Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 99

51

وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ

And inform them about the guests of Abraham,

﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾

هَذا العَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الإنْباءُ بِكِلا الأمْرَيْنِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القِصَّةِ أنَّها مِن مَظاهِرِ رَحْمَتِهِ تَعالى وعَذابِهِ.

صفحة ٥٨

وضَيْفِ إبْراهِيمَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُناسٍ غُرَباءٍ مارِّينَ بِبَيْتِهِ. وتَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

وجُمْلَةُ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ جاءَتْ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ؛لِأنَّها جَوابٌ عَنْ جُمْلَةِ قالُوا سَلامًا. وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ رَدِّهِ السَّلامَ عَلَيْهِمْ إيجازًا لِظُهُورِهِ، وصُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ بَعْدَ أنْ رَدَّ السَّلامَ، وفي سُورَةِ هُودٍ أنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً حِينَ رَآهم لَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم لِلْأكْلِ.

وضَمِيرُ إنّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وأهْلَهُ؛ لِأنَّ الضَّيْفَ طَرَقُوا بَيْتَهم في غَيْرِ وقْتِ طُرُوقِ الضَّيْفِ فَظَنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ شَرًّا، فَلَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فاتَحَهم بِطَلَبِ الأمْنِ، فَقالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ، أيْ: أخَفْتُمُونا، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ أنَّهُ قالَ لَهم: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

والوَجِلُ: الخائِفُ. والوَجَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ: الخَوْفُ، ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً.

وقَدْ جُمِعَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَفَرَّقُ كَلامِ المَلائِكَةِ، فاقْتَصَرَ عَلى مُجاوَبَتِهِمْ إيّاهُ عَنْ قَوْلِهِ إنّا مِنكم وجِلُونَ، فَنِهايَةُ الجَوابِ هو لا تَوْجَلْ.

وأمّا جُمْلَةُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَهي اسْتِئْنافُ كَلامٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ إلَيْهِمُ القِرى، وحَضَرَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوهُ بِحَضْرَتِها كَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ.

والغُلامُ العَلِيمُ: إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: عَلِيمٌ بِالشَّرِيعَةِ بِأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وقَدْ حُكِيَ هُنا قَوْلُهم لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحُكِيَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهم لِامْرَأتِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ كانَتْ لَهُما مَعًا فَقَدْ تَكُونُ حاصِلَةً في وقْتٍ واحِدٍ فَهي بِشارَتانِ بِاعْتِبارِ المُبَشَّرِ، وقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ في وقْتَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ بَشَّرُوهُ بِانْفِرادٍ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوها.

صفحة ٥٩

وقَرَأ الجُمْهُورُ نُبَشِّرُكَ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ بَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، يُقالُ: بَشَّرَهُ يُبَشِّرُهُ مِن بابِ نَصَرَ.

والِاسْتِفْهامُ في أبَشَّرْتُمُونِي لِلتَّعَجُّبِ.

و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ اقْتِرانِ البِشارَةِ بِمَسِّ الكِبَرِ إيّاهُ.

والمَسُّ: الإصابَةُ، والمَعْنى: تَعَجَّبَ مِن بِشارَتِهِ بِوَلَدٍ مَعَ أنَّ الكِبَرَ مَسَّهُ.

وأُكِّدَ هَذا التَّعَجُّبُ بِالِاسْتِفْهامِ الثّانِي بِقَوْلِهِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، نَزَلَ الأمْرُ العَجِيبُ المَعْلُومُ مَنزِلَةَ الأمْرِ غَيْرِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّهُ يَكادُ يَكُونُ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

وقَدْ …

52

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَٰمًۭا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ

When they entered upon him and said, "Peace." [Abraham] said, "Indeed, we are fearful of you."

﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾

هَذا العَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الإنْباءُ بِكِلا الأمْرَيْنِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القِصَّةِ أنَّها مِن مَظاهِرِ رَحْمَتِهِ تَعالى وعَذابِهِ.

