Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 21–30 of 99

21

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍۢ مَّعْلُومٍۢ

And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known measure.

﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ أيْ وما مِن شَيْءٍ إلّا ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ أضْعافَ ما وُجِدَ مِنهُ، فَضَرَبَ الخَزائِنَ مَثَلًا لِاقْتِدارِهِ أوْ شَبَّهَ مَقْدُوراتِهِ بِالأشْياءِ المَخْزُونَةِ الَّتِي لا يُحْوِجُ إخْراجُها إلى كُلْفَةٍ واجْتِهادٍ. ﴿وَما نُنَزِّلُهُ﴾ مِن بِقاعِ القُدْرَةِ. ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ حَدُّهُ الحِكْمَةُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ، فَإنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِها بِالإيجادِ في بَعْضِ الأوْقاتِ مُشْتَمِلًا عَلى بَعْضِ الصِّفاتِ والحالاتِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ حَكِيمٍ.

22

وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ

And We have sent the fertilizing winds and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ حَوامِلَ، شَبَّهَ الرِّيحَ الَّتِي جاءَتْ بِخَيْرٍ مِن إنْشاءِ سَحابٍ ماطِرٍ بِالحامِلِ كَما شَبَّهَ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالعَقِيمِ، أوْ مُلَقِّحاتٌ لِلشَّجَرِ ونَظِيرُهُ الطَّوائِحُ بِمَعْنى المُطِيحاتِ في قَوْلِهِ:

وَمُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ

وَقُرِئَ « وأرْسَلْنا الرِّيحَ» عَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ. ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ فَجَعَلْناهُ لَكم سُقْيا.

﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ قادِرِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن إخْراجِهِ، نَفى عَنْهم ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، أوْ حافِظِينَ في الغُدْرانِ والعُيُونِ والآبارِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى المُدَبِّرِ الحَكِيمِ كَما تَدُلُّ حَرَكَةُ الهَواءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ، فَإنَّ طَبِيعَةَ الماءِ تَقْتَضِي الغَوْرَ فَوُقُوفُهُ دُونَ حَدٍّ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ مُخَصَّصٍ.

﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها. ﴿وَنُمِيتُ﴾ بِإزالَتِها وقَدْ أوَّلَ الحَياةَ بِما يَعُمُّ الحَيَوانَ والنَّباتَ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ. ﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ الباقُونَ إذا ماتَ الخَلائِقُ كُلُّها.

23

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.

﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ حَوامِلَ، شَبَّهَ الرِّيحَ الَّتِي جاءَتْ بِخَيْرٍ مِن إنْشاءِ سَحابٍ ماطِرٍ بِالحامِلِ كَما شَبَّهَ ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالعَقِيمِ، أوْ مُلَقِّحاتٌ لِلشَّجَرِ ونَظِيرُهُ الطَّوائِحُ بِمَعْنى المُطِيحاتِ في قَوْلِهِ:

وَمُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ

وَقُرِئَ « وأرْسَلْنا الرِّيحَ» عَلى تَأْوِيلِ الجِنْسِ. ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ فَجَعَلْناهُ لَكم سُقْيا.

﴿وَما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ قادِرِينَ مُتَمَكِّنِينَ مِن إخْراجِهِ، نَفى عَنْهم ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، أوْ حافِظِينَ في الغُدْرانِ والعُيُونِ والآبارِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى المُدَبِّرِ الحَكِيمِ كَما تَدُلُّ حَرَكَةُ الهَواءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ مِن بَعْضِ الجِهاتِ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ، فَإنَّ طَبِيعَةَ الماءِ تَقْتَضِي الغَوْرَ فَوُقُوفُهُ دُونَ حَدٍّ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ مُخَصَّصٍ.

﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بِإيجادِ الحَياةِ في بَعْضِ الأجْسامِ القابِلَةِ لَها. ﴿وَنُمِيتُ﴾ بِإزالَتِها وقَدْ أوَّلَ الحَياةَ بِما يَعُمُّ الحَيَوانَ والنَّباتَ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ. ﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ الباقُونَ إذا ماتَ الخَلائِقُ كُلُّها.

24

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ مَنِ اسْتَقْدَمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَنِ اسْتَأْخَرَ، أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ الرِّجالِ ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ في الإسْلامِ والجِهادِ وسَبَقَ إلى الطّاعَةِ، أوْ تَأخَّرَ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكم، وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ. وقِيلَ رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّفِّ الأوَّلِ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ إنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ بَعْضُ القَوْمِ لِئَلّا يَنْظُرَ إلَيْها وتَأخَّرَ بَعْضٌ لِيُبْصِرَها فَنَزَلَتْ.

﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ لا مَحالَةَ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ القادِرُ والمُتَوَلِّي لِحَشْرِهِمْ لا غَيْرَ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما سَبَقَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ باهِرُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

25

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ مَنِ اسْتَقْدَمَ وِلادَةً ومَوْتًا ومَنِ اسْتَأْخَرَ، أوْ مَن خَرَجَ مِن أصْلابِ الرِّجالِ ومَن لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ، أوْ مَن تَقَدَّمَ في الإسْلامِ والجِهادِ وسَبَقَ إلى الطّاعَةِ، أوْ تَأخَّرَ لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أحْوالِكم، وهو بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، فَإنَّ ما يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ دَلِيلٌ عَلى عِلْمِهِ. وقِيلَ رَغَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّفِّ الأوَّلِ فازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ إنَّ امْرَأةً حَسْناءَ كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ بَعْضُ القَوْمِ لِئَلّا يَنْظُرَ إلَيْها وتَأخَّرَ بَعْضٌ لِيُبْصِرَها فَنَزَلَتْ.

﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ لا مَحالَةَ لِلْجَزاءِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ القادِرُ والمُتَوَلِّي لِحَشْرِهِمْ لا غَيْرَ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما سَبَقَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحُكْمِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ باهِرُ الحِكْمَةِ مُتْقِنٌ في أفْعالِهِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

26

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ مِن طِين يابِسٍ يُصَلْصِلُ أيْ يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ. وقِيلَ هو مِن صَلْصَلَ إذا أنْتَنَ تَضْعِيفُ صَلَّ. ﴿مِن حَمَإٍ﴾ طِينٍ تَغَيَّرَ واسْوَدَّ مِن طُولِ مُجاوِرَةِ الماءِ، وهو صِفَةُ صَلْصالٍ أيْ كائِنٌ ﴿مِن حَمَإٍ﴾ . ﴿مَسْنُونٍ﴾ مُصَوَّرٍ مِن سَنَةِ الوَجْهِ، أوْ مَنصُوبٍ لِيَيْبَسَ ويُتَصَوَّرَ كالجَواهِرِ المُذابَةِ تُصَبُّ في القَوالِبِ، مِنَ السَّنِّ وهو الصَّبُّ كَأنَّهُ أفْرَغَ الحَمَأ فَصَوَّرَ مِنها تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ، فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَلْصَلَ، ثُمَّ غَيَّرَ ذَلِكَ طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ حَتّى سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، أوْ مُنْتِنٍ مِن سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ إذا حَكَكْتُهُ بِهِ، فَإنَّ ما يَسِيلُ بَيْنَهُما يَكُونُ مُنْتِنًا ويُسَمّى السَّنِينَ.

﴿والجانَّ﴾ أبا الجِنِّ. وقِيلَ إبْلِيسُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّ تَشَعُّبَ الجِنْسِ لِما كانَ مِن شَخْصٍ واحِدٍ خُلِقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ بِأسْرِهِ مَخْلُوقًا مِنها وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.

﴿خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ. ﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ مِن نارِ الحَرِّ الشَّدِيدِ النّافِذِ في المَسامِّ، ولا يَمْتَنِعُ خَلْقُ الحَياةِ في الأجْرامِ البَسِيطَةِ كَما لا يَمْتَنِعُ خَلْقُها في الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ، فَضْلًا عَنِ الأجْسادِ المُؤَلَّفَةِ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ النّارِيُّ، فَإنَّها أقْبَلُ لَها مِنَ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ الأرْضِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن نارِ﴾ بِاعْتِبارِ الغالِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ ومَساقُ الآيَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ الحَشْرِ، وهو قَبُولُ المَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.

27

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ

And the jinn We created before from scorching fire.

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ مِن طِين يابِسٍ يُصَلْصِلُ أيْ يُصَوِّتُ إذا نُقِرَ. وقِيلَ هو مِن صَلْصَلَ إذا أنْتَنَ تَضْعِيفُ صَلَّ. ﴿مِن حَمَإٍ﴾ طِينٍ تَغَيَّرَ واسْوَدَّ مِن طُولِ مُجاوِرَةِ الماءِ، وهو صِفَةُ صَلْصالٍ أيْ كائِنٌ ﴿مِن حَمَإٍ﴾ . ﴿مَسْنُونٍ﴾ مُصَوَّرٍ مِن سَنَةِ الوَجْهِ، أوْ مَنصُوبٍ لِيَيْبَسَ ويُتَصَوَّرَ كالجَواهِرِ المُذابَةِ تُصَبُّ في القَوالِبِ، مِنَ السَّنِّ وهو الصَّبُّ كَأنَّهُ أفْرَغَ الحَمَأ فَصَوَّرَ مِنها تِمْثالَ إنْسانٍ أجْوَفَ، فَيَبِسَ حَتّى إذا نُقِرَ صَلْصَلَ، ثُمَّ غَيَّرَ ذَلِكَ طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ حَتّى سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، أوْ مُنْتِنٍ مِن سَنَنْتُ الحَجْرَ عَلى الحَجْرِ إذا حَكَكْتُهُ بِهِ، فَإنَّ ما يَسِيلُ بَيْنَهُما يَكُونُ مُنْتِنًا ويُسَمّى السَّنِينَ.

