Muslim99Muslim99
← Tafsir library

16. An-Nahl

The Bee · Meccan · 128 ayahs

سُورَةُ النَّحۡلِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 1–10 of 128

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

The command of Allah is coming, so be not impatient for it. Exalted is He and high above what they associate with Him.

سُورَةُ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ ثَلاثِ آياتٍ في آخِرِها وهي مِائَةٌ وثَمانٍ وعِشْرُونَ آيَةً

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ ما أوْعَدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ مِن قِيامِ السّاعَةِ، أوْ إهْلاكِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم كَما فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا، ويَقُولُونَ إنْ صَحَّ ما تَقُولُهُ فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَنا وتُخَلِّصُنا مِنهُ فَنَزَلَتْ، والمَعْنى أنَّ الأمْرَ المَوْعُودَ بِهِ بِمَنزِلَةِ الآتِي المُتَحَقِّقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ واجِبُ الوُقُوعِ، فَلا تَسْتَعْجِلُوا وُقُوعَهُ فَإنَّهُ لا خَيْرَ لَكم فِيهِ ولا خَلاصَ لَكم مِنهُ. ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَبَرَّأ وجَلَّ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فَيَدْفَعُ ما أرادَ بِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ والباقُونَ بِالياءِ عَلى تَلْوِينِ الخِطابِ، أوْ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ النَّبِيُّ ﷺ ورَفَعَ النّاسُ رُؤُوسَهم فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ .

2

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ

He sends down the angels, with the inspiration of His command, upon whom He wills of His servants, [telling them], "Warn that there is no deity except Me; so fear Me."

﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ بِالوَحْيِ أوِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ يُحْيِي بِهِ القُلُوبَ المَيِّتَةَ بِالجَهْلِ، أوْ يَقُومُ في الدِّينِ مَقامَ الرُّوحِ في الجَسَدِ، وذَكَرَهُ عَقِيبَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الطَّرِيقِ الَّذِي بِهِ عَلِمَ الرَّسُولُ ﷺ ما تَحَقَّقَ مَوْعِدُهم بِهِ ودُنُوَّهُ وإزاحَةً لِاسْتِبْعادِهِمُ اخْتِصاصَهُ بِالعِلْمِ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ﴿يُنَزِّلُ﴾ مِن أنْزَلَ، وعَنْ يَعْقُوبَ مِثْلُهُ وعَنْهُ « تَنْزِلُ» بِمَعْنى تَتَنَزَّلُ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « تُنْزَلُ» عَلى المُضارِعِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّنْزِيلِ. ﴿مِن أمْرِهِ﴾ بِأمْرِهِ أوْ مِن أجْلِهِ. ﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولًا. ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾ بِأنْ أنْذِرُوا أيِ اعْلَمُوا مِن نَذَرْتُ بِكَذا إذا عَلِمْتُهُ. ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾ أنَّ الشَّأْنَ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ، أوْ خَوِّفُوا أهْلَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُونِ﴾ رُجُوعٌ إلى مُخاطَبَتِهِمْ بِما هو المَقْصُودُ، و ﴿أنْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ الرُّوحَ بِمَعْنى الوَحْيِ الدّالِّ عَلى القَوْلِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ في مَوْضِعِ الجَرِّ بَدَلًا مِنَ الرُّوحِ أوِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ، أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُزُولَ الوَحْيِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ وأنَّ حاصِلَهُ التَّنْبِيهُ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُنْتَهى كَمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، والأمْرُ بِالتَّقْوى الَّذِي هو أقْصى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ. وأنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ والآياتِ الَّتِي بَعْدَها دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو المُوجِدُ لِأُصُولِ العالَمِ وفُرُوعِهِ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ، ولَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ لَقَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَيَلْزَمُ التَّمانُعُ.

