Muslim99Muslim99
← Tafsir library

15. Al-Hijr

Meccan · 99 ayahs

سُورَةُ الحِجۡرِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 99

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍۢ مُّبِينٍۢ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the Book and a clear Qur'an.

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحِجْرِ

أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ الحَسَنِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾، وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ عَنْ بَعْضِهِمُ اسْتِثْناءَ الآيَةِ الأُولى فَقَطْ ثُمَّ قالَ قُلْتُ: ويَنْبَغِي اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآيَةَ لِما أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ في سَبَبِ نُزُولِها وإنَّها في صُفُوفِ الصَّلاةِ وعَلى هَذا فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ، ومِثْلُهُ في تَفْسِيرِ الخازِنِ أنَّها مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ الظّاهِرُ في عَدَمِ الِاسْتِثْناءِ ظاهِرٌ في قِلَّةِ التَّتَبُّعِ، وهي تِسْعٌ وتِسْعُونَ آيَةً، قالَ الدّانِيُّ: وكَذا الطَّبَرْسِيُّ بِالإجْماعِ وتَحْتَوِي عَلى ما قِيلَ عَلى خَمْسِ آياتٍ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّها مُفْتَتِحَةٌ بِنَحْوِ ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ السّابِقَةَ ومُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى شَرْحِ أحْوالِ الكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ ووِدادَتِهِمْ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، وقَدِ اشْتَمَلَتِ الأُولى عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، وأيْضًا ذُكِرَ في الأُولى طَرَفٌ مِن أحْوالِ المُجْرِمِينَ في الآخِرَةِ، وذُكِرَ هُنا طَرَفٌ مِمّا نالَ بَعْضًا مِنهم في الدُّنْيا، وأيْضًا قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ في كُلٍّ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ما ذُكِرَ، وأيْضًا فَعَلَ سُبْحانَهُ نَحْوَ ذَلِكَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا في كُلٍّ مِن تَسْلِيَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما فِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ ﴿تِلْكَ﴾ اخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ إشارَةٌ إلى السُّورَةِ أيْ تِلْكَ السُّورَةِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ الكامِلِ الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ عَلى الإطْلاقِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْرِيفُ أيْ بَعْضٌ مِنهُ مُتَرْجَمٌ مُسْتَقِلٌّ باسِمٍ خاصٍّ فالمُرادُ بِهِ جَمِيعُ القُرْآنِ أوْ جَمِيعُ المَنزَلِ إذْ ذاكَ ﴿وقُرْآنٍ﴾ عَظِيمِ الشَّأْنِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْكِيرُ ﴿مُبِينٍ﴾ مُظْهِرٍ في تَضاعِيفِهِ مِنِ الحِكَمِ والأحْكامِ أوْ لِسَبِيلِ الرُّشْدِ والغَيِّ أوْ فارِقٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلالِ والحَرامِ أوْ ظاهِرٍ مَعانِيهِ أوْ أمْرَ إعْجازِهِ، فالمُبِينُ إمّا مِنَ المُتَعَدِّي أوِ اللّازِمِ، وفي جَمْعِ وصْفَيِ الكِتابِيَّةِ والقُرْآنِيَّةِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ ما فِيهِ حَيْثُ أُشِيرَ بِالأوَّلِ إلى اشْتِمالِهِ عَلى صِفاتِ كَمالِ جِنْسِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ فَكَأنَّهُ كُلُّها، وبِالثّانِي إلى كَوْنِهِ مُمْتازًا عَنْ غَيْرِهِ نَسِيجَ وحْدَهُ بَدِيعًا في بابِهِ خارِجًا عَنْ دائِرَةِ البَيانِ قُرْآنًا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ. ونَحْوُ هَذا فاتِحَةُ سُورَةِ النَّمْلِ خَلا أنَّهُ أخَّرَ هاهُنا الوَصْفَ بِالقُرْآنِيَّةِ عَنِ الوَصْفِ بِالكِتابِيَّةِ لِما أنَّ الإشارَةَ إلى امْتِيازِهِ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى انْطِوائِهِ عَلى كِمالاتِ غَيْرِهِ مِنها أُدْخِلَ في المَدْحِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ امْتِيازَهُ عَنْ غَيْرِهِ لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْصافٍ

صفحة 3

خاصَّةٍ …

2

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ

Perhaps those who disbelieve will wish that they had been Muslims.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ شَأْنَ الآياتِ لِتَوْجِيهِ المُخاطَبِينَ إلى حُسْنِ تَلَقِّي ما فِيها مِنَ الأحْكامِ والقَصَصِ والمَواعِظِ شَرَعَ جَلَّ شَأْنُهُ في بَيانِ المُتَضَمِّنِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ

صفحة 4

كُفْرُهم بِالكِتابِ والقُرْآنِ وبِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ووِدادَتُهُمُ الِانْقِيادُ لِحُكْمِهِ والإذْعانِ لِأمْرِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهم إنَّما كانَ بِالجُحُودِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وهَذِهِ الوِدادَةُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ خُرُوجَ العُصاةِ مِنَ النّارِ.

أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهُما تَذاكَرا هَذِهِ الآيَةَ فَقالا: هَذا حَيْثُ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أهْلِ الخَطايا مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ في النّارِ فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: ما أغْنى عَنْكم ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَغْضَبُ اللَّهُ تَعالى لَهم فَيُخْرِجُهم بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي يُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَكُونُونَ في النّارِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونُوا ثُمَّ يُعَيِّرُهم أهْلُ الشِّرْكِ فَيَقُولُونَ: ما نَرى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِن تَصْدِيقِكم نَفْعَكم فَلا يَبْقى مُوَحِّدٌ إلّا أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النّارِ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ»».

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ يَرْفَعُهُ كُلٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ، فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ القَوْلَ بِهِ بابٌ مِنَ الوِدادَةِ بَيْتٌ مِنَ السَّفاهَةِ قَعِيدَتُهُ عَقِيدَتُهُ الشَّوْهاءُ، وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ وانْكِشافَ وخامَةِ الكُفْرِ لَهُمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الآيَةَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ ودُّوا ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ رَأوُا الغَلَبَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنْ أُناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ ذَلِكَ حِينَ ضُرِبَتْ أعْناقُهم فَعُرِضُوا عَلى النّارِ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ هَذِهِ الوِدادَةَ مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ كُلِّ حالَةٍ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ المُسْلِمُ، «ورُبَّ» عَلى كَثْرَةِ وُقُوعِها في كَلامِ العَرَبِ لَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، ويُقالُ فِيها رُبَّ بِضَمِّ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الباءِ وفَتْحِها ورَبَّ بِفَتْحِ الرّاءِ ورُبُّ بِضَمِّهِما ورُبَتَ بِالضَّمِّ وفَتْحِ الباءِ والتّاءِ ورُبْتَ بِسُكُونِ التّاءِ ورَبَتَ بِفَتْحِ الثَّلاثَةِ ورَبَتْ بِفَتْحِ الأوَّلَيْنِ وسُكُونِ التّاءِ وتَخْفِيفِ الباءِ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ ورُبَّتا بِالضَّمِّ وفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ ورُبْ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ ورَبْ بِالفَتْحِ والسُّكُونِ فَهَذِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ لُغَةً حَكاها ما عَدا رُبَّتا ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وحَكى أبُو حَيّانَ إحْدى عَشْرَ مِنها- رُبَّتا- وإذا اعْتُبِرَ ضَمُّ الِاتِّصالِ بِما والتَّجَرُّدُ مِنها بَلَغَتِ اللُّغاتُ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ ابْنُ فَضالَةَ في الهَوامِلِ والعَوامِلِ أنَّها ثُنائِيَّةُ الوَضْعِ كَقَدْ وأنَّ فَتْحَ الباءِ مُخَفَّفَةً دُونَ …

3

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

﴿ذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم وقَدِ اسْتَغْنى غالِبًا عَنْ ماضِيهِ بِماضِيهِ وجاءَ قَلِيلًا وذَرْ، وفي الحَدِيثِ ««ذَرُوا الحَبَشَةَ ما وذَرُوكم»».

والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ إذْ لَمْ تَنْفَعُهُمُ النَّصِيحَةُ وِالإنْذارُ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلِّهِمْ وشَأْنَهم ﴿يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ بِدُنْياهُمْ، وفي تَقْدِيمِ الأكْلِ إيذانٌ بِأنَّ تَمَتُّعَهم إنَّما هو مِن قَبِيلِ تَمَتُّعِ البَهائِمِ بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ، والفِعْلُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وأشارَ في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ في تَخْلِيَتِهِمْ حَتّى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ أنْ يَأْمُرَهم بِما لا يَزِيدُهم إلّا نَدَمًا، ووَجَّهَهُ المُدَقِّقُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أُرِيدَ الأمْرُ مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ جَعَلَ أكْلَهم وتَمَتُّعَهُمُ الغايَةَ المَطْلُوبَةَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّخْلِيَةِ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ إنْ صَحَّ الأمْرُ بِها كانَتْ مَأْمُورًا بِها بِنَفْسِ الأمْرِ وأبْلَغَ مِن صَرِيحِهِ فَإذا قُلْتَ: لازِمْ سُدَّةَ العالِمِ تَعَلَّمْ مِنهُ ما يُنْجِيكَ في الآخِرَةِ كانَ أبْلَغَ مِن قَوْلِكَ: لازِمْ وتَعَلَّمْ لِأنَّكَ جَعَلْتَ الأمْرَ وسِيلَةَ الثّانِي فَهو أشَدُّ مَطْلُوبِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَصِحَّ جُعِلْتَ مَأْمُورًا بِها مَجازًا كَقَوْلِكَ: أسْلِمْ تَدْخُلِ الجَنَّةَ، وما نَحْنُ فِيهِ لَمّا جَعَلَ غايَةَ الأمْرِ عَلى التَّجَوُّزِ صارَ مَأْمُورًا بِهِ عَلى ما أرْشَدْتُ إلَيْهِ اه، وهو مِنَ النَّفاسَةِ بِمَكانٍ، وظَنَّ أنَّ انْفِهامَ الأمْرِ مِن تَقْدِيرِ لامِهِ، قَبْلَ الفِعْلِ مِن بَعْضِ الأمْرِ، وما في البَحْرِ مِن أنَّهُ إذا جَعَلَ ﴿ذَرْهُمْ﴾ أمْرًا بِتَرْكِ نَصِيحَتِهِمْ. وشُغْلُ بالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِمْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَوابُ لِأنَّهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ سَواءٌ تَرْكَ نَصِيحَتَهم أمْ لا وُقُوفَ في ساحِلِ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن غاصَ في لُجَّةِ المَعانِي فاسْتَخْرَجَ دُرَرَ الأسْرارِ واسْتَظْهَرَ أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ قِتالِهِمْ وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ ومُوادِعَتِهِمْ ثُمَّ قالَ: ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ جَوابًا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ شَغَلَهم بِالقِتالِ ومُصالَتَةِ السُّيُوفِ وإيقاعِ الحُرُوبِ ما هَنَأهم أكْلٌ ولا تَمَتُّعٌ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وهو كَما تَرى.

ثُمَّ المُرادُ عَلى ما قِيلَ دَوامُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ لا إحْداثُ ما ذُكِرَ أوْ تَمَتُّعُهم بِلا اسْتِمْتاعٍ ما يُنَغِّصُ عَيْشَهم والتَّمَتُّعُ كَذَلِكَ أمْرٌ حادِثٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلى تَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهم فَتَأمَّلْ ﴿ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ ويَشْغَلُهُمُ التَّوَقُّعُ لِطُولِ الأعْمارِ وبُلُوغِ الأوْطارِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ وأنْ لا يُلْقُوا إلّا خَيْرًا في العاقِبَةِ والمَآلِ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ أوْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يَصِيرُونَ إلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سُوءَ صَنِيعِهِمْ إذا عايَنُوا جَزاءَهُ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِ أوْ حَقِيقَةَ الحالِ الَّتِي ألْجَأتْهم إلى التَّمَنِّي.

وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ المُرادَ عِلْمُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ سَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ والسَّبْيِ وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وهَذا كَما قِيلَ مَعَ كَوْنِهِ وعِيدًا أيُّما وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ غَبَّ تَهْدِيدٍ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّرْكِ، وفِيهِ إلْزامُ الحُجَّةِ ومُبالَغَةٌ في الإنْذارِ إذْ لا يَتَحَقَّقُ الأمْرُ …

4

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌۭ مَّعْلُومٌۭ

And We did not destroy any city but that for it was a known decree.

﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى بِالخَسْفِ بِها وبِأهْلِها الكافِرِينَ كَما فَعَلَ بِبَعْضِها أوْ بِإخْلائِها عَنْ أهْلِها بَعْدَ إهْلاكِهِمْ كَما فَعَلَ بِآخَرِينَ ﴿إلا ولَها﴾ في ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿كِتابٌ﴾ أجْلٌ مُقَدَّرٌ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ ﴿مَعْلُومٌ﴾ لا يُنْسى ولا يُغْفَلُ عَنْهُ حَتّى يُتَصَوَّرَ التَّخَلُّفُ عَنْهُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وهَذا شَرَعَ في بَيانِ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ. ( وكِتابٌ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ( قَرْيَةٍ ) ولا يَلْزَمُ تَقَدُّمَها لِكَوْنِ صاحِبِها نَكِرَةً لِأنَّها واقِعَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ وهو مُسَوِّغٌ لِمَجِيءِ الحالِ لِأنَّهُ في مَعْنى الوَصْفِ لا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ بِكَلِمَةِ ( مِن ) والمَعْنى ما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ أنْ يَكُونَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ لا نُهْلِكُها قَبْلَ بُلُوغِهِ ولا نَغْفُلُ عَنْهُ لِيُمْكِنَ مُخالَفَتُهُ، أوْ مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ والجُمْلَةُ كَما هي حالٌ أيْضًا أيْ ما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا وقَدْ كانَ لَها في حَقِّ إهْلاكِها أجْلٌ مُقَدَّرٌ لا يُغْفَلُ عَنْهُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الجُمْلَةُ صِفَةٌ- لِقَرْيَةٍ- والقِياسُ أنْ لا يَتَوَسَّطَ الواوُ بَيْنَهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ وإنَّما تَوَسَّطَتْ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ كَما يُقالُ في الحالِ: جاءَنِي زَيْدٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وجاءَنِي وعَلَيْهِ ثَوْبٌ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَهُ مِنَ النُّحاةِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما بَعْدَ إلّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً، وقَدْ صَرَّحَ الأخْفَشُ والفارِسِيُّ بِمَنعِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ مالِكٍ: إنَّ جَعْلَ ما بَعْدَ إلّا صِفَةً لِما قَبْلَها مَذْهَبٌ لَمْ يُعْرَفْ لِبَصْرِيٍّ ولا كُوفِيٍّ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وأبْطَلَ القَوْلَ بِأنَّ الواوَ تَوَسَّطَتْ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ.

ونُقِلَ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ أنَّ هَذِهِ الواوَ هي الَّتِي تُعْطِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها في اللَّفْظِ هي في الزَّمَنِ قَبْلَ الحالَةِ الَّتِي قَبْلَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ واعْتَذَرَ السَّكّاكِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ سَهْوٌ ولا عَيْبَ فِيهِ، ولَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ وانْتَصَرَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ فَقالَ: قَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى مِنهم في هَذا الكِتابِ فَلا سَهْوَ كَما اعْتَذَرَ صاحِبُ المِفْتاحِ، وإذا ثَبَتَ إقْحامُ الواوِ كَما عَلَيْهِ الكُوفِيُّونَ والقِياسُ لا يَدْفَعُهُ لِثُبُوتِهِ في الحالِ وفِيما أُضْمِرَ بَعْدَهُ الجارُّ في نَحْوٍ بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا وكَمْ وكَمْ، وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعارَةَ شائِعَةٌ في الواوِ نَوْعِيَّةً بَلْ جِنْسِيَّةً فَلا نَعْتَبِرُ النَّقْلَ الخُصُوصِيَّ ولا يَكُونُ مِن إثْباتِ اللُّغَةِ بِالقِياسِ لِثُبُوتِ النَّقْلِ عَنْ نَحارِيرِ الكُوفَةِ واعْتِضادِهِ بِالقِياسِ، والمَعْنى ولا يَبْعُدُ مِن صاحِبِ المَعانِي تَرْجِيحُ المَذْهَبِ الكُوفِيِّ إذا اقْتَضاهُ المَقامُ كَما رَجَّحُوا المَذْهَبَ التَّمِيمِيَّ عَلى الحِجازِيِّ في بابِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهُ، ولا خَفاءَ أنَّ المَعْنى عَلى الوَصْفِ أبْلَغُ وأنَّ هَذا الوَصْفَ ألْصَقُ بِالمَوْصُوفِ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ لِأنَّهُ لازِمٌ عَقْلِيٌّ وذَلِكَ عادِيٌّ جَرى عَلَيْهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى اه. وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ …

5

مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ

No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.

