Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 99

61

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ

And when the messengers came to the family of Lot,

﴿فَلَمّا جا آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ، وقَدْ طُوِيَ ما هو مَعْلُومٌ مِن خُرُوجِ المَلائِكَةِ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ، والتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوهُ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ فَلَمّا جاءُوا لُوطًا.

صفحة ٦٣

وعُبِّرَ بِآلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا في مَنزِلَةٍ بَيْنَ أهْلِهِ فَجاءُوا آلَهُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ والمَجِيءِ هو لُوطٌ.

وتَوَلّى لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلَقِّيَهم كَما هو شَأْنُ كَبِيرِ المَنزِلِ، ولَكِنَّهُ وجَدَهم في شَكْلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ في القَبائِلِ الَّتِي كانَتْ تَمُرُّ بِهِمْ فَأُلْهِمَ إلى أنَّ لَهم قِصَّةً غَرِيبَةً ولِذَلِكَ قالَ لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ لا تُعْرَفُ قَبِيلَتُكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى نَكِرَهم في سُورَةِ هُودٍ.

وقَدْ أجابُوهُ بِما يُزِيلُ ذَلِكَ إذْ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وإبْطالًا لِما ظَنَّهُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْ قَبِيلَتَهم فَلا يَأْمَنُهم أنْ يُعامِلُوهُ بِما يَضُرُّهُ.

وعُبِّرَ عَنِ العَذابِ بِـ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّعْذِيبُ، أيْ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ قَوْمُكَ يَشُكُّونَ في حُلُولِهِ بِهِمْ وهو العَذابُ، فَعَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والمُرادُ بِالحَقِّ الخَبَرُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ وإنّا لَصادِقُونَ.

وقَوْلُهُ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

حِكايَةً لِخِطابِ المَلائِكَةِ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَعْنى عِباراتِهِمْ مُحَوَّلَةً إلى نَظْمٍ عَرَبِيٍّ يُفِيدُ مَعْنى كَلامِهِمْ في نَظْمٍ عَرَبِيٍّ بَلِيغٍ، فَبِنا أنَّ نُبَيِّنَ خَصائِصَ هَذا النَّظْمِ العَرَبِيِّ:

فَإعادَةُ فِعْلِ أتَيْناكَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ مَعَ أنَّ فِعْلَ أتَيْناكَ مُرادِفٌ لِفِعْلِ جِئْناكَ دُونَ أنْ يَقُولَ: وبِالحَقِّ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ، والتَّعْبِيرُ في أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِمادَّةِ المَجِيءِ وفي الفِعْلِ الآخَرِ بِمادَّةِ الإتْيانِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِدَفْعِ تَكْرارِ الفِعْلِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا. وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وقَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ.

صفحة ٦٤

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِذِكْرِ الفِعْلِ الثّانِي وهو وأتَيْناكَ خُصُوصِيَّةٌ لا تَفِي بِها واوُ العَطْفِ، وهي مُراعاةُ اخْتِلافِ المَجْرُورَيْنِ بِالباءِ في مُناسَبَةِ كُلٍّ مِنها لِلْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ هو بِهِ، فَلَمّا كانَ المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ جِئْناكَ أمْرًا حِسِّيًّا وهو العَذابُ الَّذِي كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وكانَ ما يَصِحُّ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ المَجِيءُ بِمَعْنى كالحَقِيقِيِّ، إذْ هو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ مَشْهُورٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقِيِّ، أُوثِرَ فِعْلُ جِئْناكَ لِيُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ويُعَلَّقُ بِهِ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وتَكُونُ الباءُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ لِلتَّعَدُّدِيَّةِ؛ لِأنَّهم أجاءُوا العَذابَ، قَوْلُهُ تَعالى بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ مَوْقِعُ مَفْعُولٍ …

62

قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ مُّنكَرُونَ

He said, "Indeed, you are people unknown."

