Muslim99Muslim99
← Tafsir library

14. Ibrahim

Abraham · Meccan · 52 ayahs

سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 52

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book which We have revealed to you, [O Muhammad], that you might bring mankind out of darknesses into the light by permission of their Lord - to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy -

( سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ 14 )

أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ والظّاهِرُ أنَّهُما أرادا أنَّها كُلَّها كَذَلِكَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ الحَبْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ مِنها فَإنَّهُما نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ وهُما ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في قَتْلى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وأخْرَجَ نَحْوَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ وقالَ الإمامُ: إذا لَمْ يَكُنْ في السُّورَةِ ما يَتَّصِلُ بِالأحْكامِ فَنُزُولُها بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ سَواءٌ إذْ لا يَخْتَلِفُ الغَرَضُ فِيهِ إلّا أنْ يَكُونَ فِيها ناسِخٌ أوْ مَنسُوخٌ فَتَظْهَرُ فائِدَتُهُ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْتَلِفُ الحالُ وتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ إلّا بِما ذُكِرَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ إلّا ضَبْطُ زَمانِ النُّزُولِ وكَفى بِهِ فائِدَةٌ هَلْ في هَذِهِ السُّورَةِ مَنسُوخٌ أوْ لا قَوْلانِ والجُمْهُورُ عَلى الثّانِي وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ فِيها آيَةً مَنسُوخَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ فَإنَّهُ قَدْ نُسِخَتْ بِاعْتِبارِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفِيهِ نَظَرٌ وهي إحْدى وخَمْسُونَ آيَةً في البَصْرِيِّ وقِيلَ: خَمْسُونَ فِيهِ واثْنانِ وخَمْسُونَ في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ في المَدَنِيِّ وخَمْسٌ في الشّامِيِّ وارْتِباطُها بِالسُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها واضِحٌ جِدًّا لِأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ في تِلْكَ السُّورَةِ مِن مَدْحِ الكِتابِ وبَيانِ أنَّهُ مُغْنٍ عَمّا اقْتَرَحُوهُ ما ذُكِرَ وافْتُتِحَتْ هَذِهِ بِوَصْفِ الكِتابِ والإيماءِ إلى أنَّهُ مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا وإذا أُرِيدَ بِـ ( مَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ) اللَّهُ تَعالى ناسَبَ مَطْلَعُ هَذِهِ خِتامَ تِلْكَ أشَدَّ مُناسَبَةٍ وأيْضًا قَدْ ذُكِرَ في تِلْكَ إنْزالُ القُرْآنِ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَمْ يُصَرِّحْ فِيها بِحِكْمَةِ ذَلِكَ وصَرَّحَ بِها هُنا وأيْضًا تَضَمَّنَتْ تِلْكَ الإخْبارَ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِأنَّهُ ما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الإخْبارَ بِهِ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأنَّهم قالُوا: ما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَ بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وأيْضًا ذُكِرَ هُناكَ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وحُكِيَ هُنا عَنِ إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَوَكُّلُهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وأمْرُهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ واشْتَمَلَتْ تِلْكَ عَلى تَمْثِيلٍ لِلْحَقِّ والباطِلِ واشْتَمَلَتْ هَذِهِ عَلى ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى بَعْضِ ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ إلى آخِرِهِ وأيْضًا ذُكِرَ في الأُولى مِن رَفْعِ السَّماءِ ومَدِّ الأرْضِ وتَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ما ذُكِرَ وذُكِرَ هُنا نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ اعْتَبَرَ ما ذُكِرَ أوَّلًا آياتٍ وما ذُكِرَ ثانِيًا نِعَمًا وصَرَّحَ في كُلٍّ بِأشْياءَ لَمْ يُصَرِّحْ بِها في الآخَرِ وأيْضًا قَدْ ذُكِرَ هُناكَ مَكْرُ الكَفَرَةِ وذُكِرَ هُنا أيْضًا وذُكِرَ مِن وصْفِهِ ما لَمْ يُذْكَرْ هُناكَ وأيْضًا قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّهُ ذُكِرَ في

صفحة 180

الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ …

2

ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌۭ لِّلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍۢ شَدِيدٍ

Allah, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And woe to the disbelievers from a severe punishment

وقَوْلُهُ تَعالى: ( اللَّهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى ما قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو اللَّهُ والمَوْصُولُ الآتِي صِفَتُهُ وبِالجَرِّ عَلى قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ والأصْمَعِيِّ عَنْ نافِعٍ بَدَلٌ مِمّا قَبْلَهُ في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: والحَوْفِيِّ وأبِي البَقاءِ وعَطْفُ بَيانٍ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: لِأنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ الأعْلامِ لِغَلَبَتِهِ واخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ بِحَقٍّ كَما غَلَبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا ولَعَلَّ جَعَلَهُ جارِيًا مَجْرى ذَلِكَ لَيْسَ لِاشْتِراطِهِ في عَطْفِ البَيانِ بَلْ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ شَرْطُهُ إفادَةُ زِيادَةِ إيضاحٍ لِمَتْبُوعِهِ وهي هُنا بِكَوْنِهِ كالعَلَمِ بِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ بِحَقٍّ وقَدْ خَرَجَ عَنِ الوَصِيَّةِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ صِفَةً كالعَزِيزِ الحَمِيدِ.

