Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 99

31

إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

Except Iblees, he refused to be with those who prostrated.

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

32

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ

[Allah] said, O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

33

قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

34

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌۭ

[Allah] said, "Then get out of it, for indeed, you are expelled.

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

35

وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ

And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."

﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلْقَتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وإذْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظائِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الأعْرافِ.

والبَشَرُ: مُرادِفُ الإنْسانِ، أيْ: أنِّي خالِقٌ إنْسانًا، وقَدْ فَهِمَ المَلائِكَةُ الحَقِيقَةَ بِما ألْقى اللَّهُ فِيهِمْ مِنَ العِلْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ لَهم حَقِيقَةَ الإنْسانِ بِالمَعْنى الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ في القُرْآنِ بِالعِبارَةِ الجامِعَةِ لِذَلِكَ المَعْنى.

صفحة ٤٤

وإنَّما ذَكَرَ لِلْمَلائِكَةِ المادَّةَ الَّتِي مِنها خُلِقَ البَشَرُ لِيَعْلَمُوا أنَّ شَرَفَ المَوْجُوداتِ بِمَزاياها لا بِمادَّةِ تَرْكِيبِها كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ .

والتَّسْوِيَةُ: تَعْدِيلُ ذاتِ الشَّيْءِ، وقَدْ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى اعْتِدالِ العَناصِرِ فِيهِ واكْتِمالِها بِحَيْثُ صارَتْ قابِلَةً لِنَفْخِ الرُّوحِ.

والنَّفْخُ: حَقِيقَتُهُ إخْراجُ الهَواءِ مَضْغُوطًا بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ كالصَّفِيرِ واسْتُعِيرَ هُنا لِوَضْعِ قُوَّةٍ لَطِيفَةِ السَّرَيانِ قَوِيَّةِ التَّأْثِيرِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَيْسَ ثَمَّةَ نَفْخٍ ولا مَنفُوخٍ.

وتَقْرِيبُ نَفْخِ الرُّوحِ في الحَيِّ أنَّهُ تَكُونُ القُوَّةُ البُخارِيَّةُ أوِ الكَهْرَبائِيَّةُ المُنْبَعِثَةُ مِنَ القَلْبِ عِنْدَ انْتِهاءِ اسْتِواءِ المِزاجِ وتَرْكِيبِ أجْزاءِ المِزاجِ تَكَوُّنًا سَرِيعًا دَفْعِيًّا، وجَرَيانِ آثارِ تِلْكَ القُوَّةِ في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ في تَجاوِيفِ جَمِيعِ أعْضائِهِ الرَّئِيسَةِ وغَيْرِها.

وإسْنادُ النَّفْخِ وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَنْوِيهٌ بِهَذا المَخْلُوقِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ حَقائِقَ العَناصِرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَتَفاضَلُ إلّا بِتَفاضُلِ آثارِها وأعْمالِها، وأنَّ كَراهَةَ الذّاتِ أوِ الرّائِحَةِ إلى حالَةٍ يَكْرَهُها بَعْضُ النّاسِ أوْ كُلُّهم إنَّما هو تابِعٌ لِما يُلائِمُ الإدْراكَ الحِسِّيَّ أوْ يُنافِرُهُ تَبَعًا لِطِباعِ الأمْزِجَةِ أوْ لِإلْفِ العادَةِ ولا يُؤْبَهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو ضابِطُ وصْفِ القَذارَةِ والنَّزاهَةِ عِنْدَ البَشَرِ.

ألا تَرى أنَّ المَنِيَّ يُسْتَقْذَرُ في الحِسِّ البَشَرِيِّ عَلى أنَّ مِنهُ تَكْوِينَ نَوْعِهِ، ومِنهُ تَخَلَّقَتْ أفاضِلُ البَشَرِ، وكَذَلِكَ المِسْكُ طَيِّبٌ في الحِسِّ البَشَرِيِّ لِمُلاءَمَةِ رائِحَتِهِ لِلشَّمِّ، وما هو إلّا غُدَّةٌ مِن خارِجاتِ بَعْضِ أنْواعِ الغَزالِ، قالَ تَعالى ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] .

