Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 41–50 of 99

41

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ

[Allah] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.

.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.

كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.

وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.

﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.

﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.

والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ

وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ …

42

إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.

.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.

كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.

وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.

﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.

﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.

والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ

وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ …

43

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ

And indeed, Hell is the promised place for them all.

.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.

كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.

وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.

﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.

﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.

والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ

وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ …

44

لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍۢ لِّكُلِّ بَابٍۢ مِّنْهُمْ جُزْءٌۭ مَّقْسُومٌ

It has seven gates; for every gate is of them a portion designated."

.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.

كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.

وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.

﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.

﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.

والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ

وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ …

45

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍۢ وَعُيُونٍ

Indeed, the righteous will be within gardens and springs.

.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.

قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.

ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.

وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ …

46

ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ

[Having been told], "Enter it in peace, safe [and secure]."

.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.

قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.

ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.

وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ …

47

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ

And We will remove whatever is in their breasts of resentment, [so they will be] brothers, on thrones facing each other.

.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.

قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.

ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.

وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ …

48

لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌۭ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ

No fatigue will touch them therein, nor from it will they [ever] be removed.

.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.

قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.

ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.

وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ …

49

۞ نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

[O Muhammad], inform My servants that it is I who am the Forgiving, the Merciful.

.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.

قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.

ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.

وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ …

50

وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ

And that it is My punishment which is the painful punishment.

.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.

قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.

ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.

وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.

﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.

ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.