Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 99

81

وَءَاتَيْنَٰهُمْ ءَايَٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And We gave them Our signs, but from them they were turning away.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ جُمِعَتْ قَصَصُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الثَّلاثِ: قَوْمِ لُوطٍ، وأصْحابِ الأيْكَةِ، وأصْحابِ الحِجْرِ في نَسَقٍ، لِتَماثُلِ حالِ العَذابِ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْها وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ والصّاعِقَةِ.

وأصْحابُ الحِجْرِ هم ثَمُودُ كانُوا يَنْزِلُونَ الحِجْرَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ: المَكانُ المَحْجُورُ، أيِ المَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ بِسَبَبِ اخْتِصاصٍ

صفحة ٧٣

بِهِ، أوِ اشْتُقَّ مِنَ الحِجارَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ بُيُوتَهم في صَخْرِ الجَبَلِ نَحْتًا مُحْكَمًا، وقَدْ جُعِلَتْ طَبَقاتٌ وفي وسَطِها بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وبِئارٌ كَثِيرَةٌ.

والحِجْرُ هو المَعْرُوفُ بِوادِي القُرى وهو بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، وهو المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِاسْمِ مَدائِنِ صالِحٍ عَلى الطَّرِيقِ مِن خَيْبَرَ إلى تَبُوكَ ؟ .

وأمّا حَجْرُ اليَمامَةِ مَدِينَةِ بَنِي حَنِيفَةَ فَهي بِفَتْحِ الحاءِ وهي في بِلادِ نَجْدٍ وتُسَمّى العُرُوضُ وهي اليَوْمَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ.

وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنَ الإفْرِنْجِ أنَّ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في ذَلِكَ الجَبَلِ كانَتْ قُبُورًا، وتَعَلَّقُوا بِحُجَجٍ وهْمِيَّةٍ، ومِمّا يُفَنِّدُ أقْوالَهم خَلُوُّ تِلْكَ الكُهُوفِ عَنْ أجْسادٍ آدَمِيَّةٍ، وإذا كانَتْ تِلْكَ قُبُورًا فَأيْنَ كانَتْ مَنازِلُ الأحْياءِ ؟ .

والظّاهِرُ أنَّ ثَمُودَ لَمّا أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كانُوا مُنْتَشِرِينَ في خارِجِ البُيُوتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، وقَدْ وُجِدَتْ في مَداخِلِ تِلْكَ البُيُوتِ نُقَرٌ صَغِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّها مَجْعُولَةٌ لِوَصْدِ أبْوابِ المَداخِلِ في اللَّيْلِ.

وتَعْرِيفُ المُرْسَلِينَ لِلْجِنْسِ، فَيَصْدُقُ بِالواحِدِ، إذِ المُرادُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الآياتِ في قَوْلِهِ (آياتِنا) مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، وهي آيَةُ النّاقَةِ، أوْ أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها مِن صَخْرَةٍ، وحَياتِها، ورَعْيِها، وشُرْبِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها، فَهُما آيَتانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ أوِ العُودِ مِن وسَطِهِ أوْ مِن جَوانِبِهِ.

و(مِنَ الجِبالِ) تَبْعِيضٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَنْحِتُونَ) . والمَعْنى مِن صَخْرِ الجِبالِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (يَنْحِتُونَ) .

صفحة ٧٤

و(آمِنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَنْحِتُونَ) وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَكُونُوا آمِنِينَ عَقِبَ نَحْتِها وسُكْناها. وكانَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لا يَنالُهم فِيها العَدُوُّ.

ولَكِنَّهم نَسُوا أنَّها لا تُأمِّنُهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والسَّبَبِيَّةِ، و”مُصْبِحِينَ“ حالٌ، أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ.

و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَصْنَعُونَ، أيِ البُيُوتُ الَّتِي عُنُوا بِتَحْصِينِها وتَحْسِينِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كانُوا) . وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ لِدَلالَتِها عَلى التَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ المُكَنّى بِهِ عَنْ إتْقانِ الصَّنْعَةِ، وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ المَوْصُولِ …

82

وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ

And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ جُمِعَتْ قَصَصُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الثَّلاثِ: قَوْمِ لُوطٍ، وأصْحابِ الأيْكَةِ، وأصْحابِ الحِجْرِ في نَسَقٍ، لِتَماثُلِ حالِ العَذابِ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْها وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ والصّاعِقَةِ.

وأصْحابُ الحِجْرِ هم ثَمُودُ كانُوا يَنْزِلُونَ الحِجْرَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ: المَكانُ المَحْجُورُ، أيِ المَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ بِسَبَبِ اخْتِصاصٍ

صفحة ٧٣

بِهِ، أوِ اشْتُقَّ مِنَ الحِجارَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ بُيُوتَهم في صَخْرِ الجَبَلِ نَحْتًا مُحْكَمًا، وقَدْ جُعِلَتْ طَبَقاتٌ وفي وسَطِها بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وبِئارٌ كَثِيرَةٌ.

والحِجْرُ هو المَعْرُوفُ بِوادِي القُرى وهو بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، وهو المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِاسْمِ مَدائِنِ صالِحٍ عَلى الطَّرِيقِ مِن خَيْبَرَ إلى تَبُوكَ ؟ .

