Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 1–10 of 52

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ

”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالكَمالِ، وعَزَّ [عَنْ] أنْ يَكُونَ لَهُ كُفُوٌ أوْ مِثالٌ ”الرَّحْمَنُ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِكِتابٍ هو الغايَةُ في البَيانِ ”الرَّحِيمُ“ الَّذِي اخْتارَ مِن عِبادِهِ مَن ألْزَمَهم رُوحَ وِدادِهِ ﴿الر﴾ مَقْصُودُ السُّورَةِ التَّوْحِيدُ، وبَيانُ أنَّ هَذا الكِتابَ غايَةُ البَلاغِ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ كافِلٌ بِبَيانِ الصِّراطِ الدّالِّ عَلَيْهِ المُؤَدّى إلَيْهِ. ناقِلٌ - بِما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ - لِلْخَلْقِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَرْفُ الرّاءِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَرامِ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمّا التَّوْحِيدُ فَواضِحٌ أمّا أمْرُ الكِتابِ فَلِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ دُعائِهِ لِذَرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أسْكَنَهم عِنْدَ البَيْتِ المُحَرَّمِ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]

ولَمّا خَتَمَ الرَّعْدَ بِأنَّهُ لا شَهادَةَ تُكافِئُ شَهادَةً مِن عِنْدِهِ، عِلْمُ الكِتابِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكِتابَ هو الشّاهِدُ بِإعْجازِهِ بِبَلاغَتِهِ وما حَوى مِن فُنُونِ العُلُومِ، وأتى بِهِ في ذاكَ السِّياقِ مُعَرَّفًا لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ في البَقَرَةِ وغَيْرِها ثُمَّ تَكَرَّرَ وصْفُهُ في [سُورَةِ يُونُسَ وهُودٍ ويُوسُفَ والرَّعْدِ] بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكِمٌ مُفَصِّلٌ مُبِيِّنٌ، وأنَّهُ الحَقُّ الثّابِتُ الَّذِي تَزُولُ الجِبالُ الرَّواسِي وهو ثابِتٌ لا يَتَّعْتَعُ شَيْءٌ مِنهُ. ولا يُزَلْزَلُ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، ذَكَرَهُ في أوَّلِ [هَذِهِ] السُّورَةِ مُنْكِرًا تَنْكِيرَ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ في دَرَجاتٍ مِنَ العَظَمَةِ. لا تَحْتَمِلُ عُقُولُكُمُ الإخْبارَ عَنْها بِغَيْرِ هَذا الوَصْفِ، ودَلَّ تَعْلِيلُ وصْفِهِ بِالمُبِينِ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ“إلَيْكَ" بِلِسانِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهم.

ولَمّا اسْتَجْمَعَ التَّعْرِيفَ بِالأوْصافِ المُوجِبَةِ لِلْفَلاحِ المَذْكُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ المُسْتَدِلِّ عَلَيْها بِكُلِّ بُرْهانٍ مُنِيرٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ، فَصارَ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ عَنِ اجْتِناءِ ثَمَرَتِهِ مَن وقَفَ عَلى حَقائِقَ تِلْكَ النُّعُوتِ، شَوَّقَ إلى تِلْكَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ ما في أوَّلِ البَقَرَةِ في الَّتِي قَبْلِها كَما مَضى بِما يُحِثُّ عَلَيْهِ ويُقْبِلُ بِقَلْبِ كُلِّ عاقِلٍ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ أيْ عامَّةِ قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ بِدُعائِكَ إيّاهم بِهِ وإنْ كانُوا ذَوِي اضْطِرابٍ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الَّتِي هي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الضَّلالاتِ الَّتِي أدَّتْ إلَيْها الجَهالاتُ ﴿إلى النُّورِ﴾ الَّذِي هو واحِدٌ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ المَدْعُو بِالهِدايَةِ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ، أوْ لِتُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ قَوْمَكَ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ بَيانًا شافِيًا، فَتَجْعَلُهم - بِما تُقِيمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ السّاطِعَةِ، وتُوَضِّحُ لَهم مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ، وتَنْصُبُ لَهم مِنَ الأعْلامِ الظّاهِرَةِ، وتَحْكُمُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ الباهِرَةِ - في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ بِما فَتَحَ مِن مُقْفَلِ أبْصارِهِمْ، وكَشَفَ عَنْ أغْطِيَةِ قُوبِهِمِ، فَيَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن أنْ يَخْرُجُوا مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ الَّتِي هي طُرُقُ الشَّيْطانِ إلى نُورِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبِيلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وشَبَّهَ …

2

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍ

Allah, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe to the disbelievers from a severe punishment