3

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أوْجَدَهُما عَلى مِقْدارٍ وشَكْلٍ وأوْضاعٍ وصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّرَها وَخَصَّصَها بِحِكْمَتِهِ. ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مِنهُما أوْ مِمّا يَفْتَقِرُ في وُجُودِهِ أوْ بَقائِهِ إلَيْهِما ومِمّا لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِهِما. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأجْرامِ.

﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ جَمادٍ لا حِسَّ بِها ولا حَراكَ سَيّالَةٍ لا تَحْفَظُ الوَضْعَ والشَّكْلَ. ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ﴾ مِنطِيقٌ مُجادِلٌ. ﴿مُبِينٌ﴾ لِلْحُجَّةِ أوْ خَصِيمٌ مُكافِحٌ لِخالِقِهِ قائِلٌ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ . رُوِيَ «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما قَدْ رَمَّ. فَنَزَلَتْ.»

4

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ

He created man from a sperm-drop; then at once, he is a clear adversary.

﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أوْجَدَهُما عَلى مِقْدارٍ وشَكْلٍ وأوْضاعٍ وصِفاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّرَها وَخَصَّصَها بِحِكْمَتِهِ. ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مِنهُما أوْ مِمّا يَفْتَقِرُ في وُجُودِهِ أوْ بَقائِهِ إلَيْهِما ومِمّا لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِهِما. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأجْرامِ.

﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ جَمادٍ لا حِسَّ بِها ولا حَراكَ سَيّالَةٍ لا تَحْفَظُ الوَضْعَ والشَّكْلَ. ﴿فَإذا هو خَصِيمٌ﴾ مِنطِيقٌ مُجادِلٌ. ﴿مُبِينٌ﴾ لِلْحُجَّةِ أوْ خَصِيمٌ مُكافِحٌ لِخالِقِهِ قائِلٌ: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ . رُوِيَ «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما قَدْ رَمَّ. فَنَزَلَتْ.»

5

وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌۭ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

And the grazing livestock He has created for you; in them is warmth and [numerous] benefits, and from them you eat.

﴿والأنْعامَ﴾ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ وانْتِصابُها بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ. ﴿خَلَقَها لَكُمْ﴾ أوْ بِالعَطْفِ عَلى الإنْسانِ، وخَلَقَها لَكم بَيانُ ما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ وما بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لَهُ. ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ ما يُدْفَأُ بِهِ فَيَقِي البَرْدَ. ﴿وَمَنافِعُ﴾ نَسْلُها ودَرُّها وظُهُورُها، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالمَنافِعِ لِيَتَناوَلَ عِوَضَها. ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ تَأْكُلُونَ ما يُؤْكَلُ مِنها مِنَ اللُّحُومِ والشُّحُومِ والألْبانِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ، أوْ لِأنَّ الأكْلَ مِنها هو المُعْتادُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في المَعاشِ، وأمّا الأكْلُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ المَأْكُولَةِ فَعَلى سَبِيلِ التَّداوِي أوِ التَّفَكُّهِ.

﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ زِينَةٌ. ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مَراحِها بِالعَشِيِّ. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ إلى المَراعِي فَإنَّ الأفْنِيَةَ تَتَزَيَّنُ بِها في الوَقْتَيْنِ ويَجُلُّ أهْلُها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتَقْدِيمُ الإراحَةِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ فَإنَّها تُقْبِلُ مَلْأى البُطُونِ حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى الحَظائِرِ حاضِرَةً لِأهْلِها. وقُرِئَ « حِينًا» عَلى أنَّ ﴿تُرِيحُونَ﴾ (وَتَسْرَحُونَ) وصْفانِ لَهُ بِمَعْنى ﴿تُرِيحُونَ﴾ فِيهِ (وَتَسْرَحُونَ) فِيهِ.

6

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

And for you in them is [the enjoyment of] beauty when you bring them in [for the evening] and when you send them out [to pasture].

