Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 99

71

قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ

[Lot] said, "These are my daughters - if you would be doers [of lawful marriage]."

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

72

لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

By your life, [O Muhammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

73

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ

So the shriek seized them at sunrise.

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

74

فَجَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍ

And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

75

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ

Indeed in that are signs for those who discern.

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

76

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍۢ مُّقِيمٍ

And indeed, those cities are [situated] on an established road.

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

77

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

Indeed in that is a sign for the believers.

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

78

وَإِن كَانَ أَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَٰلِمِينَ

And the companions of the thicket were [also] wrongdoers.

﴿وإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الحجر: ٧٩]

عَطَفَ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ لِما في كِلْتَيْهِما مِنَ المَوْعِظَةِ، وذِكْرُ هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ تَكْمِيلٌ وإدْماجٌ إذْ لا عَلاقَةَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما قَبْلَهُما مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ

صفحة ٧١

والمَلائِكَةِ، وخَصَّ بِالذِّكْرِ أصْحابَ الأيْكَةِ، وأصْحابَ الحِجْرِ؛ لِأنَّهم مِثْلُ قَوْمِ لُوطٍ في مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ يُشاهِدُونَ دِيارَ هَذِهِ الأُمَمِ الثَّلاثِ.

و(إنْ) مُخَفَّفَةُ (إنَّ) وقَدْ أُهْمِلَ عَمَلُها بِالتَّخْفِيفِ فَدَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَظالِمِينَ) اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنَّ) الَّتِي أصْلُها مُشَدَّدَةٌ وبَيْنَ (إنَّ) النّافِيَةِ.

والأيْكَةُ: الغَيْضَةُ مِنَ الأشْجارِ المُلْتَفُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، واسْمُ الجَمْعِ (أيْكٌ)، وأُطْلِقَتْ هُنا مُرادًا بِها الجِنْسُ إذْ قَدْ كانَتْ مَنازِلُهم في غَيْضَةٍ مِنَ الأشْجارِ الكَثِيرَةِ والوَرَقِ، وقَدْ تُخَفَّفُ الأيْكَةُ فَيُقالُ لَيْكَةُ.

وأصْحابُ الأيْكَةِ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم مَدْيَنُ. وقِيلَ أصْحابُ الأيْكَةِ فَرِيقٌ مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ غَيْرُ أهْلِ مَدْيَنَ، فَأهْلُ مَدْيَنَ سُكّانُ الحاضِرَةِ وأصْحابُ الأيْكَةِ هم بادِيَتُهم، وكانَ شُعَيْبٌ رَسُولًا إلَيْهِمْ جَمِيعًا، قالَ تَعالى (﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦] ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧])، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُسْتَوْفِيًا في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ.

والِانْتِقامُ: العُقُوبَةُ لِأجْلِ ذَنْبٍ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّقْمِ، وهو الإنْكارُ عَلى الفِعْلِ، يُقالُ: نَقَمَ عَلَيْهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ونَقَمَ مِنهُ أيْضًا. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿وما تَنْقِمُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وأُجْمِلَ الِانْتِقامُ في هَذِهِ الآيَةِ وبُيِّنَ في آياتٍ أُخْرى مِثْلِ آيَةِ هُودٍ.

79

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ

So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.

﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾

ضَمِيرُ (إنَّهُما) لِقَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ وأيْكَةُ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

صفحة ٧٢

والإمامُ: الطَّرِيقُ الواضِحُ؛ لِأنَّهُ يَأْتَمُّ بِهِ السّائِرُ، أيْ يَعْرِفُ أنَّهُ يُوَصِّلُ إذْ لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ، والمُبِينُ البَيِّنُ، أيْ أنَّ كِلْتا القَرْيَتَيْنِ بِطَرِيقِ القَوافِلِ بِأهْلِ مَكَّةَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] فَإدْخالُ مَدِينَةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الضَّمِيرِ هُنا تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ.

ويَظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهم قَبِيلَتانِ، وهُما مَدْيَنُ، وسُكّانُ الغَيْضَةِ الأصْلِيُّونَ الَّذِينَ نَزَلَ مَدْيَنُ بِجِوارِهِمْ، فَإنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أسْكَنَ ابْنَهُ مَدْيَنَ في شَرْقِ بِلادِ الخَلِيلِ، ولا يَكُونُ إلّا في أرْضٍ مَأْهُولَةٍ، وهَذا عِنْدِي هو مُقْتَضى ذِكْرِ قَوْمِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِ مَدْيَنَ مَرّاتٍ وبِاسْمِ أصْحابِ الأيْكَةِ مَرّاتٍ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيادَةُ إيضاحٍ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.