ثُمَّ إنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ عِنْدَ الأئِمَّةِ المُحَقِّقِينَ عَلَمٌ لا أنَّهُ كالعَلَمِ وعَنِ ابْنِ عُصْفُورٍ أنَّهُ لا تُقَدَّمُ صِفَةٌ عَلى مَوْصُوفٍ إلّا حَيْثُ سُمِعَ وذَلِكَ قَلِيلٌ ولِلْعَرَبِ فِيما وُجِدَ مِن ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ تُقَدِّمَ الصِّفَةَ وتُبْقِيها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا وجْهانِ: أحَدُهُما إعْرابُهُ نَعْتًا مُقَدَّمًا والثّانِي أنْ يُجْعَلَ ما بَعْدَ الصِّفَةِ بَدَلًا والوَجْهُ الثّانِي أنْ تُضِيفَ الصِّفَةَ إلى المَوْصُوفِ. اهَـ. وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ صِفَتَيْنِ مُتَقَدِّمَتَيْنِ ويُعْرَبَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مَوْصُوفًا مُتَأخِّرًا ومِمّا جاءَ فِيهِ تَقْدِيمُ ما لَوْ أُخِّرَ لَكانَ صِفَةً وتَأْخِيرُ ما لَوْ قُدِّمَ لَكانَ مَوْصُوفًا قَوْلُهُ: .

والمُؤْمِنُ العائِذاتُ الطَّيْرُ يَمْسَحُها رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ والسَّعْدِ

فَلَوْ جاءَ عَلى الكَثِيرِ لَكانَ التَّرْكِيبُ والمُؤْمِنُ الطَّيْرُ العائِذاتُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: .

لَوْ كُنْتَ ذا نُبْلٍ وذا تَشْدِيبٍ ∗∗∗ لَمْ أخْشَ شَدّاتِ الخَبِيثِ الذِّيبِ

وجُوِّزَ في قِراءَةِ الرَّفْعِ كَوْنُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِي لَهُ﴾ أيْ مِلْكًا ومُلْكًا ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خَبَرَهُ وما تَقَدَّمَ أوْلى فَإنَّ في الوَصْفِيَّةِ مِن بَيانِ كَمالِ فَخامَةِ شَأْنِ الصِّراطِ وإظْهارِ تَحَتُّمِ سُلُوكِهِ عَلى النّاسِ ما لَيْسَ في الخَبَرِيَّةِ والمُرادُ بِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما وُجِدَ داخِلًا فِيهِما أوْ خارِجًا عَنْهُما مُتَمَكِّنًا فِيهِما ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِعُمُومِ ( ما ) عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى كَما ذَكَرَهُ الإمامُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ﴾ وعِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِالكِتابِ ولَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِالوَيْلِ.

وهُوَ عِنْدَ بَعْضٍ نَقِيضُ الوَأْلِ بِالهَمْزَةِ بِمَعْنى النَّجاةِ فَمَعْناهُ الهَلاكُ فَهو مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ لا يُشْتَقُّ مِنهُ فِعْلٌ إنَّما يُقالُ: ويْلًا لَهُ فَيَنْصِبُ نَصْبَ المَصادِرِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَفْعَها لِإفادَةِ مَعْنى الثَّباتِ فَيُقالُ: ويْلٌ لَهُ كَسَلامٍ عَلَيْكَ وقالَ الرّاغِبُ: قالَ الأصْمَعِيُّ ويْلٌ قُبُوحٌ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّحَسُّرِ ووَيْسٌ اسْتِصْغارٌ ووَيْحٌ تَرَحُّمٌ ومَن قالَ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ لَمْ يَرِدْ أنَّهُ في اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ وإنَّما أرادَ أنَّ مَن قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ مَقَرًّا مِنَ النّارِ وثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ . (2) . في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوَيْلٍ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ عَلى ما …

3

ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍۢ

The ones who prefer the worldly life over the Hereafter and avert [people] from the way of Allah, seeking to make it (seem) deviant. Those are in extreme error.

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ أيْ يَخْتارُونَها عَلَيْها فَإنَّ المُخْتارَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن غَيْرِهِ فالسِّينُ لِلطَّلَبِ والمَحَبَّةُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ الِاخْتِيارِ والإيثارُ بِعَلامَةِ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ فَلا يَضُرُّ وُجُودُ أحَدِهِما بِدُونِ الآخَرِ كاخْتِيارِ المَرِيضِ الدَّواءَ المُرَّ لِنَفْعِهِ وتَرْكِ ما يُحِبُّهُ ويَشْتَهِيهِ مِنَ الأطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ لِضَرَرِهِ ولِاعْتِبارِ التَّجَوُّزِ عَدّى الفِعْلَ بِعَلى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ كاسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الِاخْتِيارِ والتَّعْدِيَةُ بِعَلى لِذَلِكَ ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعُوقُونَ النّاسَ ويَمْنَعُونَهم عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِهِ وهو الصِّراطُ الَّذِي بَيَّنَ شَأْنَهُ والِاقْتِصارُ عَلى الإضافَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ المُنْطَوِي عَلى كُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ لُزُومُ الِاخْتِصارِ.

