Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

The Rock · Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 99

11

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ جَوابٌ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] قَوْلٌ بِمُوجَبِ قَوْلِهِمْ ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]، وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ إبْطالٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِنُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

وفِي هَذا التَّنْظِيرِ تَحْقِيقٌ لِكُفْرِهِمْ؛لِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ السّالِفِينَ مُقَرٌّ عِنْدَ الأُمَمِ ومُتَحَدَّثٌ بِهِ بَيْنَهم.

وفِيهِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِ أمْثالِهِمْ وإدْماجٍ بِالكِنايَةِ عَنْ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ .

صفحة ٢٣

والتَّأْكِيدُ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ سَبْقِ الإرْسالِ مِنَ اللَّهِ، مِثْلَ الإرْسالِ الَّذِي جَحَدُوهُ واسْتَعْجَبُوهُ كَقَوْلِهِ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢]، وذَلِكَ مُقْتَضى مَوْقِعِ قَوْلِهِ مِن قَبْلِكَ.

والشِّيَعُ: جَمْعُ شِيعَةٍ وهي الفِرْقَةُ الَّتِي أمْرُها واحِدٌ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، ويَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ: في أُمَمِ الأوَّلِينَ، أيِ: القُرُونِ الأُولى، فَإنَّ مِنَ الأُمَمِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ومِنَ الأُمَمِ مَن لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ؛ فَهَذا وجْهُ إضافَةِ شِيَعٍ إلى الأوَّلِينَ.

وكانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ يَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم، وأنَّهُ سُنَّتُهم، فَـ (كانَ) دَلَّتْ عَلى أنَّهُ سَجِيَّةٌ لَهم، والمُضارِعُ دَلَّ عَلى تَكَرُّرِهِ مِنهم.

ومَفْعُولُ أرْسَلْنا مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الفِعْلِ، أيْ: رُسُلًا، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (مِن رَسُولٍ) .

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى (يَسْتَهْزِئُونَ) يُفِيدُ القَصْرَ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا يُكْثِرُونَ الِاسْتِهْزاءَ بِرَسُولِهِمْ وصارَ ذَلِكَ سَجِيَّةً لَهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ إلّا الِاسْتِهْزاءَ بِالرَّسُولِ.

12

كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ

Thus do We insert denial into the hearts of the criminals.

﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] فَيَتَساءَلُ كَيْفَ تَوارَدَتْ هَذِهِ الأُمَمُ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ مِنَ الضَّلالِ فَلَمْ تُفِدْهم دَعْوَةُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما قالَ تَعالى أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ.

صفحة ٢٤

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ؛ إذْ قَدْ يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّ حِفْظَ الذِّكْرِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكْفُرَ بِهِ مَن كَفَرَ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ لَهم لِإجْرامِهِمْ وتَلَقِّيهِمُ الحَقَّ بِالسُّخْرِيَةِ وعَدَمِ التَّدَبُّرِ، ولِأجْلِ هَذا اخْتِيرَ لَهم وصْفُ المُجْرِمِينَ دُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ وصْفَ الكُفْرِ صارَ لَهم كاللَّقَبِ لا يُشْعِرُ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في ”نَسْلُكُهُ“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إسْلاكٌ في زَمَنِ الحالِ، أيْ: زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ، لِيُعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِلْقُرْآنِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ شِيَعُ الأوَّلِينَ مَعَ ما يُفِيدُهُ المُضارِعُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ المُناسِبِ لِقَوْلِهِ: ”وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ“، أيْ: تَجَدَّدَ لِهَؤُلاءِ إبْلاغُ القُرْآنِ عَلى سُنَّةِ إبْلاغِ الرِّسالاتِ لِمَن قَبْلَهم. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ذَلِكَ إعْذارٌ لَهم لِيَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم.

والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) هو السَّلْكُ المَأْخُوذُ مِن ”نَسْلُكُهُ“ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها المُقَرَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والسَّلْكُ: الإدْخالُ. قالَ الأعْشى:

كَما سَلَكَ السَّكِّيُّ في البابِ فَيْتَقُ

أيْ: مِثْلُ السَّلْكِ الَّذِي سَنَصِفُهُ (نَسْلُكُ الذِّكْرَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ)، أيْ: هَكَذا نُولِجُ القُرْآنَ في عُقُولِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَهُ ويَفْهَمُونَهُ إذْ هو مِن كَلامِهِمْ ويُدْرِكُونَ خَصائِصَهُ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ في عُقُولِهِمُ اسْتِقْرارَ تَصْدِيقٍ بِهِ، بَلْ هم مُكَذِّبُونَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

صفحة ٢٥

وبِهَذا السُّلُوكُ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ القُرْآنِ إلَيْهِمْ ويُعادُ إسْماعُهم إيّاهُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ.

