Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 99

41

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ

[Allah] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لِمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو الخَيْرُ والرَّشادُ.

فالإشارَةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهي جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلى غَيْرِ مُشاهَدٍ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، وتَنْزِيلًا لِلْمَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المَرْئِيِّ.

ثُمَّ إنَّ هَذا المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ هو مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ إلى سَماعِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فاسْمُ الإشارَةِ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، كَما يُكْتَبُ في العُهُودِ والعُقُودِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ فُلانٌ فَلانًا أنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ مِن فُلانٍ أنَّهُ باعَهُ كَذا وكَذا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الِاسْتِثْناءِ الَّذِي سَبَقَ في حِكايَةِ كَلامِ إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ غَوايَةَ العِبادِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُسْتَأْنَفَةً أفادَتْ نَفْيَ سُلْطانِهِ.

والصِّراطُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَقْصِدُ مِنهُ عامِلُهُ فائِدَةً، شُبِّهَ بِالطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَطْلُوبِ وُصُولَهُ إلَيْهِ، أيْ: هَذا هو السُّنَّةُ الَّتِي وضَعْتُها

صفحة ٥٢

فِي النّاسِ وفي غَوايَتِكَ إيّاهم، وهي أنَّكَ لا تُغْوِي إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، أوْ أنَّكَ تُغْوِي مَن عَدا عِبادِي المُخْلِصِينَ.

ومُسْتَقِيمٌ نَعْتٌ لِـ صِراطٍ، أيْ: لا اعْوِجاجَ فِيهِ، واسْتُعِيرَتِ الِاسْتِقامَةُ لِمُلازَمَةِ الحالَةِ الكامِلَةِ.

و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في الوُجُوبِ المَجازِيِّ، وهو الفِعْلُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ كَقَوْلِهِ تَعالى إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى، أيْ: أنّا التَزَمْنا الهُدى لا نَحِيدُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وعَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِمّا يُرْسَلُ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلَيَّ بِفَتْحِ اللّامِ وفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّها (عَلى) اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ الياءِ وتَنْوِينِها عَلى أنَّهُ وصَفٌ مِنَ العُلُوِّ وُصِفَ بِهِ صِراطٌ، أيْ: صِراطُ شَرِيفٍ عَظِيمِ القَدْرِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ وضَعَ سُنَّةً في نُفُوسِ البَشَرِ أنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَسَلَّطُ إلّا عَلى مَن كانَ غاوِيًا، أيْ: مائِلًا لِلْغَوايَةِ مُكْتَسِبًا لَها دُونَ مَن كَبَحَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّ العاقِلَ إذا تَعَلَّقَ بِهِ وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلِمَ ما فِيهِ مِن إضْلالٍ، وعَلِمَ أنَّ الهُدى في خِلافِهِ فَإذا تُوِفِّقَ وحَمَلَ نَفْسَهُ عَلى اخْتِيارِ الهُدى وصَرَفَ إلَيْهِ عَزْمُهُ قَوِيَ عَلى الشَّيْطانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وإذا مالَ إلى الضَّلالِ واسْتَحْسَنَهُ واخْتارَ إرْضاءَ شَهْوَتِهِ صارَ مُتَهَيِّئًا إلى الغَوايَةِ فَأغْواهُ الشَّيْطانُ فَغَوى، فالِاتِّباعُ مَجازٌ بِمَعْنى الطّاعَةِ واسْتِحْسانِ الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

وإطْلاقُ الغاوِينَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غاوِيًا بِالفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لِسُلْطانِ الشَّيْطانِ …

42

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لِمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو الخَيْرُ والرَّشادُ.

فالإشارَةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهي جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلى غَيْرِ مُشاهَدٍ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، وتَنْزِيلًا لِلْمَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المَرْئِيِّ.

ثُمَّ إنَّ هَذا المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ هو مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ إلى سَماعِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فاسْمُ الإشارَةِ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، كَما يُكْتَبُ في العُهُودِ والعُقُودِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ فُلانٌ فَلانًا أنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ مِن فُلانٍ أنَّهُ باعَهُ كَذا وكَذا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الِاسْتِثْناءِ الَّذِي سَبَقَ في حِكايَةِ كَلامِ إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ غَوايَةَ العِبادِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُسْتَأْنَفَةً أفادَتْ نَفْيَ سُلْطانِهِ.

والصِّراطُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَقْصِدُ مِنهُ عامِلُهُ فائِدَةً، شُبِّهَ بِالطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَطْلُوبِ وُصُولَهُ إلَيْهِ، أيْ: هَذا هو السُّنَّةُ الَّتِي وضَعْتُها

صفحة ٥٢

فِي النّاسِ وفي غَوايَتِكَ إيّاهم، وهي أنَّكَ لا تُغْوِي إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، أوْ أنَّكَ تُغْوِي مَن عَدا عِبادِي المُخْلِصِينَ.

ومُسْتَقِيمٌ نَعْتٌ لِـ صِراطٍ، أيْ: لا اعْوِجاجَ فِيهِ، واسْتُعِيرَتِ الِاسْتِقامَةُ لِمُلازَمَةِ الحالَةِ الكامِلَةِ.

و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في الوُجُوبِ المَجازِيِّ، وهو الفِعْلُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ كَقَوْلِهِ تَعالى إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى، أيْ: أنّا التَزَمْنا الهُدى لا نَحِيدُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وعَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِمّا يُرْسَلُ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلَيَّ بِفَتْحِ اللّامِ وفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّها (عَلى) اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ الياءِ وتَنْوِينِها عَلى أنَّهُ وصَفٌ مِنَ العُلُوِّ وُصِفَ بِهِ صِراطٌ، أيْ: صِراطُ شَرِيفٍ عَظِيمِ القَدْرِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ وضَعَ سُنَّةً في نُفُوسِ البَشَرِ أنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَسَلَّطُ إلّا عَلى مَن كانَ غاوِيًا، أيْ: مائِلًا لِلْغَوايَةِ مُكْتَسِبًا لَها دُونَ مَن كَبَحَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّ العاقِلَ إذا تَعَلَّقَ بِهِ وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلِمَ ما فِيهِ مِن إضْلالٍ، وعَلِمَ أنَّ الهُدى في خِلافِهِ فَإذا تُوِفِّقَ وحَمَلَ نَفْسَهُ عَلى اخْتِيارِ الهُدى وصَرَفَ إلَيْهِ عَزْمُهُ قَوِيَ عَلى الشَّيْطانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وإذا مالَ إلى الضَّلالِ واسْتَحْسَنَهُ واخْتارَ إرْضاءَ شَهْوَتِهِ صارَ مُتَهَيِّئًا إلى الغَوايَةِ فَأغْواهُ الشَّيْطانُ فَغَوى، فالِاتِّباعُ مَجازٌ بِمَعْنى الطّاعَةِ واسْتِحْسانِ الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

وإطْلاقُ الغاوِينَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غاوِيًا بِالفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لِسُلْطانِ الشَّيْطانِ …

43

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ

And indeed, Hell is the promised place for them all.

﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لِمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو الخَيْرُ والرَّشادُ.

فالإشارَةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهي جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلى غَيْرِ مُشاهَدٍ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، وتَنْزِيلًا لِلْمَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المَرْئِيِّ.

ثُمَّ إنَّ هَذا المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ هو مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ إلى سَماعِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فاسْمُ الإشارَةِ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، كَما يُكْتَبُ في العُهُودِ والعُقُودِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ فُلانٌ فَلانًا أنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ مِن فُلانٍ أنَّهُ باعَهُ كَذا وكَذا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الِاسْتِثْناءِ الَّذِي سَبَقَ في حِكايَةِ كَلامِ إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ غَوايَةَ العِبادِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُسْتَأْنَفَةً أفادَتْ نَفْيَ سُلْطانِهِ.

والصِّراطُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَقْصِدُ مِنهُ عامِلُهُ فائِدَةً، شُبِّهَ بِالطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَطْلُوبِ وُصُولَهُ إلَيْهِ، أيْ: هَذا هو السُّنَّةُ الَّتِي وضَعْتُها

صفحة ٥٢

فِي النّاسِ وفي غَوايَتِكَ إيّاهم، وهي أنَّكَ لا تُغْوِي إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، أوْ أنَّكَ تُغْوِي مَن عَدا عِبادِي المُخْلِصِينَ.

ومُسْتَقِيمٌ نَعْتٌ لِـ صِراطٍ، أيْ: لا اعْوِجاجَ فِيهِ، واسْتُعِيرَتِ الِاسْتِقامَةُ لِمُلازَمَةِ الحالَةِ الكامِلَةِ.