وقَرَأ الحَسَنُ ( يَصُدُّونَ ) مِن أصَدَّ المَنقُولِ مِن صَدَّهُ صُدُودًا إذا تَنَكَّبَ وحادَ وهو لَيْسَ بِفَصِيحٍ بِالنِّسْبَةِ إلى القِراءَةِ الأُخْرى لِأنَّ في صَدِّهِ مَندُوحَةً عَنْ تَكَلُّفِ النَّقْلِ ولا مَحْذُورَ في كَوْنِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ أفْصَحَ مِن غَيْرِها ومِن مَجِيءِ أصُدُّ قَوْلُهُ: .

أُناسٌ أصَدُّوا النّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهم صُدُودَ السَّواقِي عَنْ أُنُوفِ الحَوائِمِ

ونَظِيرُ هَذا وقَفَهُ وأوْقَفَهُ ﴿ويَبْغُونَها﴾ أيْ يَبْغُونَ لَها فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ أيْ يَطْلُبُونَ لَها ﴿عِوَجًا﴾ أيْ زَيْغًا واعْوِجاجًا وهي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ ذَلِكَ أيْ يَقُولُونَ لِمَن يُرِيدُونَ صَدَّهُ وإضْلالَهُ عَنِ السَّبِيلِ هي سَبِيلٌ ناكِبَةٌ وزائِغَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ وقِيلَ: المَعْنى يَطْلُبُونَ أنْ يَرَوْا فِيها ما يَكُونُ عِوَجًا قادِحًا فِيها كَقَوْلِ مَن لَمْ يَصِلْ إلى العُنْقُودِ ولَيْسُوا بِواجِدِينَ ذَلِكَ وكِلا المَعْنَيَيْنِ أنْسَبُ مِمّا قِيلَ: إنَّ المَعْنى يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يُعَرِّجُوا بِالرِّدَّةِ ومَحَلُّ مَوْصُولِ هَذِهِ الصِّلاتِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ كَما قِيلَ مِنَ ( الكافِرِينَ ) فَيُعْتَبَرُ كُلُّ وصْفٍ مِن أوْصافِهِمْ بِما يُناسِبُهُ مِنَ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الصِّراطِ فالكُفْرُ المُنْبِئُ عَنِ السَّتْرِ بِإزاءِ كَوْنِهِ نُورًا واسْتِحْبابُ

صفحة 184

الحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ وخامَةِ العاقِبَةِ بِمُقابَلَةِ كَوْنِ مَسْلُوكِهِ مَحْمُودَ العاقِبَةِ والصَّدُّ عَنْهُ بِإزاءِ كَوْنِهِ سالِكَهُ عَزِيزًا.

وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: إنَّهُ صِفَةُ ( الكافِرِينَ ) ورَدَّ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِأجْنَبِيٍّ وهو ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ سَواءٌ كانَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِوَيْلٍ أوْ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ عَلى الوَصْفِيَّةِ قَوْلُكَ: الدّارُ لِزَيْدٍ الحَسَنَةُ القُرَشِيِّ وهو لا يَجُوزُ لِأنَّكَ قَدْ فَصَلْتَ بَيْنَ زَيْدٍ وصِفَتِهِ بِأجْنَبِيٍّ عَنْهُما والتَّرْكِيبُ الصَّحِيحُ فِيهِ أنْ يُقالَ: الدّارُ الحَسَنَةُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ أوِ الدّارُ لِزَيْدٍ القُرَشِيِّ الحَسَنَةُ وقِيلَ إذا جُعِلَ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ لا يَضُرُّ الفَصْلُ بِها وهو كَما تَرى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى الذَّمِّ أوِ الرَّفْعَ عَلَيْهِ بِأنْ يُقَدَّرَ أنَّهُ كانَ نَعْتًا فَقُطِعَ أيْ هُمُ الَّذِينَ وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ ذَلِكَ …

4

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allah sends astray [thereby] whom He wills and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ في الأُمَمِ الخالِيَةِ مِن قَبْلِكَ كَما سَيُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إجْمالًا ﴿مِن رَسُولٍ إلا﴾ مُتَلَبِّسًا ﴿بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ مُتَكَلِّمًا بِلُغَةِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُتَّفِقَةِ عَلى لُغَةٍ سَواءٌ بُعِثَ فِيهِمْ أوَّلًا وقِيلَ: بِلُغَةِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هو مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ ولا يَنْتَقِضُ الحَصْرُ بِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ تَزَوَّجَ مِنهم وسَكَنَ مَعَهم وأمّا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ كَما قالُوهُ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ

صفحة 185

الأغْلَبِ ولَعَلَّ الأوْلى ما ذَكَرْنا وقَرَأ أبُو السَّمالِ وأبُو الحَوْراءِ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ ( بِلِسْنِ ) بِإسْكانِ السِّينِ عَلى وزْنِ ذِكْرٍ وهي لُغَةٌ في لِسانٍ كَرِيشٍ ورِياشٍ وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّهُ خاصٌّ بِاللُّغَةِ واللِّسانُ يُطْلَقُ عَلَيْها وعَلى الجارِحَةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ والجَحْدَرِيُّ ( بِلُسُنِ ) بِضَمِّ اللّامِ والسِّينِ وهو جَمْعُ لِسانٍ كَعِمادٍ وعُمُدٍ وقُرِئَ ( بِلُسْنِ ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ السِّينِ وهو مُخَفَّفُ لُسُنٍ كَرُسُلٍ ورُسْلٍ ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ ذَلِكَ الرَّسُولُ ﴿لَهُمْ﴾ لِأُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ما كُلِّفُوا بِهِ فَيَتَلَقَّوْهُ مِنهُ بِسُهُولَةٍ وسُرْعَةٍ فَيَمْتَثِلُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّرْجَمَةِ وحَيْثُ لَمْ تَتَأتَّ هَذِهِ القاعِدَةُ في شَأْنِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلى إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ أجْمَعِينَ لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ وشُمُولِ رِسالَتِهِ الأسْوَدَ والأحْمَرَ والجِنَّ والبَشَرَ عَلى اخْتِلافِ لُغاتِهِمْ وكانَ تَعَدُّدُ نَظْمِ الكِتابِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ ﷺ عَلَيْهِ حَسَبَ تَعَدُّدِ ألْسِنَةِ الأُمَمِ أدْعى إلى التَّنازُعِ واخْتِلافِ الكَلِمَةِ وتَطَرُّقِ أيْدِي التَّحْرِيفِ مَعَ أنَّ اسْتِقْلالَ بَعْضٍ مِن ذَلِكَ بِالإعْجازِ مَئِنَّةٌ لِقَدْحِ القادِحِينَ واتِّفاقَ الجَمِيعِ فِيهِ أمْرٌ قَرِيبٌ مَنِ الإلْجاءِ المُنافِي لِلتَّكْلِيفِ وحَصَلَ البَيانُ والتَّفْسِيرُ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ المُنْبِئُ عَنِ العِزَّةِ وجَلالَةِ الشَّأْنِ المُسْتَنْبِعُ لِفَوائِدَ غَنِيَّةٍ عَنِ البَيانِ عَلى أنَّ الحاجَّةَ إلى التَّرْجَمَةِ تَتَضاعَفُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ إذْ لا بُدَّ لِكُلِّ طائِفَةٍ مِن مَعْرِفَةِ تَوافُقِ الكُلِّ حَذْوَ القِذَةِ بِالقِذَةِ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ ولَوْ في خَصْلَةٍ فَذَّةٍ وإنَّما يُتْمٌ ذَلِكَ بِمَن يُتَرْجِمُ عَنِ الكُلِّ واحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا وفِيهِ مِنَ التَّعَذُّرِ ما فِيهِ ثُمَّ لَمّا كانَ أشْرَفُ الأقْوامِ وأوْلاهم بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْمَهُ الَّذِي بُعِثَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ ولُغَتُهم أفْضَلَ اللُّغاتِ نَزَلَ الكِتابُ المُبِينُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وانْتَشَرَتْ أحْكامُهُ بَيْنَ الأُمَمِ أجْمَعِينَ كَذا قَرَّرَ شَيْخُ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ بَيْدَ أنَّ بَعْضَهم أبْقى الكَلامَ عَلى عُمُومِهِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ النَّبِيَّ ﷺ وأرادَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنهم وبُعِثَ فِيهِمْ والمُرادُ مِن قَوْمِهِ ﷺ العَرَبُ كُلُّهم ونَقَلَ ذَلِكَ أبُو شامَةَ في المُرْشِدِ عَنِ السِّجِسْتانِيِّ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ: «أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ» وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُرادُ مِنهم قُرَيْشٌ ولَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ إلّا بِلُغَتِهِمْ وقِيلَ: إنَّما نَزَلَ …

5

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍۢ

And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days of Allah." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ الآيَةَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ مُلْتَبِسًا بِها وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ الآياتُ التِّسْعُ الَّتِي أجْراها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها آياتُ التَّوْراةِ ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ بِمَعْنى أيْ أخْرِجْ فَأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِأنَّ في الإرْسالِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ أوْ بِأنْ أخْرِجْ فَهي مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ قَبْلَها حَرْفُ الجَرِّ لِأنَّ أرْسَلَ يَتَعَدّى بِالباءِ والجارُّ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ قَبْلَ أنْ وأنْ واتِّصالُ المَصْدَرِيَّةِ بِالأمْرِ أمْرٌ مَرَّ تَحْقِيقُهُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( أنْ ) هُنا زائِدَةٌ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ والمُرادُ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو الظّاهِرُ بَنُو إسْرائِيلَ ومِن إخْراجِهِمْ إخْراجُهم بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ مِنَ الكُفْرِ والجَهالاتِ الَّتِي كانُوا فِيها وأدَّتْ بِهِمْ إلى أنْ يَقُولُوا: ﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ .

﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الأيْمانِ بِاللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ وسائِرِ ما أُمِرُوا بِهِ وقِيلَ: أخْرِجْهم مِن ظُلُماتِ النَّقْصِ إلى نُورِ الكَمالِ ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ أيْ بِنَعْمائِهِ وبَلائِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِالمَقامِ والأوْفَقُ بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الكَلامِ والعَطْفِ عَلى ﴿أخْرِجْ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ بِإضافَةِ الأيّامِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإيذانِ بِفَخامَةِ شَأْنِها والإشْعارِ عَلى ما قِيلَ بِعَدَمِ اخْتِصاصِ ما فِيها مِنَ المُعامَلَةِ بِالمُخاطَبِ وقَوْمِهِ كَما يُوهِمُهُ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وحاصِلُ المَعْنى عِظْهم بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا والرَّبِيعِ ومُقاتِلٍ وابْنِ زَيْدٍ المُرادُ بِأيّامِ اللَّهِ وقائِعُهُ سُبْحانَهُ ونِقَماتِهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ ومِن ذَلِكَ أيّامُ العَرَبِ لِحُرُوبِها ومَلاحِمِها كَيَوْمِ ذِي قارٍ ويَوْمِ الفِجارِ ويَوْمِ قَضَّةَ وغَيْرِها واسْتَظْهَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلْغَلَبَةِ العُرْفِيَّةِ وأنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ لِلْوَقائِعِ وأنْشَدَ الطَّبَرْسِيُّ

صفحة 188

لِذَلِكَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: .

وأيّامٌ لَنا غُرَرٌ طِوالٌ عَصَيْنا المَلِكَ فِيها أنْ نَدِينا

وأنْشَدَهُ الشِّهابُ لِلْمَعْنى السّابِقِ وأنْشَدَ لِهَذا قَوْلَهُ:

وأيّامُنا مَشْهُورَةٌ في عَدُوِّنا

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ فَسَّرَ الأيّامَ في الآيَةِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى وآلائِهِ ورَوى ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وجَعَلَ أبُو حَيّانَ مِن ذَلِكَ بَيْتَ عَمْرٍو والأظْهَرُ فِيهِ ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ.

وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّهُ إنْ صَحَّ الحَدِيثُ فَعَلَيْهِ الفَتْوى لَكِنْ ذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ في تَرْجِيحِ التَّفْسِيرِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوَّلًا عَلى ما رُوِيَ ثانِيًا بِأنَّهُ يَرُدُّ الثّانِيَ ما تَصَدّى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَدَدِ الِامْتِثالِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِكُلٍّ مِنَ …

6

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَىٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when Moses said to His people, "Remember the favor of Allah upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ تَصَدِّيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ لِلْإخْراجِ المَذْكُورِ ﴿وإذْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ كَثِيرٍ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيِ اذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِقَوْمِهِ﴾ الَّذِينَ أمَرْناهُ بِإخْراجِهِمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ تَعالى الجَلِيلَةَ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وبَدَأ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالتَّرْغِيبِ لِأنَّهُ عِنْدَ النَّفْسِ أقْبَلُ وهي إلَيْهِ أمْيَلُ وقِيلَ: بَدَأ بِهَذا الأمْرِ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَ آخِرِ الكَلامِ السّابِقِ مِن مَزِيدِ الرَّبْطِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورًا بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ أمّا إذا كانَ مَأْمُورًا بِالتَّرْغِيبِ فَقَطْ فَلا سُؤالَ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ النِّعْمَةِ إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإنْعامِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها إنْ جُعِلَتِ اسْمًا أيِ اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم أوْ نِعْمَتَهُ كائِنَةً عَلَيْكم و( إذْ ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالنِّعْمَةِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها مَصْدَرًا أيِ اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم وقْتَ إنْجائِكم ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إذا كانَتْ حالًا لا ظَرْفًا لَغْوًا لِلنِّعْمَةِ لِأنَّ الظَّرْفَ المُسْتَقِرَّ لِنِيابَتِهِ عَنْ عامِلِهِ يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ أوْ هو عَلى هَذا مَعْمُولٌ لِمُتَعَلِّقِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَقِرَّةً عَلَيْكم وقْتَ إنْجائِكم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ مُرادًا بِها الإنْعامُ أوِ العَطِيَّةُ المُنْعَمُ بِها ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يَبْغُونَكم مِن سامَهُ خَسْفًا إذا أوْلاهُ ظُلْمًا وأصْلُ السَّوْمِ كَما قالَ الرّاغِبُ الذَّهابُ في طَلَبِ الشَّيْءِ فَهو لَفْظٌ لِمَعْنى مُرَكَّبٍ مِنَ الذَّهابِ والطَّلَبِ فَأُجْرِيَ مَجْرى الذَّهابِ في قَوْلِهِمْ: سامَتِ الإبِلُ فَهي سائِمَةٌ ومَجْرى الطَّلَبِ في قَوْلِهِمْ: سُمْتُهُ كَذا ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لَيَسُومُونَكم والسُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ يَسُوءُ والمُرادُ جِنْسُ العَذابِ السَّيِّئِ أوِ اسْتِبْعادُهم واسْتِعْمالُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ والِاسْتِهانَةُ بِهِمْ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ ها هُنا غَيْرُ المُرادِ بِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والأعْرافِ لِأنَّهُ مُفَسَّرٌ بِالتَّذْبِيحِ والتَّقْتِيلِ ثَمَّ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ التَّذْبِيحُ المُفادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ ها هُنا وفِيهِ إشارَةٌ إلى وجْهِ العَطْفِ وتَرْكِهِ مَعَ أنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ حَيْثُ طُرِحَ الواوُ قُصِدَ تَفْسِيرُ العَذابِ وبَيانُهُ فَلَمْ يُعْطَفْ لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاتِّصالِ وحَيْثُ عُطِفَ لَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ والعَذابُ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ الجِنْسَ فالتَّذْبِيحُ لِكَوْنِهِ أشَدَّ