فَضَمِيرُ ”نَسْلُكُهُ“ وبِهِ عائِدانِ إلى الذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] أيِ: القُرْآنِ.

والمُجْرِمُونَ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بَيانٌ لِلسَّلْكِ المُشَبَّهِ بِهِ أوْ حالٌ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ: تَعِيَهُ عُقُولُهم ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهَذا عامٌّ مُرادٌ بِهِ مَن ماتُوا عَلى الكُفْرِ مِنهم، والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وقْتًا ما.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”﴿لا …

13

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر: ١١] فَيَتَساءَلُ كَيْفَ تَوارَدَتْ هَذِهِ الأُمَمُ عَلى طَرِيقٍ واحِدٍ مِنَ الضَّلالِ فَلَمْ تُفِدْهم دَعْوَةُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما قالَ تَعالى أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ.

صفحة ٢٤

والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ؛ إذْ قَدْ يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّ حِفْظَ الذِّكْرِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكْفُرَ بِهِ مَن كَفَرَ، فَأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ عِقابٌ مِنَ اللَّهِ لَهم لِإجْرامِهِمْ وتَلَقِّيهِمُ الحَقَّ بِالسُّخْرِيَةِ وعَدَمِ التَّدَبُّرِ، ولِأجْلِ هَذا اخْتِيرَ لَهم وصْفُ المُجْرِمِينَ دُونَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ وصْفَ الكُفْرِ صارَ لَهم كاللَّقَبِ لا يُشْعِرُ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في ”نَسْلُكُهُ“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إسْلاكٌ في زَمَنِ الحالِ، أيْ: زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ، لِيُعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِلْقُرْآنِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ شِيَعُ الأوَّلِينَ مَعَ ما يُفِيدُهُ المُضارِعُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ المُناسِبِ لِقَوْلِهِ: ”وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ“، أيْ: تَجَدَّدَ لِهَؤُلاءِ إبْلاغُ القُرْآنِ عَلى سُنَّةِ إبْلاغِ الرِّسالاتِ لِمَن قَبْلَهم. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ذَلِكَ إعْذارٌ لَهم لِيَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم.

والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) هو السَّلْكُ المَأْخُوذُ مِن ”نَسْلُكُهُ“ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها المُقَرَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والسَّلْكُ: الإدْخالُ. قالَ الأعْشى:

كَما سَلَكَ السَّكِّيُّ في البابِ فَيْتَقُ

أيْ: مِثْلُ السَّلْكِ الَّذِي سَنَصِفُهُ (نَسْلُكُ الذِّكْرَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ)، أيْ: هَكَذا نُولِجُ القُرْآنَ في عُقُولِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَهُ ويَفْهَمُونَهُ إذْ هو مِن كَلامِهِمْ ويُدْرِكُونَ خَصائِصَهُ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ في عُقُولِهِمُ اسْتِقْرارَ تَصْدِيقٍ بِهِ، بَلْ هم مُكَذِّبُونَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] .

صفحة ٢٥

وبِهَذا السُّلُوكُ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِتَبْلِيغِ القُرْآنِ إلَيْهِمْ ويُعادُ إسْماعُهم إيّاهُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ.

فَضَمِيرُ ”نَسْلُكُهُ“ وبِهِ عائِدانِ إلى الذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] أيِ: القُرْآنِ.

والمُجْرِمُونَ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ.

وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بَيانٌ لِلسَّلْكِ المُشَبَّهِ بِهِ أوْ حالٌ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ: تَعِيَهُ عُقُولُهم ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهَذا عامٌّ مُرادٌ بِهِ مَن ماتُوا عَلى الكُفْرِ مِنهم، والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وقْتًا ما.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”﴿لا …

14

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ

And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,

﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١٣]“ وهو كَلامٌ جامِعٌ لِإبْطالِ جَمِيعِ مَعاذِيرِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] وقَوْلِهِمْ ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]

صفحة ٢٦

بِأنَّهم لا يَطْلُبُونَ الدَّلالَةَ عَلى صِدْقِهِ؛ لِأنَّ دَلائِلَ الصِّدْقِ بَيِّنَةٌ، ولَكِنَّهم يَنْتَحِلُونَ المَعاذِيرَ المُخْتَلِفَةَ.

