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.

﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.

قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.

قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ …

82

وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

.

قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ.

والأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وهي جِماعُ الشَّجَرِ، والجَمْعُ الأيْكُ.

ويُرْوى أنَّ شَجَرَهم كانَ دَوْمًا، وهو المُقْلُ، فالمَعْنى: وإنْ كانَ أصْحابُ الشَّجَرِ المُجْتَمِعِ، وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ الأيْكَةُ ولَيْكَةُ مَدِينَتُهم كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهم، واقْتَصَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هُنا عَلى وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدْ فَصَّلَ ذَلِكَ الظُّلْمَ فِيما سَبَقَ.

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ يَرْجِعُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، ومَكانِ أصْحابِ الأيْكَةِ، أيْ: وإنَّ المَكانَيْنِ لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمٌ لِما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّتِي تُسْلَكُ.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: سُمِّيَ الطَّرِيقُ إمامًا لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ ويُتَّبَعُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِلَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ يُنْسَبُ إلَيْهِما.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَتَمَ القَصَصَ بِقِصَّةِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ الحِجْرُ اسْمٌ لِدِيارِ ثَمُودَ.

قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وهي ما بَيْنَ مَكَّةَ وتَبُوكَ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.

وقالَ المُرْسَلِينَ ولَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إلّا صالِحٌ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ كَذَّبَ الباقِينَ لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ أيِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِمْ، ومِن جُمْلَتِها النّاقَةُ، فَإنَّ فِيها آياتٍ جَمَّةً كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ ودُنُوِّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها وعِظَمِها وكَثْرَةِ لَبَنِها ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مُعْتَبِرِينَ، ولِهَذا عَقَرُوا النّاقَةَ وخالَفُوا ما أمَرَهم بِهِ نَبِيُّهم.

﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ النَّحْتُ في كَلامِ العَرَبِ: البَرْيُ والنَّجْرُ، نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ بِالكَسْرِ نَحْتًا، أيْ: بَراهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ تَنْجُرُونَ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا، أيْ: يَخْرِقُونَها في الجِبالِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ، قالَ الفَرّاءُ: آمِنِينَ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: مِنَ العَذابِ رُكُونًا مِنهم عَلى قُوَّتِها ووَثاقَتِها.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّيْحَةِ في الأعْرافِ وفي هُودٍ، وتَقَدَّمَ أيْضًا قَرِيبًا.

﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الأمْوالِ والحُصُونِ في الجِبالِ.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ، وهو ما فِيهِما مِنَ الفَوائِدِ والمَصالِحِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا …

83

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ

But the shriek seized them at early morning.

.

قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ.

والأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وهي جِماعُ الشَّجَرِ، والجَمْعُ الأيْكُ.

ويُرْوى أنَّ شَجَرَهم كانَ دَوْمًا، وهو المُقْلُ، فالمَعْنى: وإنْ كانَ أصْحابُ الشَّجَرِ المُجْتَمِعِ، وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ الأيْكَةُ ولَيْكَةُ مَدِينَتُهم كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهم، واقْتَصَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هُنا عَلى وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدْ فَصَّلَ ذَلِكَ الظُّلْمَ فِيما سَبَقَ.

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ يَرْجِعُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، ومَكانِ أصْحابِ الأيْكَةِ، أيْ: وإنَّ المَكانَيْنِ لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمٌ لِما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّتِي تُسْلَكُ.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: سُمِّيَ الطَّرِيقُ إمامًا لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ ويُتَّبَعُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِلَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ يُنْسَبُ إلَيْهِما.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَتَمَ القَصَصَ بِقِصَّةِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ الحِجْرُ اسْمٌ لِدِيارِ ثَمُودَ.

قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وهي ما بَيْنَ مَكَّةَ وتَبُوكَ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.