﴿فَلَمّا جا آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ، وقَدْ طُوِيَ ما هو مَعْلُومٌ مِن خُرُوجِ المَلائِكَةِ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ، والتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوهُ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ فَلَمّا جاءُوا لُوطًا.

صفحة ٦٣

وعُبِّرَ بِآلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا في مَنزِلَةٍ بَيْنَ أهْلِهِ فَجاءُوا آلَهُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ والمَجِيءِ هو لُوطٌ.

وتَوَلّى لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلَقِّيَهم كَما هو شَأْنُ كَبِيرِ المَنزِلِ، ولَكِنَّهُ وجَدَهم في شَكْلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ في القَبائِلِ الَّتِي كانَتْ تَمُرُّ بِهِمْ فَأُلْهِمَ إلى أنَّ لَهم قِصَّةً غَرِيبَةً ولِذَلِكَ قالَ لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ لا تُعْرَفُ قَبِيلَتُكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى نَكِرَهم في سُورَةِ هُودٍ.

وقَدْ أجابُوهُ بِما يُزِيلُ ذَلِكَ إذْ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وإبْطالًا لِما ظَنَّهُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْ قَبِيلَتَهم فَلا يَأْمَنُهم أنْ يُعامِلُوهُ بِما يَضُرُّهُ.

وعُبِّرَ عَنِ العَذابِ بِـ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّعْذِيبُ، أيْ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ قَوْمُكَ يَشُكُّونَ في حُلُولِهِ بِهِمْ وهو العَذابُ، فَعَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والمُرادُ بِالحَقِّ الخَبَرُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ وإنّا لَصادِقُونَ.

وقَوْلُهُ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

حِكايَةً لِخِطابِ المَلائِكَةِ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَعْنى عِباراتِهِمْ مُحَوَّلَةً إلى نَظْمٍ عَرَبِيٍّ يُفِيدُ مَعْنى كَلامِهِمْ في نَظْمٍ عَرَبِيٍّ بَلِيغٍ، فَبِنا أنَّ نُبَيِّنَ خَصائِصَ هَذا النَّظْمِ العَرَبِيِّ:

فَإعادَةُ فِعْلِ أتَيْناكَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ مَعَ أنَّ فِعْلَ أتَيْناكَ مُرادِفٌ لِفِعْلِ جِئْناكَ دُونَ أنْ يَقُولَ: وبِالحَقِّ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ، والتَّعْبِيرُ في أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِمادَّةِ المَجِيءِ وفي الفِعْلِ الآخَرِ بِمادَّةِ الإتْيانِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِدَفْعِ تَكْرارِ الفِعْلِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا. وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وقَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ.

صفحة ٦٤

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِذِكْرِ الفِعْلِ الثّانِي وهو وأتَيْناكَ خُصُوصِيَّةٌ لا تَفِي بِها واوُ العَطْفِ، وهي مُراعاةُ اخْتِلافِ المَجْرُورَيْنِ بِالباءِ في مُناسَبَةِ كُلٍّ مِنها لِلْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ هو بِهِ، فَلَمّا كانَ المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ جِئْناكَ أمْرًا حِسِّيًّا وهو العَذابُ الَّذِي كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وكانَ ما يَصِحُّ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ المَجِيءُ بِمَعْنى كالحَقِيقِيِّ، إذْ هو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ مَشْهُورٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقِيِّ، أُوثِرَ فِعْلُ جِئْناكَ لِيُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ويُعَلَّقُ بِهِ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وتَكُونُ الباءُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ لِلتَّعَدُّدِيَّةِ؛ لِأنَّهم أجاءُوا العَذابَ، قَوْلُهُ تَعالى بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ مَوْقِعُ مَفْعُولٍ …

63

قَالُوا۟ بَلْ جِئْنَٰكَ بِمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَمْتَرُونَ

They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,

﴿فَلَمّا جا آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ، وقَدْ طُوِيَ ما هو مَعْلُومٌ مِن خُرُوجِ المَلائِكَةِ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ، والتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوهُ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ فَلَمّا جاءُوا لُوطًا.