صفحة ٥٨

وضَيْفِ إبْراهِيمَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُناسٍ غُرَباءٍ مارِّينَ بِبَيْتِهِ. وتَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

وجُمْلَةُ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ جاءَتْ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ؛لِأنَّها جَوابٌ عَنْ جُمْلَةِ قالُوا سَلامًا. وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ رَدِّهِ السَّلامَ عَلَيْهِمْ إيجازًا لِظُهُورِهِ، وصُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ بَعْدَ أنْ رَدَّ السَّلامَ، وفي سُورَةِ هُودٍ أنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً حِينَ رَآهم لَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم لِلْأكْلِ.

وضَمِيرُ إنّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وأهْلَهُ؛ لِأنَّ الضَّيْفَ طَرَقُوا بَيْتَهم في غَيْرِ وقْتِ طُرُوقِ الضَّيْفِ فَظَنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ شَرًّا، فَلَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فاتَحَهم بِطَلَبِ الأمْنِ، فَقالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ، أيْ: أخَفْتُمُونا، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ أنَّهُ قالَ لَهم: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

والوَجِلُ: الخائِفُ. والوَجَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ: الخَوْفُ، ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً.

وقَدْ جُمِعَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَفَرَّقُ كَلامِ المَلائِكَةِ، فاقْتَصَرَ عَلى مُجاوَبَتِهِمْ إيّاهُ عَنْ قَوْلِهِ إنّا مِنكم وجِلُونَ، فَنِهايَةُ الجَوابِ هو لا تَوْجَلْ.

وأمّا جُمْلَةُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَهي اسْتِئْنافُ كَلامٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ إلَيْهِمُ القِرى، وحَضَرَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوهُ بِحَضْرَتِها كَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ.

والغُلامُ العَلِيمُ: إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: عَلِيمٌ بِالشَّرِيعَةِ بِأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وقَدْ حُكِيَ هُنا قَوْلُهم لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحُكِيَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهم لِامْرَأتِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ كانَتْ لَهُما مَعًا فَقَدْ تَكُونُ حاصِلَةً في وقْتٍ واحِدٍ فَهي بِشارَتانِ بِاعْتِبارِ المُبَشَّرِ، وقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ في وقْتَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ بَشَّرُوهُ بِانْفِرادٍ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوها.

صفحة ٥٩

وقَرَأ الجُمْهُورُ نُبَشِّرُكَ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ بَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، يُقالُ: بَشَّرَهُ يُبَشِّرُهُ مِن بابِ نَصَرَ.

والِاسْتِفْهامُ في أبَشَّرْتُمُونِي لِلتَّعَجُّبِ.

و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ اقْتِرانِ البِشارَةِ بِمَسِّ الكِبَرِ إيّاهُ.

والمَسُّ: الإصابَةُ، والمَعْنى: تَعَجَّبَ مِن بِشارَتِهِ بِوَلَدٍ مَعَ أنَّ الكِبَرَ مَسَّهُ.

وأُكِّدَ هَذا التَّعَجُّبُ بِالِاسْتِفْهامِ الثّانِي بِقَوْلِهِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، نَزَلَ الأمْرُ العَجِيبُ المَعْلُومُ مَنزِلَةَ الأمْرِ غَيْرِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّهُ يَكادُ يَكُونُ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

وقَدْ …

53

قَالُوا۟ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٍۢ

[The angels] said, "Fear not. Indeed, we give you good tidings of a learned boy."

﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾

هَذا العَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الإنْباءُ بِكِلا الأمْرَيْنِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القِصَّةِ أنَّها مِن مَظاهِرِ رَحْمَتِهِ تَعالى وعَذابِهِ.

صفحة ٥٨

وضَيْفِ إبْراهِيمَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُناسٍ غُرَباءٍ مارِّينَ بِبَيْتِهِ. وتَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

وجُمْلَةُ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ جاءَتْ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ؛لِأنَّها جَوابٌ عَنْ جُمْلَةِ قالُوا سَلامًا. وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ رَدِّهِ السَّلامَ عَلَيْهِمْ إيجازًا لِظُهُورِهِ، وصُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ بَعْدَ أنْ رَدَّ السَّلامَ، وفي سُورَةِ هُودٍ أنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً حِينَ رَآهم لَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم لِلْأكْلِ.