والكَلامُ الجامِعُ لِإبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ: أنَّهم لَوْ فَتَحَ اللَّهُ بابًا مِنَ السَّماءِ حِينَ سَألُوا آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: بِطَلَبٍ مِنَ الرَّسُولِ فاتَّصَلُوا بِعالِمِ القُدُسِ والنُّفُوسِ المَلَكِيَّةِ ورَأوْا ذَلِكَ رَأْيَ العَيْنِ لاعْتَذَرُوا بِأنَّها تَخَيُّلاتٌ وأنَّهم سُحِرُوا فَرَأوْا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ شَيْئًا.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] .

(و ظَلَّ) تَدُلُّ عَلى الكَوْنِ في النَّهارِ، أيْ: وكانَ ذَلِكَ في وضَحِ النَّهارِ وتَبَيُّنِ الأشْباحِ، وعَدَمِ التَّرَدُّدِ في المَرْئِيِّ.

والعُرُوجُ: الصُّعُودُ، ويَجُوزُ في مُضارِعِهِ ضَمُّ الرّاءِ - وبِهِ القِراءَةُ - وكَسْرُها، أيْ: فَكانُوا يَصْعَدُونَ في ذَلِكَ البابِ نَهارًا.

وسُكِّرَتْ بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وبِتَخْفِيفِ الكافِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهو مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ عَلى القِراءَتَيْنِ، أيْ: سُدَّتْ، يُقالُ: سَكَّرَ البابَ بِالتَّشْدِيدِ وسَكَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ إذا سَدَّهُ.

والمَعْنى: لَجَحَدُوا أنْ يَكُونُوا رَأوْا شَيْئًا.

وأتَوْا بِصِيغَةِ الحَصْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم قَدْ بَتُّوا القَوْلَ في ذَلِكَ، ورَدُّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ظَنٌّ أنْ يَكُونُوا رَأوْا أبْوابَ السَّماءِ وعَرَجُوا فِيها، وزَعَمُوا أنَّهم ما كانُوا يُبْصِرُونَ، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ إضْرابَ المُتَرَدِّدِ المُتَحَيِّرِ يَنْتَقِلُ مِن فَرْضٍ إلى فَرْضٍ فَقالُوا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ، أيْ: ما رَأيْناهُ هو تَخَيُّلاتِ المَسْحُورِ، أيْ: فَعادُوا إلى إلْقاءِ تَبِعَةِ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ سَحَرَهم حِينَ سَألَ لَهُمُ اللَّهَ أنْ يَفْتَحَ بابًا مِنَ السَّماءِ فَفَتَحَهُ لَهم.

صفحة ٢٧

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى السِّحْرِ وأحْوالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإقْحامُ كَلِمَةِ (قَوْمٌ) هُنا دُونَ أنْ يَقُولُوا: بَلْ نَحْنُ مَسْحُورُونَ؛ لِأنَّ ذِكْرَها يَقْتَضِي أنَّ السِّحْرَ قَدْ تَمَكَّنَ مِنهم، واسْتَوى فِيهِ جَمِيعُهم حَتّى صارَ مِن خَصائِصِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ.

15

لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌۭ مَّسْحُورُونَ

They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."

﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [الحجر: ١٣]“ وهو كَلامٌ جامِعٌ لِإبْطالِ جَمِيعِ مَعاذِيرِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] وقَوْلِهِمْ ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]

صفحة ٢٦

بِأنَّهم لا يَطْلُبُونَ الدَّلالَةَ عَلى صِدْقِهِ؛ لِأنَّ دَلائِلَ الصِّدْقِ بَيِّنَةٌ، ولَكِنَّهم يَنْتَحِلُونَ المَعاذِيرَ المُخْتَلِفَةَ.