صفحة ٦٣

وعُبِّرَ بِآلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا في مَنزِلَةٍ بَيْنَ أهْلِهِ فَجاءُوا آلَهُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ والمَجِيءِ هو لُوطٌ.

وتَوَلّى لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلَقِّيَهم كَما هو شَأْنُ كَبِيرِ المَنزِلِ، ولَكِنَّهُ وجَدَهم في شَكْلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ في القَبائِلِ الَّتِي كانَتْ تَمُرُّ بِهِمْ فَأُلْهِمَ إلى أنَّ لَهم قِصَّةً غَرِيبَةً ولِذَلِكَ قالَ لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ لا تُعْرَفُ قَبِيلَتُكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى نَكِرَهم في سُورَةِ هُودٍ.

وقَدْ أجابُوهُ بِما يُزِيلُ ذَلِكَ إذْ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وإبْطالًا لِما ظَنَّهُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْ قَبِيلَتَهم فَلا يَأْمَنُهم أنْ يُعامِلُوهُ بِما يَضُرُّهُ.

وعُبِّرَ عَنِ العَذابِ بِـ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّعْذِيبُ، أيْ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ قَوْمُكَ يَشُكُّونَ في حُلُولِهِ بِهِمْ وهو العَذابُ، فَعَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والمُرادُ بِالحَقِّ الخَبَرُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ وإنّا لَصادِقُونَ.

وقَوْلُهُ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

حِكايَةً لِخِطابِ المَلائِكَةِ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَعْنى عِباراتِهِمْ مُحَوَّلَةً إلى نَظْمٍ عَرَبِيٍّ يُفِيدُ مَعْنى كَلامِهِمْ في نَظْمٍ عَرَبِيٍّ بَلِيغٍ، فَبِنا أنَّ نُبَيِّنَ خَصائِصَ هَذا النَّظْمِ العَرَبِيِّ:

فَإعادَةُ فِعْلِ أتَيْناكَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ مَعَ أنَّ فِعْلَ أتَيْناكَ مُرادِفٌ لِفِعْلِ جِئْناكَ دُونَ أنْ يَقُولَ: وبِالحَقِّ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ، والتَّعْبِيرُ في أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِمادَّةِ المَجِيءِ وفي الفِعْلِ الآخَرِ بِمادَّةِ الإتْيانِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِدَفْعِ تَكْرارِ الفِعْلِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا. وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وقَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ.

صفحة ٦٤

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِذِكْرِ الفِعْلِ الثّانِي وهو وأتَيْناكَ خُصُوصِيَّةٌ لا تَفِي بِها واوُ العَطْفِ، وهي مُراعاةُ اخْتِلافِ المَجْرُورَيْنِ بِالباءِ في مُناسَبَةِ كُلٍّ مِنها لِلْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ هو بِهِ، فَلَمّا كانَ المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ جِئْناكَ أمْرًا حِسِّيًّا وهو العَذابُ الَّذِي كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وكانَ ما يَصِحُّ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ المَجِيءُ بِمَعْنى كالحَقِيقِيِّ، إذْ هو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ مَشْهُورٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقِيِّ، أُوثِرَ فِعْلُ جِئْناكَ لِيُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ويُعَلَّقُ بِهِ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وتَكُونُ الباءُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ لِلتَّعَدُّدِيَّةِ؛ لِأنَّهم أجاءُوا العَذابَ، قَوْلُهُ تَعالى بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ مَوْقِعُ مَفْعُولٍ …

64

وَأَتَيْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ

And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.

﴿فَلَمّا جا آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ، وقَدْ طُوِيَ ما هو مَعْلُومٌ مِن خُرُوجِ المَلائِكَةِ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ، والتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوهُ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ فَلَمّا جاءُوا لُوطًا.