وقالَ المُرْسَلِينَ ولَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إلّا صالِحٌ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ كَذَّبَ الباقِينَ لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ أيِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِمْ، ومِن جُمْلَتِها النّاقَةُ، فَإنَّ فِيها آياتٍ جَمَّةً كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ ودُنُوِّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها وعِظَمِها وكَثْرَةِ لَبَنِها ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مُعْتَبِرِينَ، ولِهَذا عَقَرُوا النّاقَةَ وخالَفُوا ما أمَرَهم بِهِ نَبِيُّهم.

﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ النَّحْتُ في كَلامِ العَرَبِ: البَرْيُ والنَّجْرُ، نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ بِالكَسْرِ نَحْتًا، أيْ: بَراهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ تَنْجُرُونَ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا، أيْ: يَخْرِقُونَها في الجِبالِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ، قالَ الفَرّاءُ: آمِنِينَ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: مِنَ العَذابِ رُكُونًا مِنهم عَلى قُوَّتِها ووَثاقَتِها.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّيْحَةِ في الأعْرافِ وفي هُودٍ، وتَقَدَّمَ أيْضًا قَرِيبًا.

﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الأمْوالِ والحُصُونِ في الجِبالِ.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ، وهو ما فِيهِما مِنَ الفَوائِدِ والمَصالِحِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا …

84

فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So nothing availed them [from] what they used to earn.

.

قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ.

والأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وهي جِماعُ الشَّجَرِ، والجَمْعُ الأيْكُ.

ويُرْوى أنَّ شَجَرَهم كانَ دَوْمًا، وهو المُقْلُ، فالمَعْنى: وإنْ كانَ أصْحابُ الشَّجَرِ المُجْتَمِعِ، وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ الأيْكَةُ ولَيْكَةُ مَدِينَتُهم كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهم، واقْتَصَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هُنا عَلى وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدْ فَصَّلَ ذَلِكَ الظُّلْمَ فِيما سَبَقَ.

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ يَرْجِعُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، ومَكانِ أصْحابِ الأيْكَةِ، أيْ: وإنَّ المَكانَيْنِ لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمٌ لِما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّتِي تُسْلَكُ.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: سُمِّيَ الطَّرِيقُ إمامًا لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ ويُتَّبَعُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِلَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ يُنْسَبُ إلَيْهِما.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَتَمَ القَصَصَ بِقِصَّةِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ الحِجْرُ اسْمٌ لِدِيارِ ثَمُودَ.

قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وهي ما بَيْنَ مَكَّةَ وتَبُوكَ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.

وقالَ المُرْسَلِينَ ولَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إلّا صالِحٌ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ كَذَّبَ الباقِينَ لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ أيِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِمْ، ومِن جُمْلَتِها النّاقَةُ، فَإنَّ فِيها آياتٍ جَمَّةً كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ ودُنُوِّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها وعِظَمِها وكَثْرَةِ لَبَنِها ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مُعْتَبِرِينَ، ولِهَذا عَقَرُوا النّاقَةَ وخالَفُوا ما أمَرَهم بِهِ نَبِيُّهم.

﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ النَّحْتُ في كَلامِ العَرَبِ: البَرْيُ والنَّجْرُ، نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ بِالكَسْرِ نَحْتًا، أيْ: بَراهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ تَنْجُرُونَ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا، أيْ: يَخْرِقُونَها في الجِبالِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ، قالَ الفَرّاءُ: آمِنِينَ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: مِنَ العَذابِ رُكُونًا مِنهم عَلى قُوَّتِها ووَثاقَتِها.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّيْحَةِ في الأعْرافِ وفي هُودٍ، وتَقَدَّمَ أيْضًا قَرِيبًا.

﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الأمْوالِ والحُصُونِ في الجِبالِ.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ، وهو ما فِيهِما مِنَ الفَوائِدِ والمَصالِحِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا …

85

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَءَاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

.

قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ.

والأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وهي جِماعُ الشَّجَرِ، والجَمْعُ الأيْكُ.