صفحة ٤٥

وهَذا تَأْصِيلٌ لِكَوْنِ عالَمِ الحَقائِقِ غَيْرَ خاضِعٍ لِعالَمِ الأوْهامِ، وفي الحَدِيثِ «لَخَلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» . وفِيهِ «لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، …

36

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."

﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾

سُؤالُهُ النَّظِرَةَ بَعْدَ إعْلامِهِ بِأنَّهُ مَلْعُونٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ فاضَ بِهِ خُبْثُ جِبِلَّتِهِ البالِغُ نِهايَةِ الخَباثَةِ الَّتِي لا يَشْفِيها إلّا دَوامُ الإفْسادِ في هَذا العالَمِ، فَكانَتْ هَذِهِ الرَّغْبَةُ مُجْلِبَةً لِدَوامِ شِقْوَتِهِ.

صفحة ٤٨

ولَمّا كانَتِ اللَّعْنَةُ تَسْتَمِرُّ بَعْدَ انْعِدامِ المَلْعُونِ إذا اشْتَهَرَ بَيْنَ النّاسِ بِسُوءٍ لَمْ يَكُنْ تَوْقِيتُها بِالأبَدِ مُقَيِّدًا حَياةَ المَلْعُونِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِإبْلِيسَ غِنًى بِقَوْلِهِ تَعالى إلى يَوْمِ الدِّينِ عَنْ أنْ يَسْألَ الإبْقاءَ إلى يَوْمِ الدِّينِ لِيَكُونَ مَصْدَرَ الشُّرُورِ لِلنُّفُوسِ قَضاءٌ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن بَثِّ الخُبْثِ، فَكانَ بِذَلِكَ حَرِيصًا عَلى دَوامِها بِما يُوَجَّهُ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ، فَسَألَ النَّظِرَةَ حُبًّا لِلْبَقاءِ لِما في البَقاءِ مِنَ اسْتِمْرارِ عَمَلِهِ.

وخاطَبَ اللَّهَ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ تَخَضُّعًا وحَثًّا عَلى الإجابَةِ، والفاءُ في فَأنْظِرْنِي فاءُ التَّفْرِيعِ، فَرَّعَ السُّؤالَ عَنِ الإخْراجِ، ووَسَّطَ النِّداءَ بَيْنَ ذَلِكَ.

وذُكِرَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِن أوْصافِ نَفْسِيَّتِهِ بَعْثًا لِكَراهِيَتِهِ في نُفُوسِ البَشَرِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ حَقَّ النَّفْسِ الأبِيَّةِ أنْ تَأْنَفَ مِنَ الحَياةِ الذَّمِيمَةِ المُحَقَّرَةِ، وذَلِكَ شَأْنُ العَرَبِ، فَإذا عَلِمُوا هَذا الحَوْصَ مِن حالِ إبْلِيسَ أبْغَضُوهُ واحْتَقَرُوهُ فَلَمْ يَرْضَوْا بِكُلِّ عَمَلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ تَأْخِيرُ إماتَتِهِ؛ لِأنَّ الإنْظارَ لا يَكُونُ لِلذّاتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ لِبَعْضِ أحْوالِها وهو المَوْتُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ الدِّينِ بِـ يَوْمِ يُبْعَثُونَ تَمْهِيدًا لِما عَقَدَ عَلَيْهِ العَزْمَ مِن إغْواءِ البَشَرِ، فَأرادَ الإنْظارَ إلى آخِرِ مُدَّةِ وُجُودِ نَوْعِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وخَلَقَ اللَّهُ فِيهِ حُبَّ النَّظِرَةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لَهُ وخَلَقَهُ لِأجْلِها وأجْلِ آثارِها؛ لِيَحْمِلَ أوْزارَ تَبِعَةِ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِ واخْتِيارِهِ تِلْكَ الحالَةَ، فَإنَّ ذَلِكَ الكَسْبَ والِاخْتِيارَ هو الَّذِي يَجْعَلُهُ مُلائِمًا لِما خُلِقَ لَهُ، كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ البَيانُ النَّبَوِيُّ بِقَوْلِهِ «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .

صفحة ٤٩

وضَمِيرُ يُبْعَثُونَ لِلْبَشَرِ المَعْلُومِينَ مِن تَرْكِيبِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّهُ يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ ولا سِيَّما حَيْثُ خُلِقَتْ زَوْجُهُ حِينَئِذٍ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنهُما نَسْلٌ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ البَعْثِ بِـ ﴿يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ تَفَنُّنًا تَفادِيًا مِن إعادَةِ اللَّفْظِ قَضاءً لِحَقِّ حُسْنِ النَّظْمِ، ولِما فِيهِ مِنَ التَّعْلِيمِ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ الأجَلَ، فالمُرادُ: المَعْلُومُ لَدَيْنا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المَعْلُومُ لِلنّاسِ أيْضًا عِلْمًا إجْمالِيًّا.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ النّاسِ لا يَعْبَأُ بِهِمْ؛ فَهم كالعَدَمِ.

وهَذا الإنْظارُ رَمْزٌ إلَهِيٌّ عَلى أنَّ نامُوسَ الشَّرِّ لا يَنْقَضِي مِن عالَمِ الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّ نِظامَها قائِمٌ عَلى التَّصارُعِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والأخْيارِ والأشْرارِ، قالَ تَعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ، …

37

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "So indeed, you are of those reprieved

﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾

سُؤالُهُ النَّظِرَةَ بَعْدَ إعْلامِهِ بِأنَّهُ مَلْعُونٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ فاضَ بِهِ خُبْثُ جِبِلَّتِهِ البالِغُ نِهايَةِ الخَباثَةِ الَّتِي لا يَشْفِيها إلّا دَوامُ الإفْسادِ في هَذا العالَمِ، فَكانَتْ هَذِهِ الرَّغْبَةُ مُجْلِبَةً لِدَوامِ شِقْوَتِهِ.

صفحة ٤٨

ولَمّا كانَتِ اللَّعْنَةُ تَسْتَمِرُّ بَعْدَ انْعِدامِ المَلْعُونِ إذا اشْتَهَرَ بَيْنَ النّاسِ بِسُوءٍ لَمْ يَكُنْ تَوْقِيتُها بِالأبَدِ مُقَيِّدًا حَياةَ المَلْعُونِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِإبْلِيسَ غِنًى بِقَوْلِهِ تَعالى إلى يَوْمِ الدِّينِ عَنْ أنْ يَسْألَ الإبْقاءَ إلى يَوْمِ الدِّينِ لِيَكُونَ مَصْدَرَ الشُّرُورِ لِلنُّفُوسِ قَضاءٌ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن بَثِّ الخُبْثِ، فَكانَ بِذَلِكَ حَرِيصًا عَلى دَوامِها بِما يُوَجَّهُ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ، فَسَألَ النَّظِرَةَ حُبًّا لِلْبَقاءِ لِما في البَقاءِ مِنَ اسْتِمْرارِ عَمَلِهِ.

وخاطَبَ اللَّهَ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ تَخَضُّعًا وحَثًّا عَلى الإجابَةِ، والفاءُ في فَأنْظِرْنِي فاءُ التَّفْرِيعِ، فَرَّعَ السُّؤالَ عَنِ الإخْراجِ، ووَسَّطَ النِّداءَ بَيْنَ ذَلِكَ.

وذُكِرَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِن أوْصافِ نَفْسِيَّتِهِ بَعْثًا لِكَراهِيَتِهِ في نُفُوسِ البَشَرِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ حَقَّ النَّفْسِ الأبِيَّةِ أنْ تَأْنَفَ مِنَ الحَياةِ الذَّمِيمَةِ المُحَقَّرَةِ، وذَلِكَ شَأْنُ العَرَبِ، فَإذا عَلِمُوا هَذا الحَوْصَ مِن حالِ إبْلِيسَ أبْغَضُوهُ واحْتَقَرُوهُ فَلَمْ يَرْضَوْا بِكُلِّ عَمَلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ تَأْخِيرُ إماتَتِهِ؛ لِأنَّ الإنْظارَ لا يَكُونُ لِلذّاتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ لِبَعْضِ أحْوالِها وهو المَوْتُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ الدِّينِ بِـ يَوْمِ يُبْعَثُونَ تَمْهِيدًا لِما عَقَدَ عَلَيْهِ العَزْمَ مِن إغْواءِ البَشَرِ، فَأرادَ الإنْظارَ إلى آخِرِ مُدَّةِ وُجُودِ نَوْعِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وخَلَقَ اللَّهُ فِيهِ حُبَّ النَّظِرَةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لَهُ وخَلَقَهُ لِأجْلِها وأجْلِ آثارِها؛ لِيَحْمِلَ أوْزارَ تَبِعَةِ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِ واخْتِيارِهِ تِلْكَ الحالَةَ، فَإنَّ ذَلِكَ الكَسْبَ والِاخْتِيارَ هو الَّذِي يَجْعَلُهُ مُلائِمًا لِما خُلِقَ لَهُ، كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ البَيانُ النَّبَوِيُّ بِقَوْلِهِ «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .

صفحة ٤٩

وضَمِيرُ يُبْعَثُونَ لِلْبَشَرِ المَعْلُومِينَ مِن تَرْكِيبِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّهُ يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ ولا سِيَّما حَيْثُ خُلِقَتْ زَوْجُهُ حِينَئِذٍ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنهُما نَسْلٌ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ البَعْثِ بِـ ﴿يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ تَفَنُّنًا تَفادِيًا مِن إعادَةِ اللَّفْظِ قَضاءً لِحَقِّ حُسْنِ النَّظْمِ، ولِما فِيهِ مِنَ التَّعْلِيمِ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ الأجَلَ، فالمُرادُ: المَعْلُومُ لَدَيْنا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المَعْلُومُ لِلنّاسِ أيْضًا عِلْمًا إجْمالِيًّا.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ النّاسِ لا يَعْبَأُ بِهِمْ؛ فَهم كالعَدَمِ.

وهَذا الإنْظارُ رَمْزٌ إلَهِيٌّ عَلى أنَّ نامُوسَ الشَّرِّ لا يَنْقَضِي مِن عالَمِ الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّ نِظامَها قائِمٌ عَلى التَّصارُعِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والأخْيارِ والأشْرارِ، قالَ تَعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ، …

38

إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ

Until the Day of the time well-known."

﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾

سُؤالُهُ النَّظِرَةَ بَعْدَ إعْلامِهِ بِأنَّهُ مَلْعُونٌ إلى يَوْمِ الدِّينِ فاضَ بِهِ خُبْثُ جِبِلَّتِهِ البالِغُ نِهايَةِ الخَباثَةِ الَّتِي لا يَشْفِيها إلّا دَوامُ الإفْسادِ في هَذا العالَمِ، فَكانَتْ هَذِهِ الرَّغْبَةُ مُجْلِبَةً لِدَوامِ شِقْوَتِهِ.