80

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ

And certainly did the companions of Thamud deny the messengers.

﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بِيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ جُمِعَتْ قَصَصُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الثَّلاثِ: قَوْمِ لُوطٍ، وأصْحابِ الأيْكَةِ، وأصْحابِ الحِجْرِ في نَسَقٍ، لِتَماثُلِ حالِ العَذابِ الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْها وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ والصّاعِقَةِ.

وأصْحابُ الحِجْرِ هم ثَمُودُ كانُوا يَنْزِلُونَ الحِجْرَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ: المَكانُ المَحْجُورُ، أيِ المَمْنُوعُ مِنَ النّاسِ بِسَبَبِ اخْتِصاصٍ

صفحة ٧٣

بِهِ، أوِ اشْتُقَّ مِنَ الحِجارَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ بُيُوتَهم في صَخْرِ الجَبَلِ نَحْتًا مُحْكَمًا، وقَدْ جُعِلَتْ طَبَقاتٌ وفي وسَطِها بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وبِئارٌ كَثِيرَةٌ.

والحِجْرُ هو المَعْرُوفُ بِوادِي القُرى وهو بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، وهو المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِاسْمِ مَدائِنِ صالِحٍ عَلى الطَّرِيقِ مِن خَيْبَرَ إلى تَبُوكَ ؟ .

وأمّا حَجْرُ اليَمامَةِ مَدِينَةِ بَنِي حَنِيفَةَ فَهي بِفَتْحِ الحاءِ وهي في بِلادِ نَجْدٍ وتُسَمّى العُرُوضُ وهي اليَوْمَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ.

وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنَ الإفْرِنْجِ أنَّ البُيُوتَ المَنحُوتَةَ في ذَلِكَ الجَبَلِ كانَتْ قُبُورًا، وتَعَلَّقُوا بِحُجَجٍ وهْمِيَّةٍ، ومِمّا يُفَنِّدُ أقْوالَهم خَلُوُّ تِلْكَ الكُهُوفِ عَنْ أجْسادٍ آدَمِيَّةٍ، وإذا كانَتْ تِلْكَ قُبُورًا فَأيْنَ كانَتْ مَنازِلُ الأحْياءِ ؟ .

والظّاهِرُ أنَّ ثَمُودَ لَمّا أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كانُوا مُنْتَشِرِينَ في خارِجِ البُيُوتِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، وقَدْ وُجِدَتْ في مَداخِلِ تِلْكَ البُيُوتِ نُقَرٌ صَغِيرَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّها مَجْعُولَةٌ لِوَصْدِ أبْوابِ المَداخِلِ في اللَّيْلِ.

وتَعْرِيفُ المُرْسَلِينَ لِلْجِنْسِ، فَيَصْدُقُ بِالواحِدِ، إذِ المُرادُ أنَّهم كَذَّبُوا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الآياتِ في قَوْلِهِ (آياتِنا) مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، وهي آيَةُ النّاقَةِ، أوْ أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها مِن صَخْرَةٍ، وحَياتِها، ورَعْيِها، وشُرْبِها. وقَدْ رُوِيَ أنَّها خَرَجَ مَعَها فَصِيلُها، فَهُما آيَتانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، والنَّحْتُ: بَرْيُ الحَجَرِ أوِ العُودِ مِن وسَطِهِ أوْ مِن جَوانِبِهِ.

و(مِنَ الجِبالِ) تَبْعِيضٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَنْحِتُونَ) . والمَعْنى مِن صَخْرِ الجِبالِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (يَنْحِتُونَ) .

صفحة ٧٤

و(آمِنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَنْحِتُونَ) وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدِّرِينَ أنْ يَكُونُوا آمِنِينَ عَقِبَ نَحْتِها وسُكْناها. وكانَتْ لَهم بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لا يَنالُهم فِيها العَدُوُّ.

ولَكِنَّهم نَسُوا أنَّها لا تُأمِّنُهم مِن عَذابِ اللَّهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

والفاءُ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ والسَّبَبِيَّةِ، و”مُصْبِحِينَ“ حالٌ، أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الصَّباحِ.

و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ يَصْنَعُونَ، أيِ البُيُوتُ الَّتِي عُنُوا بِتَحْصِينِها وتَحْسِينِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كانُوا) . وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ لِدَلالَتِها عَلى التَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ المُكَنّى بِهِ عَنْ إتْقانِ الصَّنْعَةِ، وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ المَوْصُولِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.