صفحة ٦٣

وعُبِّرَ بِآلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا في مَنزِلَةٍ بَيْنَ أهْلِهِ فَجاءُوا آلَهُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ والمَجِيءِ هو لُوطٌ.

وتَوَلّى لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلَقِّيَهم كَما هو شَأْنُ كَبِيرِ المَنزِلِ، ولَكِنَّهُ وجَدَهم في شَكْلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ في القَبائِلِ الَّتِي كانَتْ تَمُرُّ بِهِمْ فَأُلْهِمَ إلى أنَّ لَهم قِصَّةً غَرِيبَةً ولِذَلِكَ قالَ لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ لا تُعْرَفُ قَبِيلَتُكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى نَكِرَهم في سُورَةِ هُودٍ.

وقَدْ أجابُوهُ بِما يُزِيلُ ذَلِكَ إذْ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وإبْطالًا لِما ظَنَّهُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْ قَبِيلَتَهم فَلا يَأْمَنُهم أنْ يُعامِلُوهُ بِما يَضُرُّهُ.

وعُبِّرَ عَنِ العَذابِ بِـ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّعْذِيبُ، أيْ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ قَوْمُكَ يَشُكُّونَ في حُلُولِهِ بِهِمْ وهو العَذابُ، فَعَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والمُرادُ بِالحَقِّ الخَبَرُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ وإنّا لَصادِقُونَ.

وقَوْلُهُ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

حِكايَةً لِخِطابِ المَلائِكَةِ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَعْنى عِباراتِهِمْ مُحَوَّلَةً إلى نَظْمٍ عَرَبِيٍّ يُفِيدُ مَعْنى كَلامِهِمْ في نَظْمٍ عَرَبِيٍّ بَلِيغٍ، فَبِنا أنَّ نُبَيِّنَ خَصائِصَ هَذا النَّظْمِ العَرَبِيِّ:

فَإعادَةُ فِعْلِ أتَيْناكَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ مَعَ أنَّ فِعْلَ أتَيْناكَ مُرادِفٌ لِفِعْلِ جِئْناكَ دُونَ أنْ يَقُولَ: وبِالحَقِّ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ، والتَّعْبِيرُ في أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِمادَّةِ المَجِيءِ وفي الفِعْلِ الآخَرِ بِمادَّةِ الإتْيانِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِدَفْعِ تَكْرارِ الفِعْلِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا. وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وقَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ.

صفحة ٦٤

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِذِكْرِ الفِعْلِ الثّانِي وهو وأتَيْناكَ خُصُوصِيَّةٌ لا تَفِي بِها واوُ العَطْفِ، وهي مُراعاةُ اخْتِلافِ المَجْرُورَيْنِ بِالباءِ في مُناسَبَةِ كُلٍّ مِنها لِلْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ هو بِهِ، فَلَمّا كانَ المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ جِئْناكَ أمْرًا حِسِّيًّا وهو العَذابُ الَّذِي كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وكانَ ما يَصِحُّ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ المَجِيءُ بِمَعْنى كالحَقِيقِيِّ، إذْ هو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ مَشْهُورٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقِيِّ، أُوثِرَ فِعْلُ جِئْناكَ لِيُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ويُعَلَّقُ بِهِ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وتَكُونُ الباءُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ لِلتَّعَدُّدِيَّةِ؛ لِأنَّهم أجاءُوا العَذابَ، قَوْلُهُ تَعالى بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ مَوْقِعُ مَفْعُولٍ …

65

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌۭ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ

So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."

﴿فَلَمّا جا آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ ﴿فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ، وقَدْ طُوِيَ ما هو مَعْلُومٌ مِن خُرُوجِ المَلائِكَةِ مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ، والتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوهُ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ فَلَمّا جاءُوا لُوطًا.

