Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 52

21

وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ جَمِيعًۭا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ ۚ قَالُوا۟ لَوْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَٰكُمْ ۖ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍۢ

And they will come out [for judgement] before Allah all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allah?" They will say, "If Allah had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."

﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٩] بِاعْتِبارِ جَوابِ الشَّرْطِ وهو الإذْهابُ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَأذْهَبَهم وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: ويَبْرُزُونَ لِلَّهِ، فَقَدْ عَدَلَ عَنِ المُضارِعِ إلى الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

صفحة ٢١٦

والبُرُوزُ: الخُرُوجُ مِن مَكانٍ حاجِبٍ مِن بَيْتٍ أوْ قَرْيَةٍ، والمَعْنى: حُشِرُوا مِنَ القُبُورِ.

و”جَمِيعًا“ تَأْكِيدٌ لِيَشْمَلَ جَمِيعَهم مِن سادَةٍ ولَفِيفٍ.

وقَدْ جِيءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِوَصْفِ حالِ الفِرَقِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومُجادَلَةِ أهْلِ الضَّلالَةِ مَعَ قادَتِهِمْ، ومُجادَلَةُ الجَمِيعِ لِلشَّيْطانِ، وكَوْنُ المُؤْمِنِينَ في شُغُلٍ عَنْ ذَلِكَ بِنُزُلِ الكَرامَةِ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ تَنْبِيهُ النّاسِ إلى تَدارُكِ شَأْنِهِمْ قَبْلَ الفَواتِ. فالمَقْصُودُ: التَّحْذِيرُ مِمّا يُفْضِي إلى سُوءِ المَصِيرِ.

واللّامُ الجارَّةُ لِاسْمِ الجَلالَةِ مُعَدِّيَةٌ فِعْلَ ”بَرَزُوا“ إلى المَجْرُورِ. يُقالُ: بَرَزَ لِفُلانٍ، إذا ظَهَرَ لَهُ، أيْ: حَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما يُقالُ: ظَهَرَ لَهُ.

والضُّعَفاءُ: عَوامُّ النّاسِ والأتْباعُ، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: السّادَةُ، لِأنَّهم يَتَكَبَّرُونَ عَلى العُمُومِ وكانَ التَّكَبُّرُ شِعارَ السّادَةِ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الكِبْرِ، والتَّبَعُ: اسْمُ جَمْعٍ: التّابِعُ مِثْلُ الخَدَمِ والخَوَلِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِكْبارِ عَلى التَّبَعِيَّةِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ يَقْتَضِي الشَّفاعَةَ لَهم.

ومُوجِبُ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ في ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ أنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ هو كَوْنُ المُسْتَكْبِرِينَ يُغْنُونَ عَنْهم لا أصْلُ الغَناءِ عَنْهم، لِأنَّهم آيِسُونَ مِنهُ لَمّا رَأوْا آثارَ الغَضَبِ الإلَهِيِّ عَلَيْهِمْ وعَلى سادَتِهِمْ. كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ حِكايَةُ قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾، فَعَلِمُوا أنَّهم قَدْ غَرُّوهم في الدُّنْيا، فَتَعَيَّنَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوَرُّكِ والتَّوْبِيخِ والتَّنْكِيتِ، أيْ: فَأظْهِرُوا مَكانَتَكم عِنْدَ اللَّهِ الَّتِي كُنْتُمْ تَدَّعُونَها وتَغُرُّونَنا بِها في الدُّنْيا. فَإيلاءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وبَيَّنَهُ ما في نَظِيرِهِ مِن سُورَةِ غافِرٍ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ [غافر: ٤٧] .

و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ بَدَلِيَّةٌ، أيْ: غَناءً بَدَلًا عَنْ عَذابِ اللَّهِ.

صفحة ٢١٧

و(مِن) في قَوْلِهِ مِن شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِوُقُوعِ مَدْخُولِها في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ بِحَرْفِ هَلْ، وشَيْءٌ في مَعْنى المَصْدَرِ، وحَقُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَوَقَعَ جَرُّهُ بِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ، والمَعْنى: هَلْ تُغْنُونَ عَنّا شَيْئًا ؟ …

22

وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allah had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allah] before. Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."