والكَلامُ الجامِعُ لِإبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ: أنَّهم لَوْ فَتَحَ اللَّهُ بابًا مِنَ السَّماءِ حِينَ سَألُوا آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ: بِطَلَبٍ مِنَ الرَّسُولِ فاتَّصَلُوا بِعالِمِ القُدُسِ والنُّفُوسِ المَلَكِيَّةِ ورَأوْا ذَلِكَ رَأْيَ العَيْنِ لاعْتَذَرُوا بِأنَّها تَخَيُّلاتٌ وأنَّهم سُحِرُوا فَرَأوْا ما لَيْسَ بِشَيْءٍ شَيْئًا.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] .

(و ظَلَّ) تَدُلُّ عَلى الكَوْنِ في النَّهارِ، أيْ: وكانَ ذَلِكَ في وضَحِ النَّهارِ وتَبَيُّنِ الأشْباحِ، وعَدَمِ التَّرَدُّدِ في المَرْئِيِّ.

والعُرُوجُ: الصُّعُودُ، ويَجُوزُ في مُضارِعِهِ ضَمُّ الرّاءِ - وبِهِ القِراءَةُ - وكَسْرُها، أيْ: فَكانُوا يَصْعَدُونَ في ذَلِكَ البابِ نَهارًا.

وسُكِّرَتْ بِضَمِّ السِّينِ وتَشْدِيدِ الكافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وبِتَخْفِيفِ الكافِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهو مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ عَلى القِراءَتَيْنِ، أيْ: سُدَّتْ، يُقالُ: سَكَّرَ البابَ بِالتَّشْدِيدِ وسَكَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ إذا سَدَّهُ.

والمَعْنى: لَجَحَدُوا أنْ يَكُونُوا رَأوْا شَيْئًا.

وأتَوْا بِصِيغَةِ الحَصْرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم قَدْ بَتُّوا القَوْلَ في ذَلِكَ، ورَدُّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ظَنٌّ أنْ يَكُونُوا رَأوْا أبْوابَ السَّماءِ وعَرَجُوا فِيها، وزَعَمُوا أنَّهم ما كانُوا يُبْصِرُونَ، ثُمَّ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ إضْرابَ المُتَرَدِّدِ المُتَحَيِّرِ يَنْتَقِلُ مِن فَرْضٍ إلى فَرْضٍ فَقالُوا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ، أيْ: ما رَأيْناهُ هو تَخَيُّلاتِ المَسْحُورِ، أيْ: فَعادُوا إلى إلْقاءِ تَبِعَةِ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ سَحَرَهم حِينَ سَألَ لَهُمُ اللَّهَ أنْ يَفْتَحَ بابًا مِنَ السَّماءِ فَفَتَحَهُ لَهم.

صفحة ٢٧

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى السِّحْرِ وأحْوالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإقْحامُ كَلِمَةِ (قَوْمٌ) هُنا دُونَ أنْ يَقُولُوا: بَلْ نَحْنُ مَسْحُورُونَ؛ لِأنَّ ذِكْرَها يَقْتَضِي أنَّ السِّحْرَ قَدْ تَمَكَّنَ مِنهم، واسْتَوى فِيهِ جَمِيعُهم حَتّى صارَ مِن خَصائِصِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ تَبْيِينُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَكَرَّرَ ذَلِكَ.

16

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ

And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.

﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾

لَمّا جَرى الكَلامُ السّابِقُ في شَأْنِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما تَرَكُوا بِهِ في ذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحَ التَّكْذِيبِ أصْلَيْنِ هُما إبْطالُهُ إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ، وإثْباتُهُ البَعْثَ، انْبَرى القُرْآنُ يُبَيِّنُ لَهم دَلائِلَ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَذَكَرَ الدَّلائِلَ الواضِحَةَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَها بِدَلائِلَ إمْكانِ البَعْثِ مِن خَلْقِ الحَياةِ والمَوْتِ، وانْقِراضِ أُمَمٍ، وخَلَفَها بِأُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] الآيَةَ، وصادَفَ ذَلِكَ مُناسِبَةَ ذِكْرِ فَتْحِ أبْوابِ السَّماءِ في تَصْوِيرِ غُلْوائِهِمْ بِعِنادِهِمْ، فَكانَ الِانْتِقالُ إلَيْهِ تَخَلُّصًا بَدِيعًا.

وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُكابَرَتِهِمْ فَإنَّهم لَوْ أرادُوا الحَقَّ لَكانَ لَهم في دَلالَةِ ما هو مِنهم غُنْيَةٌ عَنْ تَطَلُّبِ خَوارِقِ العاداتِ.

والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ هَذِهِ الأخْبارِ مَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ.

صفحة ٢٨

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ تَنْزِيلًا لِلْمُخاطَبِينَ الذّاهِلِينَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فَأُكِّدَ لَهُمُ الكَلامُ بِمُؤَكِّدَيْنِ، ومَرْجِعُ التَّأْكِيدِ إلى تَحْقِيقِ الِاسْتِدْلالِ وإلى الإلْجاءِ إلى الإقْرارِ بِذَلِكَ.

والبُرُوجُ: جَمْعُ بُرْجٍ بِضَمِّ الباءِ، وحَقِيقَتُهُ البِناءُ الكَبِيرُ المُتَّخَذُ لِلسُّكْنى أوْ لِلتَّحَصُّنِ، وهو يُرادِفُ القَصْرَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

وأُطْلِقَ البُرْجُ عَلى بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن سَمْتِ طائِفَةٍ مِنَ النُّجُومِ غَيْرِ السَّيّارَةِ، وتُسَمّى النُّجُومُ الثَّوابِتُ مُتَجَمِّعٌ بَعْضُها بِقُرْبِ بَعْضٍ عَلى أبْعادٍ بَيْنَها لا تَتَغَيَّرُ فِيما يُشاهَدُ مِنَ الجَوِّ، فَتِلْكَ الطّائِفَةُ تَكُونُ بِشَكْلٍ واحِدٍ يُشابِهُ نُقَطًا لَوْ خُطِّطَتْ بَيْنَها خُطُوطٌ لَخَرَجَ مِنها شِبْهُ صُورَةِ حَيَوانٍ أوْ آلَةٍ سَمَّوْا بِاسْمِها تِلْكَ النُّجُومَ المُشابِهَةَ لِهَيْئَتِها وهي واقِعَةٌ في خَطِّ سَيْرِ الشَّمْسِ.

وقَدْ سَمّاها الأقْدَمُونَ مِن عُلَماءِ التَّوْقِيتِ بِما يُرادِفُ مَعْنى الدّارِ أوِ المَكانِ، وسَمّاها العَرَبُ بُرُوجًا وداراتٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَجْعُولَةِ سَبَبًا لِوَضْعِ الِاسْمِ؛ تَخَيَّلُوا أنَّها مَنازِلُ لِلشَّمْسِ؛ لِأنَّهم وقَّتُوا بِجِهَتِها سَمْتَ مَوْقِعِ الشَّمْسِ مِن قُبَّةِ الجَوِّ نَهارًا فِيما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَسِيرُ في شِبْهِ قَوْسِ الدّائِرَةِ، وجَعَلُوها اثْنَيْ عَشَرَ مَكانًا بِعَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وما هي في الحَقِيقَةِ إلّا سُمُوتٌ لِجِهاتٍ تُقابِلُ كُلُّ جِهَةٍ مِنها الأرْضَ مِن جِهَةٍ وراءَ الشَّمْسِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، ثُمَّ إذا انْتَقَلَ مَوْقِعُ الأرْضِ مِن مَدارِها كُلَّ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ تَتَغَيَّرُ الجِهَةُ المُقابِلَةُ لَها، فَبِما كانَ لَها مِنَ النِّظامِ تَسَنّى أنْ تُجْعَلَ عَلاماتٍ لِمَواقِيتِ حُلُولِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ وحُلُولِ الأشْهُرِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، فَهم ضَبَطُوا لِتِلْكَ العَلاماتِ حُدُودًا وهْمِيَّةً عَيَّنُوا مَكانَها في اللَّيْلِ مِن جِهَةِ مَوْقِعِ الشَّمْسِ في …

17

وَحَفِظْنَٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍ

And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allah]

﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾

لَمّا جَرى الكَلامُ السّابِقُ في شَأْنِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما تَرَكُوا بِهِ في ذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحَ التَّكْذِيبِ أصْلَيْنِ هُما إبْطالُهُ إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ، وإثْباتُهُ البَعْثَ، انْبَرى القُرْآنُ يُبَيِّنُ لَهم دَلائِلَ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَذَكَرَ الدَّلائِلَ الواضِحَةَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَها بِدَلائِلَ إمْكانِ البَعْثِ مِن خَلْقِ الحَياةِ والمَوْتِ، وانْقِراضِ أُمَمٍ، وخَلَفَها بِأُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] الآيَةَ، وصادَفَ ذَلِكَ مُناسِبَةَ ذِكْرِ فَتْحِ أبْوابِ السَّماءِ في تَصْوِيرِ غُلْوائِهِمْ بِعِنادِهِمْ، فَكانَ الِانْتِقالُ إلَيْهِ تَخَلُّصًا بَدِيعًا.

وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُكابَرَتِهِمْ فَإنَّهم لَوْ أرادُوا الحَقَّ لَكانَ لَهم في دَلالَةِ ما هو مِنهم غُنْيَةٌ عَنْ تَطَلُّبِ خَوارِقِ العاداتِ.

والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ هَذِهِ الأخْبارِ مَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ.

صفحة ٢٨

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ تَنْزِيلًا لِلْمُخاطَبِينَ الذّاهِلِينَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فَأُكِّدَ لَهُمُ الكَلامُ بِمُؤَكِّدَيْنِ، ومَرْجِعُ التَّأْكِيدِ إلى تَحْقِيقِ الِاسْتِدْلالِ وإلى الإلْجاءِ إلى الإقْرارِ بِذَلِكَ.

والبُرُوجُ: جَمْعُ بُرْجٍ بِضَمِّ الباءِ، وحَقِيقَتُهُ البِناءُ الكَبِيرُ المُتَّخَذُ لِلسُّكْنى أوْ لِلتَّحَصُّنِ، وهو يُرادِفُ القَصْرَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

وأُطْلِقَ البُرْجُ عَلى بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن سَمْتِ طائِفَةٍ مِنَ النُّجُومِ غَيْرِ السَّيّارَةِ، وتُسَمّى النُّجُومُ الثَّوابِتُ مُتَجَمِّعٌ بَعْضُها بِقُرْبِ بَعْضٍ عَلى أبْعادٍ بَيْنَها لا تَتَغَيَّرُ فِيما يُشاهَدُ مِنَ الجَوِّ، فَتِلْكَ الطّائِفَةُ تَكُونُ بِشَكْلٍ واحِدٍ يُشابِهُ نُقَطًا لَوْ خُطِّطَتْ بَيْنَها خُطُوطٌ لَخَرَجَ مِنها شِبْهُ صُورَةِ حَيَوانٍ أوْ آلَةٍ سَمَّوْا بِاسْمِها تِلْكَ النُّجُومَ المُشابِهَةَ لِهَيْئَتِها وهي واقِعَةٌ في خَطِّ سَيْرِ الشَّمْسِ.

وقَدْ سَمّاها الأقْدَمُونَ مِن عُلَماءِ التَّوْقِيتِ بِما يُرادِفُ مَعْنى الدّارِ أوِ المَكانِ، وسَمّاها العَرَبُ بُرُوجًا وداراتٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَجْعُولَةِ سَبَبًا لِوَضْعِ الِاسْمِ؛ تَخَيَّلُوا أنَّها مَنازِلُ لِلشَّمْسِ؛ لِأنَّهم وقَّتُوا بِجِهَتِها سَمْتَ مَوْقِعِ الشَّمْسِ مِن قُبَّةِ الجَوِّ نَهارًا فِيما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَسِيرُ في شِبْهِ قَوْسِ الدّائِرَةِ، وجَعَلُوها اثْنَيْ عَشَرَ مَكانًا بِعَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وما هي في الحَقِيقَةِ إلّا سُمُوتٌ لِجِهاتٍ تُقابِلُ كُلُّ جِهَةٍ مِنها الأرْضَ مِن جِهَةٍ وراءَ الشَّمْسِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، ثُمَّ إذا انْتَقَلَ مَوْقِعُ الأرْضِ مِن مَدارِها كُلَّ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ تَتَغَيَّرُ الجِهَةُ المُقابِلَةُ لَها، فَبِما كانَ لَها مِنَ النِّظامِ تَسَنّى أنْ تُجْعَلَ عَلاماتٍ لِمَواقِيتِ حُلُولِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ وحُلُولِ الأشْهُرِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، فَهم ضَبَطُوا لِتِلْكَ العَلاماتِ حُدُودًا وهْمِيَّةً عَيَّنُوا مَكانَها في اللَّيْلِ مِن جِهَةِ مَوْقِعِ الشَّمْسِ في …

18

إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌۭ مُّبِينٌۭ

Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.

﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾

لَمّا جَرى الكَلامُ السّابِقُ في شَأْنِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما تَرَكُوا بِهِ في ذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ الأصِيلُ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحَ التَّكْذِيبِ أصْلَيْنِ هُما إبْطالُهُ إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ، وإثْباتُهُ البَعْثَ، انْبَرى القُرْآنُ يُبَيِّنُ لَهم دَلائِلَ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَذَكَرَ الدَّلائِلَ الواضِحَةَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْقَبَها بِدَلائِلَ إمْكانِ البَعْثِ مِن خَلْقِ الحَياةِ والمَوْتِ، وانْقِراضِ أُمَمٍ، وخَلَفَها بِأُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] الآيَةَ، وصادَفَ ذَلِكَ مُناسِبَةَ ذِكْرِ فَتْحِ أبْوابِ السَّماءِ في تَصْوِيرِ غُلْوائِهِمْ بِعِنادِهِمْ، فَكانَ الِانْتِقالُ إلَيْهِ تَخَلُّصًا بَدِيعًا.

وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُكابَرَتِهِمْ فَإنَّهم لَوْ أرادُوا الحَقَّ لَكانَ لَهم في دَلالَةِ ما هو مِنهم غُنْيَةٌ عَنْ تَطَلُّبِ خَوارِقِ العاداتِ.

والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ هَذِهِ الأخْبارِ مَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ.

صفحة ٢٨

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ تَنْزِيلًا لِلْمُخاطَبِينَ الذّاهِلِينَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فَأُكِّدَ لَهُمُ الكَلامُ بِمُؤَكِّدَيْنِ، ومَرْجِعُ التَّأْكِيدِ إلى تَحْقِيقِ الِاسْتِدْلالِ وإلى الإلْجاءِ إلى الإقْرارِ بِذَلِكَ.

والبُرُوجُ: جَمْعُ بُرْجٍ بِضَمِّ الباءِ، وحَقِيقَتُهُ البِناءُ الكَبِيرُ المُتَّخَذُ لِلسُّكْنى أوْ لِلتَّحَصُّنِ، وهو يُرادِفُ القَصْرَ، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

وأُطْلِقَ البُرْجُ عَلى بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِن سَمْتِ طائِفَةٍ مِنَ النُّجُومِ غَيْرِ السَّيّارَةِ، وتُسَمّى النُّجُومُ الثَّوابِتُ مُتَجَمِّعٌ بَعْضُها بِقُرْبِ بَعْضٍ عَلى أبْعادٍ بَيْنَها لا تَتَغَيَّرُ فِيما يُشاهَدُ مِنَ الجَوِّ، فَتِلْكَ الطّائِفَةُ تَكُونُ بِشَكْلٍ واحِدٍ يُشابِهُ نُقَطًا لَوْ خُطِّطَتْ بَيْنَها خُطُوطٌ لَخَرَجَ مِنها شِبْهُ صُورَةِ حَيَوانٍ أوْ آلَةٍ سَمَّوْا بِاسْمِها تِلْكَ النُّجُومَ المُشابِهَةَ لِهَيْئَتِها وهي واقِعَةٌ في خَطِّ سَيْرِ الشَّمْسِ.

وقَدْ سَمّاها الأقْدَمُونَ مِن عُلَماءِ التَّوْقِيتِ بِما يُرادِفُ مَعْنى الدّارِ أوِ المَكانِ، وسَمّاها العَرَبُ بُرُوجًا وداراتٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ المَجْعُولَةِ سَبَبًا لِوَضْعِ الِاسْمِ؛ تَخَيَّلُوا أنَّها مَنازِلُ لِلشَّمْسِ؛ لِأنَّهم وقَّتُوا بِجِهَتِها سَمْتَ مَوْقِعِ الشَّمْسِ مِن قُبَّةِ الجَوِّ نَهارًا فِيما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَسِيرُ في شِبْهِ قَوْسِ الدّائِرَةِ، وجَعَلُوها اثْنَيْ عَشَرَ مَكانًا بِعَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وما هي في الحَقِيقَةِ إلّا سُمُوتٌ لِجِهاتٍ تُقابِلُ كُلُّ جِهَةٍ مِنها الأرْضَ مِن جِهَةٍ وراءَ الشَّمْسِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، ثُمَّ إذا انْتَقَلَ مَوْقِعُ الأرْضِ مِن مَدارِها كُلَّ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ تَتَغَيَّرُ الجِهَةُ المُقابِلَةُ لَها، فَبِما كانَ لَها مِنَ النِّظامِ تَسَنّى أنْ تُجْعَلَ عَلاماتٍ لِمَواقِيتِ حُلُولِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ وحُلُولِ الأشْهُرِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، فَهم ضَبَطُوا لِتِلْكَ العَلاماتِ حُدُودًا وهْمِيَّةً عَيَّنُوا مَكانَها في اللَّيْلِ مِن جِهَةِ مَوْقِعِ الشَّمْسِ في …

19

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْزُونٍۢ

And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.