و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في الوُجُوبِ المَجازِيِّ، وهو الفِعْلُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ كَقَوْلِهِ تَعالى إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى، أيْ: أنّا التَزَمْنا الهُدى لا نَحِيدُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وعَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِمّا يُرْسَلُ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلَيَّ بِفَتْحِ اللّامِ وفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّها (عَلى) اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ الياءِ وتَنْوِينِها عَلى أنَّهُ وصَفٌ مِنَ العُلُوِّ وُصِفَ بِهِ صِراطٌ، أيْ: صِراطُ شَرِيفٍ عَظِيمِ القَدْرِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ وضَعَ سُنَّةً في نُفُوسِ البَشَرِ أنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَسَلَّطُ إلّا عَلى مَن كانَ غاوِيًا، أيْ: مائِلًا لِلْغَوايَةِ مُكْتَسِبًا لَها دُونَ مَن كَبَحَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّ العاقِلَ إذا تَعَلَّقَ بِهِ وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلِمَ ما فِيهِ مِن إضْلالٍ، وعَلِمَ أنَّ الهُدى في خِلافِهِ فَإذا تُوِفِّقَ وحَمَلَ نَفْسَهُ عَلى اخْتِيارِ الهُدى وصَرَفَ إلَيْهِ عَزْمُهُ قَوِيَ عَلى الشَّيْطانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وإذا مالَ إلى الضَّلالِ واسْتَحْسَنَهُ واخْتارَ إرْضاءَ شَهْوَتِهِ صارَ مُتَهَيِّئًا إلى الغَوايَةِ فَأغْواهُ الشَّيْطانُ فَغَوى، فالِاتِّباعُ مَجازٌ بِمَعْنى الطّاعَةِ واسْتِحْسانِ الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

وإطْلاقُ الغاوِينَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غاوِيًا بِالفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لِسُلْطانِ الشَّيْطانِ …

44

لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ

It has seven gates; for every gate is of them a portion designated."

﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لِمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو الخَيْرُ والرَّشادُ.

فالإشارَةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ المُبَيِّنَةِ لِلْإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهي جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلى غَيْرِ مُشاهَدٍ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، وتَنْزِيلًا لِلْمَسْمُوعِ مَنزِلَةَ المَرْئِيِّ.

ثُمَّ إنَّ هَذا المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ هو مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ إلى سَماعِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فاسْمُ الإشارَةِ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، كَما يُكْتَبُ في العُهُودِ والعُقُودِ: هَذا ما قاضى عَلَيْهِ فُلانٌ فَلانًا أنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ مِن فُلانٍ أنَّهُ باعَهُ كَذا وكَذا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الِاسْتِثْناءِ الَّذِي سَبَقَ في حِكايَةِ كَلامِ إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ غَوايَةَ العِبادِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُسْتَأْنَفَةً أفادَتْ نَفْيَ سُلْطانِهِ.

والصِّراطُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَقْصِدُ مِنهُ عامِلُهُ فائِدَةً، شُبِّهَ بِالطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَطْلُوبِ وُصُولَهُ إلَيْهِ، أيْ: هَذا هو السُّنَّةُ الَّتِي وضَعْتُها

صفحة ٥٢

فِي النّاسِ وفي غَوايَتِكَ إيّاهم، وهي أنَّكَ لا تُغْوِي إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ، أوْ أنَّكَ تُغْوِي مَن عَدا عِبادِي المُخْلِصِينَ.

ومُسْتَقِيمٌ نَعْتٌ لِـ صِراطٍ، أيْ: لا اعْوِجاجَ فِيهِ، واسْتُعِيرَتِ الِاسْتِقامَةُ لِمُلازَمَةِ الحالَةِ الكامِلَةِ.