صفحة ٢١٨

﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

أفْضَتْ مُجادَلَةُ الضُّعَفاءِ وسادَتِهِمْ في تَغْرِيرِهِمْ بِالضَّلالَةِ إلى نُطْقِ مَصْدَرِ الضَّلالَةِ وهو الشَّيْطانُ: إمّا لِأنَّهم بَعْدَ أنِ اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ كُبَراؤُهم بِالحِرْمانِ مِنَ الهُدى عَلِمُوا أنَّ سَبَبَ إضْلالِهِمْ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ نَفْيَ الِاهْتِداءِ يُرادِفُهُ الضَّلالُ، وإمّا لِأنَّ المُسْتَكْبِرِينَ انْتَقَلُوا مِنَ الِاعْتِذارِ لِلضُّعَفاءِ إلى مَلامَةِ الشَّيْطانِ المُوَسْوِسِ لَهم ما أوْجَبَ ضَلالَهَمْ، وكُلُّ ذَلِكَ بِعِلْمٍ يَقَعُ في نُفُوسِهِمْ كالوِجْدانِ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ تَوَجَّهَ إلَيْهِ مَلامٌ صَرِيحٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَوَقَّعَهُ فَدَفَعَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وأنَّهُ يُتَوَّجَهُ إلَيْهِ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، فَجُمْلَةُ ﴿وقالَ الشَّيْطانُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ [إبراهيم: ٢١] .

والمَقْصُودُ مِن وصْفِ هَذا المَوْقِفِ إثارَةَ بُغْضِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ أهْلِ الكُفْرِ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم بِدِفاعِ وسْواسِهِ؛لِأنَّ هَذا الخِطابَ الَّذِي يُخاطِبُهم بِهِ الشَّيْطانُ مَلِيءٌ بِإضْمارِهِ الشَّرَّ لَهم فِيما وعَدَهم في الدُّنْيا مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَسْتَفِزَّ غَضَبَهم مِن كَيْدِهِ لَهم وسُخْرِيَتِهِ بِهِمْ، فَيُورِثُهم ذَلِكَ كَراهِيَةً لَهُ وسُوءَ ظَنِّهِمْ بِما يَتَوَقَّعُونَ إتْيانَهُ إلَيْهِمْ مِن قِبَلِهِ، وذَلِكَ أصْلٌ عَظِيمٌ في المَوْعِظَةِ والتَّرْبِيَةِ.

ومَعْنى قُضِيَ الأمْرُ تُمِّمَ الشَّأْنُ، أيْ: إذْنُ اللَّهِ وحُكْمُهُ، ومَعْنى إتْمامِهِ: ظُهُورُهُ، وهو أمْرُهُ تَعالى بِتَمْيِيزِ أهْلِ الضَّلالَةِ وأهْلِ الهِدايَةِ، قالَ تَعالى ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]، وذَلِكَ بِتَوْجِيهِ كُلِّ فَرِيقٍ إلى مَقَرِّهِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِعَمَلِهِ، فَيَتَصَدّى الشَّيْطانُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ المَلامِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَشْرِيكِ الَّذِينَ أضَلَّهم مَعَهُ في تَبِعَةِ ضَلالِهِمْ، وقَدْ أنْطَقَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِإعْلانِ الحَقِّ. وشَهادَةٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّ لَهم كَسْبًا في اخْتِيارِ الِانْطِباعِ إلى دَعْوَةِ الضَّلالِ دُونَ دَعْوَةِ الحَقِّ، فَهَذا

صفحة ٢١٩

شَبِيهُ شَهادَةِ ألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقَوْلِهِمْ لَهم ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] إظْهارًا لِلْحَقِيقَةِ وتَسْجِيلًا عَلى أهْلِ الضَّلالَةِ وقَمْعًا لِسَفْسَطَتِهِمْ.

وأخْبَرَ اللَّهُ بِها النّاسَ اسْتِقْصاءً في الإبْلاغِ لِيُحِيطَ النّاسَ عِلْمًا بِكُلِّ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ، وإيقاظًا لَهم لِيَتَأمَّلُوا الحَقائِقَ الخَفِيَّةَ فَتُصْبِحَ بَيِّنَةً واضِحَةً، فَقَوْلُ الشَّيْطانِ ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ إبْطالٌ لِإفْرادِهِ بِاللَّوْمِ أوْ لِابْتِداءِ تَوْجِيهِ المُلامِ إلَيْهِ في حِينِ أنَّهم أجْدَرُ بِاللَّوْمِ أوْ بِابْتِداءِ تَوْجِيهِهِ.

وأمّا وقْعُ كَلامِ الشَّيْطانِ مِن نُفُوسِ الَّذِينَ خاطَبَهم فَهو مُوقِعُ الحَسْرَةِ مِن نُفُوسِهِمْ زِيادَةً في عَذابِ النَّفْسِ.

وإضافَةُ (وعْدَ) إلى (الحَقِّ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ، أيِ الوَعْدُ الحَقُّ الَّذِي لا نَقْضَ لَهُ.