صفحة ٦٣

وعُبِّرَ بِآلِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهم نَزَلُوا في مَنزِلَةٍ بَيْنَ أهْلِهِ فَجاءُوا آلَهُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ والمَجِيءِ هو لُوطٌ.

وتَوَلّى لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ تَلَقِّيَهم كَما هو شَأْنُ كَبِيرِ المَنزِلِ، ولَكِنَّهُ وجَدَهم في شَكْلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ في القَبائِلِ الَّتِي كانَتْ تَمُرُّ بِهِمْ فَأُلْهِمَ إلى أنَّ لَهم قِصَّةً غَرِيبَةً ولِذَلِكَ قالَ لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ لا تُعْرَفُ قَبِيلَتُكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى نَكِرَهم في سُورَةِ هُودٍ.

وقَدْ أجابُوهُ بِما يُزِيلُ ذَلِكَ إذْ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وإبْطالًا لِما ظَنَّهُ مِن كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْ قَبِيلَتَهم فَلا يَأْمَنُهم أنْ يُعامِلُوهُ بِما يَضُرُّهُ.

وعُبِّرَ عَنِ العَذابِ بِـ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّعْذِيبُ، أيْ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ قَوْمُكَ يَشُكُّونَ في حُلُولِهِ بِهِمْ وهو العَذابُ، فَعَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ.

والمُرادُ بِالحَقِّ الخَبَرُ الحَقُّ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ وإنّا لَصادِقُونَ.

وقَوْلُهُ ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾

حِكايَةً لِخِطابِ المَلائِكَةِ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَعْنى عِباراتِهِمْ مُحَوَّلَةً إلى نَظْمٍ عَرَبِيٍّ يُفِيدُ مَعْنى كَلامِهِمْ في نَظْمٍ عَرَبِيٍّ بَلِيغٍ، فَبِنا أنَّ نُبَيِّنَ خَصائِصَ هَذا النَّظْمِ العَرَبِيِّ:

فَإعادَةُ فِعْلِ أتَيْناكَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ مَعَ أنَّ فِعْلَ أتَيْناكَ مُرادِفٌ لِفِعْلِ جِئْناكَ دُونَ أنْ يَقُولَ: وبِالحَقِّ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِالمُرادِفِ، والتَّعْبِيرُ في أحَدِ الفِعْلَيْنِ بِمادَّةِ المَجِيءِ وفي الفِعْلِ الآخَرِ بِمادَّةِ الإتْيانِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ لِدَفْعِ تَكْرارِ الفِعْلِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا. وعَلَيْهِ تَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وقَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ.

صفحة ٦٤

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِذِكْرِ الفِعْلِ الثّانِي وهو وأتَيْناكَ خُصُوصِيَّةٌ لا تَفِي بِها واوُ العَطْفِ، وهي مُراعاةُ اخْتِلافِ المَجْرُورَيْنِ بِالباءِ في مُناسَبَةِ كُلٍّ مِنها لِلْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ هو بِهِ، فَلَمّا كانَ المُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ جِئْناكَ أمْرًا حِسِّيًّا وهو العَذابُ الَّذِي كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ، وكانَ ما يَصِحُّ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ المَجِيءُ بِمَعْنى كالحَقِيقِيِّ، إذْ هو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ مَشْهُورٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقِيِّ، أُوثِرَ فِعْلُ جِئْناكَ لِيُسْنَدَ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ويُعَلَّقُ بِهِ ما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وتَكُونُ الباءُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ لِلتَّعَدُّدِيَّةِ؛ لِأنَّهم أجاءُوا العَذابَ، قَوْلُهُ تَعالى بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ مَوْقِعُ مَفْعُولٍ …

66

وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَٰلِكَ ٱلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقْطُوعٌۭ مُّصْبِحِينَ

And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.

﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ قَضَيْنا قَدَّرْنا، وضُمِّنَ مَعْنى أوْحَيْنا فَعُدِّيَ بِـ (إلى)، والتَّقْدِيرُ: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ فَأوْحَيْنا إلَيْهِ، أيْ إلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ أوْحَيْنا إلَيْهِ بِما قَضَيْنا.