ولِما بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الأُمَمَ المُهْلَكَةَ كانَ لِكُلٍّ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ لَهم كِتابٌ لا يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ ولا التَّأخُّرُ عَنْهُ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ وغَيْرِهِمْ- فَمِن- مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّبْعِيضِ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿أجَلَها﴾ المَكْتُوبُ في كِتابِها أيْ لا يَجِيءُ هَلاكُها قَبْلَ مَجِيءِ كِتابِها أوْ لا تَمْضِي أُمَّةٌ قَبْلَ مُضِيِّ أجَلِها، فَإنَّ السَّبْقَ كَما نَقَلَ الإمامُ عَنِ الخَلِيلِ إذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانِي فَمَعْناهُ المُجاوَزَةُ والتَّخْلِيفُ فَإذا قُلْتَ: سَبَقَ زَيْدٌ عَمْرًا فَمَعْناهُ أنَّهُ جاوَزَهُ وخَلَّفَهُ وراءَهُ وأنَّ عَمْرًا قَصْرًا عَنْهُ ولَمْ يَبْلُغْهُ وإذا كانَ واقِعًا عَلى زَمانِهِ كانَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، فَإذا قُلْتَ سَبَقَ فُلانٌ عامَ كَذا كانَ مَعْناهُ مَضى قَبْلَ إتْيانِهِ ولَمْ يَبْلُغْهُ والسِّرُّ في ذَلِكَ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الزَّمانَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ والتَّوَجُّهُ فَما سَبَقَهُ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ، وأمّا الزَّمانِيُّ فَإنَّما يُعْتَبَرُ فِيهِ الحَرَكَةُ والتَّوَجُّهُ إلى ما سَيَأْتِي مِنَ الزَّمانِ فالسّابِقُ ما تَقَدَّمَ إلى المَقْصِدِ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الأجَلِ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ السَّبْقِ كَما أنَّ إيرادَهُ بِعُنْوانِ الكِتابِ بِاعْتِبارِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الإهْلاكِ ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ وما يَتَأخَّرُونَ.

وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ بَعْدَ ما ذُكِرَ نَفْيُ الإهْلاكِ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ دَوامِهِما فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والباقِيَةِ، ولَهُ نَظائِرُ في كِتابِ الكَرِيمِ وإسْنادُهُما إلى الأُمَّةِ بَعْدَ إسْنادِ الإهْلاكِ إلى القَرْيَةِ لِما أنَّ السَّبْقَ والِاسْتِئْخارَ حالُ الأُمَّةِ بِدُونِ القَرْيَةِ مَعَ ما في الأُمَّةِ مِنَ العُمُومِ لِأهْلِ تِلْكَ القُرى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُخِّرَتْ عُقُوباتُهم إلى الآخِرَةِ، وتَأْخِيرُ عَدَمِ سَبْقِهِمْ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ المُبالِغَةِ في بَيانِ تَحَقُّقِ عَذابِهِمْ إمّا بِاعْتِبارِ تَقَدُّمِ السَّبْقِ في الوُجُودِ وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ، وأوْرَدَ الفِعْلَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ رِعايَةً لِمَعْنى ( أُمَّةٍ ) مَعَ التَّغْلِيبِ كَما رُوعِيَ لَفْظُها أوَّلًا مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ ولِهَذا حُذِفَ الجارُّ والمَجْرُورُ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما سَبَقَ ولِذا فُصِلَتْ، والمَعْنى أنَّ تَأْخِيرَ عَذابِهِمْ إلى يَوْمِ الوِدادَةِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ إنَّما هو لِتَأْخِيرِ أجَلِهِمُ المُقَدِّرِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن إيمانِ بَعْضِ مَن يَخْرُجُ مِنهم قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ماتَ أوْ قُتِلَ فَإنَّما هو مَيِّتٌ بِأجَلِهِ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الإمامُ.

6

وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.