﴿والجانَّ﴾ أبا الجِنِّ. وقِيلَ إبْلِيسُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ كَما هو الظّاهِرُ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّ تَشَعُّبَ الجِنْسِ لِما كانَ مِن شَخْصٍ واحِدٍ خُلِقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ كانَ الجِنْسُ بِأسْرِهِ مَخْلُوقًا مِنها وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ.

﴿خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ. ﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ مِن نارِ الحَرِّ الشَّدِيدِ النّافِذِ في المَسامِّ، ولا يَمْتَنِعُ خَلْقُ الحَياةِ في الأجْرامِ البَسِيطَةِ كَما لا يَمْتَنِعُ خَلْقُها في الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ، فَضْلًا عَنِ الأجْسادِ المُؤَلَّفَةِ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ النّارِيُّ، فَإنَّها أقْبَلُ لَها مِنَ الَّتِي الغالِبُ فِيها الجُزْءُ الأرْضِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن نارِ﴾ بِاعْتِبارِ الغالِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ ومَساقُ الآيَةِ كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ بَدْءِ خَلْقِ الثَّقَلَيْنِ فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها إمْكانُ الحَشْرِ، وهو قَبُولُ المَوادِّ لِلْجَمْعِ والإحْياءِ.

28

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًۭا مِّن صَلْصَٰلٍۢ مِّنْ حَمَإٍۢ مَّسْنُونٍۢ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ . ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ عَدَّلْتُ خِلْقَتَهُ وهَيَّأْتُهُ لِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ حَتّى جَرى آثارُهُ في تَجاوِيفِ أعْضائِهِ فَحَيِيَ، وأصْلُ النَّفْخِ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجْوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ يَتَعَلَّقُ أوَّلًا بِالبُخارِ اللَّطِيفِ المُنْبَعِثِ مِنَ القَلْبِ وتَفِيضُ عَلَيْهِ الحَيَوانِيَّةُ فَيَسْرِي حامِلًا لَها في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ، جَعَلَ تَعَلُّقَهُ بِالبَدَنِ نَفْخًا وإضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ لِما مَرَّ في « النِّساءِ» . ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ فاسْقُطُوا لَهُ. ﴿ساجِدِينَ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ يَقَعُ.

29

فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul, then fall down to him in prostration."

﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾ واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ . ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ عَدَّلْتُ خِلْقَتَهُ وهَيَّأْتُهُ لِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ حَتّى جَرى آثارُهُ في تَجاوِيفِ أعْضائِهِ فَحَيِيَ، وأصْلُ النَّفْخِ إجْراءُ الرِّيحِ في تَجْوِيفِ جِسْمٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ الرُّوحُ يَتَعَلَّقُ أوَّلًا بِالبُخارِ اللَّطِيفِ المُنْبَعِثِ مِنَ القَلْبِ وتَفِيضُ عَلَيْهِ الحَيَوانِيَّةُ فَيَسْرِي حامِلًا لَها في تَجاوِيفِ الشَّرايِينِ إلى أعْماقِ البَدَنِ، جَعَلَ تَعَلُّقَهُ بِالبَدَنِ نَفْخًا وإضافَةُ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ لِما مَرَّ في « النِّساءِ» . ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ فاسْقُطُوا لَهُ. ﴿ساجِدِينَ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ يَقَعُ.

30

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ

So the angels prostrated - all of them entirely,

﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ أكَّدَ بِتَأْكِيدَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْمِيمِ ومَنعِ التَّخْصِيصِ، وقِيلَ أكَّدَ بِالكُلِّ لِلْإحاطَةِ وبِأجْمَعِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم سَجَدُوا مُجْتَمَعِينَ دَفْعَةً، وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الثّانِي حالًا لا تَأْكِيدًا.

﴿إلا إبْلِيسَ﴾ إنْ جُعِلَ مُنْقَطِعًا اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ أيْ ولَكِنَّ إبْلِيسَ أبى وإنْ جُعِلَ مُتَّصِلًا كانَ اسْتِئْنافًا عَلى أنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ هَلّا سَجَدَ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.