وذَلِكَ الأمْرُ إبْهامٌ لِلتَّهْوِيلِ، والإشارَةُ لِلتَّعْظِيمِ، أيِ الأمْرُ العَظِيمُ.

و﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِـ (ذَلِكَ الأمْرَ) وهي المُناسِبَةُ لِلْفِعْلِ المُضَمَّنِ وهو أوْحَيْنا. فَصارَ التَّقْدِيرُ: وقَضَيْنا الأمْرَ، وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ، فَنُظِمَ الكَلامُ هَذا النَّظْمَ البَدِيعَ الوافِرَ المَعْنى بِما في قَوْلِهِ (ذَلِكَ الأمْرَ) مِنَ الإبْهامِ والتَّعْظِيمِ.

ومَجِيءُ جُمْلَةِ (دابِرَ) مُفَسِّرَةٌ مَعَ صُلُوحِيَّةِ (أنَّ) لِبَيانِ كُلٍّ مِن إبْهامِ الإشارَةِ ومِن فِعْلِ (أوْحَيْنا) المُقَدَّرِ المُضَمَّنِ، فَتَمَّ ذَلِكَ إيجازٌ بَدِيعٌ مُعْجِزٌ.

والدّابِرُ: الآخِرُ، أيْ آخِرُ شَخْصٍ.

وقَطْعُهُ: إزالَتُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ كُلِّهِمْ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وإشارَةُ (هَؤُلاءِ) إلى قَوْمِهِ.

و(مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ، أيْ في أوَّلِ وقْتِهِ، وهو حالٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، ومَبْدَأُ الصَّباحِ وقْتُ شُرُوقِ الشَّمْسِ ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] .

67

وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ

And the people of the city came rejoicing.

صفحة ٦٦

﴿وجا أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ وهو الجُزْءُ الأهَمُّ فِيها.

ومَجِيءُ أهْلِ المَدِينَةِ إلَيْهِ ومُحاوَرَتُهُ مَعَهم كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ ولَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَما أشْفَقَ مِمّا عَزَمَ عَلَيْهِ أهْلُ المَدِينَةِ لَمّا عَلِمَ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مُجادَلَتِهِمْ مَعَهُ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] في سُورَةِ هُودٍ، والواوُ لا تُفِيدُ تَرَتُّبَ مَعْطُوفِها.

ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ لُوطٍ المُسْتَتِرِ في فِعْلِ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢]، أوِ الهاءِ في (إلَيْهِ)، ولا إشْكالَ حِينَئِذٍ. والمَدِينَةُ هي سَدُومُ. و يَسْتَبْشِرُونَ يَفْرَحُونَ ويُسَرُّونَ، وهو مُطاوِعُ بَشَّرَهُ فاسْتَبْشَرَ، قالَ تَعالى ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التوبة: ١١١] في سُورَةِ بَراءَةٍ، وصِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ مُبالَغَةً في الفَرَحِ، وذَلِكَ أنَّهم عَلِمُوا أنَّ رِجالًا غُرَباءَ حَلُّوا بِبَيْتِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ لِيَغْتَصِبُوهم كَعادَتِهِمُ السَّيِّئَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

والفَضْحُ والفَضِيحَةُ: شُهْرَةُ حالٍ شَنِيعَةٍ، وكانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِإهانَةِ الضَّيْفِ ويُعَدُّ ذَلِكَ مَذَلَّةً لِمُضِيفِهِ، وقَدْ ذَكَّرَهم بِالوازِعِ الدِّينِيِّ وإنْ كانُوا كُفّارًا اسْتِقْصاءً لِلدَّعْوَةِ الَّتِي جاءَ بِها، وبِالوازِعِ العُرْفِيِّ فَقالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ كَما في قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحِسْحاسِ:

كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

والخِزْيُ: الذُّلُّ والإهانَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.