والحَقُّ: هُنا …

23

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ

And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"

﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، وهو انْتِقالٌ لِوَصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ مِن جُمْلَةِ الأحْوالِ المَقْصُودَةِ بِالوَصْفِ إظْهارًا لِتَفاوُتِ الأحْوالِ، فَلَمْ يَدْخُلِ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ في المُنازَعَةِ والمُجادَلَةِ تَنْزِيهًا لَهم عَنِ الخَوْضِ في تِلْكَ الغَمْرَةِ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم حِينَئِذٍ في سَلامَةٍ ودَعَةٍ.

ويَجُوزُ جَعْلُ الواوِ لِلْحالِ، أيْ: بَرَزُوا وقالَ الضُّعَفاءُ وقالَ الكُبَراءُ وقالَ الشَّيْطانُ إلَخْ، وقَدْ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّهم فازُوا بِنُزُلِ الكَرامَةِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ.

وقَوْلُهُ بِإذْنِ رَبِّهِمْ إشارَةٌ إلى العِنايَةِ والِاهْتِمامِ، فَهو إذَنْ أخَصُّ مِن أمْرِ القَضاءِ العامِّ.

وقَوْلُهُ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.

24

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا كَلِمَةًۭ طَيِّبَةًۭ كَشَجَرَةٍۢ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌۭ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ

Have you not considered how Allah presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?

صفحة ٢٢٣

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكْلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ اقْتَضَتْهُ مُناسَبَةُ ما حُكِيَ عَنْ أحْوالِ أهْلِ الضَّلالَةِ وأحْوالِ أهْلِ الهِدايَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِكَلِمَةِ الإيمانِ وكَلِمَةِ الشِّرْكِ، فَقَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ إيقاظٌ لِلذِّهْنِ لِيُتَرَقَّبَ ما يَرِدُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ألَمْ تَعْلَمْ، ولَمْ يَكُنْ هَذا المَثَلُ مِمّا سَبَقَ ضَرْبُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ بَلِ الآيَةُ هي الَّتِي جاءَتْ بِهِ، فالكَلامُ تَشْوِيقٌ إلى عِلْمِ هَذا المَثَلِ، وصَوْغُ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ في صِيغَةِ الزَّمَنِ الماضِي الدّالِّ عَلَيْها حَرْفُ (لَمْ) الَّتِي هي لِنَفِيِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي والدّالِّ عَلَيْها فِعْلُ (ضَرَبَ) بِصِيغَةِ الماضِي لِقَصْدِ الزِّيادَةِ في التَّشْوِيقِ لِمَعْرِفَةِ هَذا المَثَلِ وما مُثِّلَ بِهِ.

والِاسْتِفْهامُ في ألَمْ تَرَ إنْكارِيٌّ نَزَلَ المُخاطَبُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْلَمْ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عَدَمَ العِلْمِ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى عِلْمِهِ، أوْ هو لِلتَّقْرِيرِ، ومِثْلُهُ في التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ، وهو كِنايَةٌ في التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ بِذَلِكَ.

والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ مُعَلَّقٌ فِعْلُها عَنِ العَمَلِ بِما ولِيَها مِنَ الِاسْتِفْهامِ بِـ (كَيْفَ)، وإيثارُ (كَيْفَ) هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حالَةَ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ ذاتُ كَيْفِيَّةٍ عَجِيبَةٍ مِن بَلاغَتِهِ وانْطِباقِهِ.

وتَقَدَّمَ المَثَلُ في قَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وضَرْبُ المَثَلِ: نَظْمُ تَرْكِيبِهِ الدّالِّ عَلى تَشْبِيهِ الحالَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٢٤

وإسْنادُ ضَرَبَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْحى بِهِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامِ - .

والمَثَلُ لَمّا كانَ مَعْنًى مُتَضَمِّنًا عِدَّةَ أشْياءَ صَحَّ الِاقْتِصارُ في تَعْلِيقِ فِعْلِ (ضَرَبَ) بِهِ عَلى وجْهِ إجْمالٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ﴾ إلى آخِرِهِ، فانْتَصَبَ ”كَلِمَةً“ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ”مَثَلًا“ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ؛ لِأنَّ المَثَلَ يَتَعَلَّقُ بِها لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ .

والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ قِيلَ: هي كَلِمَةُ الإسْلامِ، وهي: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: كَلِمَةُ الشِّرْكِ.

والطَّيِّبَةُ: النّافِعَةُ، اسْتُعِيرَ الطَّيِّبُ لِلنَّفْعِ لِحُسْنِ وقْعِهِ في النُّفُوسِ كَوَقْعِ الرَّوائِحِ الذَّكِيَّةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

والفَرْعُ: ما امْتَدَّ مِنَ الشَّيْءِ وعَلا، مُشْتَقٌّ مِنَ الِافْتِراعِ وهو الِاعْتِلاءُ، وفَرْعُ الشَّجَرَةِ: …

25

تُؤْتِىٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍۭ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allah presents examples for the people that perhaps they will be reminded.