وضَمِيرُ إنّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وأهْلَهُ؛ لِأنَّ الضَّيْفَ طَرَقُوا بَيْتَهم في غَيْرِ وقْتِ طُرُوقِ الضَّيْفِ فَظَنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ شَرًّا، فَلَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فاتَحَهم بِطَلَبِ الأمْنِ، فَقالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ، أيْ: أخَفْتُمُونا، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ أنَّهُ قالَ لَهم: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

والوَجِلُ: الخائِفُ. والوَجَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ: الخَوْفُ، ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً.

وقَدْ جُمِعَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَفَرَّقُ كَلامِ المَلائِكَةِ، فاقْتَصَرَ عَلى مُجاوَبَتِهِمْ إيّاهُ عَنْ قَوْلِهِ إنّا مِنكم وجِلُونَ، فَنِهايَةُ الجَوابِ هو لا تَوْجَلْ.

وأمّا جُمْلَةُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَهي اسْتِئْنافُ كَلامٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ إلَيْهِمُ القِرى، وحَضَرَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوهُ بِحَضْرَتِها كَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ.

والغُلامُ العَلِيمُ: إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: عَلِيمٌ بِالشَّرِيعَةِ بِأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وقَدْ حُكِيَ هُنا قَوْلُهم لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحُكِيَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهم لِامْرَأتِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ كانَتْ لَهُما مَعًا فَقَدْ تَكُونُ حاصِلَةً في وقْتٍ واحِدٍ فَهي بِشارَتانِ بِاعْتِبارِ المُبَشَّرِ، وقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ في وقْتَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ بَشَّرُوهُ بِانْفِرادٍ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوها.

صفحة ٥٩

وقَرَأ الجُمْهُورُ نُبَشِّرُكَ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ بَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، يُقالُ: بَشَّرَهُ يُبَشِّرُهُ مِن بابِ نَصَرَ.

والِاسْتِفْهامُ في أبَشَّرْتُمُونِي لِلتَّعَجُّبِ.

و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ اقْتِرانِ البِشارَةِ بِمَسِّ الكِبَرِ إيّاهُ.

والمَسُّ: الإصابَةُ، والمَعْنى: تَعَجَّبَ مِن بِشارَتِهِ بِوَلَدٍ مَعَ أنَّ الكِبَرَ مَسَّهُ.

وأُكِّدَ هَذا التَّعَجُّبُ بِالِاسْتِفْهامِ الثّانِي بِقَوْلِهِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، نَزَلَ الأمْرُ العَجِيبُ المَعْلُومُ مَنزِلَةَ الأمْرِ غَيْرِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّهُ يَكادُ يَكُونُ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

وقَدْ …

54

قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ

He said, "Have you given me good tidings although old age has come upon me? Then of what [wonder] do you inform?"

﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾

هَذا العَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الإنْباءُ بِكِلا الأمْرَيْنِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القِصَّةِ أنَّها مِن مَظاهِرِ رَحْمَتِهِ تَعالى وعَذابِهِ.

صفحة ٥٨

وضَيْفِ إبْراهِيمَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُناسٍ غُرَباءٍ مارِّينَ بِبَيْتِهِ. وتَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

وجُمْلَةُ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ جاءَتْ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ؛لِأنَّها جَوابٌ عَنْ جُمْلَةِ قالُوا سَلامًا. وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ رَدِّهِ السَّلامَ عَلَيْهِمْ إيجازًا لِظُهُورِهِ، وصُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ بَعْدَ أنْ رَدَّ السَّلامَ، وفي سُورَةِ هُودٍ أنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً حِينَ رَآهم لَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم لِلْأكْلِ.

وضَمِيرُ إنّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وأهْلَهُ؛ لِأنَّ الضَّيْفَ طَرَقُوا بَيْتَهم في غَيْرِ وقْتِ طُرُوقِ الضَّيْفِ فَظَنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ شَرًّا، فَلَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فاتَحَهم بِطَلَبِ الأمْنِ، فَقالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ، أيْ: أخَفْتُمُونا، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ أنَّهُ قالَ لَهم: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

والوَجِلُ: الخائِفُ. والوَجَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ: الخَوْفُ، ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً.

وقَدْ جُمِعَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَفَرَّقُ كَلامِ المَلائِكَةِ، فاقْتَصَرَ عَلى مُجاوَبَتِهِمْ إيّاهُ عَنْ قَوْلِهِ إنّا مِنكم وجِلُونَ، فَنِهايَةُ الجَوابِ هو لا تَوْجَلْ.