و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في الوُجُوبِ المَجازِيِّ، وهو الفِعْلُ الدّائِمُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ كَقَوْلِهِ تَعالى إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى، أيْ: أنّا التَزَمْنا الهُدى لا نَحِيدُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ وعَظَمَةُ الإلَهِيَّةِ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِمّا يُرْسَلُ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ عَلَيَّ بِفَتْحِ اللّامِ وفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّها (عَلى) اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ وضَمِّ الياءِ وتَنْوِينِها عَلى أنَّهُ وصَفٌ مِنَ العُلُوِّ وُصِفَ بِهِ صِراطٌ، أيْ: صِراطُ شَرِيفٍ عَظِيمِ القَدْرِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ وضَعَ سُنَّةً في نُفُوسِ البَشَرِ أنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَسَلَّطُ إلّا عَلى مَن كانَ غاوِيًا، أيْ: مائِلًا لِلْغَوايَةِ مُكْتَسِبًا لَها دُونَ مَن كَبَحَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّ العاقِلَ إذا تَعَلَّقَ بِهِ وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلِمَ ما فِيهِ مِن إضْلالٍ، وعَلِمَ أنَّ الهُدى في خِلافِهِ فَإذا تُوِفِّقَ وحَمَلَ نَفْسَهُ عَلى اخْتِيارِ الهُدى وصَرَفَ إلَيْهِ عَزْمُهُ قَوِيَ عَلى الشَّيْطانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطانٌ، وإذا مالَ إلى الضَّلالِ واسْتَحْسَنَهُ واخْتارَ إرْضاءَ شَهْوَتِهِ صارَ مُتَهَيِّئًا إلى الغَوايَةِ فَأغْواهُ الشَّيْطانُ فَغَوى، فالِاتِّباعُ مَجازٌ بِمَعْنى الطّاعَةِ واسْتِحْسانِ الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.

وإطْلاقُ الغاوِينَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غاوِيًا بِالفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لِسُلْطانِ الشَّيْطانِ …

45

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍ

Indeed, the righteous will be within gardens and springs.

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غَلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، انْتِقالٌ مِن وعِيدِ المُجْرِمِينَ إلى بِشارَةِ المُتَّقِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ.

والمُتَّقُونَ: المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٥٥

والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ اسْمٌ لِثُقْبٍ أرْضِيٍّ يَخْرُجُ مِنهُ الماءُ مِنَ الأرْضِ. فَقَدْ يَكُونُ انْفِجارُها بِدُونِ عَمَلِ الإنْسانِ، وأسْبابُهُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ فاعِلٍ وهو التَّفْجِيرُ.

وجُمْلَةُ ادْخُلُوها مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حالًا مِنَ المُتَّقِينَ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ. والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها. والقائِلُ هو المَلائِكَةُ عِنْدَ إدْخالِ المُتَّقِينَ الجَنَّةَ.والباءُ مِن بِسَلامٍ لِلْمُصاحَبَةِ.

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأمْنُ: النَّجاةُ مِنَ الخَوْفِ.

وجُمْلَةُ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، وهو في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ نَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ.

والغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ البُغْضُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: ما كانَ بَيْنَ بَعْضِهِمْ مِن غِلٍّ في الدُّنْيا.

وإخْوانًا حالٌ، وهو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، أيْ: كالإخْوانِ، أيْ: كَحالِ الإخْوانِ في الدُّنْيا.

وأوَّلُ مَن يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الحَوادِثِ الدّافِعُ إلَيْها اخْتِلافُ الِاجْتِهادِ في إقامَةِ مَصالِحِ

صفحة ٥٦

المُسْلِمِينَ، والشِّدَّةُ في إقامَةِ الحَقِّ عَلى حَسَبِ اجْتِهادِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ مِن أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾، فَقالَ جاهِلٌ مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ اسْمُهُ (الحارِثُ بْنُ الأعْوَرِ الهَمَذانِيُّ): كَلّا، اللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يَجْمَعَكَ وطَلْحَةَ في مَكانٍ واحِدٍ. فَقالَ عَلِيٌّ: (فَلِمَن هَذِهِ الآيَةُ لا أُمَّ لَكَ بِفِيكَ التُّرابُ) .

والسُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو مُحَمَلٌ كالكُرْسِيِّ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، والِاتِّكاءُ: مَجْلِسُ أصْحابِ الدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ لِتَمَكُّنِ الجالِسِ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَلُّبِ كَيْفَ شاءَ حَتّى إذا مَلَّ جِلْسَةً انْقَلَبَ لِغَيْرِها.

والتَّقابُلُ: كَوْنُ الواحِدِ قُبالَةَ غَيْرِهِ، وهو أُدْخِلَ في التَّأنُّسِ بِالرُّؤْيَةِ والمُحادَثَةِ.

والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ.

والنَّصَبُ: التَّعَبُ النّاشِئُ عَنِ اسْتِعْمالِ الجَهْدِ.

46

ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ

[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غَلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، انْتِقالٌ مِن وعِيدِ المُجْرِمِينَ إلى بِشارَةِ المُتَّقِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ.