وأمّا حَجْرُ اليَمامَةِ مَدِينَةِ بَنِي حَنِيفَةَ فَهي بِفَتْحِ الحاءِ وهي في بِلادِ نَجْدٍ وتُسَمّى العُرُوضُ وهي اليَوْمَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ.

وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنَ الإفْرِنْجِ أنَّ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في ذَلِكَ الجَبَلِ كانَتْ قُبُورًا، وتَعَلَّقُوا بِحُجَجٍ وهْمِيَّةٍ، ومِمّا يُفَنِّدُ أقْوالَهم خَلُوُّ تِلْكَ الكُهُوفِ عَنْ أجْسادٍ آدَمِيَّةٍ، وإذا كانَتْ تِلْكَ قُبُورًا فَأيْنَ كانَتْ مَنازِلُ الأحْياءِ ؟ .

والظّاهِرُ أنَّ ثَمُودَ لَمّا أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كانُوا مُنْتَشِرِينَ في خارِجِ البُيُوتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، وقَدْ وُجِدَتْ في مَداخِلِ تِلْكَ البُيُوتِ نُقَرٌ صَغِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّها مَجْعُولَةٌ لِوَصْدِ أبْوابِ المَداخِلِ في اللَّيْلِ.

وتَعْرِيفُ المُرْسَلِينَ لِلْجِنْسِ، فَيَصْدُقُ بِالواحِدِ، إذِ المُرادُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الآياتِ في قَوْلِهِ (آياتِنا) مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، وهي آيَةُ النّاقَةِ، أوْ أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها مِن صَخْرَةٍ، وحَياتِها، ورَعْيِها، وشُرْبِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها، فَهُما آيَتانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ أوِ العُودِ مِن وسَطِهِ أوْ مِن جَوانِبِهِ.

و(مِنَ الجِبالِ) تَبْعِيضٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَنْحِتُونَ) . والمَعْنى مِن صَخْرِ الجِبالِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (يَنْحِتُونَ) .

صفحة ٧٤

و(آمِنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَنْحِتُونَ) وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَكُونُوا آمِنِينَ عَقِبَ نَحْتِها وسُكْناها. وكانَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لا يَنالُهم فِيها العَدُوُّ.

ولَكِنَّهم نَسُوا أنَّها لا تُأمِّنُهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والسَّبَبِيَّةِ، و”مُصْبِحِينَ“ حالٌ، أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ.

و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَصْنَعُونَ، أيِ البُيُوتُ الَّتِي عُنُوا بِتَحْصِينِها وتَحْسِينِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كانُوا) . وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ لِدَلالَتِها عَلى التَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ المُكَنّى بِهِ عَنْ إتْقانِ الصَّنْعَةِ، وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ المَوْصُولِ …

83

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ

But the shriek seized them at early morning.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ جُمِعَتْ قَصَصُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الثَّلاثِ: قَوْمِ لُوطٍ، وأصْحابِ الأيْكَةِ، وأصْحابِ الحِجْرِ في نَسَقٍ، لِتَماثُلِ حالِ العَذابِ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْها وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ والصّاعِقَةِ.

وأصْحابُ الحِجْرِ هم ثَمُودُ كانُوا يَنْزِلُونَ الحِجْرَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ: المَكانُ المَحْجُورُ، أيِ المَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ بِسَبَبِ اخْتِصاصٍ

صفحة ٧٣

بِهِ، أوِ اشْتُقَّ مِنَ الحِجارَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ بُيُوتَهم في صَخْرِ الجَبَلِ نَحْتًا مُحْكَمًا، وقَدْ جُعِلَتْ طَبَقاتٌ وفي وسَطِها بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وبِئارٌ كَثِيرَةٌ.

والحِجْرُ هو المَعْرُوفُ بِوادِي القُرى وهو بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، وهو المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِاسْمِ مَدائِنِ صالِحٍ عَلى الطَّرِيقِ مِن خَيْبَرَ إلى تَبُوكَ ؟ .

وأمّا حَجْرُ اليَمامَةِ مَدِينَةِ بَنِي حَنِيفَةَ فَهي بِفَتْحِ الحاءِ وهي في بِلادِ نَجْدٍ وتُسَمّى العُرُوضُ وهي اليَوْمَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ.

وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنَ الإفْرِنْجِ أنَّ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في ذَلِكَ الجَبَلِ كانَتْ قُبُورًا، وتَعَلَّقُوا بِحُجَجٍ وهْمِيَّةٍ، ومِمّا يُفَنِّدُ أقْوالَهم خَلُوُّ تِلْكَ الكُهُوفِ عَنْ أجْسادٍ آدَمِيَّةٍ، وإذا كانَتْ تِلْكَ قُبُورًا فَأيْنَ كانَتْ مَنازِلُ الأحْياءِ ؟ .

والظّاهِرُ أنَّ ثَمُودَ لَمّا أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كانُوا مُنْتَشِرِينَ في خارِجِ البُيُوتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، وقَدْ وُجِدَتْ في مَداخِلِ تِلْكَ البُيُوتِ نُقَرٌ صَغِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّها مَجْعُولَةٌ لِوَصْدِ أبْوابِ المَداخِلِ في اللَّيْلِ.