وأمّا جُمْلَةُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَهي اسْتِئْنافُ كَلامٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ إلَيْهِمُ القِرى، وحَضَرَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوهُ بِحَضْرَتِها كَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ.

والغُلامُ العَلِيمُ: إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: عَلِيمٌ بِالشَّرِيعَةِ بِأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وقَدْ حُكِيَ هُنا قَوْلُهم لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحُكِيَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهم لِامْرَأتِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ كانَتْ لَهُما مَعًا فَقَدْ تَكُونُ حاصِلَةً في وقْتٍ واحِدٍ فَهي بِشارَتانِ بِاعْتِبارِ المُبَشَّرِ، وقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ في وقْتَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ بَشَّرُوهُ بِانْفِرادٍ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوها.

صفحة ٥٩

وقَرَأ الجُمْهُورُ نُبَشِّرُكَ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ بَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، يُقالُ: بَشَّرَهُ يُبَشِّرُهُ مِن بابِ نَصَرَ.

والِاسْتِفْهامُ في أبَشَّرْتُمُونِي لِلتَّعَجُّبِ.

و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ اقْتِرانِ البِشارَةِ بِمَسِّ الكِبَرِ إيّاهُ.

والمَسُّ: الإصابَةُ، والمَعْنى: تَعَجَّبَ مِن بِشارَتِهِ بِوَلَدٍ مَعَ أنَّ الكِبَرَ مَسَّهُ.

وأُكِّدَ هَذا التَّعَجُّبُ بِالِاسْتِفْهامِ الثّانِي بِقَوْلِهِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، نَزَلَ الأمْرُ العَجِيبُ المَعْلُومُ مَنزِلَةَ الأمْرِ غَيْرِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّهُ يَكادُ يَكُونُ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

وقَدْ …

55

قَالُوا۟ بَشَّرْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَٰنِطِينَ

They said, "We have given you good tidings in truth, so do not be of the despairing."

﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾

هَذا العَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الإنْباءُ بِكِلا الأمْرَيْنِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القِصَّةِ أنَّها مِن مَظاهِرِ رَحْمَتِهِ تَعالى وعَذابِهِ.

صفحة ٥٨

وضَيْفِ إبْراهِيمَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُناسٍ غُرَباءٍ مارِّينَ بِبَيْتِهِ. وتَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

وجُمْلَةُ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ جاءَتْ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ؛لِأنَّها جَوابٌ عَنْ جُمْلَةِ قالُوا سَلامًا. وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ رَدِّهِ السَّلامَ عَلَيْهِمْ إيجازًا لِظُهُورِهِ، وصُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ بَعْدَ أنْ رَدَّ السَّلامَ، وفي سُورَةِ هُودٍ أنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً حِينَ رَآهم لَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم لِلْأكْلِ.

وضَمِيرُ إنّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وأهْلَهُ؛ لِأنَّ الضَّيْفَ طَرَقُوا بَيْتَهم في غَيْرِ وقْتِ طُرُوقِ الضَّيْفِ فَظَنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ شَرًّا، فَلَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فاتَحَهم بِطَلَبِ الأمْنِ، فَقالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ، أيْ: أخَفْتُمُونا، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ أنَّهُ قالَ لَهم: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

والوَجِلُ: الخائِفُ. والوَجَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ: الخَوْفُ، ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً.

وقَدْ جُمِعَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَفَرَّقُ كَلامِ المَلائِكَةِ، فاقْتَصَرَ عَلى مُجاوَبَتِهِمْ إيّاهُ عَنْ قَوْلِهِ إنّا مِنكم وجِلُونَ، فَنِهايَةُ الجَوابِ هو لا تَوْجَلْ.

وأمّا جُمْلَةُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَهي اسْتِئْنافُ كَلامٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ إلَيْهِمُ القِرى، وحَضَرَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوهُ بِحَضْرَتِها كَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ.