صفحة ٤٨

ولَمّا كانَتِ اللَّعْنَةُ تَسْتَمِرُّ بَعْدَ انْعِدامِ المَلْعُونِ إذا اشْتَهَرَ بَيْنَ النّاسِ بِسُوءٍ لَمْ يَكُنْ تَوْقِيتُها بِالأبَدِ مُقَيِّدًا حَياةَ المَلْعُونِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِإبْلِيسَ غِنًى بِقَوْلِهِ تَعالى إلى يَوْمِ الدِّينِ عَنْ أنْ يَسْألَ الإبْقاءَ إلى يَوْمِ الدِّينِ لِيَكُونَ مَصْدَرَ الشُّرُورِ لِلنُّفُوسِ قَضاءٌ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن بَثِّ الخُبْثِ، فَكانَ بِذَلِكَ حَرِيصًا عَلى دَوامِها بِما يُوَجَّهُ إلَيْهِ مِنَ اللَّعْنَةِ، فَسَألَ النَّظِرَةَ حُبًّا لِلْبَقاءِ لِما في البَقاءِ مِنَ اسْتِمْرارِ عَمَلِهِ.

وخاطَبَ اللَّهَ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ تَخَضُّعًا وحَثًّا عَلى الإجابَةِ، والفاءُ في فَأنْظِرْنِي فاءُ التَّفْرِيعِ، فَرَّعَ السُّؤالَ عَنِ الإخْراجِ، ووَسَّطَ النِّداءَ بَيْنَ ذَلِكَ.

وذُكِرَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِن أوْصافِ نَفْسِيَّتِهِ بَعْثًا لِكَراهِيَتِهِ في نُفُوسِ البَشَرِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ حَقَّ النَّفْسِ الأبِيَّةِ أنْ تَأْنَفَ مِنَ الحَياةِ الذَّمِيمَةِ المُحَقَّرَةِ، وذَلِكَ شَأْنُ العَرَبِ، فَإذا عَلِمُوا هَذا الحَوْصَ مِن حالِ إبْلِيسَ أبْغَضُوهُ واحْتَقَرُوهُ فَلَمْ يَرْضَوْا بِكُلِّ عَمَلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ.

والإنْظارُ: الإمْهالُ والتَّأْخِيرُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ تَأْخِيرُ إماتَتِهِ؛ لِأنَّ الإنْظارَ لا يَكُونُ لِلذّاتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ لِبَعْضِ أحْوالِها وهو المَوْتُ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ الدِّينِ بِـ يَوْمِ يُبْعَثُونَ تَمْهِيدًا لِما عَقَدَ عَلَيْهِ العَزْمَ مِن إغْواءِ البَشَرِ، فَأرادَ الإنْظارَ إلى آخِرِ مُدَّةِ وُجُودِ نَوْعِ الإنْسانِ في الدُّنْيا، وخَلَقَ اللَّهُ فِيهِ حُبَّ النَّظِرَةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لَهُ وخَلَقَهُ لِأجْلِها وأجْلِ آثارِها؛ لِيَحْمِلَ أوْزارَ تَبِعَةِ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِ واخْتِيارِهِ تِلْكَ الحالَةَ، فَإنَّ ذَلِكَ الكَسْبَ والِاخْتِيارَ هو الَّذِي يَجْعَلُهُ مُلائِمًا لِما خُلِقَ لَهُ، كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ البَيانُ النَّبَوِيُّ بِقَوْلِهِ «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .

صفحة ٤٩

وضَمِيرُ يُبْعَثُونَ لِلْبَشَرِ المَعْلُومِينَ مِن تَرْكِيبِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنَّهُ يَكُونُ لَهُ نَسْلٌ ولا سِيَّما حَيْثُ خُلِقَتْ زَوْجُهُ حِينَئِذٍ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنهُما نَسْلٌ.

وعَبَّرَ عَنْ يَوْمِ البَعْثِ بِـ ﴿يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ تَفَنُّنًا تَفادِيًا مِن إعادَةِ اللَّفْظِ قَضاءً لِحَقِّ حُسْنِ النَّظْمِ، ولِما فِيهِ مِنَ التَّعْلِيمِ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ الأجَلَ، فالمُرادُ: المَعْلُومُ لَدَيْنا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المَعْلُومُ لِلنّاسِ أيْضًا عِلْمًا إجْمالِيًّا.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا بِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ النّاسِ لا يَعْبَأُ بِهِمْ؛ فَهم كالعَدَمِ.