وتَعْرِيفُ المُرْسَلِينَ لِلْجِنْسِ، فَيَصْدُقُ بِالواحِدِ، إذِ المُرادُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الآياتِ في قَوْلِهِ (آياتِنا) مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، وهي آيَةُ النّاقَةِ، أوْ أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها مِن صَخْرَةٍ، وحَياتِها، ورَعْيِها، وشُرْبِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها، فَهُما آيَتانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ أوِ العُودِ مِن وسَطِهِ أوْ مِن جَوانِبِهِ.

و(مِنَ الجِبالِ) تَبْعِيضٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَنْحِتُونَ) . والمَعْنى مِن صَخْرِ الجِبالِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (يَنْحِتُونَ) .

صفحة ٧٤

و(آمِنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَنْحِتُونَ) وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَكُونُوا آمِنِينَ عَقِبَ نَحْتِها وسُكْناها. وكانَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لا يَنالُهم فِيها العَدُوُّ.

ولَكِنَّهم نَسُوا أنَّها لا تُأمِّنُهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والسَّبَبِيَّةِ، و”مُصْبِحِينَ“ حالٌ، أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ.

و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَصْنَعُونَ، أيِ البُيُوتُ الَّتِي عُنُوا بِتَحْصِينِها وتَحْسِينِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كانُوا) . وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ لِدَلالَتِها عَلى التَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ المُكَنّى بِهِ عَنْ إتْقانِ الصَّنْعَةِ، وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ المَوْصُولِ …

84

فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

So nothing availed them [from] what they used to earn.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ جُمِعَتْ قَصَصُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الثَّلاثِ: قَوْمِ لُوطٍ، وأصْحابِ الأيْكَةِ، وأصْحابِ الحِجْرِ في نَسَقٍ، لِتَماثُلِ حالِ العَذابِ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْها وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ والصّاعِقَةِ.

وأصْحابُ الحِجْرِ هم ثَمُودُ كانُوا يَنْزِلُونَ الحِجْرَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ: المَكانُ المَحْجُورُ، أيِ المَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ بِسَبَبِ اخْتِصاصٍ

صفحة ٧٣

بِهِ، أوِ اشْتُقَّ مِنَ الحِجارَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ بُيُوتَهم في صَخْرِ الجَبَلِ نَحْتًا مُحْكَمًا، وقَدْ جُعِلَتْ طَبَقاتٌ وفي وسَطِها بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وبِئارٌ كَثِيرَةٌ.

والحِجْرُ هو المَعْرُوفُ بِوادِي القُرى وهو بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، وهو المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِاسْمِ مَدائِنِ صالِحٍ عَلى الطَّرِيقِ مِن خَيْبَرَ إلى تَبُوكَ ؟ .

وأمّا حَجْرُ اليَمامَةِ مَدِينَةِ بَنِي حَنِيفَةَ فَهي بِفَتْحِ الحاءِ وهي في بِلادِ نَجْدٍ وتُسَمّى العُرُوضُ وهي اليَوْمَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ.

وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنَ الإفْرِنْجِ أنَّ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في ذَلِكَ الجَبَلِ كانَتْ قُبُورًا، وتَعَلَّقُوا بِحُجَجٍ وهْمِيَّةٍ، ومِمّا يُفَنِّدُ أقْوالَهم خَلُوُّ تِلْكَ الكُهُوفِ عَنْ أجْسادٍ آدَمِيَّةٍ، وإذا كانَتْ تِلْكَ قُبُورًا فَأيْنَ كانَتْ مَنازِلُ الأحْياءِ ؟ .

والظّاهِرُ أنَّ ثَمُودَ لَمّا أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كانُوا مُنْتَشِرِينَ في خارِجِ البُيُوتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، وقَدْ وُجِدَتْ في مَداخِلِ تِلْكَ البُيُوتِ نُقَرٌ صَغِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّها مَجْعُولَةٌ لِوَصْدِ أبْوابِ المَداخِلِ في اللَّيْلِ.

وتَعْرِيفُ المُرْسَلِينَ لِلْجِنْسِ، فَيَصْدُقُ بِالواحِدِ، إذِ المُرادُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الآياتِ في قَوْلِهِ (آياتِنا) مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، وهي آيَةُ النّاقَةِ، أوْ أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها مِن صَخْرَةٍ، وحَياتِها، ورَعْيِها، وشُرْبِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها، فَهُما آيَتانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ أوِ العُودِ مِن وسَطِهِ أوْ مِن جَوانِبِهِ.

و(مِنَ الجِبالِ) تَبْعِيضٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَنْحِتُونَ) . والمَعْنى مِن صَخْرِ الجِبالِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (يَنْحِتُونَ) .

صفحة ٧٤

و(آمِنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَنْحِتُونَ) وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَكُونُوا آمِنِينَ عَقِبَ نَحْتِها وسُكْناها. وكانَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لا يَنالُهم فِيها العَدُوُّ.

ولَكِنَّهم نَسُوا أنَّها لا تُأمِّنُهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والسَّبَبِيَّةِ، و”مُصْبِحِينَ“ حالٌ، أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ.