والغُلامُ العَلِيمُ: إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: عَلِيمٌ بِالشَّرِيعَةِ بِأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وقَدْ حُكِيَ هُنا قَوْلُهم لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحُكِيَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهم لِامْرَأتِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ كانَتْ لَهُما مَعًا فَقَدْ تَكُونُ حاصِلَةً في وقْتٍ واحِدٍ فَهي بِشارَتانِ بِاعْتِبارِ المُبَشَّرِ، وقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ في وقْتَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ بَشَّرُوهُ بِانْفِرادٍ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوها.

صفحة ٥٩

وقَرَأ الجُمْهُورُ نُبَشِّرُكَ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ بَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، يُقالُ: بَشَّرَهُ يُبَشِّرُهُ مِن بابِ نَصَرَ.

والِاسْتِفْهامُ في أبَشَّرْتُمُونِي لِلتَّعَجُّبِ.

و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ اقْتِرانِ البِشارَةِ بِمَسِّ الكِبَرِ إيّاهُ.

والمَسُّ: الإصابَةُ، والمَعْنى: تَعَجَّبَ مِن بِشارَتِهِ بِوَلَدٍ مَعَ أنَّ الكِبَرَ مَسَّهُ.

وأُكِّدَ هَذا التَّعَجُّبُ بِالِاسْتِفْهامِ الثّانِي بِقَوْلِهِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، نَزَلَ الأمْرُ العَجِيبُ المَعْلُومُ مَنزِلَةَ الأمْرِ غَيْرِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّهُ يَكادُ يَكُونُ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

وقَدْ …

56

قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ

He said, "And who despairs of the mercy of his Lord except for those astray?"

﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾

هَذا العَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الإنْباءُ بِكِلا الأمْرَيْنِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القِصَّةِ أنَّها مِن مَظاهِرِ رَحْمَتِهِ تَعالى وعَذابِهِ.

صفحة ٥٨

وضَيْفِ إبْراهِيمَ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ تَشَكَّلُوا بِشَكْلِ أُناسٍ غُرَباءٍ مارِّينَ بِبَيْتِهِ. وتَقَدَّمَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ هُودٍ.

وجُمْلَةُ قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ جاءَتْ مَفْصُولَةً بِدُونِ عَطْفٍ؛لِأنَّها جَوابٌ عَنْ جُمْلَةِ قالُوا سَلامًا. وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ رَدِّهِ السَّلامَ عَلَيْهِمْ إيجازًا لِظُهُورِهِ، وصُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ بَعْدَ أنْ رَدَّ السَّلامَ، وفي سُورَةِ هُودٍ أنَّهُ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً حِينَ رَآهم لَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم لِلْأكْلِ.

وضَمِيرُ إنّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ وأهْلَهُ؛ لِأنَّ الضَّيْفَ طَرَقُوا بَيْتَهم في غَيْرِ وقْتِ طُرُوقِ الضَّيْفِ فَظَنَّهم يُرِيدُونَ بِهِ شَرًّا، فَلَمّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فاتَحَهم بِطَلَبِ الأمْنِ، فَقالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ، أيْ: أخَفْتُمُونا، وفي سُورَةِ الذّارِياتِ أنَّهُ قالَ لَهم: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ.

والوَجِلُ: الخائِفُ. والوَجَلُ بِفَتْحِ الجِيمِ: الخَوْفُ، ووَقَعَ في سُورَةِ هُودٍ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً.

وقَدْ جُمِعَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَفَرَّقُ كَلامِ المَلائِكَةِ، فاقْتَصَرَ عَلى مُجاوَبَتِهِمْ إيّاهُ عَنْ قَوْلِهِ إنّا مِنكم وجِلُونَ، فَنِهايَةُ الجَوابِ هو لا تَوْجَلْ.

وأمّا جُمْلَةُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَهي اسْتِئْنافُ كَلامٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ إلَيْهِمُ القِرى، وحَضَرَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوهُ بِحَضْرَتِها كَما فُصِّلَ في سُورَةِ هُودٍ.

والغُلامُ العَلِيمُ: إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: عَلِيمٌ بِالشَّرِيعَةِ بِأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وقَدْ حُكِيَ هُنا قَوْلُهم لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحُكِيَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهم لِامْرَأتِهِ؛ لِأنَّ البِشارَةَ كانَتْ لَهُما مَعًا فَقَدْ تَكُونُ حاصِلَةً في وقْتٍ واحِدٍ فَهي بِشارَتانِ بِاعْتِبارِ المُبَشَّرِ، وقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ في وقْتَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ بَشَّرُوهُ بِانْفِرادٍ ثُمَّ جاءَتِ امْرَأتُهُ فَبَشَّرُوها.