وهَذا الإنْظارُ رَمْزٌ إلَهِيٌّ عَلى أنَّ نامُوسَ الشَّرِّ لا يَنْقَضِي مِن عالَمِ الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّ نِظامَها قائِمٌ عَلى التَّصارُعِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والأخْيارِ والأشْرارِ، قالَ تَعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ، …

39

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them on earth, and I will mislead them all

﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لِأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ، أيْ: بِسَبَبِ أنْ خَلَقْتَنِي غاوِيًا فَسَأُغْوِي النّاسَ.

واللّامُ في لَأُزَيِّنَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُرادٌ بِها التَّأْكِيدُ، وهو القَسَمُ المُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .

صفحة ٥٠

والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، أيْ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أيْ: حَسَنًا. وحُذِفَ مَفْعُولُ لَأُزَيِّنَنَّ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ الشَّرَّ والسَّيِّئاتِ فَيَرَوْنَها حَسَنَةً، وأُزَيِّنُ لَهُمُ الإقْبالَ عَلى المَلاذِّ الَّتِي تَشْغَلُهم عَنِ الواجِباتِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإغْواءُ: جَعْلُهم غاوِينَ، والغَوايَةُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: الضَّلالُ.

والمَعْنى: ولَأُضِلَّنَّهم، وإغْواءُ النّاسِ كُلِّهِمْ هو أشَدُّ أحْوالِ غايَةِ المُغْوِي إذْ كانَتْ غَوايَتُهُ مُتَعَدِّيَةً إلى إيجادِ غَوايَةِ غَيْرِهِ.

وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ بِما أغْوَيْتَنِي إشارَةٌ إلى غَوايَةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ وهي الَّتِي جَبَلَهُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ لِحِكايَتِها طَرِيقَةُ المَوْصُولِيَّةِ، ويُعْلَمُ أنَّ كَلامَ الشَّيْطانِ هَذا طَفْحٌ بِما في جِبِلَّتِهِ، ولَيْسَ هو تَشَفِّيًا أوْ إغاظَةً؛ لِأنَّ العَظَمَةَ الإلَهِيَّةَ تَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وزِيادَةُ في الأرْضِ؛ لِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ عِنْدَ خُطُورِ الغَوايَةِ؛ لِاقْتِرانِ الغَوايَةِ بِالنُّزُولِ إلى الأرْضِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فاخْرُجْ مِنها، أيِ اخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى قالَ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ، ولِأنَّ جَعْلَ التَّزْيِينِ في الأرْضِ يُفِيدُ انْتِشارَهُ في جَمِيعِ ما عَلى الأرْضِ مِنَ الذَّواتِ وأحْوالِها.

وضَمائِرُ: لَهم، ولَأُغْوِيَنَّهم ومِنهم، لِبَنِي آدَمَ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ عِلْمًا أُلْقِيَ في وِجْدانِهِ بِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَتَكُونُ لَهُ ذَرِّيَّةٌ، أوِ اكْتَسَبَ ذَلِكَ مِن أخْبارِ العالَمِ العُلْوِيِّ أيّامَ كانَ مِن أهْلِهِ ومَلَئِهِ.

وجَعَلَ المُغْوَيْنَ هُمُ الأصْلُ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لِأنَّ عَزِيمَتَهُ مُنْصَرِفَةٌ إلى الإغْواءِ، فَهو المَلْحُوظُ ابْتِداءٌ عِنْدَهُ، عَلى أنَّ المُغْوَيْنَ هُمُ الأكْثَرُ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ. والِاسْتِثْناءُ لا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ المُسْتَثْنى بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، ولا العَكْسِ.