و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَصْنَعُونَ، أيِ البُيُوتُ الَّتِي عُنُوا بِتَحْصِينِها وتَحْسِينِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كانُوا) . وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ لِدَلالَتِها عَلى التَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ المُكَنّى بِهِ عَنْ إتْقانِ الصَّنْعَةِ، وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ المَوْصُولِ …

85

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَءَاتِيَةٌۭ ۖ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ

And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾

مَوْقِعُ الواوِ في صَدْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَدِيعٌ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِقَصَصِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ بِبَيانِ أنَّ ما أصابَهم قَدِ اسْتَحَقُّوهُ؛ فَهو مِن عَدْلِ اللَّهِ بِالجَزاءِ عَلى الأعْمالِ بِما يُناسِبُها، ولِأنْ تَكُونَ تَصْدِيرًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها وهي جُمْلَةُ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾، والمُرادُ ساعَةُ جَزاءِ المُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أيْ ساعَةُ البَعْثِ، فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً أوْ حالِيَّةً، وعَلى الثّانِي عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ وخَبَرًا عَلى خَبَرٍ.

صفحة ٧٥

عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَطْفُ في الحالَيْنِ لِجَعْلِها مُسْتَقِلَّةً بِإفادَةِ مَضْمُونِها؛ لِأهَمِّيَّتِهِ مَعَ كَوْنِها مُكَمِّلَةً لِغَيْرِها، وإنَّما أكْسَبَها هَذا المَوْقِعُ البَدِيعُ نَظْمَ الجُمَلِ المُعْجِزِ والتَّنَقُّلَ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ بِما بَيْنَها مِنَ المُناسَبَةِ.

وتَشْمَلُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما أصْنافَ المَخْلُوقاتِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ، فَشَمَلَ الأُمَمَ الَّتِي عَلى الأرْضِ وما حَلَّ بِها، وشَمَلَ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِإنْزالِ العَذابِ، وشَمَلَ الحَوادِثَ الكَوْنِيَّةَ الَّتِي حَلَّتْ بِالأُمَمِ مِنَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والكِسَفِ.

والباءُ في (إلّا بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (خَلَقْنا)، أيْ خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ، ومُقارِنًا لَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الحَقُّ بادِيًا في جَمِيعِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ.

والمُلابَسَةُ هُنا عُرْفِيَّةٌ؛ فَقَدْ يَتَأخَّرُ ظُهُورُ الحَقِّ عَنْ خَلْقِ بَعْضِ الأحْوالِ والحَوادِثِ تَأخُّرًا مُتَفاوِتًا، فالمُلابَسَةُ بَيْنَ الخَلْقِ والحَقِّ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ مِن ظُهُورِ الحَقِّ وخَفائِهِ، عَلى أنَّهُ لا يَلْبَثُ أنْ يَظْهَرَ في عاقِبَةِ الأُمُورِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] .

والحَقُّ: هُنا هو إجْراءُ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ عَلى نِظامٍ مُلائِمٍ لِلْحِكْمَةِ والمُناسَبَةِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والكَمالِ والنَّقْصِ، والسُّمُوِّ والخَفْضِ، في كُلِّ نَوْعٍ بِما يَلِيقُ بِماهِيَّتِهِ وحَقِيقَتِهِ وما يُصْلِحُهُ، وما يَصْلُحُ هو لَهُ، بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ النِّظامُ العامُّ لا بِحَسَبِ الأمْيالِ والشَّهَواتِ، فَإذا لاحَ ذَلِكَ الحَقُّ المَوْصُوفُ مُقارَنًا وجُودُهُ لِوُجُودِ مَحْقُوقِهِ فالأمْرُ واضِحٌ، وإذا لاحَ تَخَلُّفُ شَيْءٍ عَنْ مُناسَبَةٍ فَبِالتَّأمُّلِ والبَحْثِ يَتَّضِحُ أنَّ وراءَ ذَلِكَ مُناسَبَةً قَضَتْ بِتَعْطِيلِ المُقارَنَةِ المَحْقُوقَةِ، ثُمَّ لا يَتَبَدَّلُ الحَقُّ آخِرَ الأمْرِ.

وهَذا التَّأْوِيلُ يُظْهِرُهُ مَوْقِعُ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ عِقابِ الأُمَمِ الَّتِي طَغَتْ وظَلَمَتْ، فَإنَّ ذَلِكَ جَزاءٌ مُناسِبٌ تَمَرُّدَها وفَسادَها، وأنَّها وإنْ أُمْهِلَتْ حِينًا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِحِكْمَةِ اسْتِبْقاءِ عُمْرانِ جُزْءٍ مِنَ العالَمِ زَمانًا فَهي لَمْ تُفْلِتْ مِنَ العَذابِ المُسْتَحَقِّ لَها، وهو مِنَ الحَقِّ أيْضًا فَما كانَ إمْهالُها

صفحة ٧٦

إلّا حَقًّا، وما كانَ حُلُولُ العَذابِ بِها إلّا حَقًّا عِنْدَ حُلُولِ أسْبابِهِ، وهو التَّمَرُّدُ عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَزاءِ الآخِرَةِ أنْ تُعَطِّلَ الجَزاءَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ عُطْلِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ العامَّةُ أوِ الخاصَّةُ. …

86

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ

Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾

مَوْقِعُ الواوِ في صَدْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَدِيعٌ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِقَصَصِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ بِبَيانِ أنَّ ما أصابَهم قَدِ اسْتَحَقُّوهُ؛ فَهو مِن عَدْلِ اللَّهِ بِالجَزاءِ عَلى الأعْمالِ بِما يُناسِبُها، ولِأنْ تَكُونَ تَصْدِيرًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها وهي جُمْلَةُ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾، والمُرادُ ساعَةُ جَزاءِ المُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أيْ ساعَةُ البَعْثِ، فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً أوْ حالِيَّةً، وعَلى الثّانِي عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ وخَبَرًا عَلى خَبَرٍ.