والمُتَّقُونَ: المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٥٥

والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ اسْمٌ لِثُقْبٍ أرْضِيٍّ يَخْرُجُ مِنهُ الماءُ مِنَ الأرْضِ. فَقَدْ يَكُونُ انْفِجارُها بِدُونِ عَمَلِ الإنْسانِ، وأسْبابُهُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ فاعِلٍ وهو التَّفْجِيرُ.

وجُمْلَةُ ادْخُلُوها مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حالًا مِنَ المُتَّقِينَ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ. والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها. والقائِلُ هو المَلائِكَةُ عِنْدَ إدْخالِ المُتَّقِينَ الجَنَّةَ.والباءُ مِن بِسَلامٍ لِلْمُصاحَبَةِ.

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأمْنُ: النَّجاةُ مِنَ الخَوْفِ.

وجُمْلَةُ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، وهو في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ نَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ.

والغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ البُغْضُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: ما كانَ بَيْنَ بَعْضِهِمْ مِن غِلٍّ في الدُّنْيا.

وإخْوانًا حالٌ، وهو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، أيْ: كالإخْوانِ، أيْ: كَحالِ الإخْوانِ في الدُّنْيا.

وأوَّلُ مَن يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الحَوادِثِ الدّافِعُ إلَيْها اخْتِلافُ الِاجْتِهادِ في إقامَةِ مَصالِحِ

صفحة ٥٦

المُسْلِمِينَ، والشِّدَّةُ في إقامَةِ الحَقِّ عَلى حَسَبِ اجْتِهادِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ مِن أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾، فَقالَ جاهِلٌ مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ اسْمُهُ (الحارِثُ بْنُ الأعْوَرِ الهَمَذانِيُّ): كَلّا، اللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يَجْمَعَكَ وطَلْحَةَ في مَكانٍ واحِدٍ. فَقالَ عَلِيٌّ: (فَلِمَن هَذِهِ الآيَةُ لا أُمَّ لَكَ بِفِيكَ التُّرابُ) .

والسُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو مُحَمَلٌ كالكُرْسِيِّ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، والِاتِّكاءُ: مَجْلِسُ أصْحابِ الدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ لِتَمَكُّنِ الجالِسِ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَلُّبِ كَيْفَ شاءَ حَتّى إذا مَلَّ جِلْسَةً انْقَلَبَ لِغَيْرِها.

والتَّقابُلُ: كَوْنُ الواحِدِ قُبالَةَ غَيْرِهِ، وهو أُدْخِلَ في التَّأنُّسِ بِالرُّؤْيَةِ والمُحادَثَةِ.

والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ.

والنَّصَبُ: التَّعَبُ النّاشِئُ عَنِ اسْتِعْمالِ الجَهْدِ.

47

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ

And We will remove whatever is in their breasts of resentment, [so they will be] brothers, on thrones facing each other.

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غَلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، انْتِقالٌ مِن وعِيدِ المُجْرِمِينَ إلى بِشارَةِ المُتَّقِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ.

والمُتَّقُونَ: المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٥٥

والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ اسْمٌ لِثُقْبٍ أرْضِيٍّ يَخْرُجُ مِنهُ الماءُ مِنَ الأرْضِ. فَقَدْ يَكُونُ انْفِجارُها بِدُونِ عَمَلِ الإنْسانِ، وأسْبابُهُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ فاعِلٍ وهو التَّفْجِيرُ.

وجُمْلَةُ ادْخُلُوها مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حالًا مِنَ المُتَّقِينَ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ. والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها. والقائِلُ هو المَلائِكَةُ عِنْدَ إدْخالِ المُتَّقِينَ الجَنَّةَ.والباءُ مِن بِسَلامٍ لِلْمُصاحَبَةِ.

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأمْنُ: النَّجاةُ مِنَ الخَوْفِ.

وجُمْلَةُ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، وهو في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ نَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ.

والغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ البُغْضُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: ما كانَ بَيْنَ بَعْضِهِمْ مِن غِلٍّ في الدُّنْيا.

وإخْوانًا حالٌ، وهو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، أيْ: كالإخْوانِ، أيْ: كَحالِ الإخْوانِ في الدُّنْيا.