صفحة 190

أنْواعِهِ عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِشِدَّتِهِ كَأنَّهُ لَيْسَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ غَيْرَهُ كالِاسْتِعْبادِ فَهُما مُتَغايِرانِ والمَحَلُّ مَحَلُّ العَطْفِ وقَدْ جَوَّزَ أهْلُ المَعانِي أنْ يَكُونا بِمَعْنًى في الجَمِيعِ وذُكِرَ …

7

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ

And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.' "

﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ داخِلٌ في مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ وهو مَعْطُوفٌ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكم واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكم أيْ آذَنَ إيذانًا بَلِيغًا وأعْلَمَ إعْلامًا لا يَبْقى مَعَهُ شُبْهَةٌ لِما في صِيغَةِ التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ المَحْمُولِ في حَقِّهِ تَعالى لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى غايَتِهِ الَّتِي هي الكَمالُ وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ أيِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ فَإنَّ هَذا التَّأذُّنَ أيْضًا نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ الباعِثَيْنِ إلى ما يَنالُونَ بِهِ خَيْرىِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( وإذْ قالَ رَبُّكم ) .

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ ما خَوَّلْتُكم مِن نِعْمَةِ الإنْجاءِ مِن إهْلاكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وقابَلْتُمُوهُ بِالإيمانِ أوْ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ أوِ الإخْلاصِ فِيهِ والعَمَلِ الصّالِحِ ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ أيْ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ فَإنَّ زِيادَةَ النِّعْمَةِ ظاهِرَةٌ في سَبْقِ نِعْمَةٍ أُخْرى وقِيلَ: يُفْهَمُ ذَلِكَ أيْضًا مِن لَفْظِ الشُّكْرِ فَإنَّهُ دالٌّ عَلى سَبْقِ النِّعَمِ فَلَيْسَ الزِّيادَةُ لِمُجَرَّدِ الإحْداثِ والظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ إنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ في الدُّنْيا وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَئِنْ وحَّدْتُمْ وأطَعْتُمْ

صفحة 191

لَأزِيدَنَّكم في الثَّوابِ وعَنِ الحَسَنِ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّ المَعْنى لَئِنْ شَكَرْتُمُ إنْعامِيَ لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ الِاعْتِرافُ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ مَعَ تَعْظِيمِهِ وبَيانُ زِيادَةِ النِّعَمِ بِهِ أنَّ النِّعَمَ مِنها رُوحانِيَّةٌ ومِنها جُسْمانِيَّةٌ والشّاكِرُ يَكُونُ أبَدًا في مُطالَعَةِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأنْواعِ فَضْلِهِ وكَرَمِهِ وذَلِكَ يُوجِبُ تَأكُّدَ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى المُحْسَنَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ومَقامُ المَحَبَّةِ أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ ثُمَّ قَدْ يَتَرَقّى العَبْدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى أنْ يَكُونَ حُبُّهُ لِلْمُنْعِمِ شاغِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى النِّعْمَةِ وهَذِهِ أعْلى وأغْلى فَثَبَتَ مِن هَذا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ زِيادَةَ النِّعَمِ الرُّوحانِيَّةِ وكَوْنُهُ مُوجِبًا لِزِيادَةِ النِّعَمِ الجُسْمانِيَّةِ فَلِلِاسْتِقْراءِ الدّالِّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ اشْتِغالُهُ بِالشُّكْرِ أكْثَرَ كانَ وُصُولُ النِّعَمِ إلَيْهِ أكْثَرَ وهو كَما تَرى ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ ذَلِكَ وغَمَطْتُمُوهُ ولَمْ تَشْكُرُوهُ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ وقِيلَ: المُرادُ بِالكُفْرِ ما يُقابِلُ الإيمانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَئِنْ أشْرَكْتُمْ ﴿إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ . (7) . فَعَسى يُصِيبُكم مِنهُ ما يُصِيبُكم ومِن عادَةِ الكِرامِ غالِبًا التَّصْرِيحُ بِالوَعْدِ والتَّعْرِيضُ بِالوَعِيدِ فَما ظَنُّكَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ فَلِذا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: إنَّ عَذابِي لَكم لَأُعَذِّبَنَّكم كَما قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ تَعْلِيلًا لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ أيْ لَأُعَذِّبَنَّكم وبَيَّنَ الإمامُ وجْهَ كَوْنِ كُفْرانِ النِّعَمِ سَبَبًا لِلْعَذابِ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الكُفْرانُ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والجاهِلُ بِذَلِكَ جاهِلٌ بِاللَّهِ تَعالى والجَهْلُ …

8

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ

And Moses said, "If you should disbelieve, you and whoever is on the earth entirely - indeed, Allah is Free of need and Praiseworthy."