صفحة ٧٥

عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ العَطْفُ في الحالَيْنِ لِجَعْلِها مُسْتَقِلَّةً بِإفادَةِ مَضْمُونِها؛ لِأهَمِّيَّتِهِ مَعَ كَوْنِها مُكَمِّلَةً لِغَيْرِها، وإنَّما أكْسَبَها هَذا المَوْقِعُ البَدِيعُ نَظْمَ الجُمَلِ المُعْجِزِ والتَّنَقُّلَ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ بِما بَيْنَها مِنَ المُناسَبَةِ.

وتَشْمَلُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما أصْنافَ المَخْلُوقاتِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ، فَشَمَلَ الأُمَمَ الَّتِي عَلى الأرْضِ وما حَلَّ بِها، وشَمَلَ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِإنْزالِ العَذابِ، وشَمَلَ الحَوادِثَ الكَوْنِيَّةَ الَّتِي حَلَّتْ بِالأُمَمِ مِنَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ والكِسَفِ.

والباءُ في (إلّا بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (خَلَقْنا)، أيْ خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ، ومُقارِنًا لَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الحَقُّ بادِيًا في جَمِيعِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ.

والمُلابَسَةُ هُنا عُرْفِيَّةٌ؛ فَقَدْ يَتَأخَّرُ ظُهُورُ الحَقِّ عَنْ خَلْقِ بَعْضِ الأحْوالِ والحَوادِثِ تَأخُّرًا مُتَفاوِتًا، فالمُلابَسَةُ بَيْنَ الخَلْقِ والحَقِّ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ مِن ظُهُورِ الحَقِّ وخَفائِهِ، عَلى أنَّهُ لا يَلْبَثُ أنْ يَظْهَرَ في عاقِبَةِ الأُمُورِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] .

والحَقُّ: هُنا هو إجْراءُ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ عَلى نِظامٍ مُلائِمٍ لِلْحِكْمَةِ والمُناسَبَةِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والكَمالِ والنَّقْصِ، والسُّمُوِّ والخَفْضِ، في كُلِّ نَوْعٍ بِما يَلِيقُ بِماهِيَّتِهِ وحَقِيقَتِهِ وما يُصْلِحُهُ، وما يَصْلُحُ هو لَهُ، بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ النِّظامُ العامُّ لا بِحَسَبِ الأمْيالِ والشَّهَواتِ، فَإذا لاحَ ذَلِكَ الحَقُّ المَوْصُوفُ مُقارَنًا وجُودُهُ لِوُجُودِ مَحْقُوقِهِ فالأمْرُ واضِحٌ، وإذا لاحَ تَخَلُّفُ شَيْءٍ عَنْ مُناسَبَةٍ فَبِالتَّأمُّلِ والبَحْثِ يَتَّضِحُ أنَّ وراءَ ذَلِكَ مُناسَبَةً قَضَتْ بِتَعْطِيلِ المُقارَنَةِ المَحْقُوقَةِ، ثُمَّ لا يَتَبَدَّلُ الحَقُّ آخِرَ الأمْرِ.

وهَذا التَّأْوِيلُ يُظْهِرُهُ مَوْقِعُ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ عِقابِ الأُمَمِ الَّتِي طَغَتْ وظَلَمَتْ، فَإنَّ ذَلِكَ جَزاءٌ مُناسِبٌ تَمَرُّدَها وفَسادَها، وأنَّها وإنْ أُمْهِلَتْ حِينًا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِحِكْمَةِ اسْتِبْقاءِ عُمْرانِ جُزْءٍ مِنَ العالَمِ زَمانًا فَهي لَمْ تُفْلِتْ مِنَ العَذابِ المُسْتَحَقِّ لَها، وهو مِنَ الحَقِّ أيْضًا فَما كانَ إمْهالُها

صفحة ٧٦

إلّا حَقًّا، وما كانَ حُلُولُ العَذابِ بِها إلّا حَقًّا عِنْدَ حُلُولِ أسْبابِهِ، وهو التَّمَرُّدُ عَلى أنْبِيائِهِمْ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَزاءِ الآخِرَةِ أنْ تُعَطِّلَ الجَزاءَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ عُطْلِ ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ العامَّةُ أوِ الخاصَّةُ. …

87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًۭا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ

And We have certainly given you, [O Muhammad], seven of the often repeated [verses] and the great Qur'an.

﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وجُمْلَةِ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] الآيَةَ.

أتْبَعَ التَّسْلِيَةَ والوَعْدَ بِالمِنَّةِ لِيُذَكِّرُ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالنِّعْمَةِ العَظِيمَةِ فَيَطْمَئِنَّ بِأنَّهُ كَما أحْسَنَ إلَيْهِ بِالنِّعَمِ الحاصِلَةِ فَهو مُنْجِزُهُ الوُعُودَ الصّادِقَةَ.

وفِي هَذا الِامْتِنانِ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .

فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ عَطْفُ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ، والقِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وهَذا افْتِتاحُ غَرَضٍ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ والتَّحْقِيرِ لِعَيْشِ المُشْرِكِينَ.

