Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–52 of 52

51

لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

So that Allah will recompense every soul for what it earned. Indeed, Allah is swift in account.

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتِ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطْرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ الإنْذارِ بِيَوْمِ الحِسابِ؛ لِأنَّ في هَذا تَبْيِينَ بَعْضِ ما في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأهْوالِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِوَصْفِ ما يَحْصُلُ فِيهِ، فَجاءَ عَلى هَذا النَّظْمِ لِيَحْصُلَ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى وصْفِ هَذا اليَوْمِ لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ، وتَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ عَلى هَذا تَذْيِيلًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ . والتَّقْدِيرُ: يَجْزِي اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ. . الخَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْضًا.

والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ في شَيْءٍ إمّا بِتَغْيِيرِ صِفاتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، وقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا؛ وإمّا بِتَغْيِيرِ ذاتِهِ وإزالَتِها بِذاتٍ أُخْرى، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] .

صفحة ٢٥٣

وتَبْدِيلُ الأرْضِ والسَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ: إمّا بِتَغْيِيرِ الأوْصافِ الَّتِي كانَتْ لَها وإبْطالِ النُّظُمِ المَعْرُوفَةِ فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا، وإمّا بِإزالَتِها ووِجْدانِ أرْضٍ وسَماواتٍ أُخْرى في العالَمِ الأُخْرَوِيِّ، وحاصِلُ المَعْنى: اسْتِبْدالُ العالَمِ المَعْهُودِ بِعالَمٍ جَدِيدٍ.

ومَعْنى ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ مِثْلُ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، والوَصْفُ بِـ ﴿الواحِدِ القَهّارِ﴾ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أثْبَتُوا لَهُ شُرَكاءً وزَعَمُوا أنَّهم يُدافِعُونَ عَنْ أتْباعِهِمْ، وضَمِيرُ ”بَرَزُوا“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ، أيْ: وبَرَزَ النّاسُ أوْ بَرَزَ المُشْرِكُونَ.

والتَّقْرِينُ: وضْعُ اثْنَيْنِ في قَرْنٍ، أيْ: حَبْلٍ.

والأصْفادُ: جَمْعُ صِفادٍ بِوَزْنِ كِتابٍ، وهو القَيْدُ والغُلُّ.

والسَّرابِيلُ: جَمْعُ سِرْبالٍ وهو القَمِيصُ، وجُمْلَةُ ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ حالٌ مِنَ المُجْرِمِينَ.

والقَطِرانُ: دَهْنٌ مِن تَرْكِيبٍ كِيمْياوِيٍّ قَدِيمٍ عِنْدَ البَشَرِ يَصْنَعُونَهُ مِن إغْلاءِ شَجَرِ الأرْزِ وشَجَرِ السَّرْوِ وشَجَرِ الأُبْهُلِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والهاءِ وبَيْنَهُما مُوَحَّدَةٌ ساكِنَةٌ، وهو شَجَرٌ مِن فَصِيلَةِ العَرْعَرِ، ومِن شَجَرِ العَرْعَرِ: بِأنْ تُقْطَعَ الأخْشابُ وتُجْعَلَ في قُبَّةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى بَلاطٍ سَوِيٍّ وفي القُبَّةِ قَناةٌ إلى خارِجٍ، وتُوقَدُ النّارُ حَوْلَ تِلْكَ الأخْشابِ فَتَصْعَدُ الأبْخِرَةُ مِنها، ويَسْرِي ماءُ البُخارِ في القَناةِ فَتَصُبُّ في إناءٍ آخَرَ مَوْضُوعٍ تَحْتَ القَناةِ؛ فَيَتَجَمَّعُ مِنهُ ماءٌ أسْوَدُ يَعْلُوهُ زَبَدٌ خائِرٌ أسْوَدُ، فالماءُ يُعْرَفُ بِالسّائِلِ والزَّبَدُ يُعْرَفُ بِالبَرْقِيِّ، ويُتَّخَذُ لِلتَّداوِي مِنَ الجَرَبِ لِلْإبِلِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَوْصُوفٌ في كُتُبِ …

52

هَٰذَا بَلَٰغٌۭ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

This [Qur'an] is notification for the people that they may be warned thereby and that they may know that He is but one God and that those of understanding will be reminded.

﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُوا الألْبابِ﴾ الإشارَةُ إلى الكَلامِ السّابِقِ في السُّورَةِ كُلِّها مِن أيْنَ ابْتَدَأْتَهُ أصَبْتَ مُرادَ الإشارَةِ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ لِلسُّورَةِ كُلِّها.

والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّبْلِيغِ، أيْ: هَذا المِقْدارُ مِنَ القُرْآنِ في هَذِهِ السُّورَةِ تَبْلِيغٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ.

واللّامُ في ”لِلنّاسِ“ هي المَعْرُوفَةُ بِلامِ التَّبْلِيغِ، وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى اسْمِ مَن يَسْمَعُ قَوْلًا أوْ ما في مَعْناهُ.

وعَطْفُ ”ولِيُنْذَرُوا“ عَلى بَلاغٍ عَطْفٌ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفَظُ بِلاغٍ، إذْ لَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ وُجُودَ لامِ الجَرِّ مَعَ وُجُودِ واوِ العَطْفِ مانِعٌ مِن جَعْلِهِ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ إذا وقَعَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ اتَّصَلَ بِهِ مُباشَرَةً دُونَ عَطْفٍ إذْ هو بِتَقْدِيرِ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ، وإنَّما تُعْطَفُ الأخْبارُ إذا كانَتْ أوْصافًا؛ والتَّقْدِيرُ: هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ لِيَسْتَيْقِظُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ولِيُنْذَرُوا بِهِ.

واللّامُ في ولِيُنْذَرُوا لامُ (كَيْ)، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ [الأنعام: ٩٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٥٥

والمَعْنى: ولِيَعْلَمُوا مِمّا ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما اللَّهُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، أيْ: مَقْصُورٌ عَلى الإلَهِيَّةِ المُوَحَّدَةِ، وهَذا قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ وهو إضافِيٌّ، أيْ: أنَّهُ تَعالى لا يَتَجاوَزُ تِلْكَ الصِّفَةَ إلى صِفَةِ التَّعَدُّدِ بِالكَثْرَةِ أوِ التَّثْلِيثِ، كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] .

والتَّذَكُّرُ: النَّظَرُ في أدِلَّةِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ ووُجُوبُ اتِّباعِهِ؛ ولِذَلِكَ خُصَّ بِذَوِي الألْبابِ تَنْزِيلًا لِغَيْرِهِمْ مَنزِلَةَ مَن لا عُقُولَ لَهم ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .

وقَدْ رُتِّبَتْ صِفاتُ الآياتِ المُشارِ إلَيْها بِاسْمِ الإشارَةِ عَلى تَرْتِيبٍ عَقْلِيٍّ بِحَسْبِ حُصُولِ بَعْضِها عَقِبَ بَعْضٍ، فابْتُدِئَ بِالصِّفَةِ العامَّةِ وهي حُصُولُ التَّبْلِيغِ، ثُمَّ ما يَعْقُبُ حُصُولُ التَّبْلِيغِ مِنَ الإنْذارِ، ثُمَّ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ لِما في خِلالِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الدَّلائِلِ، ثُمَّ بِالتَّذْكِيرِ في ما جاءَ بِهِ ذَلِكَ البَلاغُ وهو تَفاصِيلُ العِلْمِ والعَمَلِ، وهَذِهِ المَراتِبُ هي جامِعُ حِكْمَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مُوَزَّعَةً عَلى مَن بَلَّغَ إلَيْهِمْ، ويَخْتَصُّ المُسْلِمُونَ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُوا الألْبابِ﴾ .

* * *

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحِجْرِ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الحِجْرَ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرَهُ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ اسْمَ الحِجْرِ لَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِها.

والحِجْرُ اسْمُ البِلادِ المَعْرُوفَةِ بِهِ وهو حِجْرُ ثَمُودَ، وثَمُودُ هم أصْحابُ الحِجْرِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ [الحجر: ٨٠]، والمُكْتِبُونَ في كَتاتِيبِ تُونُسَ يَدْعُونَها سُورَةَ رُبَما؛ لِأنَّ كَلِمَةَ (رُبَما) لَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ كُلِّهِ إلّا في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وحُكِيَ الِاتِّفاقُ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.