وأوَّلُ مَن يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الحَوادِثِ الدّافِعُ إلَيْها اخْتِلافُ الِاجْتِهادِ في إقامَةِ مَصالِحِ

صفحة ٥٦

المُسْلِمِينَ، والشِّدَّةُ في إقامَةِ الحَقِّ عَلى حَسَبِ اجْتِهادِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ مِن أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾، فَقالَ جاهِلٌ مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ اسْمُهُ (الحارِثُ بْنُ الأعْوَرِ الهَمَذانِيُّ): كَلّا، اللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يَجْمَعَكَ وطَلْحَةَ في مَكانٍ واحِدٍ. فَقالَ عَلِيٌّ: (فَلِمَن هَذِهِ الآيَةُ لا أُمَّ لَكَ بِفِيكَ التُّرابُ) .

والسُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو مُحَمَلٌ كالكُرْسِيِّ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، والِاتِّكاءُ: مَجْلِسُ أصْحابِ الدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ لِتَمَكُّنِ الجالِسِ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَلُّبِ كَيْفَ شاءَ حَتّى إذا مَلَّ جِلْسَةً انْقَلَبَ لِغَيْرِها.

والتَّقابُلُ: كَوْنُ الواحِدِ قُبالَةَ غَيْرِهِ، وهو أُدْخِلَ في التَّأنُّسِ بِالرُّؤْيَةِ والمُحادَثَةِ.

والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ.

والنَّصَبُ: التَّعَبُ النّاشِئُ عَنِ اسْتِعْمالِ الجَهْدِ.

48

لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ

No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غَلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، انْتِقالٌ مِن وعِيدِ المُجْرِمِينَ إلى بِشارَةِ المُتَّقِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ.

والمُتَّقُونَ: المَوْصُوفُونَ بِالتَّقْوى. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٥٥

والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ اسْمٌ لِثُقْبٍ أرْضِيٍّ يَخْرُجُ مِنهُ الماءُ مِنَ الأرْضِ. فَقَدْ يَكُونُ انْفِجارُها بِدُونِ عَمَلِ الإنْسانِ، وأسْبابُهُ كَثِيرَةٌ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِفِعْلِ فاعِلٍ وهو التَّفْجِيرُ.

وجُمْلَةُ ادْخُلُوها مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ حالًا مِنَ المُتَّقِينَ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ. والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها. والقائِلُ هو المَلائِكَةُ عِنْدَ إدْخالِ المُتَّقِينَ الجَنَّةَ.والباءُ مِن بِسَلامٍ لِلْمُصاحَبَةِ.

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأمْنُ: النَّجاةُ مِنَ الخَوْفِ.

وجُمْلَةُ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، وهو في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ نَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ.

والغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ البُغْضُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: ما كانَ بَيْنَ بَعْضِهِمْ مِن غِلٍّ في الدُّنْيا.

وإخْوانًا حالٌ، وهو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، أيْ: كالإخْوانِ، أيْ: كَحالِ الإخْوانِ في الدُّنْيا.

وأوَّلُ مَن يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الحَوادِثِ الدّافِعُ إلَيْها اخْتِلافُ الِاجْتِهادِ في إقامَةِ مَصالِحِ

صفحة ٥٦

المُسْلِمِينَ، والشِّدَّةُ في إقامَةِ الحَقِّ عَلى حَسَبِ اجْتِهادِهِمْ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ مِن أنْ أكُونَ أنا وطَلْحَةُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾، فَقالَ جاهِلٌ مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ اسْمُهُ (الحارِثُ بْنُ الأعْوَرِ الهَمَذانِيُّ): كَلّا، اللَّهُ أعْدَلُ مِن أنْ يَجْمَعَكَ وطَلْحَةَ في مَكانٍ واحِدٍ. فَقالَ عَلِيٌّ: (فَلِمَن هَذِهِ الآيَةُ لا أُمَّ لَكَ بِفِيكَ التُّرابُ) .

والسُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وهو مُحَمَلٌ كالكُرْسِيِّ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، والِاتِّكاءُ: مَجْلِسُ أصْحابِ الدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ لِتَمَكُّنِ الجالِسِ عَلَيْهِ مِنَ التَّقَلُّبِ كَيْفَ شاءَ حَتّى إذا مَلَّ جِلْسَةً انْقَلَبَ لِغَيْرِها.

والتَّقابُلُ: كَوْنُ الواحِدِ قُبالَةَ غَيْرِهِ، وهو أُدْخِلَ في التَّأنُّسِ بِالرُّؤْيَةِ والمُحادَثَةِ.

والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ.

والنَّصَبُ: التَّعَبُ النّاشِئُ عَنِ اسْتِعْمالِ الجَهْدِ.