ولَمّا أضافَ طَرِيقَ النَّجاةِ إلى وصْفَيْنِ يَجُوزُ إطْلاقُ كُلٍّ مِنهُما عَلى الخَلْقِ، بَيْنَهُما بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ العِلْمِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالرَّفْعِ. وعَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ في قِراءَةِ الباقِينَ بِالجَرِّ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى الأسْماءِ الأعْلامِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ بِحَقٍّ ووَصَفَهُ بِما اقْتَضى تَوْحِيدُهُ، فَقالَ: ”اللَّهُ“ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْسامِ العالِيَةِ مِنَ الأراضِي وغَيْرِها. ولَمّا كانَ في سِياقِ الدَّلالَةَ عَلى الخالِقِ وإثْباتِ تَوْحِيدِهِ، أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِمَن أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا مِنهُما أوْ فِيهِما، فَإنَّهُ لا أبْيَنُ مِن أنَّ ما كانَ مَمْلُوكًا لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ شَرِيكًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَوَأْلٌ ونَجاةٌ وسَلامَةٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ فَخَرَجَ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ ”ووَيْلٌ“ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الهَلاكِ، يَنْصِبُ نَصْبَ المَصادِرِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَفْعِها لِإفادَةِ أنَّ مَعْنى الهَلاكِ - وهو ضِدُّ الوَأْلِ الَّذِي هو النَّجاةُ - ثابِتٌ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ الَّذِينَ سَتَرُوا أدِلَّةَ عُقُولِهِمْ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ تَتَضاعَفُ آلامُهُ وقُوَّتُهُ؛ والشِّدَّةُ: تَجَمُّعٌ يَصْعُبُ مَعَهُ التَّفْكِيكُ.

3

ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allah, seeking to make it (seem) deviant. Those are in extreme error.

ولَمّا أشارَ إلى ما لِلْكافِرِينَ، وصَفَهم بِما عاقَهم عَنْ قَبُولِ الخَيْرِ وتَرْكِهِمْ في أوْدِيَةِ الشَّرِّ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يُحِبُّوا أوْ يُوجِدُونَ المَحَبَّةَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مُتابَعَةً لِلْهَوى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وهي النَّشْأةُ الأُولى الَّتِي هي دارُ الِارْتِحالِ، مُؤْثِرِينَ لَها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ أيِ النَّشْأةِ الأُخْرى الَّتِي هي دارُ المَقامِ، وذَلِكَ بِأنْ يُتابِعُوا أنْفُسَهم عَلى حُبِّها حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم طالِبُونَ لِذَلِكَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ بِالإرادَةِ؛ والمَحَبَّةُ: مَيَّلُ الطِّباعِ إلى الشَّيْءِ بِالشَّهْوَةِ، فَهم يَمْتَنِعُونَ خَوْفًا عَلى دُنْياهُمُ الَّتِي مِنها رِئاسَتِهِمْ عَنْ سُلُوكِ الصِّراطِ ”و“ يَضُمُّونَ إلى ذَلِكَ أنَّهم ”يَصُدُّونَ“ أيْ يُعْرِضُونَ بِأنْفُسِهِمْ ويَمْنَعُونَ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ والسَّبِيلُ: المَذْهَبُ المُهَيَّأُ لِلسُّلُوكِ ”و“ يَزِيدُونَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم ”يَبْغُونَها“ أيْ يَطْلُبُونَ لَها، حَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ تَأْكِيدًا لَهُ ﴿عِوَجًا﴾ والعِوَجُ: مَيْلٌ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الدِّينِ والأمْرِ والأرْضِ، وبِالفَتْحِ في كُلِّ ما كانَ قائِمًا كالحائِطِ والرُّمْحِ ونَحْوَهُما ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ، إسْنادٌ مَجازِيٌّ، لِأنَّ البَعِيدَ أهْلُ الضَّلالِ بِمَيْلِهِمْ عَنِ الباقِي إلى الفانِي وبِطَلَبِهِمُ العِوَجَ فِيما قَوَّمَهُ اللَّهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا.

