الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ
Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -
وهي مَكِّيَّةٌ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا عَنِ الزُّبَيْرِ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ إلّا آيَتَيْنِ مِنها وقِيلَ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ في الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهي قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٣٠] .
وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ سِوى آيَتَيْنِ مِنها نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وهي ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في قَتْلى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: الر قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْثالِ هَذا، وبَيانُ قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ مُتَشابِهٌ، وبَيانُ قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ غَيْرُ مُتَشابِهٍ وهو إمّا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ " كِتابٌ "، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ " كِتابٌ " خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ أوْ خَبَرًا ثانِيًا لِهَذا المُبْتَدَأِ أوْ يَكُونُ ( الر ) مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، و( أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ) صِفَةٌ لِ ( كِتابٌ )، أيْ: أنْزَلْنا الكِتابَ إلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، ومَعْنى ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ لِتُخْرِجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والجَهْلِ والضَّلالَةِ إلى نُورِ الإيمانِ والعِلْمِ والهِدايَةِ، جُعِلَ الكُفْرُ بِمَنزِلَةِ الظُّلُماتِ، والإيمانُ بِمَنزِلَةِ النُّورِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، واللّامُ في " لِتُخْرِجَ " لِلْغَرَضِ والغايَةِ، والتَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلْجِنْسِ، والمَعْنى: أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُخْرِجُ بِالكِتابِ المُشْتَمِلِ عَلى ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الشَّرائِعِ مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النُّورِ، وقِيلَ: إنَّ الظُّلْمَةَ مُسْتَعارَةٌ لِلْبِدْعَةِ، والنُّورَ مُسْتَعارٌ لِلسُّنَّةِ، وقِيلَ: مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، والباءُ في بِإذْنِ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ " تُخْرِجَ "، وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ الدّاعِي والهادِي والمُنْذِرُ.
قالَ الزَّجّاجُ: بِما أذِنَ لَكَ مِن تَعْلِيمِهِمْ ودُعائِهِمْ إلى الإيمانِ ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ هو بَدَلٌ مِن إلى النُّورِ بِتَكْرِيرِ العامِلِ كَما يَقَعُ مِثْلُهُ كَثِيرًا، أيْ: لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ، وهو طَرِيقَةُ اللَّهِ الواضِحَةُ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ، وأمَرَهم بِالمَصِيرِ إلَيْها والدُّخُولِ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ ما هَذا النُّورُ الَّذِي أخْرَجَهم إلَيْهِ ؟ فَقِيلَ صِراطُ العَزِيزِ الحَمِيدِ.
والعَزِيزُ هو القادِرُ الغالِبُ.
والحَمِيدُ هو الكامِلُ في اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ.
﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِمِلْكِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِكَوْنِهِ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ، فَلا يَصِحُّ وصْفُ ما قَبْلَهُ بِهِ، لِأنَّ العَلَمَ لا يُوصَفُ بِهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى.
وقالَ أبُو عَمْرٍو: …