صفحة ٢٢٣

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكْلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ اقْتَضَتْهُ مُناسَبَةُ ما حُكِيَ عَنْ أحْوالِ أهْلِ الضَّلالَةِ وأحْوالِ أهْلِ الهِدايَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِكَلِمَةِ الإيمانِ وكَلِمَةِ الشِّرْكِ، فَقَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ إيقاظٌ لِلذِّهْنِ لِيُتَرَقَّبَ ما يَرِدُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ألَمْ تَعْلَمْ، ولَمْ يَكُنْ هَذا المَثَلُ مِمّا سَبَقَ ضَرْبُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ بَلِ الآيَةُ هي الَّتِي جاءَتْ بِهِ، فالكَلامُ تَشْوِيقٌ إلى عِلْمِ هَذا المَثَلِ، وصَوْغُ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ في صِيغَةِ الزَّمَنِ الماضِي الدّالِّ عَلَيْها حَرْفُ (لَمْ) الَّتِي هي لِنَفِيِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي والدّالِّ عَلَيْها فِعْلُ (ضَرَبَ) بِصِيغَةِ الماضِي لِقَصْدِ الزِّيادَةِ في التَّشْوِيقِ لِمَعْرِفَةِ هَذا المَثَلِ وما مُثِّلَ بِهِ.

والِاسْتِفْهامُ في ألَمْ تَرَ إنْكارِيٌّ نَزَلَ المُخاطَبُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْلَمْ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عَدَمَ العِلْمِ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى عِلْمِهِ، أوْ هو لِلتَّقْرِيرِ، ومِثْلُهُ في التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ، وهو كِنايَةٌ في التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ بِذَلِكَ.

والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ مُعَلَّقٌ فِعْلُها عَنِ العَمَلِ بِما ولِيَها مِنَ الِاسْتِفْهامِ بِـ (كَيْفَ)، وإيثارُ (كَيْفَ) هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حالَةَ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ ذاتُ كَيْفِيَّةٍ عَجِيبَةٍ مِن بَلاغَتِهِ وانْطِباقِهِ.

وتَقَدَّمَ المَثَلُ في قَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وضَرْبُ المَثَلِ: نَظْمُ تَرْكِيبِهِ الدّالِّ عَلى تَشْبِيهِ الحالَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٢٤

وإسْنادُ ضَرَبَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْحى بِهِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامِ - .

والمَثَلُ لَمّا كانَ مَعْنًى مُتَضَمِّنًا عِدَّةَ أشْياءَ صَحَّ الِاقْتِصارُ في تَعْلِيقِ فِعْلِ (ضَرَبَ) بِهِ عَلى وجْهِ إجْمالٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ﴾ إلى آخِرِهِ، فانْتَصَبَ ”كَلِمَةً“ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ”مَثَلًا“ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ؛ لِأنَّ المَثَلَ يَتَعَلَّقُ بِها لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ .

والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ قِيلَ: هي كَلِمَةُ الإسْلامِ، وهي: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: كَلِمَةُ الشِّرْكِ.

والطَّيِّبَةُ: النّافِعَةُ، اسْتُعِيرَ الطَّيِّبُ لِلنَّفْعِ لِحُسْنِ وقْعِهِ في النُّفُوسِ كَوَقْعِ الرَّوائِحِ الذَّكِيَّةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

والفَرْعُ: ما امْتَدَّ مِنَ الشَّيْءِ وعَلا، مُشْتَقٌّ مِنَ الِافْتِراعِ وهو الِاعْتِلاءُ، وفَرْعُ الشَّجَرَةِ: …

26

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍۢ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍۢ

And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.

صفحة ٢٢٣

﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكْلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ اقْتَضَتْهُ مُناسَبَةُ ما حُكِيَ عَنْ أحْوالِ أهْلِ الضَّلالَةِ وأحْوالِ أهْلِ الهِدايَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] إلى قَوْلِهِ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِكَلِمَةِ الإيمانِ وكَلِمَةِ الشِّرْكِ، فَقَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ إيقاظٌ لِلذِّهْنِ لِيُتَرَقَّبَ ما يَرِدُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ألَمْ تَعْلَمْ، ولَمْ يَكُنْ هَذا المَثَلُ مِمّا سَبَقَ ضَرْبُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ بَلِ الآيَةُ هي الَّتِي جاءَتْ بِهِ، فالكَلامُ تَشْوِيقٌ إلى عِلْمِ هَذا المَثَلِ، وصَوْغُ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ في صِيغَةِ الزَّمَنِ الماضِي الدّالِّ عَلَيْها حَرْفُ (لَمْ) الَّتِي هي لِنَفِيِ الفِعْلِ في الزَّمَنِ الماضِي والدّالِّ عَلَيْها فِعْلُ (ضَرَبَ) بِصِيغَةِ الماضِي لِقَصْدِ الزِّيادَةِ في التَّشْوِيقِ لِمَعْرِفَةِ هَذا المَثَلِ وما مُثِّلَ بِهِ.