4

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allah sends astray [thereby] whom He wills and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا قَدَّمَ [ما أفْهَمُ] أنَّهُ أرْسَلَهُ ﷺ بِلِسانِ قَوْمِهِ إلى النّاسِ كافَّةٍ لِأنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ أسْهَلُ الألْسِنَةِ وأجْمَعُها وأفْصَحُها وأبْيَنُها، فَكانَ في غايَةِ العَدالَةِ، وخَتَمَ بِأنَّ السَّبِيلَ إلَيْهِ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ والِاعْتِدالِ، دَلَّ عَلى شَرَفِ هَذا اللِّسانِ لِصَلاحِيَتِهِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِخُصُوصِ لِسانِ كُلُّ مِنَ الرُّسُلِ بِقَوْمِهِ، فَلِذَلِكَ أتْبَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا في العَظَمَةِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿إلا بِلِسانِ﴾ أيْ لُغَةِ ”قَوْمِهِ“ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ”لِيُبَيِّنَ“ أيْ بَيانًا شافِيًا ﴿لَهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ أنّا أرْسَلْناكَ بِكِتابٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهم ولِجَمِيعِ الخُلُقِ، فَإنَّ لِسانَكَ أسْهَلُ الألْسِنَةِ وأعْذَبُها، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ [إبراهيم: ١] بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لا مانِعَ حِينَئِذٍ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ عَلى هَذا الصِّراطِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿فَيُضِلُّ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ يَضِلُّ ”اللَّهَ“ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ هَذا اهْتِمامًا بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُ الشَّرِّ كَما أنَّهُ خالِقُ الخَيْرِ مَعَ أنَّ السِّياقَ لِذَمِّ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم رُؤُوسُ أهْلِ الضَّلالِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُضِلُّ الهادِي، وأمّا الرُّسُلُ فَمُبَيِّنُونَ مُلْزِمُونَ لِلْحُجَّةِ تَمْيِيزًا لِلضّالِّ مِنَ المُهْتَدِي ﴿”وهُوَ“﴾ أيْ وحْدُهُ ﴿”العَزِيزُ“﴾ الَّذِي لا يُرامُ ما عِنْدَهُ إلّا بِهِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَنْقَضُّ ما دَبَّرَهُ، فَلِذَلِكَ دَبَّرَ بِحِكْمَتِهِ إرْسالُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ إلى الخَلْقِ كافَّةً بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، لِأنَّ المَقْصُودَ جَمْعُ الخَلْقِ عَلى الحَقِّ، فَجَمَعَهم عَلى لِسانٍ واحِدٍ أنْسَبَ ما يَكُونُ لِذَلِكَ، ولَوْ أُنْزِلَ بِألْسِنَةِ كُلِّها لَكانَ مُنافِيًا لِهَذا المَقْصُودِ، وإنْ كانَ مَعَ الإعْجازِ بِكُلِّ لِسانٍ كانَ قَرِيبًا مِنَ الإلْجاءِ فَيَفُوتُ الإيمانُ بِالغَيْبِ، ويُؤَدِّي أيْضًا إلى ادِّعاءِ أهْلِ كُلِّ لِسانٍ أنَّ التَّعْبِيرَ [عَنْهُ] بِلِسانِهِمْ أعْظَمُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى المُفاخَرَةِ والعَصَبِيَّةِ المُؤَدِّي إلى أشَدِّ الفُرْقَةِ، وأنْسَبُ الألْسِنَةِ لِسانُ قَوْمِ الرَّسُولِ لِأنَّهُمْ، أقْرَبُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ فَهْمُهم لِأسْرارِ شَرِيعَتِهِ [و]وُقُوفُهم عَلى حَقائِقِها أسْهَلَ، ويَكُونُونَ عَنِ الغَلَطِ والخَطَأِ أبْعَدَ، فَإذا فَهِمُوا عَنْهُ دَعَوْا مَن يَلِيهِمْ بِالتَّراجِمَةِ وهَلُمَّ جَرا، فانْتَشَرَ الأمْرُ وعَمَّ وسَهُلَ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ أبْعَدَ مِنَ التَّحْرِيفِ وأسْلَمَ مِنَ التَّنازُعِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَمّا كانَتْ [سُورَةُ الرَّعْدِ] عَلى ما تُمَهِّدُ بِأنْ كانَتْ تِلْكَ الآياتُ والبَراهِينُ الَّتِي سَلَفَتْ فِيها لا يُبْقى مَعَها شَكٌّ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِها لِتَعْظِيمِ شَأْنِها وإيضاحِ أمْرِها، قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] أيْ إذا [هُمْ] تَذَكَّرُوا بِهِ واسْتَبْصَرُوا بِبَراهِينِهِ وتَدَبَّرُوا آياتِهِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ …

5

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days of Allah." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الرُّسُلُ بِما ذَكَرَهُ، تَوَقَّعَ السّامِعُ تَفْصِيلَ شَيْءٍ مِن أخْبارِهِمْ، فابْتَدَأ بِذِكْرٍ مِن كِتابِهِ أجَلُّ كِتابٍ بَعْدَ القُرْآنِ هُدًى لِلنّاسِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ، وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وتَثْبِيتًا وتَصْبِيرًا عَلى أذى قَوْمِهِ، وإرْشادًا إلى ما فِيهِ الصَّلاحُ في مُكالَمَتِهِمْ، فَقالَ مَصْدَرًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أيِ البَيِّناتِ؛ ثُمَّ فَسَّرَ الإرْسالَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةً عَلى مُغالَبَةِ الأُمُورِ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ أنْواعِ الجَهْلِ ﴿إلى النُّورِ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ ﴿وذَكِّرْهُمْ﴾ أيْ تَذْكِيرًا عَظِيمًا ﴿بِأيّامِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ مِن وقائِعِهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنحِ لِأوْلِيائِهِ والمِحَنِ لِأعْدائِهِ كَما أرْسَلْناكَ لِذَلِكَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ التَّذْكِيرِ العَظِيمِ ﴿لآياتٍ﴾ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ أيْ بَلِيغِ الصَّبْرِ بِبَلاءِ اللَّهِ، قالَ في العَوارِفِ: وقالَ أبُو الحَسَنِ بْنِ سالِمٍ: هم ثَلاثَةٌ: مُتَصَبِّرٌ، وصابِرٌ، [وصَبّارٌ]، فالمُتَصَبِّرُ مَن صَبَرَ في اللَّهِ، فَمَرَّةً يَصْبِرُ ومَرَّةً يَجْزَعُ، والصّابِرُ مَن يَصْبِرُ في اللَّهِ [ولِلَّهِ] ولا يَجْزَعُ ولَكِنْ يَتَوَقَّعُ مِنهُ الشَّكْوى، وقَدْ يُمَكِّنُ مِنهُ الجَزَعُ، فَأمّا الصَّبّارُ فَذَلِكَ الَّذِي صَبَّرَهُ اللَّهُ في اللَّهِ ولِلَّهِ وبِاللَّهِ، فَهَذا لَوْ وقَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ البَلايا لا يَجْزَعُ ولا يَتَغَيَّرُ مِن جِهَةِ الوُجُوبِ والحَقِيقَةِ، لا مِن جِهَةِ الرَّسْمِ والخَلِيقَةِ، وإشارَتُهُ في هَذا ظُهُورُ حُكْمِ العِلْمِ فِيهِ مَعَ ظُهُورِ صِفَةِ الطَّبِيعَةِ.

﴿شَكُورٍ﴾ أيْ عَظِيمِ الشُّكْرِ لِنَعْمائِهِ، فَإنَّ أيّامَهُ عِنْدَ أوْلِيائِهِ لا تَخْلُو مِن نِعْمَةٍ أوْ نِقْمَةٍ، وفي صِيغَةِ المُبالَغَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ عادَتَهُ تَعالى جَرَتْ بِأنَّهُ إنَّما يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ بَعْدَ طُولِ الِامْتِحانِ بِعَظِيمِ البَلاءِ لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] وذَلِكَ أنَّهُ لا شَيْءَ أشَقُّ عَلى النُّفُوسِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ لا سِيَّما إنْ كانَ دَيْنًا ولا سِيَّما إنْ كانَ [قَدْ] دَرَجَ عَلَيْهِ [الأسْلافُ]، فَلا يَقُومُ بِالدُّعاءِ إلى الدِّينِ إلّا مَن بَلَغَ الذُّرْوَةَ في الصَّبْرِ.

6

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to His people, "Remember the favor of Allah upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

ولَمّا ذَكَرَ ما أمَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أمْرُهُ في الشَّرِيفِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ الَّذِينَ هو مِن رُؤُوسِهِمْ وأُولِي عَزْمِهِمْ، [كانَ] كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيِّنْ أنْتَ لِلنّاسِ ما نَزَلْ إلَيْهِمْ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ اقْتِداءً بِأخِيكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”و“ اذْكُرْ لَهم خَبَرَهُ فَإنَّ أيّامَهُ مِن أعْظَمِ أيّامِ اللَّهِ: أشَدُّها مِحْنَةً وأجَلُّها مِنحَةً ﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ امْتِثالًا لِما أمَرْناهُ بِهِ ﴿لِقَوْمِهِ﴾ مُذَكِّرًا لَهم بِأيّامِ اللَّهِ مَعَهم ثُمَّ أيّامِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالتَّذْكِيرِ بِالأيّامِ زِيادَةَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أشارَ إلى [أنَّ] مَقامَ التَّرْهِيبِ هُنا أهَمُّ لِلْحَثِّ عَلى تَرْكِهِمُ الضَّلالَ بِتَرْكِ عادَتِهِ في التَّرَفُّقِ بِمِثْلِ ما في [البَقَرَةِ والمائِدَةِ] مِنَ الِاسْتِعْطافِ بِعاطِفَةِ الرَّحِمِ بِقَوْلِهِ: ”يا قوم“ فَأسْقَطَها هُنا إشارَةً إلى أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الإبْلاغَ في الإيجازِ في التَّذْكِيرِ لِلْخَوْفِ مِن مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ، وعَبَّرَ بِالنِّعْمَةِ عَنِ الإنْعامِ حَثًّا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”نِعْمَةِ“ قَوْلِهِ: ”إذْ“ وهو ظَرْفُ النِّعْمَةِ.