صفحة ٥١

وقُرِئَ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ لِنافِعٍ وحَمْزَةَ وعاصِمٍ والكِسائِيِّ عَلى مَعْنى الَّذِينَ أخْلَصْتَهم وطَهَّرْتَهم، وبِكَسْرِ اللّامِ لِابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو، أيْ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ في العَمَلِ.

40

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ

Except, among them, Your chosen servants."

﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لِأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ الباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ، أيْ: بِسَبَبِ أنْ خَلَقْتَنِي غاوِيًا فَسَأُغْوِي النّاسَ.

واللّامُ في لَأُزَيِّنَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ مُرادٌ بِها التَّأْكِيدُ، وهو القَسَمُ المُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .

صفحة ٥٠

والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، أيْ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أيْ: حَسَنًا. وحُذِفَ مَفْعُولُ لَأُزَيِّنَنَّ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ الشَّرَّ والسَّيِّئاتِ فَيَرَوْنَها حَسَنَةً، وأُزَيِّنُ لَهُمُ الإقْبالَ عَلى المَلاذِّ الَّتِي تَشْغَلُهم عَنِ الواجِباتِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والإغْواءُ: جَعْلُهم غاوِينَ، والغَوايَةُ بِفَتْحِ الغَيْنِ: الضَّلالُ.

والمَعْنى: ولَأُضِلَّنَّهم، وإغْواءُ النّاسِ كُلِّهِمْ هو أشَدُّ أحْوالِ غايَةِ المُغْوِي إذْ كانَتْ غَوايَتُهُ مُتَعَدِّيَةً إلى إيجادِ غَوايَةِ غَيْرِهِ.

وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ بِما أغْوَيْتَنِي إشارَةٌ إلى غَوايَةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ وهي الَّتِي جَبَلَهُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ لِحِكايَتِها طَرِيقَةُ المَوْصُولِيَّةِ، ويُعْلَمُ أنَّ كَلامَ الشَّيْطانِ هَذا طَفْحٌ بِما في جِبِلَّتِهِ، ولَيْسَ هو تَشَفِّيًا أوْ إغاظَةً؛ لِأنَّ العَظَمَةَ الإلَهِيَّةَ تَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وزِيادَةُ في الأرْضِ؛ لِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ عِنْدَ خُطُورِ الغَوايَةِ؛ لِاقْتِرانِ الغَوايَةِ بِالنُّزُولِ إلى الأرْضِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فاخْرُجْ مِنها، أيِ اخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى قالَ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ، ولِأنَّ جَعْلَ التَّزْيِينِ في الأرْضِ يُفِيدُ انْتِشارَهُ في جَمِيعِ ما عَلى الأرْضِ مِنَ الذَّواتِ وأحْوالِها.

وضَمائِرُ: لَهم، ولَأُغْوِيَنَّهم ومِنهم، لِبَنِي آدَمَ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ عِلْمًا أُلْقِيَ في وِجْدانِهِ بِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَتَكُونُ لَهُ ذَرِّيَّةٌ، أوِ اكْتَسَبَ ذَلِكَ مِن أخْبارِ العالَمِ العُلْوِيِّ أيّامَ كانَ مِن أهْلِهِ ومَلَئِهِ.

وجَعَلَ المُغْوَيْنَ هُمُ الأصْلُ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ لِأنَّ عَزِيمَتَهُ مُنْصَرِفَةٌ إلى الإغْواءِ، فَهو المَلْحُوظُ ابْتِداءٌ عِنْدَهُ، عَلى أنَّ المُغْوَيْنَ هُمُ الأكْثَرُ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ. والِاسْتِثْناءُ لا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ المُسْتَثْنى بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، ولا العَكْسِ.

صفحة ٥١

وقُرِئَ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ لِنافِعٍ وحَمْزَةَ وعاصِمٍ والكِسائِيِّ عَلى مَعْنى الَّذِينَ أخْلَصْتَهم وطَهَّرْتَهم، وبِكَسْرِ اللّامِ لِابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو، أيْ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ في العَمَلِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.