﴿والأنْعامَ﴾ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ وانْتِصابُها بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ. ﴿خَلَقَها لَكُمْ﴾ أوْ بِالعَطْفِ عَلى الإنْسانِ، وخَلَقَها لَكم بَيانُ ما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ وما بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لَهُ. ﴿فِيها دِفْءٌ﴾ ما يُدْفَأُ بِهِ فَيَقِي البَرْدَ. ﴿وَمَنافِعُ﴾ نَسْلُها ودَرُّها وظُهُورُها، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالمَنافِعِ لِيَتَناوَلَ عِوَضَها. ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ تَأْكُلُونَ ما يُؤْكَلُ مِنها مِنَ اللُّحُومِ والشُّحُومِ والألْبانِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ، أوْ لِأنَّ الأكْلَ مِنها هو المُعْتادُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ في المَعاشِ، وأمّا الأكْلُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ المَأْكُولَةِ فَعَلى سَبِيلِ التَّداوِي أوِ التَّفَكُّهِ.

﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ﴾ زِينَةٌ. ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ تَرُدُّونَها مِن مَراعِيها إلى مَراحِها بِالعَشِيِّ. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُخْرِجُونَها بِالغَداةِ إلى المَراعِي فَإنَّ الأفْنِيَةَ تَتَزَيَّنُ بِها في الوَقْتَيْنِ ويَجُلُّ أهْلُها في أعْيُنِ النّاظِرِينَ إلَيْها، وتَقْدِيمُ الإراحَةِ لِأنَّ الجَمالَ فِيها أظْهَرُ فَإنَّها تُقْبِلُ مَلْأى البُطُونِ حافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ تَأْوِي إلى الحَظائِرِ حاضِرَةً لِأهْلِها. وقُرِئَ « حِينًا» عَلى أنَّ ﴿تُرِيحُونَ﴾ (وَتَسْرَحُونَ) وصْفانِ لَهُ بِمَعْنى ﴿تُرِيحُونَ﴾ فِيهِ (وَتَسْرَحُونَ) فِيهِ.

7

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍۢ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

And they carry your loads to a land you could not have reached except with difficulty to yourselves. Indeed, your Lord is Kind and Merciful.

﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ أحْمالَكم. ﴿إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ﴾ أيْ إنْ لَمْ تَكُنِ الأنْعامُ ولَمْ تُخْلَقْ فَضْلًا أنْ تَحْمِلُوها عَلى ظُهُورِكم إلَيْهِ. ﴿إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ إلّا بِكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ. وقِيلَ المَفْتُوحُ مَصْدَرُ شَقَّ الأمْرُ عَلَيْهِ وأصْلُهُ الصَّدْعُ والمَكْسُورُ بِمَعْنى النِّصْفِ، كَأنَّهُ ذَهَبَ نِصْفُ قُوَّتِهِ بِالتَّعَبِ. ﴿إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حَيْثُ رَحِمَكم بِخَلْقِها لِانْتِفاعِكم وتَيْسِيرِ الأمْرِ عَلَيْكم.

8

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًۭ ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [He created] the horses, mules and donkeys for you to ride and [as] adornment. And He creates that which you do not know.

﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ﴾ عُطِفَ عَلى الأنْعامِ. ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ أيْ لِتَرْكَبُوها وتَتَزَيَّنُوا بِها زِينَةً.