68

قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ

[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.

صفحة ٦٦

﴿وجا أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ وهو الجُزْءُ الأهَمُّ فِيها.

ومَجِيءُ أهْلِ المَدِينَةِ إلَيْهِ ومُحاوَرَتُهُ مَعَهم كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ ولَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَما أشْفَقَ مِمّا عَزَمَ عَلَيْهِ أهْلُ المَدِينَةِ لَمّا عَلِمَ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مُجادَلَتِهِمْ مَعَهُ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] في سُورَةِ هُودٍ، والواوُ لا تُفِيدُ تَرَتُّبَ مَعْطُوفِها.

ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ لُوطٍ المُسْتَتِرِ في فِعْلِ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢]، أوِ الهاءِ في (إلَيْهِ)، ولا إشْكالَ حِينَئِذٍ. والمَدِينَةُ هي سَدُومُ. و يَسْتَبْشِرُونَ يَفْرَحُونَ ويُسَرُّونَ، وهو مُطاوِعُ بَشَّرَهُ فاسْتَبْشَرَ، قالَ تَعالى ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التوبة: ١١١] في سُورَةِ بَراءَةٍ، وصِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ مُبالَغَةً في الفَرَحِ، وذَلِكَ أنَّهم عَلِمُوا أنَّ رِجالًا غُرَباءَ حَلُّوا بِبَيْتِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ لِيَغْتَصِبُوهم كَعادَتِهِمُ السَّيِّئَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

والفَضْحُ والفَضِيحَةُ: شُهْرَةُ حالٍ شَنِيعَةٍ، وكانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِإهانَةِ الضَّيْفِ ويُعَدُّ ذَلِكَ مَذَلَّةً لِمُضِيفِهِ، وقَدْ ذَكَّرَهم بِالوازِعِ الدِّينِيِّ وإنْ كانُوا كُفّارًا اسْتِقْصاءً لِلدَّعْوَةِ الَّتِي جاءَ بِها، وبِالوازِعِ العُرْفِيِّ فَقالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ كَما في قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحِسْحاسِ:

كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

والخِزْيُ: الذُّلُّ والإهانَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.

69

وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ

And fear Allah and do not disgrace me."

صفحة ٦٦

﴿وجا أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ وهو الجُزْءُ الأهَمُّ فِيها.

ومَجِيءُ أهْلِ المَدِينَةِ إلَيْهِ ومُحاوَرَتُهُ مَعَهم كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ ولَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَما أشْفَقَ مِمّا عَزَمَ عَلَيْهِ أهْلُ المَدِينَةِ لَمّا عَلِمَ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مُجادَلَتِهِمْ مَعَهُ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ [هود: ٨١] في سُورَةِ هُودٍ، والواوُ لا تُفِيدُ تَرَتُّبَ مَعْطُوفِها.

ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ لُوطٍ المُسْتَتِرِ في فِعْلِ ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢]، أوِ الهاءِ في (إلَيْهِ)، ولا إشْكالَ حِينَئِذٍ. والمَدِينَةُ هي سَدُومُ. و يَسْتَبْشِرُونَ يَفْرَحُونَ ويُسَرُّونَ، وهو مُطاوِعُ بَشَّرَهُ فاسْتَبْشَرَ، قالَ تَعالى ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التوبة: ١١١] في سُورَةِ بَراءَةٍ، وصِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ مُبالَغَةً في الفَرَحِ، وذَلِكَ أنَّهم عَلِمُوا أنَّ رِجالًا غُرَباءَ حَلُّوا بِبَيْتِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ لِيَغْتَصِبُوهم كَعادَتِهِمُ السَّيِّئَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

والفَضْحُ والفَضِيحَةُ: شُهْرَةُ حالٍ شَنِيعَةٍ، وكانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِإهانَةِ الضَّيْفِ ويُعَدُّ ذَلِكَ مَذَلَّةً لِمُضِيفِهِ، وقَدْ ذَكَّرَهم بِالوازِعِ الدِّينِيِّ وإنْ كانُوا كُفّارًا اسْتِقْصاءً لِلدَّعْوَةِ الَّتِي جاءَ بِها، وبِالوازِعِ العُرْفِيِّ فَقالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ﴾ كَما في قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحِسْحاسِ:

كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

والخِزْيُ: الذُّلُّ والإهانَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.