﴿وقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِهِمْ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ

صفحة 12

المُتَضَمِّنُ لِلْكُفْرِ بِهِ وبَيانِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُهُمْ، والقائِلُ أهْلُ مَكَّةَ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ، والنَّضِرِ بْنِ الحَرْثِ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لَهُ ﷺ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أيِ القُرْآنُ، وخاطَبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ لا يَعْتَقِدُونَ نُزُولَ شَيْءٍ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا وإشْعارًا بِعِلَّةِ الباطِلِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يَعْنُونَ يا مَن يَدَّعِي مِثْلَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ الخارِقِ لِلْعادَةِ إنَّكَ بِسَبَبِ تِلْكَ الدَّعْوى مُتَحَقِّقٌ جُنُونُكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن يَسْمَعُ مِنهُ كَلامًا يَسْتَبْعِدُهُ: أنْتَ مَجْنُونٌ، وقِيلَ: حُكْمُهم هَذا لِما يَظْهَرُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شِبْهِ الغَشْيِ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِالقُرْآنِ، والأوَّلُ عَلى ما قِيلَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَقُولَ الجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ دُونَ النِّداءِ أمّا هو فَمِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَبْرِئَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ. وتُعِقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رَدٌّ لِإنْكارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى هَذا رَدٌّ لِما عَنَوْهُ في ضِمْنِ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ لَكِنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ الكُلِّ كَلامَهم. وقَدْ سَبَقَهم إلى نَظِيرِهِ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِقَوْلِهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى نائِبِ الفاعِلِ كَما قِيلَ لِأنَّ إنْكارَهم مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ النّازِلِ ذِكْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لا إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ النّازِلِ مِنهُ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ فَإنَّ الإنْكارَ هُناكَ مُتَوَجِّهٌ إلى كَوْنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وإيرادُ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِإيهامِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ أوْ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِ لا إلى إسْنادِهِ إلى الفاعِلِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَ عَلَيْهِ الذَّكَرُ بِتَخْفِيفِ ( نُزِّلَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ورُفِعَ ( الذِّكْرُ ) عَلى الفاعِلِيَّةِ، وقُرِئَ «يا أيُّها الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ». قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ هَذِهِ القِراءَةُ تَفْسِيرًا لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ

7

لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ كَلِمَةُ (لَوْما) كَـ”لَوْلا“ تُسْتَعْمَلُ في أحَدِ مَعْنَيَيْنِ امْتِناعُ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ والتَّخْفِيضُ وعِنْدَ إرادَةِ الثّانِي مِنها لا يَلِيها إلّا فِعْلٌ ظاهِرٌ أوْ مُضْمَرٌ وعِنْدَ إرادَةِ الأوَّلِ لا يَلِيها إلّا اسْمٌ ظاهِرٌ أوْ مُقَدَّرٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:

لَوْما الحَياءُ ولَوْما الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي

وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المِيمَ في (لَوْما) بَدَلٌ مِنَ اللّامِ في لَوْلا، ومِثْلُهُ اسْتَوْلى واسْتَوْمى وخالَلْتُهُ وخالَمْتُهُ فَهو خِلِّي وخِلْمِي أيْ صَدِيقِي. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ لَوْ تُرَكَّبُ مَعَ لا وما لِمَعْنَيَيْنِ وهَلْ لا تُرَكَّبُ إلّا مَعَ لا وحْدَها لِلتَّحْضِيضِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ فِيهِما البَساطَةَ وأنَّ المِيمَ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ اللّامِ، وقالَ المالِقِيُّ: إنَّ (لَوْ ما) لا تَرِدُ إلّا لِلتَّحْضِيضِ وهو مَحْجُوجٌ بِالبَيْتِ السّابِقِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ هُنا التَّحْضِيضُ أيْ هَلّا تَأْتِينا ﴿بِالمَلائِكَةِ﴾ يَشْهَدُونَ لَكَ ويُعَضِّدُونَكَ في الإنْذارِ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ أوْ يُعاقِبُونَ عَلى تَكْذِيبِكَ كَما كانَتْ تَأْتِي الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ لِرُسُلِهِمْ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواكَ إنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ وكَذا احْتِياجَكَ إلَيْهِ في تَمْشِيَةِ أمْرِكَ إذْ لا نُصَدِّقُكَ في ذَلِكَ الأمْرِ الخَطِيرِ بِدُونِهِ أوْ إنْ كُنْتَ مِن

صفحة 13

جُمْلَةِ تِلْكَ الرُّسُلِ الصّادِقِينَ الَّذِينَ عُذِّبَتْ أُمَمُهُمُ المُكَذِّبَةُ لَهُمْ

8

مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًۭا مُّنظَرِينَ

We do not send down the angels except with truth; and the disbelievers would not then be reprieved.

﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ﴾ بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ التَّنْزِيلِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ والأخَوَيْنِ وابْنِ مُصَرِّفٍ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ (تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ النُّونِ والزّايِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «المَلائِكَةُ» عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وباقِي السَّبْعَةِ «تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ» بِفَتْحِ التّاءِ والزّايِ عَلى أنَّ الأصْلَ «تَتَنَزَّلُ» بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا ورَفْعَ ”المَلائِكَةُ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وإبْقاءُ الفِعْلِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى مِن جَعْلِهِ بِمَعْنى تَنْزِلُ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «ما نَزَلَ» ماضِيًا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ورَفْعَ ”المَلائِكَةُ“ عَلى الفاعِلِيَّةِ. والبَيْضاوِيُّ بَنى تَفْسِيرَهُ عَلى أنَّ الفِعْلَ يَنْزِلُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى (والمَلائِكَةَ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُهُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِذَلِكَ أحَدٌ مِنَ العَشْرَةِ بَلْ لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ القِراءَةُ في الشَّواذِّ وهو خِلافُ ما سَلَكَهُ في تَفْسِيرِهِ، ولَعَلَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْ سَها. وهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ مِنهُ سُبْحانَهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ جَوابًا لَهم عَنْ مَقالَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ ورَدًّا لِاقْتِراحِهِمُ الباطِلِ الصّادِرِ عَنْ مَحْضِ التَّعَصُّبِ والعِنادِ، ولِشِدَّةِ اسْتِدْعاءِ ذَلِكَ لِلْجَوابِ قُدِّمَ رَدُّهُ عَلى ما هو جَوابٌ عَنْ أوَّلِها أعْنِي

9

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

Indeed, it is We who sent down the Qur'an and indeed, We will be its guardian.

قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ﴾ إلَخْ والعُدُولُ عَنْ تَطْبِيقِهِ لِظاهِرِ كَلامِهِمْ بِصَدَدِ الِاقْتِراحِ بِأنْ يُقالَ مَثَلًا ما تَأْتِيهِمْ بِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهم قَدْ أخْطَأُوا في الِاقْتِراحِ وأنَّ المَلائِكَةَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ أعْلى مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ مُطْلَقُ الإتْيانِ الشّامِلِ لِلِانْتِقالِ مِن أحَدِ الأمْكِنَةِ المُتَساوِيَةِ إلى الآخَرِ مِنها بَلْ مِنَ الأسْفَلِ إلى الأعْلى وأنْ يَكُونَ مَقْصِدُ حَرَكاتِهِمْ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ وأنْ يَدْخُلُوا تَحْتَ مَلَكُوتِ أحَدٍ مِنَ البَشَرِ وإنَّما الَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِهِمُ النُّزُولُ مِن مَقامِهِمُ العالِي وكَوْنُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّنْزِيلِ مِن جَنابِ الرَّبِّ الجَلِيلِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: لَعَلَّ هَذا جَوابٌ لِما عَسى أنْ يَخْطُرَ بِخاطِرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ الإتْيانَ بِالمَلائِكَةِ مِن سُؤالِ التَّنْزِيلِ رَغْبَةً في إسْلامِهِمْ فَيَكُونُ وجْهُ ذِكْرِ التَّنْزِيلِ ظاهِرًا وهو غَيْرُ ظاهِرٍ كَما لا يَخْفى.

﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا تَنْزِيلًا مُلْتَبِسًا بِالوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمَصْدَرِ المَحْذُوفِ مُسْتَثْنًى اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، وجُوِّزَ فِيهِ الحالِيَّةُ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِنُنَزِّلُ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والأوَّلُ أوْلى ومُقْتَضى الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ عَلى ما قِيلَ أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ المُنَزَّلُونَ بِصُوَرِ البَشَرِ وتَنْزِيلُهم كَذَلِكَ يُوجِبُ اللَّبْسَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى نَفْيِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ وعَدَمِ النَّفْعِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى حُصُولِ الضَّرَرِ وتَرَتُّبِ نَقِيضِ المَطْلُوبِ وكَأنَّهُ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمْ إلّا بِصُوَرِ الرِّجالِ لِأنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَيَحْصُلُ اللَّبْسُ فَلا يَنْفَعُونَ وما كانُوا إذا أنْزَلْناهم مُنْظَرِينَ أيْ ويَتَضَرَّرُونَ بِتَنْزِيلِهِمْ لِأنّا نُهْلِكُهم لا مَحالَةَ ولا نُؤَخِّرُهم لِأنَّهُ قَدْ جَرَتْ عادَتُنا في الأُمَمِ قَبْلَهم أنّا لَمْ نَأْتِهِمْ بِآيَةٍ اقْتَرَحُوها إلّا والعَذابُ في أثَرِها إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وقَدْ عَلِمْنا مِنهم ذَلِكَ والمَقْصُودُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِاقْتِراحِهِمُ الإتْيانَ بِهِمْ وجْهٌ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِالإشارَةِ إلى عَدَمِ نَفْعِهِ أوَّلًا والتَّصْرِيحِ بِضَرَرِهِ ثانِيًا، وقِيلَ: يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لا يُؤْمِنُونَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِصُوَرِ البَشَرِ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ ذَلِكَ فَلا يُؤْمِنُونَ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ، وفي النَّفْسِ مِن هَذا ومِمّا قَبْلَهُ شَيْءٌ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المَعْنى ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا مُلْتَبِسًا بِالوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ مُلابَسَةُ التَّنْزِيلِ بِهِ مِمّا تَقْتَضِيهِ

صفحة 14

الحِكْمَةُ وتَجْرِي بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ، والَّذِي اقْتَرَحُوهُ مِنَ التَّنْزِيلِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ لَدَيْهِمْ وهُمْ- هُمْ- ومَنزِلَتُهم في الحَقائِقِ مَنزِلَتُهم مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ والحِكْمَةِ أصْلًا فَإنَّ ذَلِكَ مِن …

10

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muhammad], among the sects of the former peoples.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ رُسُلًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِظُهُورِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِمَفْعُولِهِ المَحْذُوفِ أيْ رُسُلًا كائِنَةً مِن قَبْلِكَ ﴿فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ فِرَقِهِمْ كَما قالَ الحَسَنُ والكَلْبِيُّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجاجُ، وهو وكَذا أشْياعٌ جَمْعُ شِيعَةٍ وهي والفِرْقَةُ الجَماعَةُ المُتَّفِقَةُ عَلى طَرِيقَةٍ ومَذْهَبٍ مَأْخُوذٌ مِن شاعَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى تَبِعَ لِأنَّ بَعْضَهم يُشايِعُ بَعْضًا ويُتابِعُهُ، وتُطْلَقُ الشِّيعَةُ عَلى الأعْوانِ والأنْصارِ، وأصْلُ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ مِنَ الشِّياعِ بِالكَسْرِ والفَتْحِ صِغارِ الحَطَبِ يُوقَدُ بِهِ الكِبارُ والمُناسَبَةُ في ذَلِكَ نَظَرًا لِلْإطْلاقِ الثّانِي ظاهِرَةٌ ولِلْإطْلاقِ الأوَّلِ أنَّ التّابِعَ مِن حَيْثُ إنَّهُ تابِعٌ أصْغَرُ مِمَّنْ يَتْبَعُهُ، وإضافَتُهُ إلى الأوَّلِينَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ عِنْدَ الفَرّاءِ ومِن حَذْفِ المَوْصُوفِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أيْ شِيَعُ الأُمَمِ الأوَّلِينَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا.

ومَعْنى إرْسالِ الرُّسُلِ في الشِّيَعِ جَعْلُ كُلٍّ مِنهم رَسُولًا فِيما بَيْنَ طائِفَةٍ مِنهم لِيُتابِعُوهُ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذْرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ وكَأنَّهُ لَوْ قِيلَ- إلى- بَدَلُ (فِي) لَمْ يَظْهَرْ إرادَةُ هَذا المَعْنى، وقِيلَ: إنَّما عَدَلَ عَنْ إلى إلَيْها لِلْإعْلامِ بِمَزِيدِ التَّمْكِينِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُقَدَّرِ أوْ حالٌ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.