Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 41–50 of 52

41

رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

ولَمّا كانَ الإنْسانُ ولَوِ اجْتَهَدَ كُلَّ الِاجْتِهادِ - مَحَلُّ العَجْزِ المُوجِبِ لِلتَّقْصِيرِ المُفْتَقِرِ لِلسَّتْرِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المالِكُ لِأُمُورِنا المُدَبِّرُ لَنا ﴿اغْفِرْ لِي﴾ ثُمَّ أشْرَكَ مَعَهُ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِ وأحَقَّهم بِشُكْرِهِ فَقالَ: ﴿ولِوالِدَيَّ﴾ وقَدْ كانَ اسْتِغْفارُهُ لَهُما قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أباهُ ماتَ كافِرًا، وقَدْ عَلِمَ مِنَ السِّياقِ أنَّهُ إذا كانَ وحْدَهُ أضافَ إلى ضَمِيرِهِ، وإذا تَقَدَّمَ ما يُحْسِنُ جَمْعُهُ [مَعَهُ] جَمْعٌ إنْ كانَ ما بَعْدَهُ مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ كُلُّ مَن تَبِعَهُ في الدِّينِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الوَصْفِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ أيْ يَظْهَرُ ويَتَحَقَّقُ عَلى أعْلى وُجُوهِهِ ﴿الحِسابُ﴾

42

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍۢ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلْأَبْصَٰرُ

And never think that Allah is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them for a Day when eyes will stare [in horror].

ولَمّا خَتَمَ دُعاءَهُ بِيَوْمِ الحِسابِ المُوجِبِ ذِكْرِهِ لِكُلِّ سَعادَةٍ ونِسْيانِهِ لِكُلِّ شَقاوَةٍ، ذَكَرَ بَعْضَ ما يَتَّفِقُ فِيهِ رُجُوعًا إلى ما مَضى مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، فَقالَ - عاطِفًا [عَلى قَوْلِهِ] ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وجَلَّ المَقْصِدُ تَهْدِيدُ أهِلِ الظُّلْمِ بِالإشْراكِ وغَيْرِهِ، وخاطَبَ [الرَّأْسَ] الَّذِي لا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ لِيَكُونَ أوْقَعَ في قَلْبِ غَيْرِهِ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ.

ولَمّا كانَ [اعْتِقادُ] تَرْكِ الحِسابِ يَلْزَمُ مِنهُ نِسْبَةُ الحاكِمِ إلى العَجْزِ أوِ السَّفَهِ أوِ الغَفْلَةِ، وكانَ قَدْ أثْبَتَ قُدْرَتَهُ وحِكْمَتَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها نُزْهَةً عَنِ الغَفْلَةِ لِيَنْتَبِهَ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ مِن غَفْلَتِهِمْ فَقالَ: ”غافِلًا“ والغَفْلَةُ: ذَهابُ المَعْنى عَنِ النَّفْسِ ﴿عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَكانُوا عَرِيقِينَ في الظُّلْمِ وإنْ كانَ مُسْتَنَدُ ظُلْمِهِمْ شُبَهًا عِلْمِيَّةً يُقِيمُونَها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِي يَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقالَ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ حِسابَهم عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ سَواءٌ عُذِّبُوا في الدُّنْيا أوْ لا ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ أيْ تُفَتَّحُ فَتَكُونُ بِحَيْثُ لا تَطَرُّفَ ﴿فِيهِ﴾ مِنهم ﴿الأبْصارُ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ

43

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْـِٔدَتُهُمْ هَوَآءٌۭ

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them, and their hearts are void.

﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ غايَةَ الإسْراعِ إلى حَيْثُ دَعَوْا [خَوْفًا] وجَزَعًا، مَعَ الإقْبالِ بِالبَصَرِ نَحْوَ الدّاعِي لا يَلْفِتُونَهُ إلى غَيْرِهِ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِيها وناصِبِيها ناظِرِينَ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهي جِهَةُ الدّاعِي، لا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شَمالًا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ أشَدِّ الذُّلِّ والصَّغارِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ما يُؤَكِّدُهُ فَقالَ مُصَرِّحًا بِمَعْنى الشُّخُوصِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانُوا في هَيْئَةِ الأعْيُنِ في الطَّرَفِ والسُّكُونِ قَرِيبًا مِنَ السَّواءِ، وحَّدَ فَقالَ: ﴿طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ أعْيُنُهم شاخِصَةٌ دائِمَةُ الفَتْحِ لا تَطْرُفُ كالمُحْتَضَرِ لِما بِأصْحابِها مِنَ الهَوْلِ ﴿وأفْئِدَتُهُمْ﴾ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو العُضْوُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمى بِالغَضَبِ؛ قالَ في القامُوسِ: والتَّفَؤُّدُ: التَّحَرُّقُ والتَّوَقُّدُ، ومِنهُ الفُؤادُ لِلْقَلْبِ مُذَكَّرٌ، جَمْعُهُ أفْئِدَةٌ.

﴿هَواءٌ﴾ أيْ عَدَمٌ فارِغَةٌ لا شَيْءَ فِيها مِنَ الجُرْأةِ والأنَفَةِ الَّتِي يُظْهِرُونَها الآنَ كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ

والهَواءُ: الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والنَّخْبُ: الجَبانُ، وكَذا الهَواءُ - قالَهُ في القامُوسِ. فَأنْذِرْهم [أهْوالَ] ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهُ لا يَبْقى مَعَهم فِيهِ شَيْءٌ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ

44

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍۢ

And, [O Muhammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?

﴿وأنْذِرِ﴾ أيْ يا مُحَمَّدُ ﴿النّاسَ﴾ جَمِيعًا، ما يَحِلُّ بِهِمْ ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ ويَنْكَشِفُ عَنْهُمُ الغِطاءُ بِالمَوْتِ أوِ البَعْثِ.

ولَمّا كانُوا [عِنْدَ] إتْيانِ العَذابِ قَبْلَ المَوْتِ لا يَنْكَسِرُونَ بِالكُلِّيَّةِ، بَيَّنَ أنَّهم إذْ ذاكَ عَلى غَيْرِ هَذا، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”يَأْتِيهِمْ“: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ [مِنهُمْ] ومَن غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ إتْيانِهِ مِن غَيْرِ تَمَهُّلٍ، وقَدْ زالَ عَنْهم ما يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ والشَّمّاخَةِ والكِبْرِ لِما رَأوْا مِنَ الأهْوالِ الَّتِي لا قِبَلَ لَهم بِها ولا صَبْرَ عَلَيْها: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِالخُلُقِ والرِّزْقِ والتَّرْبِيَةِ ”أخِّرْنا“ أيْ أمْهِلْنا ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فَإنَّكَ إنْ تُؤَخِّرْنا إلَيْهِ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيِ اسْتِدْراكًا لِما فَرَّطْنا فِيهِ؛ والإجابَةُ: القَطْعُ عَلى مُوافَقَةِ الدّاعِي بِالإرادَةِ ﴿ونَتَّبِعِ﴾ أيْ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿الرُّسُلَ﴾ فَيُقالُ لَهُمْ: إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ، أوَلَمْ تَكُونُوا تَقُولُونَ: إنَّ عُرى صَبْرِكم لا تَنْحَلُّ، وحَدَّ عَزائِمِكم لا يَفِلُّ؟ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا﴾ أيْ كَوْنًا أنْتُمْ فِيهِ في غايَةِ المُكْنَةِ ﴿أقْسَمْتُمْ﴾ أيْ جَهْلًا وسَفَهًا أوْ أشَرًا وبَطَرًا.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ وقْتُ إقْسامِهِمْ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وبَيَّنَ الجَوابَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - حاكِيًا مَعْنى قَوْلِهِمْ لا لَفْظَهُ - لِيَكُونَ صَرِيحًا في المُرادِ مِن غَيْرِ احْتِمالٍ لِتَعَنُّتٍ لَوْ قِيلَ: ما لَنا؟: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن زَوالٍ﴾ عَمًّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ وعَدَمِ الإذْعانِ لِلْإيمانِ، أوْ مِن هَذِهِ الدّارِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ، أوْ مِن مَنازِلِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ بِها، كِنايَةً عَنْ ثَباتِ الأمْرِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِالمُخالِفِ كائِنًا مَن كانَ