صفحة ٥٩

وقَرَأ الجُمْهُورُ نُبَشِّرُكَ بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ مُضارِعُ بَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (نَبْشُرُكَ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، يُقالُ: بَشَّرَهُ يُبَشِّرُهُ مِن بابِ نَصَرَ.

والِاسْتِفْهامُ في أبَشَّرْتُمُونِي لِلتَّعَجُّبِ.

و(عَلى) بِمَعْنى (مَعَ) دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ اقْتِرانِ البِشارَةِ بِمَسِّ الكِبَرِ إيّاهُ.

والمَسُّ: الإصابَةُ، والمَعْنى: تَعَجَّبَ مِن بِشارَتِهِ بِوَلَدٍ مَعَ أنَّ الكِبَرَ مَسَّهُ.

وأُكِّدَ هَذا التَّعَجُّبُ بِالِاسْتِفْهامِ الثّانِي بِقَوْلِهِ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، نَزَلَ الأمْرُ العَجِيبُ المَعْلُومُ مَنزِلَةَ الأمْرِ غَيْرِ المَعْلُومِ؛ لِأنَّهُ يَكادُ يَكُونُ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

وقَدْ …

57

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

صفحة ٦١

﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾

حِكايَةُ هَذا الحِوارِ بَيْنَ إبْراهِيمَ والمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ بَيانِ فَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مَوْعِظَةِ قُرَيْشٍ بِما حَلَّ بِبَعْضِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى سُؤالِهِمْ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهِمْ إلى الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَنْزِلُونَ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ كَما قالَ تَعالى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، وقَدْ نُزِّلَ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ لِاسْتِئْصالِ سادَةِ المُشْرِكِينَ ورُؤَسائِهِمْ.

والخَطْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى قالَ ما خَطْبُكُنَّ في سُورَةِ يُوسُفَ.

والقَوْمُ المُجْرِمُونَ هم قَوْمُ سَدُومَ وقُراها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ هُودٍ.

والِاسْتِثْناءُ في إلّا آلَ لُوطٍ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُجْرِمِينَ، واسْتِثْناءُ إلّا امْرَأتَهُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّها مِن آلِ لُوطٍ.

وجُمْلَةُ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في اسْتِثْناءِ آلِ لُوطٍ مِن مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أرْسَلْنا لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّهم لَمْ يُرْسَلُوا إلَيْهِمْ ولا أُمِرُوا بِإنْجائِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إيجازُ حَذْفٍ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنّا أُرْسِلْنا إلى لُوطٍ؛ لِأجْلِ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، أيْ لِعَذابِهِمْ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ في إلّا آلَ لُوطٍ.

صفحة ٦٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمُنَجُّوهم بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، مُضارِعُ نَجّى المُضاعَفُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، مُضارِعُ أنْجى المَهْمُوزِ.

وإسْنادُ التَّقْدِيرِ إلى ضَمِيرِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مُزْمِعُونَ عَلى سَبَبِهِ، وهو ما وُكِّلُوا بِهِ مِن تَحْذِيرِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وآلِهِ مِن الِالتِفاتِ إلى العَذابِ، وتَرْكِهِمْ تَحْذِيرَ امْرَأتِهِ حَتّى التَفَتَتْ فَحَلَّ بِها ما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ مِن قَدَرَ المُجَرَّدِ وهُما لُغَتانِ.

وجُمْلَةُ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، و(إنَّ) مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ قَدَّرْنا عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ، وأصْلُ الكَلامِ غُبُورُها، أيْ ذَهابُها وهَلاكُها.