وإيتاءُ القُرْآنِ: أيْ إعْطاؤُهُ، وهو تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ والوَحْيُ بِهِ إلَيْهِ.

وأُوثِرَ فِعْلُ (آتَيْناكَ) دُونَ أوْحَيْنا أوْ أنْزَلْنا لِأنَّ الإعْطاءَ أظْهَرُ في الإكْرامِ والمِنَّةِ.

وجَعْلُ (القُرْآنَ) مَعْطُوفًا عَلى ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ السَّبْعَ المَثانِي مِنَ القُرْآنِ، وذَلِكَ ما دَرَجَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ودَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الآتِي.

وقَدْ وُصِفَ القُرْآنُ في سُورَةِ الزُّمَرِ بِالمَثانِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فَتَعَيَّنَ أنَّ السَّبْعَ هي أشْياءُ تَجْرِي

صفحة ٨٠

تَسْمِيَتُها عَلى التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها أُجْرِيَ عَلَيْها اسْمُ عَدَدِ المُؤَنَّثِ، ويَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ آياتٌ أوْ سُوَرٌ مِنَ القُرْآنِ، وأنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وذَلِكَ أيْضًا شَأْنُ (مِن) إذا وقَعَتْ بَعْدَ اسْمِ عَدَدٍ، وأنَّ المُرادَ أجْزاءٌ مِنَ القُرْآنِ آياتٌ أوْ سُوَرٌ لَها مَزِيَّةٌ اقْتَضَتْ تَخْصِيصَها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ القُرْآنِ، وأنَّ المَثانِيَ أسْماءُ القُرْآنِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الزُّمَرِ، وكَما اقْتَضَتْهُ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةُ، ولِكَوْنِ المَثانِي غَيْرَ السَّبْعِ مُغايَرَةً بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ تَصْحِيحًا لِلْعَطْفِ.

و(المَثانِي) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ مُثَنًّى بِضَمِّ المِيمِ وتَشْدِيدِ النُّونِ اسْمَ مَفْعُولٍ مُشْتَقًّا مِن ثَنّى إذا كَرَّرَ تَكْرِيرَةً، قِيلَ المَثانِي جَمْعُ مَثْناةٍ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ المُثَلَّثَةِ وبِهاءِ تَأْنِيثٍ في آخِرِهِ، فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الِاثْنَيْنِ.

والأصَحُّ أنَّ السَّبْعَ المَثانِي هي سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ؛ لِأنَّها يُثَنّى بِها، أيْ تُعادُ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ فاشْتِقاقُها مِنَ اسْمِ الِاثْنَيْنِ المُرادُ بِهِ مُطْلَقُ التَّكْرِيرِ، فَيَكُونُ اسْتِعْمالُهُ هَذا مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أوْ كِنايَةً؛ لِأنَّ التَّكْرِيرَ لازِمٌ كَما اسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أيْ كَرّاتٍ وفي قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ، وسَعْدَيْكَ، ودَوالَيْكَ.

أوْ هو جَمْعُ مَثْناةٍ مَصْدَرًا مِيمِيًّا عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ.

ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالسَّبْعِ سَبْعَ آياتٍ، فالمُؤْتى هو سُورَةُ الفاتِحَةِ؛ لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ وهَذا الَّذِي ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ «أُمَّ …

88

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of the disbelievers, and do not grieve over them. And lower your wing to the believers

﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّيَ أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]، ومِن تَساؤُلٍ يَجِيشُ في النَّفْسِ عَنِ الإمْلاءِ لِلْمُكَذِّبِينَ في النِّعْمَةِ والتَّرَفِ مَعَ ما رُمِقُوا بِهِ مِنَ الغَضَبِ والوَعِيدِ فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ بَيانًا لِما يَخْتَلِجُ في نَفْسِ السّامِعِ مِن ذَلِكَ، ولِكَوْنِها بِهَذِهِ المَثابَةِ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها فَصْلَ البَيانِ عَنِ المُبَيَّنِ.

ولَوْلا أنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ قَبْلَها كانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لَها والإجْمالِ لِمَضْمُونِها لَعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ؛ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدَ نَهْيٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، كَما عُطِفَتْ نَظِيرَتُها في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ طه ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا

صفحة ٨٢

بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١]، فَلَمّا فُصِلَتِ الجُمْلَةُ هُنا فُهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَها مَقْصُودَةُ التَّمْهِيدِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَوْ عُطِفَتْ هَذِهِ لَما فُهِمَ هَذا المَعْنى البَدِيعُ مِنَ النَّظْمِ.

والمَدُّ: أصْلُهُ الزِّيادَةُ، وأُطْلِقَ عَلى بَسْطِ الجِسْمِ وتَطْوِيلِهِ؛ يُقالُ: مَدَّ يَدَهُ إلى كَذا، ومَدَّ رِجْلَهُ في الأرْضِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلزِّيادَةِ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ مَدَدُ الجَيْشِ، ومَدُّ البَحْرِ، والمَدُّ في العُمُرِ، وتِلْكَ إطْلاقاتٌ شائِعَةٌ صارَتْ حَقِيقَةً. واسْتُعِيرَ المَدُّ هُنا إلى التَّحْدِيقِ بِالنَّظَرِ والطُّمُوحِ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِمَدِّ اليَدِ لِلْمُتَناوِلِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ نَظَرُ الإعْجابِ مِمّا هم فِيهِ مِن حُسْنِ الحالِ في رَفاهِيَةِ عَيْشِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، أيْ فَإنَّ ما أُوتِيتَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَلَوْ كانُوا بِمَحَلِّ العِنايَةَ لاتَّبَعُوا ما آتَيْناكَ، ولَكِنَّهم رَضُوا بِالمَتاعِ العاجِلِ فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُعْجِبُ حالَهم.

والأزْواجُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْناهُ المَشْهُورِ، أيِ الكُفّارُ ونِسائُهم، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ أنَّ حالَتَهم أتَمُّ أحْوالِ التَّمَتُّعِ؛ لِاسْتِكْمالِها جَمِيعَ اللَّذّاتِ والأُنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَجازُ عَنِ الأصْنافِ، وهو اسْتِعْمالٌ أثْبَتَهُ الرّاغِبُ، فَوَجْهُ ذِكْرِهِ في الآيَةِ أنَّ التَّمَتُّعَ الَّذِي تَمْتَدُّ إلى مِثْلِهِ العَيْنُ لَيْسَ ثابِتًا لِجَمِيعِ الكُفّارِ بَلْ هو شَأْنُ كُبَرائِهِمْ، أيْ فَإنَّ فِيهِمْ مَن هم في حالِ خَصاصَةٍ، فاعْتَبِرْ بِهِمْ كَيْفَ جُمِعَ لَهُمُ الكُفْرُ وشَظَفُ العَيْشِ ؟ .

والنَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ شامِلٌ لِكُلِّ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ مِن شَأْنِها أنْ تُحْزِنَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتُؤْسِفُهُ، فَمِن ذَلِكَ كُفْرُهم كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، ومِنهُ حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهم سادَةُ أهْلِ مَكَّةَ، فَلَعَلَّ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَتَحَسَّرَ عَلى إصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِنَ العَذابِ، فَفي هَذا النَّهْيِ كِنايَةٌ عَنْ …

89

وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ

And say, "Indeed, I am the clear warner" -

﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وقُلْ إنِّيَ أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُثِيرُهُ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]، ومِن تَساؤُلٍ يَجِيشُ في النَّفْسِ عَنِ الإمْلاءِ لِلْمُكَذِّبِينَ في النِّعْمَةِ والتَّرَفِ مَعَ ما رُمِقُوا بِهِ مِنَ الغَضَبِ والوَعِيدِ فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ بَيانًا لِما يَخْتَلِجُ في نَفْسِ السّامِعِ مِن ذَلِكَ، ولِكَوْنِها بِهَذِهِ المَثابَةِ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها فَصْلَ البَيانِ عَنِ المُبَيَّنِ.

ولَوْلا أنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ قَبْلَها كانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لَها والإجْمالِ لِمَضْمُونِها لَعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ؛ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدَ نَهْيٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، كَما عُطِفَتْ نَظِيرَتُها في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ طه ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ [طه: ١٣٠] ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا

صفحة ٨٢

بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١]، فَلَمّا فُصِلَتِ الجُمْلَةُ هُنا فُهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَها مَقْصُودَةُ التَّمْهِيدِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، ولَوْ عُطِفَتْ هَذِهِ لَما فُهِمَ هَذا المَعْنى البَدِيعُ مِنَ النَّظْمِ.

والمَدُّ: أصْلُهُ الزِّيادَةُ، وأُطْلِقَ عَلى بَسْطِ الجِسْمِ وتَطْوِيلِهِ؛ يُقالُ: مَدَّ يَدَهُ إلى كَذا، ومَدَّ رِجْلَهُ في الأرْضِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلزِّيادَةِ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ مَدَدُ الجَيْشِ، ومَدُّ البَحْرِ، والمَدُّ في العُمُرِ، وتِلْكَ إطْلاقاتٌ شائِعَةٌ صارَتْ حَقِيقَةً. واسْتُعِيرَ المَدُّ هُنا إلى التَّحْدِيقِ بِالنَّظَرِ والطُّمُوحِ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِمَدِّ اليَدِ لِلْمُتَناوِلِ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ نَظَرُ الإعْجابِ مِمّا هم فِيهِ مِن حُسْنِ الحالِ في رَفاهِيَةِ عَيْشِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ، أيْ فَإنَّ ما أُوتِيتَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَلَوْ كانُوا بِمَحَلِّ العِنايَةَ لاتَّبَعُوا ما آتَيْناكَ، ولَكِنَّهم رَضُوا بِالمَتاعِ العاجِلِ فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُعْجِبُ حالَهم.

والأزْواجُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْناهُ المَشْهُورِ، أيِ الكُفّارُ ونِسائُهم، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ أنَّ حالَتَهم أتَمُّ أحْوالِ التَّمَتُّعِ؛ لِاسْتِكْمالِها جَمِيعَ اللَّذّاتِ والأُنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَجازُ عَنِ الأصْنافِ، وهو اسْتِعْمالٌ أثْبَتَهُ الرّاغِبُ، فَوَجْهُ ذِكْرِهِ في الآيَةِ أنَّ التَّمَتُّعَ الَّذِي تَمْتَدُّ إلى مِثْلِهِ العَيْنُ لَيْسَ ثابِتًا لِجَمِيعِ الكُفّارِ بَلْ هو شَأْنُ كُبَرائِهِمْ، أيْ فَإنَّ فِيهِمْ مَن هم في حالِ خَصاصَةٍ، فاعْتَبِرْ بِهِمْ كَيْفَ جُمِعَ لَهُمُ الكُفْرُ وشَظَفُ العَيْشِ ؟ .

والنَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ شامِلٌ لِكُلِّ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ مِن شَأْنِها أنْ تُحْزِنَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتُؤْسِفُهُ، فَمِن ذَلِكَ كُفْرُهم كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، ومِنهُ حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهم سادَةُ أهْلِ مَكَّةَ، فَلَعَلَّ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَتَحَسَّرَ عَلى إصْرارِهِمْ حَتّى حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِنَ العَذابِ، فَفي هَذا النَّهْيِ كِنايَةٌ عَنْ …

90

كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ

Just as We had revealed [scriptures] to the separators

﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ التَّشْبِيهُ الَّذِي أفادَهُ الكافُ تَشْبِيهٌ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى المُقْتَسِمِينَ.

و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي المُشَبَّهُ بِهِ.

وأمّا المُشَبَّهُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإيتاءَ المَأْخُوذَ مِن فِعْلِ ﴿آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، أيْ إيتاءً كالَّذِي أنْزَلْنا أوْ كَإنْزالِنا عَلى المُقْتَسِمِينَ، شَبَّهَ إيتاءَ بَعْضِ القُرْآنِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ في شَأْنِ المُقْتَسِمِينَ، أيْ أنْزَلْناهُ عَلى رُسُلِ المُقْتَسِمِينَ بِحَسْبِ التَّفْسِيرَيْنِ الآتِيَيْنِ في مَعْنى المُقْتَسِمِينَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ الإنْذارَ المَأْخُوذَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩]، أيِ الإنْذارُ بِالعِقابِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] .

وأُسْلُوبُ الكَلامِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أُسْلُوبُ تَخَلُّصٍ مِن تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى وعِيدِ المُشْرِكِينَ الطّاعِنِينَ في القُرْآنِ بِأنَّهم سَيُحاسَبُونَ عَلى مَطاعِنِهِمْ.

وهُوَ إمّا وعِيدٌ صَرِيحٌ إنْ أُرِيدَ بِالمُقْتَسِمِينَ نَفْسُ المُرادِ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] .

وحَرْفُ (عَلى) هُنا بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وقَوْلِ عَلْقَمَةَ بْنِ شَيْبانَ مِن بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:

صفحة ٨٥

ونُطاعِنُ الأعْداءَ عَنْ أبْنائِنَـا وعَلى بَصائِرِنا وإنْ لَمْ نُبْصِرِ

ولَفْظُ المُقْتَسِمِينَ افْتِعالٌ مِن قَسَّمَ إذا جَعَلَ شَيْئًا أقْسامًا، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ هُنا تَقْتَضِي تَكَلُّفَ الفِعْلِ.

والمُقْتَسِمُونَ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ جَمْعٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِن قُرَيْشٍ وهم سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَنَذْكُرُ أسْماءَهم، فَيَكُونُ المُرادُ بِالقُرْآنِ مُسَمّى هَذا الِاسْمِ العَلَمِ، وهو كِتابُ الإسْلامِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ طَوائِفُ أهْلِ الكِتابِ قَسَّمُوا كِتابَهم أقْسامًا، مِنها ما أظْهَرُوهُ، ومِنها ما أنْسَوْهُ، فَيَكُونُ القُرْآنُ مَصْدَرًا أُطْلِقَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، أيِ المَقْرُوءِ مِن كُتُبِهِمْ، أوْ قَسَّمُوا كِتابَ الإسْلامِ، مِنهُ ما صَدَّقُوا بِهِ وهو مِمّا وافَقَ دِينَهم، ومِنهُ ما كَذَّبُوا بِهِ وهو ما خالَفَ ما هم عَلَيْهِ.

وقَدْ أُجْمِلَ المُرادُ بِالمُقْتَسِمِينَ إجْمالًا بَيَّنَهُ وصْفُهم بِالصِّلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾، فَلا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُقْتَسِمُونَ غَيْرَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا.

ومَعْنى التَّقْسِيمِ والتَّجْزِئَةِ هُنا تَفْرِقَةُ الصِّفاتِ والأحْوالِ لا تَجْزِئَةُ الذّاتِ.

و(القُرْآنَ) هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِاسْمَ المَجْعُولَ عَلَمًا لِكِتابِ الإسْلامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الكِتابَ المَقْرُوءَ فَيُصَدَّقُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

و(عِضِينَ) جَمْعُ عِضَةٍ، والعِضَةُ: الجُزْءُ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وأصْلُها عُضْوٌ فَحُذِفَتِ الواوُ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وعُوِّضَ عَنْها الهاءُ مِثْلُ الهاءِ في سَنَةٍ وشَفَةٍ، وحَذْفُ اللّامِ قُصِدَ مِنهُ تَخْفِيفُ الكَلِمَةِ؛ لِأنَّ الواوَ في آخِرِ الكَلِمَةِ تَثْقُلُ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْها، فَعَوَّضُوا عَنْها حَرْفًا؛ لِئَلّا تَبْقى الكَلِمَةُ عَلى حَرْفَيْنِ، …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.