45

وَسَكَنتُمْ فِى مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلْأَمْثَالَ

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

”و“ الحالُ أنَّكم ﴿وسَكَنْتُمْ﴾ [أيْ] في الدُّنْيا ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ فَأحِلُّوا قَوْمَهم مِثْلَكم دارَ البُورِ ”وتَبَيَّنَ“ أيْ غايَةَ البَيانِ ”لَكُمْ“ بِالخَبَرِ والمُشاهَدَةِ.

ولَمّا كانَ [حالُ] أحَدِهِمْ في غايَةِ العَجَبِ، نَبَّهَ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ فَعَلْنا﴾ أيْ عَلى عَظَمَتِنا ”بِهِمْ“ حِينَ انْتَقَمْنا مِنهم [فَلَمْ] تَعْتَبِرُوا بِأحْوالِهِمْ ﴿وضَرَبْنا﴾ [أيْ] عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَكُمُ الأمْثالَ﴾ المُبِينَةِ أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جَرَتْ - ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا - أنَّ الظّالِمِينَ كَما جَمَعَهُمُ [اسْمُ] الظُّلْمِ يَجْمَعُهم مِيسَمُ الهَلاكِ، فَجَمَعْنا لَكم بَيْنَ طَرِيقَيِ الِاعْتِبارِ: السَّمْعُ والبَصَرُ، ثُمَّ لَمْ تَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُما

46

وَقَدْ مَكَرُوا۟ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ

And they had planned their plan, but with Allah is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.

”و“ الحالُ أنَّهُ بانَ لَكم أنَّهم حِينَ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أيِ الشَّدِيدِ العَظِيمِ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ جُهْدَهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم مَكْرٌ غَيْرُهُ في تَأْيِيدِ الكُفْرِ وإبْطالِ الحَقِّ؛ والمَكْرُ: الفَتْلُ إلى الضَّرَرِ عَلى وجْهِ الحِيلَةِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”عِنْدَ اللَّهِ“ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿مَكْرَهُمْ﴾ هو وحْدَهُ بِهِ عالِمٌ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ وإنَّ دَقَّ، وعَلى إبْطالِهِ قادِرٌ وإنْ جَلَّ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ مِنَ القُوَّةِ والضَّخامَةِ ”لِتَزُولَ“ أيْ لِأجْلِ أنْ تَزُولَ ﴿مِنهُ الجِبالُ﴾ والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ اللّامِ الأُولى ورَفْعِ الثّانِيَةِ: وإنْ كانَ بِحَيْثُ إنَّهُ تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وقِيلَ: ”إنَّ“ نافِيَةً، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ والجِبالُ: الآياتُ والشَّرائِعُ، بَلْ هي أثْبَتُ.

47

فَلَا تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِۦ رُسُلَهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍۢ

So never think that Allah will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

ولِما تَقَرَّرَ ذَلِكَ مِن عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ -وهُوَ كَما تَقَدَّمَ في أنَّ المُرادَ الأُمَّةُ لِبُلُوغِ [الأمْرِ] مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، خُوطِبَ بِهِ الرَّأْسُ لِيَكُونَ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَإنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ كانَ ناقِصَ العَقْلِ ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ في أنَّهُ يُعِزُّ أوْلِياءَهُ ويُذِلُّ أعْداءَهُ ويُهْلِكُهم بِظُلْمِهِمْ، ويُسْكِنُ أوْلِياءَهُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ كَثْرَةَ المُخالِفِينَ وقُوَّتَهم عَلى تَمادِي الأيّامِ تَعَرَّضَ السّامِعَ لِلْإنْكارِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ ذا الجَلالِ والإكْرامِ ”عَزِيزٌ“ أيْ يَقْدِرُ ولا يُقْدَرُ عَلَيْهِ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِمَّنْ يُخالِفُ أمْرَهُ.