ولَمّا كانُوا قَدْ طالَ صَبْرُهم جِدًّا بِما طالَ مِن بَلائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ في العادَةِ خَلاصُهم مِنهُ، وإنْ أمْكَنَ عَلى بُعْدٍ لَمْ يَكُنْ إلّا في أزْمِنَةٍ طِوالٍ جِدًّا بِتَعَبٍ شَدِيدٍ، أشارَ إلى إسْراعِهِ بِخَلاصِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَوْ جَرى عَلى مُقْتَضى العادَةِ جَزاءً لَهم عَلى طُولِ صَبْرِهِمْ، فَعَبَّرَ بِالإفْعالِ دُونَ التَّفْعِيلِ الَّذِي اقْتَضاهُ سِياقُ البَقَرَةِ فَقالَ:﴿أنْجاكم مِن﴾ بَلاءٍ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ وأتْباعِهِ اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ، فَإنَّ الآلَ عَلى الشَّخْصِ نَفْسِهِ وعَلى أهْلِ الرَّجُلِ وأتْباعِهِ وأوْلِيائِهِ؛ قالَ في القامُوسِ: ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا لِما فِيهِ شَرَفٌ غالبًا، فَكَأنَّهم قالُوا: مَن أيِّ بَلائِهِمْ؟ فَقالَ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَكم ويُوَلُّونَكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهانَةِ والقَهْرِ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلصَّبْرِ البَلِيغِ، اقْتَضى ذَلِكَ العَطْفَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ أيْ تَذْبِيحًا كَثِيرًا مُمِيتًا - بِما أفادَهُ تَعْبِيرُ الأعْرافِ بِالقَتْلِ، ومُعَرَّفًا بِإعادَةِ التَّعْبِيرِ بِالذَّبْحِ أنَّ المَوْتَ بِالسِّكِّينِ ﴿أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُوا أنْ يَحْيَوْا ﴿نِساءَكُمْ﴾ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ بَلاءً آخَرَ ”و“ الحالُ أنَّ ﴿فِي ذَلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٩] أيِ الأمْرِ الشَّدِيدِ المَشَقَّةِ مِنَ العَذابِ [المُتَقَدِّمِ] أوِ الإنْجاءِ أوْ هُما ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُرَبِّي لَكُمُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكم ﴿عَظِيمٌ﴾

7

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.' "

ولَمّا ذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ الأمْنِ رَغَّبَهم فِيما يَزِيدُها، ورَهَّبَهم مِمّا يُزِيلُها فَقالَ: ”وإذْ“ أيْ واذْكُرُوا إذْ ﴿تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ أعْلِمِ المُحْسِنَ إلَيْكم إعْلامًا بَلِيغًا يَنْتَفِي عَنْهُ الشُّكُوكُ قائِلًا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ وأكَّدَهُ لِما لِلْأنْفُسِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِاعْتِقادِها أنَّ الزِّيادَةَ بِالسَّعْيِ في الرِّزْقِ والنَّقْصِ بِالتَّهاوُنِ فِيهِ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ مِن نِعَمِي، فَإنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ المَوْجُودِ وصَيْدُ المَفْقُودِ ”إنَّ عَطائِي لَعَتِيدٌ فَأرْجُوهُ“ ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ النِّعْمَةَ فَلَمْ تُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ لِأنْقُصُنَّكم ولِأُعَذِّبُنَّكم ﴿إنَّ عَذابِي﴾ بِإزالَتِها وغَيْرِها ﴿لَشَدِيدٌ﴾ فَخافُوهُ، فالآيَةُ - كَما تَرى - مِنَ الِاحْتِباكِ.

8

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allah is Free of need and Praiseworthy."

ولَمّا كانَ مَن حَثٍّ عَلى شَيْءٍ وأثابَ عَلَيْهِ أوْ [نَهى] عَنْهُ وعاقَبَ عَلى فِعْلِهِ يَكُونُ لِغَرَضٍ [لَهُ]، بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ [مُتَعالٍ] عَنْ أنْ يُلْحِقَهُ ضُرٌّ أوْ نَفْعٌ، وأنَّ ضُرَّ ذَلِكَ ونَفْعَهُ [خاصٌّ بِالعَبْدِ] فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ مُرْهِبًا لَهم مُعَلِّمًا أنَّ وبالَ الكُفْرانِ خاصٌّ بِصاحِبِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ والكَفْرُ: تَضْيِيعُ حَقِّ النِّعْمَةِ بِجَحْدِها أوْ ما يَقُومُ في العَظْمِ مَقامِهِ ﴿أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ”جَمِيعًا“ فَضَرَرُهُ لاحِقٌ بِكم خاصَّةً غَيْرَ عائِدٍ عَلى اللَّهِ شَيْءٍ مِنهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لَغَنِيٌّ﴾ أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنْ كُلِّ أحَدٍ، والغِنى هُنا المُخْتَصُّ بِما يَنْفِي لَحاقَ الضَّرَرِ أوِ النَّقْصِ، والمُخْتَصُّ بِأنَّهُ قادِرٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، عالِمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ بِنَفْسِهِ [لا بِشَيْءٍ] سِواهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا ﴿حَمِيدٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الِاسْتِحْقاقِ لِلْحَمْدِ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ النِّعَمِ وبِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وكُلُّ مَخْلُوقٍ يَحْمَدُهُ بِذاتِهِ وأفْعالِهِ وجَمِيعِ أقْوالِهِ كائِنَةً ما كانَتْ، لِأنَّ إيجادَهُ لَها ناطِقٌ بِحَمْدِهِ سُبْحانَهُ.