49

۞ نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

[O Muhammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful.

﴿نَبِّئْ عِبادِيَ أنِّيَ أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ هَذا تَصْدِيرٌ لِذِكْرِ القَصَصِ الَّتِي أُرِيدَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِها المَوْعِظَةُ بِما حَلَّ بِأهْلِها، وهي قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ وقِصَّةُ أصْحابِ الأيْكَةِ وقِصَّةُ ثَمُودَ.

وابْتُدِئَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما فِيها مِن كَرامَةِ اللَّهِ لَهُ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَقْتَفُوا آثارَهُ في التَّوْحِيدِ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ.

صفحة ٥٧

وابْتِداءُ الكَلامِ بِفِعْلِ الإنْباءِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ ونَحْوِهِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ تَعالى الآتِي ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ، وإنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِإعْلامِ النّاسِ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وعَذابِهِ ابْتِداءً بِالمَوْعِظَةِ الأصْلِيَّةِ قَبْلَ المَوْعِظَةِ بِجُزْئِيّاتِ حَوادِثِ الِانْتِقامِ مِنَ المُعانِدِينَ وإنْجاءِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ دائِرٌ بَيْنَ أثَرِ الغُفْرانِ وبَيْنَ أثَرِ العَذابِ.

وقُدِّمَتِ المَغْفِرَةُ عَلى العَذابِ؛ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ.

وضَمِيرُ أنا وضَمِيرُ هو ضَمِيرا فَصْلٍ يُفِيدانِ تَأْكِيدَ الخَبَرِ.

واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى نَبِّئْ عِبادِي إلى الرَّحِيمِ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعَةِ مُحَسِّنَ الِاتِّزانِ إذا سَكَنَتْ ياءُ أنِّي عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِتَسْكِينِها، فَإنَّ الآيَةَ تَأْتِي مُتَّزِنَةً عَلى مِيزانِ بَحْرِ المُجْتَثِّ الَّذِي لَحِقَهُ الخَبْنُ في عَرُوضِهِ وضُرُبِهِ فَهو مُتَفْعِلُنْ فَعِلاتُنْ مَرَّتَيْنِ.

50

وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ

And that it is My punishment which is the painful punishment.

﴿نَبِّئْ عِبادِيَ أنِّيَ أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ هَذا تَصْدِيرٌ لِذِكْرِ القَصَصِ الَّتِي أُرِيدَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِها المَوْعِظَةُ بِما حَلَّ بِأهْلِها، وهي قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ وقِصَّةُ أصْحابِ الأيْكَةِ وقِصَّةُ ثَمُودَ.

وابْتُدِئَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما فِيها مِن كَرامَةِ اللَّهِ لَهُ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَقْتَفُوا آثارَهُ في التَّوْحِيدِ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في أوائِلِ السُّورَةِ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ.

صفحة ٥٧

وابْتِداءُ الكَلامِ بِفِعْلِ الإنْباءِ لِتَشْوِيقِ السّامِعِينَ إلى ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ ونَحْوِهِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ تَعالى الآتِي ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ، وإنَّما قَدَّمَ الأمْرَ بِإعْلامِ النّاسِ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وعَذابِهِ ابْتِداءً بِالمَوْعِظَةِ الأصْلِيَّةِ قَبْلَ المَوْعِظَةِ بِجُزْئِيّاتِ حَوادِثِ الِانْتِقامِ مِنَ المُعانِدِينَ وإنْجاءِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ دائِرٌ بَيْنَ أثَرِ الغُفْرانِ وبَيْنَ أثَرِ العَذابِ.

وقُدِّمَتِ المَغْفِرَةُ عَلى العَذابِ؛ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ.

وضَمِيرُ أنا وضَمِيرُ هو ضَمِيرا فَصْلٍ يُفِيدانِ تَأْكِيدَ الخَبَرِ.

واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى نَبِّئْ عِبادِي إلى الرَّحِيمِ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعَةِ مُحَسِّنَ الِاتِّزانِ إذا سَكَنَتْ ياءُ أنِّي عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِتَسْكِينِها، فَإنَّ الآيَةَ تَأْتِي مُتَّزِنَةً عَلى مِيزانِ بَحْرِ المُجْتَثِّ الَّذِي لَحِقَهُ الخَبْنُ في عَرُوضِهِ وضُرُبِهِ فَهو مُتَفْعِلُنْ فَعِلاتُنْ مَرَّتَيْنِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.