70

قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"

صفحة ٦٧

﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

الواوُ في أوَلَمْ نَنْهَكَ عَطْفٌ عَلى كَلامِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَطْفِ عَلى كَلامِ الغَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْطُوفُ هو الإنْكارُ.

و(العالَمِينَ) النّاسُ، وتَعْدِيَةُ النَّهْيِ إلى ذاتِ العالَمِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ حِمايَةِ النّاسِ أوْ عَنْ إجارَتِهِمْ، أيْ أنَّ عَلَيْكَ أنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنا وبَيْنَ عادَتِنا حَتّى لا يَطْمَعَ المارُّونَ في حِمايَتِكَ، وقَدْ كانُوا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمارِّينَ عَلى قُراهم، و(العالَمِينَ) تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، وأرادُوا بِهِ هُنا أصْنافَ القَبائِلِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.

وعَرَضَ عَلَيْهِمْ بَناتَهُ ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهم ويُطْفِئُ شَبَقَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ .

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ مَعْنى عَرْضِهِ بَناتِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ (بَناتِي) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ صُلْبِهِ وكُنَّ اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ بَناتُ القَوْمِ كُلِّهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ بَناتِهِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ كَأبٍ لِأُمَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ لِلْعِبْرَةِ في عَدَمِ جَدْوى المَوْعِظَةِ فِيمَن يَكُونُ في سَكْرَةِ هَواهُ.

صفحة ٦٨

والمُخاطَبُ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ هو مِن كَلامِ المَلائِكَةِ بِتَقْدِيرِ (قَوْلٍ) .

وكَلِمَةُ لَعَمْرِكَ صِيغَةُ قَسَمٍ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى لَفْظِ (عَمْرٍ) لامُ القَسَمِ.

والعَمْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ المِيمِ أصْلُهُ لُغَةٌ في العُمْرِ بِضَمِّ العَيْنِ، فَخُصَّ المَفْتُوحُ بِصِيغَةِ القَسَمِ لِخِفَّتِهِ بِالفَتْحِ؛ لِأنَّ القَسَمَ كَثِيرُ الدَّوَرانِ في الكَلامِ، فَهو قَسَمٌ بِحَياةِ المُخاطَبِ بِهِ، وهو في الِاسْتِعْمالِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ القَسَمِ رَفَعُوهُ عَلى الِابْتِداءِ مَحْذُوفُ الخَبَرِ وُجُوبًا، والتَّقْدِيرُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.

وهُوَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُحْذَفُ فِيها الخَبَرُ حَذْفًا لازِمًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْنى القَسَمِ، وقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِغَيْرِ اللّامِ فَحِينَئِذٍ يُقْرِنُونَهُ بِاسْمِ الجَلالَةِ ويَنْصِبُونَهُما، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيانِ

فَنُصِبَ عَمْرَ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ القَسَمِ ونُصِبَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ المَصْدَرِ، أيْ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ بِمَعْنى بِتَعْظِيمِكَ اللَّهَ، أيْ قَوْلِكِ لِلَّهِ لَعَمْرِكَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ أحَدٍ تَعْظِيمٌ لَهُ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ القَسَمِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ، كَما اسْتُعْمِلَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ (التَّحِيّاتُ لِلَّهِ) أيْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِتَعْظِيمِكَ رَبَّكَ، هَذا ما يَظْهَرُ لِي في تَوْجِيهِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.