ذَكَرَ التَّأذُّنَ بِذَلِكَ المُذْكَرِ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ:

قالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: واخْتارَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم أنْ تَكُونُوا لَهُ شَعْبًا حَبِيبًا مِن جَمِيعِ الشُّعُوبِ [الَّتِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَيْسَ لِأنَّكم أكْثَرُ مِن جَمِيعِ الشُّعُوبِ] أحَبَّكُمُ الرَّبُّ واخْتارَكُمْ، ولَكِنْ لِيُثَبِّتَ الأيْمانَ الَّتِي أقْسَمَ لِآبائِكُمْ، لِذَلِكَ أخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ مَنِيعَةٍ، وأنْقَذَكم مِنَ العُبُودِيَّةِ، وخَلَّصَكم مِن يَدَيْ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ رَبُّكم هو إلَهُ الحَقِّ، إلَهٌ مُهَيْمِنٌ يَحْفَظُ النِّعْمَةَ والعَهْدَ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وصِيَّتَهُ لِألْفِ حُقُبٍ، ويُكافِئُ شِنْأتَهُ في حَياتِهِمْ ويَجْزِيهِمْ بِالهَلاكِ والتَّلَفِ، احْفَظُوا السُّنَنَ والأحْكامَ والوَصايا الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ فافْعَلُوها يَحْفَظُ اللَّهَ الرَّبُّ العَهْدَ والنِّعْمَةَ الَّتِي أقْسَمَ لِآبائِكُمْ، ويُحِبُّكم ويُبارِكُ عَلَيْكم ويُكْثِرُكُمْ، ويُبارِكُ في أوْلادِكم وفي ثَمَرَةِ أرْضِكم وفي بَرِّكم وخُبْزِكم وزَيْتِكُمْ، وفِيَّ أقْطاعِ بَقَرِكم وجُفُراتِ غَنَمِكُمْ، وتَكُونُوا مُبارَكِينَ مِن جَمِيعِ الشُّعُوبِ، ولا يَكُونُ فِيكم عاقِرٌ ولا عَقِيمٌ و[لا] في بَهائِمِكُمْ، ويَصْرِفُ اللَّهُ عَنْكم كُلَّ وجَعٍ، وجَمِيعُ الضَّرَباتِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ بِأهْلِ مِصْرَ - كَما تَعْلَمُونَ - لا يُنْزِلُها [بِكُمْ] بَلْ يُنْزِلُها بِجَمِيعِ شَنِأتِكُمٍ، وتَأْكُلُونَ جَمِيعَ خَيْراتِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، ولا تُشْفِقُ أعْيُنُكم عَلَيْهِمْ، ولا تَعْبُدُوا آلِهَتَهم لِأنَّهم فِخاخٌ لَكُمْ، وإنْ قُلْتُمْ في قُلُوبِكُمْ: إنَّ هَذِهِ الشُّعُوبَ أكْثَرَ مِنّا فَكَيْفَ نُقَدِّرُ أنْ نُهْلِكَها! فَلا تُفَرِّقُوا مِنها ولَكِنِ اذْكُرُوا جَمِيعَ ما صَنَعَ اللَّهُ رَبُّكم بِفِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وكُلِّ أصْحابِهِ، والبَلايا العَظِيمَةَ الَّتِي رَأيْتُمْ بِأعْيُنِكُمْ، والآياتِ والأعاجِيبَ واليَدَ المَنِيعَةَ والذِّراعَ العَظِيمَةَ، وكَيْفَ أخْرَجَكُمُ [اللَّهُ] رَبُّكُمْ! كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللَّهُ رَبُّكم بِجَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّتِي تَخافُونَها.

ويُسَلِّطُ اللَّهُ رَبُّكم عَلَيْهِمْ عاهاتٍ حَتّى يُهْلِكَهُمْ، …

9

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and 'Aad and Thamud and those after them? No one knows them but Allah. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