صفحة ٣٥

﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِي وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾

انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ السَّماوِيَّةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ الأرْضِيَّةِ لِمُناسَبَةِ المُضادَّةِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى (مَدَدْناها) وعَلى (الرَّواسِيَ) في سُورَةِ الرَّعْدِ.

والمَوْزُونُ: مُسْتَعارٌ لِلْمِقْدَرِ المَضْبُوطِ.

ومَعايِشُ: جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وبَعْدَ الألْفِ ياءٌ تَحْتِيَّةٌ لا هَمْزَةٌ كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في لَكُمُ، إذْ لا يَلْزَمُ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ المُنْفَصِلِ الفَصْلُ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ عَلى التَّحْقِيقِ، أيْ: جَعَلْنا لَكم أيُّها المُخاطَبِينَ في الأرْضِ مَعايِشَ، وجَعَلْنا في الأرْضِ مَعايِشَ لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، أيْ: لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِمُطْعِمِينَ.

وماصَدَقُ (مَن) الَّذِي يَأْكُلُ طَعامَهُ مِمّا في الأرْضِ، وهي المَوْجُوداتُ الَّتِي تَقْتاتُ مِن نَباتِ الأرْضِ ولا يَعْقِلُها النّاسُ.

والإتْيانُ بِـ (مَن) الَّتِي الغالِبُ اسْتِعْمالُها لِلْعاقِلِ لِلتَّغْلِيبِ.

ومَعْنى ﴿لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ نَفْيٌ أنْ يَكُونُوا رازِقِيهِ؛ لِأنَّ الرِّزْقَ الإطْعامُ، ومَصْدَرُ رَزَقَهُ الرَّزْقَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وأمّا الرِّزْقُ بِكَسْرِ الرّاءِ فَهو الِاسْمُ وهو القُوتُ.

20

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ

And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.

صفحة ٣٥

﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِي وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾

انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ السَّماوِيَّةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ الأرْضِيَّةِ لِمُناسَبَةِ المُضادَّةِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى (مَدَدْناها) وعَلى (الرَّواسِيَ) في سُورَةِ الرَّعْدِ.

والمَوْزُونُ: مُسْتَعارٌ لِلْمِقْدَرِ المَضْبُوطِ.

ومَعايِشُ: جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وبَعْدَ الألْفِ ياءٌ تَحْتِيَّةٌ لا هَمْزَةٌ كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في لَكُمُ، إذْ لا يَلْزَمُ لِلْعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ المُنْفَصِلِ الفَصْلُ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ عَلى التَّحْقِيقِ، أيْ: جَعَلْنا لَكم أيُّها المُخاطَبِينَ في الأرْضِ مَعايِشَ، وجَعَلْنا في الأرْضِ مَعايِشَ لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ، أيْ: لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِمُطْعِمِينَ.

وماصَدَقُ (مَن) الَّذِي يَأْكُلُ طَعامَهُ مِمّا في الأرْضِ، وهي المَوْجُوداتُ الَّتِي تَقْتاتُ مِن نَباتِ الأرْضِ ولا يَعْقِلُها النّاسُ.

والإتْيانُ بِـ (مَن) الَّتِي الغالِبُ اسْتِعْمالُها لِلْعاقِلِ لِلتَّغْلِيبِ.

ومَعْنى ﴿لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ نَفْيٌ أنْ يَكُونُوا رازِقِيهِ؛ لِأنَّ الرِّزْقَ الإطْعامُ، ومَصْدَرُ رَزَقَهُ الرَّزْقَ بِفَتْحِ الرّاءِ، وأمّا الرِّزْقُ بِكَسْرِ الرّاءِ فَهو الِاسْمُ وهو القُوتُ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.