وَقِيلَ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحَلِّ ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ وتَغْيِيرُ النَّظْمِ لِأنَّ الزِّينَةَ بِفِعْلِ الخالِقِ والرُّكُوبَ لَيْسَ بِفِعْلِهِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِن خَلْقِها الرُّكُوبُ وأمّا التَّزَيُّنُ بِها فَحاصِلٌ بِالعَرَضِ. وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ أيْ: مُتَزَيِّنِينَ أوْ مُتَزَيَّنًا بِها، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى حُرْمَةِ لُحُومِها ولا دَلِيلَ فِيهِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن تَعْلِيلِ الفِعْلِ بِما يُقْصَدُ مِنهُ غالِبًا أنْ لا يُقْصَدَ مِنهُ غَيْرُهُ أصْلًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ والمُحَدِّثِينَ عَلى أنَّ الحُمُرَ الأهْلِيَّةَ حُرِّمَتْ عامَ خَيْبَرٍ. ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لَمّا فَصَّلَ الحَيَواناتِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها غالِبًا احْتِياجًا ضَرُورِيًّا أوْ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ أجْمَلَ غَيْرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا بِأنَّ لَهُ مِنَ الخَلائِقِ ما لا عِلْمَ لَنا بِهِ، وأنْ يُرادَ بِهِ ما خَلَقَ في الجَنَّةِ والنّارِ مِمّا لَمْ يَخْطُرْ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

9

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌۭ ۚ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ

And upon Allah is the direction of the [right] way, and among the various paths are those deviating. And if He willed, He could have guided you all.

﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ بَيانُ مُسْتَقِيمِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى الحَقِّ، أوْ إقامَةُ السَّبِيلِ وتَعْدِيلُها رَحْمَةً وفَضْلًا، أوْ عَلَيْهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يَصِلُ إلَيْهِ مَن يَسْلُكُهُ لا مَحالَةَ يُقالُ سَبِيلٌ قَصْدٌ وقاصِدٌ أيْ مُسْتَقِيمٌ، كَأنَّهُ يَقْصِدُ الوَجْهَ الَّذِي يَقْصِدُهُ السّالِكُ لا يَمِيلُ عَنْهُ، والمُرادُ مِنَ ﴿السَّبِيلِ﴾ الجِنْسُ ولِذَلِكَ أضافَ إلَيْهِ الـ ﴿قَصْدُ﴾ وقالَ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾ حائِدٌ عَنِ القَصْدِ أوْ عَنِ اللَّهِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُبَيِّنَ طُرُقَ الضَّلالَةِ، أوْ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ سَبِيلِهِ وتَقْسِيمُ السَّبِيلِ إلى القَصْدِ والجائِرِ إنَّما جاءَ بِالعَرَضِ. وقُرِئَ و « مِنكم جائِرٌ» أيْ عَنِ القَصْدِ. ﴿وَلَوْ شاءَ﴾ اللَّهُ. ﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ ولَوْ شاءَ هِدايَتَكم أجْمَعِينَ لَهَداكم إلى قَصْدِ السَّبِيلِ هِدايَةً مُسْتَلْزِمَةً لِلِاهْتِداءِ.

10

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌۭ وَمِنْهُ شَجَرٌۭ فِيهِ تُسِيمُونَ

It is He who sends down rain from the sky; from it is drink and from it is foliage in which you pasture [animals].

﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ. ﴿ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ ما تَشْرَبُونَهُ، و ﴿لَكُمْ﴾ صِلَةُ ﴿أنْزَلَ﴾ أوْ خَبَرُ ﴿شَرابٌ﴾ و ﴿مِنَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وتَقْدِيمُها يُوهِمُ حَصْرَ المَشْرُوبِ فِيهِ ولا بَأْسَ بِهِ لِأنَّ مِياهَ العُيُونِ والآبارِ مِنهُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ . ﴿وَمِنهُ شَجَرٌ﴾ ومِنهُ يَكُونُ شَجَرٌ يَعْنِي الشَّجَرَ الَّذِي تَرْعاهُ المَواشِي. وقِيلَ كُلُّ ما نَبَتَ عَلى الأرْضِ شَجَرٌ قالَ:

؎ يَعْلِفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ. . . والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرُ

﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ تَرْعُونَ، مِن سامَتِ الماشِيَةُ وأسامَها صاحِبُها، وأصْلُهُ السُّومَةُ وهي العَلامَةُ لِأنَّها تُؤَثِّرُ بِالرَّعْيِ عَلاماتٍ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.