ولَمّا حَذَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ إنْ كَفَرُوا، ذَكَّرَهم أيّامَهُ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وعَيَّنَ مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الأُولى لِأنَّهم كانُوا أشَدَّهم أبَدانًا، وأكْثَرَهم أعْوانًا، وأقْواهم آثارًا، وأطْوَلَهم أعْمارًا، لِأنَّ البَطْشَ إذا بَرَزَ إلى الوُجُودِ كانَ أهْوَلُ، لِأنَّ النَّفْسَ لِلْمَحْسُوسِ أقْبَلُ، [فَقالَ] دالًا عَلى ما أرْشَدَهم إلَيْهِ مِن غِناهُ سُبْحانَهُ وحَمْدِهِ مُخَوِّفًا لَهم مِن سَطَواتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ قَوْمًا مَخْصُوصِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمانَ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ ثُمَّ أبْدَلُ مِنهم فَقالَ: ”قَوْمٌ“ أيْ نَبَأ قَوْمٍ ﴿نُوحٍ﴾ وكانُوا مِلْءَ الأرْضِ ”و“ نَبَّأ ”عادٍ“ وكانُوا أشَدَّ النّاسِ أبْدانًا وأثْبَتَهم جِنانًا ”و“ نَبَأ ”ثَمُودٍ“ وكانُوا أقْوى النّاسِ عَلى نَحْتِ الصُّخُورِ وبِناءِ القُصُورِ ”و“ نَبَأ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ البَعْضُ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ في الزَّمَنِ حالَ كَوْنِهِمْ في الكَثْرَةِ بِحَيْثُ ﴿لا يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ حَقِّ العِلْمِ عَلى التَّفْصِيلِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ، كَفَرُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ ولَمْ يَزَلْ غَنِيًّا حَمِيدًا عِنْدَ أخْذِهِمْ وبُعْدِهِ كَما كانَ قَبْلَهُ،وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ خَبِّرْهُمْ، فَقالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما كانَ نَبَأُهُمْ؟ ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وتَرَكَ عَطْفَهُ لِشِدَّةِ التِباسِهِ بِالمُسْتَفْهِمِ عَنْهُ ﴿فَرَدُّوا﴾ أيِ الأُمَمِ عَقِبَ مَجِيءِ الرُّسُلِ مِن غَيْرِ تَأمُّلِ جامِعِينَ في تَكْذِيبِهِمْ بَيْنَ الفِعْلِ والقَوْلِ ﴿أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى السُّكُوتِ عَنْ ذَلِكَ والتَّسْكِيتِ، كَأنَّهُ لا يَلِيقُ أنْ يَتَفَوَّهَ ولَوْ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ؛ قالَ الرّازِّي في اللَّوامِعِ: حَكى أبُو عُبَيْدٍ: كَلِمَتْهُ في حاجَتِي فَرَدَّ يَدَهُ في فِيهِ - إذا سَكَتَ ولَمْ يُجِبْ. ”و“ بَعُدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِهَذِهِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ ”قالُوا“ أيِ الأُمَمِ ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ أيْ غَطَّيْنا مُرائِيَ عُقُولِنا مُسْتَهِينِينَ ﴿بِما﴾ ولَمّا كانَ رَدُّ الرِّسالَةِ جامِعًا لِلْكُفْرِ، وكانُوا غَيْرَ مُسَلِّمِينَ أنَّ المُرْسِلَ لَهم هو اللَّهُ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [أيْ] لِأنَّكم لَمْ تَأْتُونا بِما يُوجِبُ الظَّنَّ فَضْلًا عَنِ القَطْعِ، فَلِذا لا يَحْتاجُ رَدُّهُ إلى تَأمُّلٍ].

ولَمّا كانَ ما أتى بِهِ الرُّسُلَ يُوجِبُ القَطْعَ بِما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَكانُوا بِما قالُوهُ في مَظِنَّةِ الإنْكارِ، أكَّدُوا: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ﴾ أيْ مُحِيطٍ بِنا، وهو وُقُوفٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحِ أحَدُهِما، يَتَعاقَبُ عَلى حالِ الذِّكْرِ ويُضادُ العِلْمَ والجَهْلَ.

ولَمّا كانَ الدُّعاءُ مُسْنَدًا إلى جَماعَةِ الرُّسُلِ، أثْبَتَ نُونَ الرَّفْعِ مَعَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ بِخِلافِ ما مَضى في هُودٍ، فَقالُوا﴿مِمّا﴾ أيْ شَيْءٍ ﴿تَدْعُونَنا﴾ أيُّها الرُّسُلُ ”إلَيْهِ“ أيْ مِنَ الدِّينِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مُوجِبٌ لِلتُّهْمَةِ ومَوْقِعٌ في الشَّكِّ والِاضْطِرابِ والفَزَعِ، مِن أرابَ الرَّجُلُ: صارَ ذا رِيبَةٍ أيْ قَلَقٍ وتَزَلْزُلٍ.

10

۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ

Their messengers said, "Can there be doubt about Allah, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays your death for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority."