ويُرْوى أنَّ شَجَرَهم كانَ دَوْمًا، وهو المُقْلُ، فالمَعْنى: وإنْ كانَ أصْحابُ الشَّجَرِ المُجْتَمِعِ، وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ الأيْكَةُ ولَيْكَةُ مَدِينَتُهم كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهم، واقْتَصَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هُنا عَلى وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدْ فَصَّلَ ذَلِكَ الظُّلْمَ فِيما سَبَقَ.

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ يَرْجِعُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، ومَكانِ أصْحابِ الأيْكَةِ، أيْ: وإنَّ المَكانَيْنِ لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمٌ لِما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّتِي تُسْلَكُ.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: سُمِّيَ الطَّرِيقُ إمامًا لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ ويُتَّبَعُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِلَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ يُنْسَبُ إلَيْهِما.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَتَمَ القَصَصَ بِقِصَّةِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ الحِجْرُ اسْمٌ لِدِيارِ ثَمُودَ.

قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وهي ما بَيْنَ مَكَّةَ وتَبُوكَ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.

وقالَ المُرْسَلِينَ ولَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إلّا صالِحٌ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ كَذَّبَ الباقِينَ لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ أيِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِمْ، ومِن جُمْلَتِها النّاقَةُ، فَإنَّ فِيها آياتٍ جَمَّةً كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ ودُنُوِّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها وعِظَمِها وكَثْرَةِ لَبَنِها ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مُعْتَبِرِينَ، ولِهَذا عَقَرُوا النّاقَةَ وخالَفُوا ما أمَرَهم بِهِ نَبِيُّهم.

﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ النَّحْتُ في كَلامِ العَرَبِ: البَرْيُ والنَّجْرُ، نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ بِالكَسْرِ نَحْتًا، أيْ: بَراهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ تَنْجُرُونَ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا، أيْ: يَخْرِقُونَها في الجِبالِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ، قالَ الفَرّاءُ: آمِنِينَ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: مِنَ العَذابِ رُكُونًا مِنهم عَلى قُوَّتِها ووَثاقَتِها.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّيْحَةِ في الأعْرافِ وفي هُودٍ، وتَقَدَّمَ أيْضًا قَرِيبًا.

﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الأمْوالِ والحُصُونِ في الجِبالِ.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ، وهو ما فِيهِما مِنَ الفَوائِدِ والمَصالِحِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا …

86

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

.

قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ " إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ.

والأيْكَةُ الغَيْضَةُ، وهي جِماعُ الشَّجَرِ، والجَمْعُ الأيْكُ.

ويُرْوى أنَّ شَجَرَهم كانَ دَوْمًا، وهو المُقْلُ، فالمَعْنى: وإنْ كانَ أصْحابُ الشَّجَرِ المُجْتَمِعِ، وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ الأيْكَةُ ولَيْكَةُ مَدِينَتُهم كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُهم، واقْتَصَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هُنا عَلى وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ، وقَدْ فَصَّلَ ذَلِكَ الظُّلْمَ فِيما سَبَقَ.

والضَّمِيرُ في ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ يَرْجِعُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، ومَكانِ أصْحابِ الأيْكَةِ، أيْ: وإنَّ المَكانَيْنِ لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ، والإمامُ اسْمٌ لِما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الطَّرِيقُ الَّتِي تُسْلَكُ.

قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: سُمِّيَ الطَّرِيقُ إمامًا لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ ويُتَّبَعُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِأنَّ المُسافِرَ يَأْتَمُّ بِهِ حَتّى يَصِلَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأيْكَةِ ومَدْيَنَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ يُنْسَبُ إلَيْهِما.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَتَمَ القَصَصَ بِقِصَّةِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ الحِجْرُ اسْمٌ لِدِيارِ ثَمُودَ.

قالَهُ الأزْهَرِيُّ، وهي ما بَيْنَ مَكَّةَ وتَبُوكَ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي أرْضٌ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.