والِاسْتِفْهامُ في ألَمْ تَرَ إنْكارِيٌّ نَزَلَ المُخاطَبُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْلَمْ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عَدَمَ العِلْمِ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى عِلْمِهِ، أوْ هو لِلتَّقْرِيرِ، ومِثْلُهُ في التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ، وهو كِنايَةٌ في التَّحْرِيضِ عَلى العِلْمِ بِذَلِكَ.

والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ مُعَلَّقٌ فِعْلُها عَنِ العَمَلِ بِما ولِيَها مِنَ الِاسْتِفْهامِ بِـ (كَيْفَ)، وإيثارُ (كَيْفَ) هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حالَةَ ضَرْبِ هَذا المَثَلِ ذاتُ كَيْفِيَّةٍ عَجِيبَةٍ مِن بَلاغَتِهِ وانْطِباقِهِ.

وتَقَدَّمَ المَثَلُ في قَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وضَرْبُ المَثَلِ: نَظْمُ تَرْكِيبِهِ الدّالِّ عَلى تَشْبِيهِ الحالَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٢٤

وإسْنادُ ضَرَبَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْحى بِهِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامِ - .

والمَثَلُ لَمّا كانَ مَعْنًى مُتَضَمِّنًا عِدَّةَ أشْياءَ صَحَّ الِاقْتِصارُ في تَعْلِيقِ فِعْلِ (ضَرَبَ) بِهِ عَلى وجْهِ إجْمالٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ﴾ إلى آخِرِهِ، فانْتَصَبَ ”كَلِمَةً“ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ”مَثَلًا“ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ؛ لِأنَّ المَثَلَ يَتَعَلَّقُ بِها لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ .

والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ قِيلَ: هي كَلِمَةُ الإسْلامِ، وهي: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: كَلِمَةُ الشِّرْكِ.

والطَّيِّبَةُ: النّافِعَةُ، اسْتُعِيرَ الطَّيِّبُ لِلنَّفْعِ لِحُسْنِ وقْعِهِ في النُّفُوسِ كَوَقْعِ الرَّوائِحِ الذَّكِيَّةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

والفَرْعُ: ما امْتَدَّ مِنَ الشَّيْءِ وعَلا، مُشْتَقٌّ مِنَ الِافْتِراعِ وهو الِاعْتِلاءُ، وفَرْعُ الشَّجَرَةِ: …

27

يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ

Allah keeps firm those who believe, with the firm word, in worldly life and in the Hereafter. And Allah sends astray the wrongdoers. And Allah does what He wills.

صفحة ٢٢٦

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَمّا أثارَهُ تَمْثِيلُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ بِالشَّجَرَةِ الثّابِتَةِ الأصْلِ بِأنْ يُسْألَ عَنِ الثّابِتِ المُشَبَّهِ بِهِ: ما هو أثَرُهُ في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ ؟ فَيُجابُ بِأنَّ ذَلِكَ الثَّباتُ ظَهَرَ في قُلُوبِ أصْحابِ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا إذْ ثَبَتُوا عَلى الدِّينِ ولَمْ يَتَزَعْزَعُوا فِيهِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَثْمَرُوا مِن شَجَرَةٍ أصْلُها ثابِتٌ.

والقَوْلُ: الكَلامُ، والثّابِتُ: الصّادِقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، والمُرادُ بِهِ أقْوالُ القُرْآنِ؛ لِأنَّها صادِقَةُ المَعانِي واضِحَةُ الدَّلِيلِ، فالتَّعْرِيفُ في القَوْلِ لِاسْتِغْراقِ الأقْوالِ الثّابِتَةِ، والباءُ في: ”بِالقَوْلِ“ لِلسَّبَبِيَّةِ.

ومَعْنى تَثْبِيتِ الَّذِينَ آمَنُوا بِها أنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لَهم فَهْمَ الأقْوالِ الإلَهِيَّةِ عَلى وجْهِها وإدْراكَ دَلائِلِها حَتّى اطْمَأنَّتْ إلَيْها قُلُوبُهم، ولَمْ يُخامِرْهم فِيها شَكٌّ فَأصْبَحُوا ثابِتِينَ في إيمانِهِمْ غَيْرَ مُزَعْزَعِينَ بِها غَيْرَ مُتَرَدِّدِينَ.