ولَمّا كانَ سامِعُ هَذا الكَلامِ يَشْتَدُّ تَشَوُّفُهُ إلى جَوابِهِ، وكانَ أصْلُ الدَّعْوَةِ في كُلِّ مِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وكانَ الشّاكُّ فِيهِ شاكًا في اللَّهِ، وكانَ أمْرُ اللَّهِ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ فِيهِ عاقِلٌ حَكَّمَ عَقْلَهُ مُجَرَّدًا عَنِ الهَوى، ساغَ الإنْكارَ وإيرادَ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ مُعَرًّى مِنَ التَّقْيِيدِ مُبْهَمٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ ولَمّا كانَ ما شَكَوا فِيهِ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ رَيْبٌ، أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ شَكٌّ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ شَكِّهِمْ وشَكِّ غَيْرِهِمْ فَقالُوا: ﴿أفِي اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شَكٌّ﴾

ولَمّا كانَ الجَوابُ عامًّا لا يَخُصُّ ناسًا دُونَ ناسٍ، لَمْ يَأْتِ بِصِلَةٍ فَقالَ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ﴾ [إبراهيم: ١١] ثُمَّ نَبَّهُوهم بِالمَصْنُوعِ عَلى مَقْصُودِ الدَّعْوَةِ مِن وُجُودِ الصّانِعِ وتَفَرُّدِهِ وظُهُورِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِادِّعاءِ [أنَّهُ] في غايَةِ الظُّهُورِ، لَمْ يَحْتَجْ [إلى تَأْكِيدٍ] بِإعادَةِ العامِلِ، فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ عَلى هَذا المِثالِ البَدِيعِ والنَّمَطِ الغَرِيبِ المُنْتَظِمِ الأحْوالِ، الجَمِيلِ العَوائِدِ، والمُتَّسِقِ الفُصُولِ؛ فَلَمّا أوْضَحُوا لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بَيَّنُوا لَهم بِأنَّ ثَمَرَةَ الدَّعْوَةِ خاصَّةٌ بِهِمْ، إنَّهُ لا يَأْباها مِن [لَهُ] أدْنى بَصِيرَةٍ، فَقالُوا: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَتِنا ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾

ولَمّا كانَ الكافِرُ إنَّما يُدْعى أوَّلًا إلى الإيمانِ، وكانَ الإيمانُ إنَّما يَجِبُ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي مَعَهم بَيْنَهم وبَيْنَهُ دُونَ المَظالِمِ، قالَ: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ولَوْ عَمَّ بِالغُفْرانِ لِأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُدْعَوْنَ بَعْدَ الإيمانِ إلى عَمَلٍ أصْلًا ”و“ لا يُفْعَلُ بِكم فِعْلَ مَن تَعْهَدُونَ مِنَ المُلُوكِ في المُعاجَلَةِ بِالإهْلاكِ لِمَن خالَفَهُمْ، بَلْ ”يُؤَخِّرُكم“ وإنْ أخْطَأْتُمْ أوْ تَعَمَّدْتُمْ وتُبْتُمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ عِنْدَهُ سَبْقُ عِلْمِهِ بِهِ، وهو آجالُكم عَلى حَسَبِ التَّفْرِيقِ، ولا يَسْتَأْصِلُكم بِالعَذابِ في آنٍ واحِدٍ كَما فَعَلَ بِمَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ.

فَلَمّا بَيَّنَ لَهُمُ الأصِيلَ بِدَلِيلِهِ فَرَوَّعَ عَلَيْهِ ما لا رَيْبَ فِيهِ في قَصْرِ نَفْعِهِ عَلَيْهِمْ، عَلِمُوا أنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ لَهم عَنْ ذَلِكَ جَوابٌ فَأعْرَضُوا عَنْهُ إلى [أنْ] ”قالُوا“عِنادًا ”إنَّ“ أيْ ما ﴿أنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الرُّسُلُ ﴿إلا بَشَرٌ﴾ وأكَّدُوا ما أرادُوا مِن نَفْيِ الِاخْتِصاصِ فَقالُوا: ”مِثْلُنا“ يُرِيدُونَ: فَما وجْهُ تَخْصِيصِكم بِالرِّسالَةِ دُونَنا؟ [ثُمَّ] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ فَقالُوا: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا﴾ أيْ تَلْفِتُونا وتَصْرِفُونا ﴿عَمّا كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ، وأكَّدُوا هَذا المَعْنى لِلتَّذْكِيرِ بِالحالِ الماضِيَةِ بِالمُضارِعِ فَقالُوا: ﴿يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ أنَّكم - لِكَوْنِكم مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ يَقَعُ بَيْنَهُمُ التَّحاسُدُ - حَسَدْتُمُونا عَلى اتِّباعِ [الآباءِ] وقَصَدْتُمْ تَرْكَنا [لَهُ] لِنَكُونَ لَكم تَبْعًا ﴿فَأْتُونا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ - عَنْ كَوْنِنا لَمْ نَرَ لَكم فَضْلًا وإبْدائُنا مِن إرادَتِكم ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مانِعًا - أنْ نَقُولَ لَكُمُ: ائْتُونا لِنَتَّبِعَكم ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ حُجَّةً واضِحَةً تُلْجِئُنا إلى تَصْدِيقِكم مِمّا نَقْتَرِحُهُ عَلَيْكُمْ، وهَذا تَعَنُّتٌ مَحْضٌ فَإنَّهم جَدِيرُونَ بِأنْ يُعْرِضُوا …

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.