وقالَ المُرْسَلِينَ ولَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إلّا صالِحٌ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنَ الرُّسُلِ فَقَدْ كَذَّبَ الباقِينَ لِكَوْنِهِمْ مُتَّفِقِينَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: كَذَّبُوا صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

﴿وآتَيْناهم آياتِنا﴾ أيِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلى نَبِيِّهِمْ، ومِن جُمْلَتِها النّاقَةُ، فَإنَّ فِيها آياتٍ جَمَّةً كَخُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ ودُنُوِّ نِتاجِها عِنْدَ خُرُوجِها وعِظَمِها وكَثْرَةِ لَبَنِها ﴿فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مُعْتَبِرِينَ، ولِهَذا عَقَرُوا النّاقَةَ وخالَفُوا ما أمَرَهم بِهِ نَبِيُّهم.

﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ النَّحْتُ في كَلامِ العَرَبِ: البَرْيُ والنَّجْرُ، نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ بِالكَسْرِ نَحْتًا، أيْ: بَراهُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أيْ تَنْجُرُونَ، وكانُوا يَتَّخِذُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا، أيْ: يَخْرِقُونَها في الجِبالِ، وانْتِصابُ آمِنِينَ عَلى الحالِ، قالَ الفَرّاءُ: آمِنِينَ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: آمَنِينَ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: مِنَ العَذابِ رُكُونًا مِنهم عَلى قُوَّتِها ووَثاقَتِها.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّيْحَةِ في الأعْرافِ وفي هُودٍ، وتَقَدَّمَ أيْضًا قَرِيبًا.

﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم شَيْئًا مِن عَذابِ اللَّهِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الأمْوالِ والحُصُونِ في الجِبالِ.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ، وهو ما فِيهِما مِنَ الفَوائِدِ والمَصالِحِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا …

87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ

And We have certainly given you, [O Muhammad], seven of the often repeated [verses] and the great Qur'an.

.

اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السَّبْعِ المَثانِي ماذا هي ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها الفاتِحَةُ.

قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها فاتِحَةُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ والكَلْبِيِّ.

وزادَ القُرْطُبِيُّ أبا هُرَيْرَةَ وأبا عالِيَةَ، وزادَ النَّيْسابُورِيُّ الضَّحّاكَ وسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ.

وقَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ فَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إلَيْهِ.

وقِيلَ: هي السَّبْعُ الطُّوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والسّابِعَةُ الأنْفالُ والتَّوْبَةُ، لِأنَّها كَسُورَةٍ واحِدَةٍ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُما تَسْمِيَةٌ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمَثانِي السَّبْعَةُ الأحْزابِ فَإنَّها سَبْعُ صَحائِفَ، والمَثانِي جَمْعُ مُثَنّاةٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ أوْ جَمْعُ مَثْنِيَّةٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها مَعَها.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ وجْهُ تَسْمِيَةِ الفاتِحَةِ مَثانِيَ أنَّها تُثَنّى، أيْ: تُكَرَّرُ في كُلِّ صَلاةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعُ الطُّوالُ - فَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ العِبَرَ والأحْكامَ والحُدُودَ كُرِّرَتْ فِيها.

وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعَةُ الأحْزابِ يَكُونُ وجْهُ التَّسْمِيَةِ هو تَكْرِيرَ ما في القُرْآنِ مِنَ القَصَصِ ونَحْوِها، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي القُرْآنُ كُلُّهُ - الضَّحّاكُ وطاوُسٌ وأبُو مالِكٍ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْعِ المَثانِي أقْسامُ القُرْآنِ: وهي الأمْرُ، والنَّهْيُ، والتَّبْشِيرُ، والإنْذارُ، وضَرْبُ الأمْثالِ، وتَعْرِيفُ النِّعَمِ، وأنْباءُ قُرُونٍ ماضِيَةٍ.

قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ تَسْمِيَةَ الفاتِحَةِ مَثانِيَ لا تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ تَسْمِيَةِ غَيْرِها بِهَذا الِاسْمِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّها المُرادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ صِدْقُ وصْفِ المَثانِي عَلى غَيْرِها ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾، ويَكُونُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّ الفاتِحَةَ بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبْعِ المَثانِي السَّبْعُ الطُّوالُ لِأنَّها بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِها السَّبْعَةُ الأحْزابِ أوْ جَمِيعُ القُرْآنِ أوْ أقْسامُهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ عَطْفِ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَما قِيلَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ

ومِمّا يُقَوِّي كَوْنَ السَّبْعِ المَثانِي هي الفاتِحَةَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وأكْثَرَ السَّبْعِ الطِّوالِ مَدَنِيَّةٌ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ القُرْآنِ وأكْثَرُ أقْسامِهِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إيتاءُ السَّبْعِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِنَ في ﴿مِنَ المَثانِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ إذا أرَدْتَ بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ الطِّوالَ، ولِلْبَيانِ إذا أرَدْتَ الإشْباعَ.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ نَفَّرَهُ عَنِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ الزّائِلَةِ فَقالَ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم﴾ أيْ لا تَطْمَحْ بِبَصَرِكَ إلى زَخارِفِ الدُّنْيا طُمُوحَ رَغْبَةٍ …

88

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of the disbelievers, and do not grieve over them. And lower your wing to the believers

.

اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السَّبْعِ المَثانِي ماذا هي ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها الفاتِحَةُ.

قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها فاتِحَةُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ والكَلْبِيِّ.

وزادَ القُرْطُبِيُّ أبا هُرَيْرَةَ وأبا عالِيَةَ، وزادَ النَّيْسابُورِيُّ الضَّحّاكَ وسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ.

وقَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ فَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إلَيْهِ.

وقِيلَ: هي السَّبْعُ الطُّوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والسّابِعَةُ الأنْفالُ والتَّوْبَةُ، لِأنَّها كَسُورَةٍ واحِدَةٍ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُما تَسْمِيَةٌ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمَثانِي السَّبْعَةُ الأحْزابِ فَإنَّها سَبْعُ صَحائِفَ، والمَثانِي جَمْعُ مُثَنّاةٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ أوْ جَمْعُ مَثْنِيَّةٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها مَعَها.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ وجْهُ تَسْمِيَةِ الفاتِحَةِ مَثانِيَ أنَّها تُثَنّى، أيْ: تُكَرَّرُ في كُلِّ صَلاةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعُ الطُّوالُ - فَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ العِبَرَ والأحْكامَ والحُدُودَ كُرِّرَتْ فِيها.

وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعَةُ الأحْزابِ يَكُونُ وجْهُ التَّسْمِيَةِ هو تَكْرِيرَ ما في القُرْآنِ مِنَ القَصَصِ ونَحْوِها، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي القُرْآنُ كُلُّهُ - الضَّحّاكُ وطاوُسٌ وأبُو مالِكٍ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْعِ المَثانِي أقْسامُ القُرْآنِ: وهي الأمْرُ، والنَّهْيُ، والتَّبْشِيرُ، والإنْذارُ، وضَرْبُ الأمْثالِ، وتَعْرِيفُ النِّعَمِ، وأنْباءُ قُرُونٍ ماضِيَةٍ.

قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ تَسْمِيَةَ الفاتِحَةِ مَثانِيَ لا تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ تَسْمِيَةِ غَيْرِها بِهَذا الِاسْمِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّها المُرادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ صِدْقُ وصْفِ المَثانِي عَلى غَيْرِها ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾، ويَكُونُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّ الفاتِحَةَ بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبْعِ المَثانِي السَّبْعُ الطُّوالُ لِأنَّها بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِها السَّبْعَةُ الأحْزابِ أوْ جَمِيعُ القُرْآنِ أوْ أقْسامُهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ عَطْفِ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَما قِيلَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ

ومِمّا يُقَوِّي كَوْنَ السَّبْعِ المَثانِي هي الفاتِحَةَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وأكْثَرَ السَّبْعِ الطِّوالِ مَدَنِيَّةٌ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ القُرْآنِ وأكْثَرُ أقْسامِهِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إيتاءُ السَّبْعِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِنَ في ﴿مِنَ المَثانِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ إذا أرَدْتَ بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ الطِّوالَ، ولِلْبَيانِ إذا أرَدْتَ الإشْباعَ.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ نَفَّرَهُ عَنِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ الزّائِلَةِ فَقالَ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم﴾ أيْ لا تَطْمَحْ بِبَصَرِكَ إلى زَخارِفِ الدُّنْيا طُمُوحَ رَغْبَةٍ …

89

وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ

And say, "Indeed, I am the clear warner" -

.

اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السَّبْعِ المَثانِي ماذا هي ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها الفاتِحَةُ.

قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها فاتِحَةُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ والكَلْبِيِّ.

وزادَ القُرْطُبِيُّ أبا هُرَيْرَةَ وأبا عالِيَةَ، وزادَ النَّيْسابُورِيُّ الضَّحّاكَ وسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ.

وقَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ فَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إلَيْهِ.

وقِيلَ: هي السَّبْعُ الطُّوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والسّابِعَةُ الأنْفالُ والتَّوْبَةُ، لِأنَّها كَسُورَةٍ واحِدَةٍ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُما تَسْمِيَةٌ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمَثانِي السَّبْعَةُ الأحْزابِ فَإنَّها سَبْعُ صَحائِفَ، والمَثانِي جَمْعُ مُثَنّاةٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ أوْ جَمْعُ مَثْنِيَّةٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها مَعَها.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ وجْهُ تَسْمِيَةِ الفاتِحَةِ مَثانِيَ أنَّها تُثَنّى، أيْ: تُكَرَّرُ في كُلِّ صَلاةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعُ الطُّوالُ - فَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ العِبَرَ والأحْكامَ والحُدُودَ كُرِّرَتْ فِيها.

وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعَةُ الأحْزابِ يَكُونُ وجْهُ التَّسْمِيَةِ هو تَكْرِيرَ ما في القُرْآنِ مِنَ القَصَصِ ونَحْوِها، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي القُرْآنُ كُلُّهُ - الضَّحّاكُ وطاوُسٌ وأبُو مالِكٍ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْعِ المَثانِي أقْسامُ القُرْآنِ: وهي الأمْرُ، والنَّهْيُ، والتَّبْشِيرُ، والإنْذارُ، وضَرْبُ الأمْثالِ، وتَعْرِيفُ النِّعَمِ، وأنْباءُ قُرُونٍ ماضِيَةٍ.

قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ تَسْمِيَةَ الفاتِحَةِ مَثانِيَ لا تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ تَسْمِيَةِ غَيْرِها بِهَذا الِاسْمِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّها المُرادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ صِدْقُ وصْفِ المَثانِي عَلى غَيْرِها ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾، ويَكُونُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّ الفاتِحَةَ بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبْعِ المَثانِي السَّبْعُ الطُّوالُ لِأنَّها بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِها السَّبْعَةُ الأحْزابِ أوْ جَمِيعُ القُرْآنِ أوْ أقْسامُهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ عَطْفِ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَما قِيلَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ

ومِمّا يُقَوِّي كَوْنَ السَّبْعِ المَثانِي هي الفاتِحَةَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وأكْثَرَ السَّبْعِ الطِّوالِ مَدَنِيَّةٌ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ القُرْآنِ وأكْثَرُ أقْسامِهِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إيتاءُ السَّبْعِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِنَ في ﴿مِنَ المَثانِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ إذا أرَدْتَ بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ الطِّوالَ، ولِلْبَيانِ إذا أرَدْتَ الإشْباعَ.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ نَفَّرَهُ عَنِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ الزّائِلَةِ فَقالَ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم﴾ أيْ لا تَطْمَحْ بِبَصَرِكَ إلى زَخارِفِ الدُّنْيا طُمُوحَ رَغْبَةٍ …

90

كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ

Just as We had revealed [scriptures] to the separators

.

اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السَّبْعِ المَثانِي ماذا هي ؟ فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها الفاتِحَةُ.

قالَ الواحِدِيُّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها فاتِحَةُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ والكَلْبِيِّ.

وزادَ القُرْطُبِيُّ أبا هُرَيْرَةَ وأبا عالِيَةَ، وزادَ النَّيْسابُورِيُّ الضَّحّاكَ وسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ.

وقَدْ رُوِيَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ فَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إلَيْهِ.

وقِيلَ: هي السَّبْعُ الطُّوالُ: البَقَرَةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائِدَةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، والسّابِعَةُ الأنْفالُ والتَّوْبَةُ، لِأنَّها كَسُورَةٍ واحِدَةٍ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُما تَسْمِيَةٌ، رُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمَثانِي السَّبْعَةُ الأحْزابِ فَإنَّها سَبْعُ صَحائِفَ، والمَثانِي جَمْعُ مُثَنّاةٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ أوْ جَمْعُ مَثْنِيَّةٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تُثَنّى بِما يُقْرَأُ بَعْدَها مَعَها.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ وجْهُ تَسْمِيَةِ الفاتِحَةِ مَثانِيَ أنَّها تُثَنّى، أيْ: تُكَرَّرُ في كُلِّ صَلاةٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعُ الطُّوالُ - فَوَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ العِبَرَ والأحْكامَ والحُدُودَ كُرِّرَتْ فِيها.

وعَلى القَوْلِ بِأنَّها السَّبْعَةُ الأحْزابِ يَكُونُ وجْهُ التَّسْمِيَةِ هو تَكْرِيرَ ما في القُرْآنِ مِنَ القَصَصِ ونَحْوِها، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي القُرْآنُ كُلُّهُ - الضَّحّاكُ وطاوُسٌ وأبُو مالِكٍ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّبْعِ المَثانِي أقْسامُ القُرْآنِ: وهي الأمْرُ، والنَّهْيُ، والتَّبْشِيرُ، والإنْذارُ، وضَرْبُ الأمْثالِ، وتَعْرِيفُ النِّعَمِ، وأنْباءُ قُرُونٍ ماضِيَةٍ.

قالَهُ زِيادُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ تَسْمِيَةَ الفاتِحَةِ مَثانِيَ لا تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ تَسْمِيَةِ غَيْرِها بِهَذا الِاسْمِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّها المُرادَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ صِدْقُ وصْفِ المَثانِي عَلى غَيْرِها ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾، ويَكُونُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ لِأنَّ الفاتِحَةَ بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبْعِ المَثانِي السَّبْعُ الطُّوالُ لِأنَّها بَعْضٌ مِنَ القُرْآنِ، وأمّا إذا أُرِيدَ بِها السَّبْعَةُ الأحْزابِ أوْ جَمِيعُ القُرْآنِ أوْ أقْسامُهُ، فَيَكُونُ مِن بابِ عَطْفِ أحَدِ الوَصْفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَما قِيلَ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ

ومِمّا يُقَوِّي كَوْنَ السَّبْعِ المَثانِي هي الفاتِحَةَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وأكْثَرَ السَّبْعِ الطِّوالِ مَدَنِيَّةٌ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ القُرْآنِ وأكْثَرُ أقْسامِهِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ إيتاءُ السَّبْعِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ومِنَ في ﴿مِنَ المَثانِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ إذا أرَدْتَ بِالسَّبْعِ الفاتِحَةَ أوِ الطِّوالَ، ولِلْبَيانِ إذا أرَدْتَ الإشْباعَ.

ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ الدِّينِيَّةِ نَفَّرَهُ عَنِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ الزّائِلَةِ فَقالَ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم﴾ أيْ لا تَطْمَحْ بِبَصَرِكَ إلى زَخارِفِ الدُّنْيا طُمُوحَ رَغْبَةٍ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.