والتَّعْلِيقُ يَطْرَأُ عَلى الأفْعالِ كُلِّها، وإنَّما يَكْثُرُ في أفْعالِ القُلُوبِ ويَقِلُّ في غَيْرِها، ولَيْسَ مِن خَصائِصِها عَلى التَّحْقِيقِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الغابِرِينَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

58

قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍۢ مُّجْرِمِينَ

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals,

صفحة ٦١

﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾

حِكايَةُ هَذا الحِوارِ بَيْنَ إبْراهِيمَ والمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ بَيانِ فَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مَوْعِظَةِ قُرَيْشٍ بِما حَلَّ بِبَعْضِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى سُؤالِهِمْ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهِمْ إلى الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَنْزِلُونَ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ كَما قالَ تَعالى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، وقَدْ نُزِّلَ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ لِاسْتِئْصالِ سادَةِ المُشْرِكِينَ ورُؤَسائِهِمْ.

والخَطْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى قالَ ما خَطْبُكُنَّ في سُورَةِ يُوسُفَ.

والقَوْمُ المُجْرِمُونَ هم قَوْمُ سَدُومَ وقُراها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ هُودٍ.

والِاسْتِثْناءُ في إلّا آلَ لُوطٍ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُجْرِمِينَ، واسْتِثْناءُ إلّا امْرَأتَهُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّها مِن آلِ لُوطٍ.

وجُمْلَةُ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في اسْتِثْناءِ آلِ لُوطٍ مِن مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أرْسَلْنا لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّهم لَمْ يُرْسَلُوا إلَيْهِمْ ولا أُمِرُوا بِإنْجائِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إيجازُ حَذْفٍ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنّا أُرْسِلْنا إلى لُوطٍ؛ لِأجْلِ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، أيْ لِعَذابِهِمْ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ في إلّا آلَ لُوطٍ.

صفحة ٦٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمُنَجُّوهم بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، مُضارِعُ نَجّى المُضاعَفُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، مُضارِعُ أنْجى المَهْمُوزِ.

وإسْنادُ التَّقْدِيرِ إلى ضَمِيرِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مُزْمِعُونَ عَلى سَبَبِهِ، وهو ما وُكِّلُوا بِهِ مِن تَحْذِيرِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وآلِهِ مِن الِالتِفاتِ إلى العَذابِ، وتَرْكِهِمْ تَحْذِيرَ امْرَأتِهِ حَتّى التَفَتَتْ فَحَلَّ بِها ما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ مِن قَدَرَ المُجَرَّدِ وهُما لُغَتانِ.

وجُمْلَةُ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، و(إنَّ) مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ قَدَّرْنا عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ، وأصْلُ الكَلامِ غُبُورُها، أيْ ذَهابُها وهَلاكُها.

والتَّعْلِيقُ يَطْرَأُ عَلى الأفْعالِ كُلِّها، وإنَّما يَكْثُرُ في أفْعالِ القُلُوبِ ويَقِلُّ في غَيْرِها، ولَيْسَ مِن خَصائِصِها عَلى التَّحْقِيقِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الغابِرِينَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

59

إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ

Except the family of Lot; indeed, we will save them all

صفحة ٦١

﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾

حِكايَةُ هَذا الحِوارِ بَيْنَ إبْراهِيمَ والمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ بَيانِ فَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مَوْعِظَةِ قُرَيْشٍ بِما حَلَّ بِبَعْضِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى سُؤالِهِمْ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهِمْ إلى الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَنْزِلُونَ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ كَما قالَ تَعالى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، وقَدْ نُزِّلَ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ لِاسْتِئْصالِ سادَةِ المُشْرِكِينَ ورُؤَسائِهِمْ.

والخَطْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى قالَ ما خَطْبُكُنَّ في سُورَةِ يُوسُفَ.

والقَوْمُ المُجْرِمُونَ هم قَوْمُ سَدُومَ وقُراها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ هُودٍ.

والِاسْتِثْناءُ في إلّا آلَ لُوطٍ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُجْرِمِينَ، واسْتِثْناءُ إلّا امْرَأتَهُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّها مِن آلِ لُوطٍ.

وجُمْلَةُ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في اسْتِثْناءِ آلِ لُوطٍ مِن مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أرْسَلْنا لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّهم لَمْ يُرْسَلُوا إلَيْهِمْ ولا أُمِرُوا بِإنْجائِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إيجازُ حَذْفٍ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنّا أُرْسِلْنا إلى لُوطٍ؛ لِأجْلِ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، أيْ لِعَذابِهِمْ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ في إلّا آلَ لُوطٍ.