وذَلِكَ في الحَياةِ الدُّنْيا ظاهِرٌ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِإلْفائِهِمُ الأحْوالَ عَلى نَحْوٍ مِمّا عَلِمُوهُ في الدُّنْيا، فَلَمْ تَعْتَرِهِمْ نَدامَةٌ ولا لَهَفٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَظاهِرَ كَثِيرَةٍ يَظْهَرُ فِيها ثَباتُهم بِالحَقِّ قَوْلًا وانْسِياقًا، وتَظْهَرُ فِيها فِتْنَةُ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ في الأحْوالِ كُلِّها.

وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، أيِ المُشْرِكِينَ، أيْ: يَجْعَلُهم في حَيْرَةٍ وعِمايَةٍ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، والضَّلالُ: اضْطِرابٌ وارْتِباكٌ، فَهو الأثَرُ المُناسِبُ لِسَبَبِهِ، أعْنِي الكَلِمَةَ الَّتِي اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ.

والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

صفحة ٢٢٧

ومِن مَظاهِرِ هَذا التَّثْبِيتِ فِيهِما ما ورَدَ مِن وصْفِ فِتْنَةِ سُؤالِ القَبْرِ؛ رَوى البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «المُسْلِمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ»﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ كالتَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها، وتَحْتَ إبْهامِ ما يَشاءُ وعُمُومِهِ مَطاوٍ كَثِيرَةٍ: مِنَ ارْتِباطِ ذَلِكَ بِمَراتِبِ النُّفُوسِ، وصَفاءِ النِّيّاتِ في تَطَلُّبِ الإرْشادِ، وتَرْبِيَةِ ذَلِكَ في النُّفُوسِ بِنَمائِهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ حَتّى تَبْلُغَ بُذُورُ تَيْنِكَ الشَّجَرَتَيْنِ مُنْتَهى أمَدِهِما مِنِ ارْتِفاعٍ في السَّماءِ واجْتِثاثٍ مِن فَوْقِ الأرْضِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّثْبِيتِ والإضْلالِ، وفي كُلِّ تِلْكَ الأحْوالِ مَراتِبُ ودَرَجاتٌ لا تَبْلُغُ عُقُولُ البَشَرِ تَفْصِيلَها.

وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ لِقَصْدِ أنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مُسْتَقِلَّةً بِدَلالَتِها حَتّى تَسِيرَ مَسِيرَ المَثَلِ.

28

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًۭا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ

Have you not considered those who exchanged the favor of Allah for disbelief and settled their people [in] the home of ruin?

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصِلُونَها وبِئْسَ القَرارُ﴾

أُعْقِبَ تَمْثِيلُ الدِّينَيْنِ بِبَيانِ آثارِهِما في أصْحابِهِما، وابْتُدِئَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّها أعْجَبُ، والعِبْرَةَ بِها أوْلى والحَذَرَ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحَلِّي بِضِدِّها، ثُمَّ أُعْقِبَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١] الخَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ.

والرُّؤْيَةُ: هُنا بَصَرِيَّةٌ مُتَعَلِّقُها مِمّا يُرى، ولِأنَّ تَعْدِيَةَ فِعْلِها بِـ (إلى) يُرَجِّحُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .

صفحة ٢٢٨

وقَدْ نَزَلَ المُخاطَبُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَ، والخِطابُ لِمَن يَصِحُّ مِنهُ النَّظَرُ إلى حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مَعَ وُضُوحِ حالِهِمْ.

والكُفْرُ: كُفْرانُ النِّعْمَةِ، وهو ضِدُّ الشُّكْرِ، والإشْراكُ بِاللَّهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَتِهِ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ مَحْسَنُ الِاحْتِباكِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وشُكْرَها كُفْرًا بِها ونِقْمَةً مِنهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ الخَ.

واسْتُعِيرَ التَّبْدِيلُ لِوَضْعِ الشَّيْءِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ شَيْءٌ آخَرُ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ تَبْدِيلَ الذّاتِ بِالذّاتِ، والَّذِينَ بَدَّلُوا هَذا التَّبْدِيلَ فَرِيقٌ مَعْرُوفُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ، وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الكَلِمَةَ الخَبِيثَةَ مِنَ الشَّيْطانِ، أيْ: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهم الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَكابَرُوا دَعْوَةَ الإسْلامِ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ، وشَرَّدُوا مَنِ اسْتَطاعُوا، وتَسَبَّبُوا في إحْلالِ قَوْمِهِمْ دارَ البَوارِ، فَإسْنادُ فِعْلِ أحَلُّوا إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.

ونِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي بَدَّلُوها هي نِعْمَةُ أنْ بَوَّأهم حَرَمَهُ، وأمَّنَهم في سَفَرِهِمْ وإقامَتِهِمْ، وجَعَلَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وسَلَّمَهم مِمّا أصابَ غَيْرَهم مِنَ الحُرُوبِ والغاراتِ والعُدْوانِ، فَكَفَرُوا بِمَن وهَبَهم هَذِهِ النِّعَمَ، وعَبَدُوا الحِجارَةَ، ثُمَّ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ فِيهِمْ أفْضَلَ أنْبِيائِهِ ﷺ وهَداهم إلى الحَقِّ، وهَيَّأ لَهم أسْبابَ السِّيادَةِ والنَّجاةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَبَدَّلُوا شُكْرَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ بِهِ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ الكُبْرى هي رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبَنِيَّتِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .

وقَوْمُهم: هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مُلازَمَةِ الكُفْرِ حَتّى ماتُوا كُفّارًا، فَهم أحَقُّ بِأنْ يُضافُوا إلَيْهِمْ.

صفحة ٢٢٩

والبَوارُ: الهَلاكُ والخُسْرانُ، ودارُهُ: مَحَلُّهُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ.

والإحْلالُ بِها: الإنْزالُ فِيها، والمُرادُ بِالإحْلالِ: التَّسَبُّبُ فِيهِ، أيْ: كانُوا سَبَبًا لِحُلُولِ قَوْمِهِمْ بِدارِ البَوارِ، وهي جَهَنَّمُ في الآخِرَةِ، ومَواقِعُ القَتْلِ والخِزْيِ في الدُّنْيا مِثْلُ مَوْقِعِ بَدْرٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿دارَ البَوارِ﴾) جَهَنَّمَ، وبِهِ فَسَّرَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أرْضَ بَدْرٍ، وهو رِوايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

واسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أحَلُّوا لِقَصْدِ التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الإحْلالَ مُتَأخِّرٌ زَمَنُهُ فَإنَّ السُّورَةَ …

29

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ

[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصِلُونَها وبِئْسَ القَرارُ﴾

أُعْقِبَ تَمْثِيلُ الدِّينَيْنِ بِبَيانِ آثارِهِما في أصْحابِهِما، وابْتُدِئَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّها أعْجَبُ، والعِبْرَةَ بِها أوْلى والحَذَرَ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحَلِّي بِضِدِّها، ثُمَّ أُعْقِبَ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١] الخَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ.

والرُّؤْيَةُ: هُنا بَصَرِيَّةٌ مُتَعَلِّقُها مِمّا يُرى، ولِأنَّ تَعْدِيَةَ فِعْلِها بِـ (إلى) يُرَجِّحُ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .

صفحة ٢٢٨

وقَدْ نَزَلَ المُخاطَبُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَ، والخِطابُ لِمَن يَصِحُّ مِنهُ النَّظَرُ إلى حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مَعَ وُضُوحِ حالِهِمْ.

والكُفْرُ: كُفْرانُ النِّعْمَةِ، وهو ضِدُّ الشُّكْرِ، والإشْراكُ بِاللَّهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَتِهِ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ مَحْسَنُ الِاحْتِباكِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ وشُكْرَها كُفْرًا بِها ونِقْمَةً مِنهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ الخَ.

واسْتُعِيرَ التَّبْدِيلُ لِوَضْعِ الشَّيْءِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ شَيْءٌ آخَرُ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ تَبْدِيلَ الذّاتِ بِالذّاتِ، والَّذِينَ بَدَّلُوا هَذا التَّبْدِيلَ فَرِيقٌ مَعْرُوفُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ، وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الكَلِمَةَ الخَبِيثَةَ مِنَ الشَّيْطانِ، أيْ: كَلِمَةَ الشِّرْكِ، وهم الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَكابَرُوا دَعْوَةَ الإسْلامِ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ، وشَرَّدُوا مَنِ اسْتَطاعُوا، وتَسَبَّبُوا في إحْلالِ قَوْمِهِمْ دارَ البَوارِ، فَإسْنادُ فِعْلِ أحَلُّوا إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.

ونِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي بَدَّلُوها هي نِعْمَةُ أنْ بَوَّأهم حَرَمَهُ، وأمَّنَهم في سَفَرِهِمْ وإقامَتِهِمْ، وجَعَلَ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وسَلَّمَهم مِمّا أصابَ غَيْرَهم مِنَ الحُرُوبِ والغاراتِ والعُدْوانِ، فَكَفَرُوا بِمَن وهَبَهم هَذِهِ النِّعَمَ، وعَبَدُوا الحِجارَةَ، ثُمَّ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَعَثَ فِيهِمْ أفْضَلَ أنْبِيائِهِ ﷺ وهَداهم إلى الحَقِّ، وهَيَّأ لَهم أسْبابَ السِّيادَةِ والنَّجاةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَبَدَّلُوا شُكْرَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ بِهِ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ الكُبْرى هي رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ودَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبَنِيَّتِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - .

وقَوْمُهم: هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مُلازَمَةِ الكُفْرِ حَتّى ماتُوا كُفّارًا، فَهم أحَقُّ بِأنْ يُضافُوا إلَيْهِمْ.

صفحة ٢٢٩

والبَوارُ: الهَلاكُ والخُسْرانُ، ودارُهُ: مَحَلُّهُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ.

والإحْلالُ بِها: الإنْزالُ فِيها، والمُرادُ بِالإحْلالِ: التَّسَبُّبُ فِيهِ، أيْ: كانُوا سَبَبًا لِحُلُولِ قَوْمِهِمْ بِدارِ البَوارِ، وهي جَهَنَّمُ في الآخِرَةِ، ومَواقِعُ القَتْلِ والخِزْيِ في الدُّنْيا مِثْلُ مَوْقِعِ بَدْرٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿دارَ البَوارِ﴾) جَهَنَّمَ، وبِهِ فَسَّرَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أرْضَ بَدْرٍ، وهو رِوايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

واسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أحَلُّوا لِقَصْدِ التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الإحْلالَ مُتَأخِّرٌ زَمَنُهُ فَإنَّ السُّورَةَ …

30

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا لِّيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا۟ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى ٱلنَّارِ

And they have attributed to Allah equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾

عَطْفٌ عَلى بَدَّلُوا وأحَلُّوا، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ”الَّذِينَ“ وهم أئِمَّةُ الشِّرْكِ، والجَعْلُ يَصْدُقُ بِاخْتِراعِ ذَلِكَ كَما فَعَلَعَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وهو مِن خُزاعَةَ، ويَصْدُقُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ ونَشْرِهِ والِاحْتِجاجِ لَهُ، مِثْلَ وضْعِ أهْلِ مَكَّةَ الأصْنامَ في الكَعْبَةِ ووَضْعِ هُبَلَ عَلى سَطْحِها.

والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ بِكَسْرِ النُّونِ، وهو المُماثِلُ في مَجْدٍ ورِفْعَةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ لِيُضِلُّوا بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ مِن أضَلَّ غَيْرَهُ إذا جَعَلَهُ ضالًّا، فَجَعَلَ الإضْلالَ عِلَّةً لِجَعْلِهِمْ لِلَّهِ أنْدادًا، وإنْ كانُوا لَمْ يَقْصِدُوا تَضْلِيلَ النّاسِ وإنَّما قَصَدُوا مَقاصِدَ هي مُساوِيَةٌ لِلتَّضْلِيلِ؛ لِأنَّها أوْقَعَتِ النّاسَ في الضَّلالِ، فَعُبِّرَ عَلى مَساوِي التَّضْلِيلِ بِالتَّضْلِيلِ؛ لِأنَّهُ آيِلٌ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَقْصِدُوهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِلضَّلالِ عَنْ سَبِيلِهِ، تَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ بِغايَةِ فِعْلِهِمْ وهم ما أضَلُّوا إلّا وقَدْ ضَلُّوا، فَعُلِمَ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا، وذَلِكَ إيجازٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ لِيَضِلُّوا بِفَتْحِ الياءِ والمَعْنى: لِيَسْتَمِرَّ ضَلالُهم فَإنَّهم حِينَ جَعَلُوا الأنْدادَ كانَ ضَلالُهم حاصِلًا في

صفحة ٢٣١

زَمَنِ الحالِ، ومَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ أنْ تَكُونَ مُسْتَقْبَلَةً لِأنَّها بِتَقْدِيرِ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ.

ويُعْلَمُ أنَّهم أضَلُّوا النّاسَ مِن قَوْلِهِ وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ.

وسَبِيلُ اللَّهِ: كُلُّ عَمَلٍ يَجْرِي عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ، شِبْهُ العَمَلِ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى المَحَلَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِـ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ [إبراهيم: ٢٨] إذا عَلِمَ هَذِهِ الأحْوالَ يَتَساءَلُ عَنِ الجَزاءِ المُناسِبِ لِجُرْمِهِمْ وكَيْفَ تَرَكَهُمُ اللَّهُ يَرْفُلُونَ في النَّعِيمِ، فَأُجِيبَ بِأنَّهم يَصِيرُونَ إلى النّارِ، أيْ: يَمُوتُونَ فَيَصِيرُونَ إلى العَذابِ.

وأُمِرَ بِأنْ يُبْلِغَهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَزْدَهُونَ بِأنَّهم في تَنَعُّمٍ وسِيادَةٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.