48

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and all creatures will come out before Allah, the One, the Prevailing.

ولَمّا تَقَرَّرَتْ عَظَمَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ، وكانَ أعْظَمَ يَوْمٍ [يَظْهَرُ] فِيهِ الِانْتِقامُ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ﴾ أيْ تَبْدِيلًا غَرِيبًا عَظِيمًا ”الأرْضُ“ أيْ هَذا الجِنْسُ ﴿غَيْرَ الأرْضِ﴾ [أيِ] الَّتِي تَعْرِفُونَها ﴿والسَّماواتُ﴾ بَعْدَ انْتِشارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُئُونِها؛ والتَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ الشَّيْءِ أوْ صِفَتُهُ إلى بَدَلٍ ﴿وبَرَزُوا﴾ أيِ الظّالِمُونَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم لا يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْحِسابِ؛ والبُرُوزُ: ظُهُورُ الشَّخْصِ مِمّا كانَ مُلْتَبَسًا بِهِ ”لِلَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿الواحِدِ﴾ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ ﴿القَهّارِ﴾ الَّذِي لا يُدافِعُهُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ، فَصارُوا بِذَلِكَ البُرُوزِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ أنَّهُ لا يَخْفى مِنهم خافِيَةٌ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَمْ يَزالُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ: رَوى مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ الآيَةُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَأيْنَ يَكُونُ لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ».

49

وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ مُّقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ

And you will see the criminals that Day bound together in shackles,

ولَمّا ذَكَرَ بُرُوزَهم [لَهُ] ذَكَرَ حالَهم في ذَلِكَ البُرُوزِ فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ﴾ [أيْ] وتَراهُمْ، ولَكِنَّهُ [أظْهَرَ] لِتَعَدُّدِ صِفاتِهِمُ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُمُ الخِزْيَ؛ والإجْرامَ: قَطْعُ ما يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ بِفِعْلِ ما لا يَجُوزُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ العِظامُ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أيْ مَجْمُوعًا كُلٌّ مِنهم إلى نَظِيرِهِ، أوْ مَجْمُوعَةٌ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ جَمْعًا فِيهِ شِدَّةٌ وضِيقٌ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ أيِ القُيُودِ، والمُرادُ هُنا الأغْلالُ، أيِ السَّلاسِلُ الَّتِي تَجْمَعُ الأيْدِي [فِيها] إلى الأعْناقِ ويَقْرَنُونَ فِيها مَعَ أشْكالِهِمْ؛

50

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍۢ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ

Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire.

ثُمَّ بَيَّنَ لِباسَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ أيْ قُمُصُهُمُ السّابِغَةُ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ وهو ما يَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ، ومِن شَأْنِهِ أنَّهُ سَرَعَ فِيهِ اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ.

ولَمّا كانَ هَذا اللِّباسُ مَعَ نَتْنِهِ وفَظاعَتِهِ شَدِيدَ الِانْفِعالِ بِالنّارِ، بَيَّنَ أنَّهُ يُسَلِّطُها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَغْشى﴾ ولَمّا كانَ الوَجْهُ أشْرَفَ ما في الحَيَوانِ، فَإهانَتُهُ إهانَةٌ عَظِيمَةٌ لِصاحِبِهِ، ذَكَرَهُ وقَدَّمَهُ تَعْجِيلًا لِإفْهامِ الإهانَةِ فَقالَ: ﴿وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُوها بِاشْتِعالِها، فَعُلِمَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن غَشَيانِها لَها اضْطِرامُها فِيما ضَمَّخَ بِالقَطْرانِ مِن بابِ الأُولى؛

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.