صفحة ٦٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمُنَجُّوهم بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، مُضارِعُ نَجّى المُضاعَفُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، مُضارِعُ أنْجى المَهْمُوزِ.

وإسْنادُ التَّقْدِيرِ إلى ضَمِيرِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مُزْمِعُونَ عَلى سَبَبِهِ، وهو ما وُكِّلُوا بِهِ مِن تَحْذِيرِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وآلِهِ مِن الِالتِفاتِ إلى العَذابِ، وتَرْكِهِمْ تَحْذِيرَ امْرَأتِهِ حَتّى التَفَتَتْ فَحَلَّ بِها ما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ مِن قَدَرَ المُجَرَّدِ وهُما لُغَتانِ.

وجُمْلَةُ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، و(إنَّ) مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ قَدَّرْنا عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ، وأصْلُ الكَلامِ غُبُورُها، أيْ ذَهابُها وهَلاكُها.

والتَّعْلِيقُ يَطْرَأُ عَلى الأفْعالِ كُلِّها، وإنَّما يَكْثُرُ في أفْعالِ القُلُوبِ ويَقِلُّ في غَيْرِها، ولَيْسَ مِن خَصائِصِها عَلى التَّحْقِيقِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الغابِرِينَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

60

إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَآ ۙ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ

Except his wife." Allah decreed that she is of those who remain behind.

صفحة ٦١

﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾

حِكايَةُ هَذا الحِوارِ بَيْنَ إبْراهِيمَ والمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ بَيانِ فَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مَوْعِظَةِ قُرَيْشٍ بِما حَلَّ بِبَعْضِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ، انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى سُؤالِهِمْ عَنْ سَبَبِ نُزُولِهِمْ إلى الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَنْزِلُونَ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ كَما قالَ تَعالى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ، وقَدْ نُزِّلَ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ لِاسْتِئْصالِ سادَةِ المُشْرِكِينَ ورُؤَسائِهِمْ.

والخَطْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى قالَ ما خَطْبُكُنَّ في سُورَةِ يُوسُفَ.

والقَوْمُ المُجْرِمُونَ هم قَوْمُ سَدُومَ وقُراها، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ هُودٍ.

والِاسْتِثْناءُ في إلّا آلَ لُوطٍ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُجْرِمِينَ، واسْتِثْناءُ إلّا امْرَأتَهُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّها مِن آلِ لُوطٍ.

وجُمْلَةُ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في اسْتِثْناءِ آلِ لُوطٍ مِن مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أرْسَلْنا لِدَفْعِ احْتِمالِ أنَّهم لَمْ يُرْسَلُوا إلَيْهِمْ ولا أُمِرُوا بِإنْجائِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إيجازُ حَذْفٍ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنّا أُرْسِلْنا إلى لُوطٍ؛ لِأجْلِ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، أيْ لِعَذابِهِمْ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِثْناءِ في إلّا آلَ لُوطٍ.

صفحة ٦٢

وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمُنَجُّوهم بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، مُضارِعُ نَجّى المُضاعَفُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، مُضارِعُ أنْجى المَهْمُوزِ.

وإسْنادُ التَّقْدِيرِ إلى ضَمِيرِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهم مُزْمِعُونَ عَلى سَبَبِهِ، وهو ما وُكِّلُوا بِهِ مِن تَحْذِيرِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وآلِهِ مِن الِالتِفاتِ إلى العَذابِ، وتَرْكِهِمْ تَحْذِيرَ امْرَأتِهِ حَتّى التَفَتَتْ فَحَلَّ بِها ما حَلَّ بِقَوْمِ لُوطٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ مِن قَدَرَ المُجَرَّدِ وهُما لُغَتانِ.

وجُمْلَةُ إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، و(إنَّ) مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ قَدَّرْنا عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ، وأصْلُ الكَلامِ غُبُورُها، أيْ ذَهابُها وهَلاكُها.

والتَّعْلِيقُ يَطْرَأُ عَلى الأفْعالِ كُلِّها، وإنَّما يَكْثُرُ في أفْعالِ القُلُوبِ ويَقِلُّ في غَيْرِها، ولَيْسَ مِن خَصائِصِها عَلى التَّحْقِيقِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الغابِرِينَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.