﴿وقالَ مُوسى﴾ لَهم: ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ نِعَمَهُ سُبْحانَهُ ولَمْ تَشْكُرُوها ﴿أنْتُمْ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ومَن في الأرْضِ مِنَ النّاسِ وقِيلَ مِنَ الخَلائِقِ ﴿جَمِيعًا﴾ لَمْ يَتَضَرَّرْ هو سُبْحانَهُ وإنَّما يَتَضَرَّرُ مَن يَكْفُرُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِكم وشُكْرِهِمْ ﴿حَمِيدٌ﴾ . (8) . مُسْتَوْجِبٌ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ تَعالى لِكَثْرَةِ ما يُوجِبُهُ مِن أيادِيهِ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ أوْ مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ ناطِقَةٌ بِحَمْدِهِ والحَمْدُ حَيْثُ كانَ بِمُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وغَيْرِها مِنَ الفَضائِلِ كانَ أدَلَّ عَلى كَمالِهِ جَلَّ وعَلا وهو تَعْلِيلٌ لِما حُذِفَ مِن جَوابِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِنَعْمائِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ صَرِيحًا وضَمَّنَهُ بِذِكْرِ ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ وأمَرَهم ثانِيًا بِذِكْرِ ما جَرى مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالزِّيادَةِ عَلى الشُّكْرِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ عَلى الكُفْرِ وحَقَّقَ لَهم مَضْمُونَ ذَلِكَ وحَذَّرَهم مِن عِنْدِ نَفْسِهِ عَنِ الكُفْرانِ ثالِثًا

9

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

Has there not reached you the news of those before you - the people of Noah and 'Aad and Thamud and those after them? No one knows them but Allah. Their messengers brought them clear proofs, but they returned their hands to their mouths and said, "Indeed, we disbelieve in that with which you have been sent, and indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

لِما رَأى مِنهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ شَرَعَ في التَّرْهِيبِ بِتَذْكِيرِ ما جَرى عَلى الأُمَمِ الدّارِجَةِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ لِيَتَدَبَّرُوا ما أصابَ كُلَّ واحِدٍ مِن حِزْبَيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَيَتِمُّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقْصُودُهُ مِنهم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ

صفحة 192

السَّلامُ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ .. إلَخْ عَلى أنَّهُ كالبَيانِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في الجَوابِ مِن عَوْدِ ضَرَرِ الكُفْرانِ عَلى الكافِرِ دُونَهُ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: هو مِن كَلامِهِ تَعالى جِيءَ تَتِمَّةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ .. إلَخْ وبَيانًا لِشِدَّةِ عَذابِهِ ونُقِلَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَرِضٌ في البَيْنِ وهو كَما تَرى وقِيلَ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ تَعالى مُخاطِبًا بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما ذَكَرَ إرْسالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقُرْآنِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ مِن قَصَصِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أُمَّتِهِ ولَعَلَّ تَخْصِيصَ تَذْكِيرِهِمْ بِما أصابَ أُولَئِكَ المَعْدُودِينَ مَعَ قُرْبِ غَيْرِهِمُ إلَيْهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إهْلاكَهُ تَعالى لِلظّالِمِينَ ونَصْرَهُ المُؤْمِنِينَ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ.

﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ ﴿وعادٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ ﴿وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ عُطِفَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ اعْتِراضٌ أوِ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ اعْتِراضٌ والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ إنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى ومَعْنى الِاعْتِراضِ عَلى الأوَّلِ ألَمْ يَأْتِكم أنْباءُ الجَمِّ الغَفِيرِ الَّذِي لا يُحْصى كَثْرَةً فَتَعْتَبِرُوا بِها إنَّ في ذَلِكَ لَمُعْتَبِرًا وعَلى الثّانِي هو تَرِقٍّ ومَعْناهُ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ هَؤُلاءِ ومَن لا يُحْصى عَدَدُهم كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعِ التَّفْصِيلَ فَإنَّهُ لا مَطْمَعَ في الحَصْرِ وفِيهِ لُطْفٌ لِإيهامِ الجَمْعِ بَيْنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ولِذا جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوَّلَ الوَجْهَيْنِ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كَذِبَ النَّسّابُونَ يَعْنِي أنَّهم يَدَّعُونَ عِلْمَ الأنْسابِ وقَدْ نَفى اللَّهُ تَعالى عِلْمَها عَنِ العِبادِ أظْهَرَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ تَرْجِيحَ الطَّيِّبِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ بِما رَجَّحَهُ بِهِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ: واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ القَوْلَ بِالِاعْتِراضِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ جُزْأيْنِ يَطْلُبُ أحَدُهُما الآخَرُ وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ومَنَعَ بِأنَّ بَيْنَ المُعْتَرِضِ بَيْنَهُما ارْتِباطًا يَطْلُبُ بِهِ أحَدُهُما الآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدَّرُوا الِاعْتِراضَ يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها فَلَيْسَ ما ذُكِرَ مُخالِفًا لِكَلامِ النُّحاةِ ولَوْ سُلِّمَ أنَّها لَيْسَتْ بِحالِيَّةٍ فَما ذَكَرُوهُ هُنا عَلى مُصْطَلَحِ أهْلِ المَعانِي وهم لا يَشْتَرِطُونُ الشَّرْطَ المَذْكُورَ حَتّى جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الِاعْتِراضُ في …

10

۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى ٱللَّهِ شَكٌّۭ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ قَالُوٓا۟ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍۢ

Their messengers said, "Can there be doubt about Allah, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays your death for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority."

﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهم رُسُلُهم حِينَ قابَلُوهم بِما قابَلُوهم بِهِ فَأُجِيبَ بِأنَّهم قالُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ

صفحة 195

ومُتَعَجِّبِينَ مِن مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ لَيْسَ نَفْسَ الشَّكِّ بَلْ وُقُوعُهُ فِيمَن لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الشَّكُّ أصْلًا ولَوْلا هَذا القَصْدُ لَجازَ تَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ والقَوْلُ بِأنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ وُقُوعَ النَّكِرَةِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ مُسَوِّغٌ لِلِابْتِداءِ بِها وهو مِمّا لا شَكَّ فِيهِ وكَوْنُ ذَلِكَ المُؤَخَّرِ مُبْتَدَأً غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ بَلِ الأرْجَحُ كَوْنُهُ فاعِلًا بِالظَّرْفِ المُعْتَمِدِ عَلى الِاسْتِفْهامِ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى ما قِيلَ أيْ أفِي وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى شَكٌّ بِناءً عَلى أنَّ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا دَهْرِيَّةً مُنْكِرِينَ لِلصّانِعِ بَلْ كانُوا عَبَدَةَ أصْنامٍ وقِيلَ: يُقَدَّرُ في شَأْنِ اللَّهِ لِيَعُمَّ الوُجُودَ والوَحْدَةَ لِأنَّ فِيهِمْ دَهْرِيَّةً ومُشْرِكِينَ وقِيلَ: يُقَدَّرُ حَسَبَ المُخاطَبِينَ وتَقْدِيرُ الشَّأْنِ مُطْلَقًا ذُو شَأْنٍ وفي عَدَمِ تَطْبِيقِ الجَوابِ عَلى كَلامِ الكَفَرَةِ بِأنْ يَقُولُوا: أأنْتُمْ في شَكٍّ مُرِيبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُبالَغَةٌ في تَنْزِيهِ ساحَةِ الجَلالِ عَنْ شائِبَةِ الشَّكِّ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ أيْ أفِي شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ مِن وُجُودِهِ ووَحْدَتِهِ ووُجُوبِ الإيمانِ بِهِ وحْدَهُ شَكٌّ ما وهو أظْهَرُ مِن كُلِّ ظاهِرٍ وأجْلى مِن كُلِّ جَلِيٍّ حَتّى تَكُونُوا مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ في شَكٍّ عَظِيمٍ مُرِيبٍ وحَيْثُ كانَ مَقْصِدُهُمُ الأقْصى الدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وكانَ إظْهارُ البَيِّناتِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ إلى آخِرِهِ واقْتَصَرُوا عَلى بَيانِ ما هو الغايَةُ القُصْوى وقَدْ يُقالُ: إنَّهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدِ اقْتَصَرُوا عَلى إنْكارِ ما ذُكِرَ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ إنْكارُ وُقُوعِ الجَزْمِ بِالكُفْرِ بِهِ سُبْحانَهُ مِن بابِ أوْلى.

﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعِهِما وما فِيهِما مِنَ المَصْنُوعاتِ عَلى نِظامٍ أنِيقٍ شاهِدٍ بِتَحَقُّقِ ما أنْتُمْ في شَكٍّ مِنهُ.

وفِي الآيَةِ كَما قِيلَ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ التَّمانُعِ وجُرَّ ﴿فاطِرِ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ صِفَةٌ لَهُ وحَيْثُ كانَ ﴿شَكٌّ﴾ فاعِلًا بِالظَّرْفِ وهو كالجُزْءِ مِن عامِلِهِ لا يُعَدُّ أجْنَبِيًّا فَلَيْسَ هُناكَ فَصْلٌ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِأجْنَبِيٍّ وبِهَذا رُجِّحَتِ الفاعِلِيَّةُ عَلى المُبْتَدَئِيَّةِ لِأنَّ المُبْتَدَأ لَيْسَ كَذَلِكَ نَعَمْ إلى الِابْتِدائِيَّةِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّهُ لا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصِفَتِهِ بِمِثْلِ هَذا المُبْتَدَأِ فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: في الدّارِ زَيْدٌ الحَسَنَةِ وإنْ كانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ في الدّارِ الحَسَنَةِ زَيْدٌ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿فاطِرِ﴾ نَصْبًا عَلى المَدْحِ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى تَحَقُّقِ ما هم في شَكٍّ مِنهُ نَبَّهَ عَلى عِظَمِ كَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ تَعالى فَقِيلَ: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أيْ إلى الإيمانِ بِإرْسالِهِ إيّانا لا إنّا نَدْعُوكم إلَيْهِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا كَما …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.